صفحات العالم

شكوك دمشق في خطّة أنان


يقترب انقضاء شهر على قرار وقف النار في سوريا في 12 نيسان، من دون أن يتوقف. في ظلّ خطة الموفد الدولي ـ العربي، توسّعت دائرة العنف وكثرت التكهّنات في جدّية التزام طرفي النزاع بنودها، إلى شكوك متنامية لدمشق حيالها، قبل ولوج حوار داخلي صار الآن ضرباً من الوهم

نقولا ناصيف

على وفرة مواقفها المعلنة من تأييدها خطة المبعوث الدولي ـــ العربي كوفي أنان والتزامها البنود المعنية بها، لا تكتم دمشق شكوكاً من الطريقة التي يطبّق بها أنان خطته هذه، وتسجّل تبعاً لما يورده مسؤولون سوريون ملاحظات، أبرزها:

1 ــ اعتقاد دمشق بغموض يكتنف الأسلوب الذي يعتمده أنان حيال خطته بإرساله إشارات متناقضة وغير واضحة، وقوله إن الخطة تطبّق ولكن على نحو غير كامل.

عبّرت عن تلك الإشارات إحاطتان أدلى بهما أمام مجلس الأمن الشهر الفائت، عن مراحل تطبيق خطة وقف العنف. وبيّنت دمشق في تقويمها الإحاطتين أن أنان تناول شقين متعارضين. أحدهما إيجابي، والآخر سلبي لم يبعث على الارتياح لديها، عندما حمّل السلطات السورية مسؤولية عدم تنفيذ تعهّداتها كاملة وفق بنود الخطة، بينما تجاهل إخلال المسلحين بالبنود التي أخذ أنان على عاتقه أمام الرئيس بشّار الأسد، في لقائهما الأخير، إلزامهم تطبيق الجانب المتعلق بهم منها من أجل ضمان تنفيذ الخطة.

2 ــ شعر المسؤولون السوريون بتجاهل الوسيط الدولي جزءاً رئيسياً من مهمته عندما أنكر إخلال المسلحين بوقف النار. كانوا قد أبرموا معه بروتوكولاً يقولون إنهم احترموا تطبيقه في الأيام الأولى من تنفيذه، قبل أن يُضاعف المسلحون هجماتهم. وحرصت دمشق على إحاطة البروتوكول بسرية، قبل أن تسرّبه الأمم المتحدة إلى وسائل الإعلام. كانت ترغب بسريته تلك في أن يكون بروتوكولاً تمهيدياً أملاً في أن يكون الطرف الآخر الذي يوقعه أنان نفسه، لا موفده الذي وقع الصيغة الأولى، وتناولت تنظيم عمل المراقبين الدوليين وتحرّكهم بالاتفاق مع الحكومة السورية. لكنه تضمّن أيضاً عدم تعزيز القوات وعدم استخدام الأسلحة الثقيلة، وإبدال الجيش بقوات حفظ النظام وسحب الآليات من الأحياء وليس من المدن وإبقاؤها في مناطق معينة موقتاً بالنظر إلى حاجات عسكرية ملحة، وعدم شمول البروتوكول الثكن، إلى حق الجيش في الدفاع عن نفسه ومنع قطع الطرق ومهاجمة المنشآت والمرافق.

3 ــ طمأنت مهمة أنان وخطته القيادة السورية إلى استكمال ما كانت بدأته في كانون الأول بعثة المراقبين العرب، وهو توثيق الأحداث والوقائع والدمار والقتلى. لم تتأخر القيادة السورية عبر قنوات الاتصال مع المراقبين في تزويد أنان معلومات بالغة الحساسية والخطورة، أحجم الإعلام الرسمي السوري عن تناولها، وكذلك المسؤولون، تفادياً لتداعياتها السياسية والاجتماعية على جهود التهدئة وتثبيت مرحلة وقف العنف، هي حالات تهجير خطيرة طاولت المسيحيين السوريين بأعداد كبيرة. وأخصّ هذه الحالات اثنتان:

أولى في حمص التي هُجّر من ثلاثة من أحيائها، إبّان المواجهة الضارية في شباط وآذار بين الجيش السوري والإخوان المسلمين والتيّارات السلفية، نحو 50 ألف مسيحي نزحوا من بيوتهم التي احتلها هؤلاء وكذلك كنائسهم.

وثانية تهجير 4000 مسيحي من القصير نزح بعضهم إلى دمشق، والبعض الآخر إلى وادي النصارى وإلى قلعة الحصن في حمص، سرعان ما هاجم المسلحون القلعة. ورغم أن الجيش حاصرهم ولم يقتحم القلعة، إلا أن الرعب لاحق النازحين.

ويتحدّث مسؤولون سوريون عن توثيق هذه المعطيات وإرسالها إلى موسكو أيضاً، كي تكون على مقربة من واقع ما يجري في سوريا. ولم يتأخر الروس في إبراز هذا الجانب من المعلومات عندما ندّدوا بلجوء المعارضة إلى العنف، وحمّلوها مسؤولية تردّي الوضع وتعريض خطة أنان للإخفاق. أضف إلى ذلك تقديم جرعة دعم للنظام بدعوته إلى ضرب المسلحين بحزم بعد نعتهم بالإرهابيين.

ولا ينفصل التفهّم الرسمي الروسي لعلاقة نظام الأسد بالمسيحيين السوريين كجزء من الأقليات، عن نتائج زيارة بطريرك موسكو وسائر روسيا كيريل لسوريا، واجتماعه بالأسد في 13 تشرين الثاني 2011، وإشادته بسوريا وحماية الأقليات فيها ووقوف روسيا إلى جانبها، قبل أن ينقل هذه الانطباعات إلى رئيس الوزراء فلاديمير بوتين. في الأسابيع التالية، رفع بوتين نبرة الدعم غير المشروط لسوريا ونظام الأسد ورفض إطاحته بالقوة.

4 ــ لا تفصل دمشق بين المعارضة المسلحة والمعارضة السلمية، وترى أن إحداهما تكمّل الأخرى. بذلك لا تميّز التحرّك السلمي عن تحرّك مسلح تعتقد بأنه يختبئ وراء التظاهرات بغية استخدام العنف ضد الجيش وقوات حفظ النظام. يذهب هذا التقويم إلى اعتقاد دمشق بأن لا مصلحة لها بتعطيل خطة أنان، لكنها تتوقع فشلها من خلال الطرف الآخر. وهو مغزى سلسلة مواقف رسمية أبرَزت إصرارها على التعاطي الإيجابي مع الخطة كي لا يُنسب إليها الإخفاق، ويُستغل ضد النظام. تشاطرها موسكو هذا الرأي وتشجّعها على التعاون مع أنان، وتتولى عن دمشق إطلاق مواقف متشدّدة ضد ردود فعل غربية وعربية حيال سوريا، أو انتقاد إخلال المعارضة بشروط وقف العنف.

5 ــ خلافاً لما أوحت به خطة أنان، فإن الدعوة إلى الحوار لا تولي الأمم المتحدة، أو أي طرف خارجي، حقاً في إدارته أو الإشراف عليه. بل يجري ـــ تبعاً لاتفاق أنان مع القيادة السورية ـــ في إطار ما عُدّ «سيادة الدولة السورية ورعايتها وليس خارجها». لا تقترن هذه الدعوة بحصر الحوار الوطني في سوريا، بل يسع الأفرقاء المعنيين به الاجتماع في بلدهم أو في أي مكان آخر، ليس طرفاً في النزاع الناشب حالياً ضد النظام، كروسيا التي تسعى إلى استضافته، وأجرت في سبيل هذه المبادرة في الأشهر الأخيرة أكثر من جولة حوار مع معارضتي الخارج والداخل. تنظر دمشق إلى مكان محتمل، وليس حتمياً مثل موسكو، كخطوة تمهيدية على طريق حوار يقتضي استكماله والتوصّل إلى خاتمته داخل سوريا، وبرعاية رئيس الدولة.

الأخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى