شهداء بالملايين


بدرالدين حسن قربي

اقتراب بداية العام الدراسي والكثير من المدارس في عموم البلاد مشغولة منذ أشهر بمثابة سجون ومعتقلات مؤقته لعشرات الآلاف من المحتجين والمتظاهرين المنادين بالحرية والكرامة والمطالبين بسقوط النظام ممن ضاقت عنهم سجونه الدائمة، وضع النظام السوري أمام مشكلة تستوجب حلاً سريعاً لإخلائها ولو جزئياً. بعض الحلّ القائم منذ زمن هو بقتل الكثير والتخلص منهم في البر والبحر بمثابة مفقودين، وبعضه بإطلاق سراحهم بعد دفع المقسوم أيضاً. أما ماجاء متأخراً، فكان بجعل السجون المدرسية أحد مصادر الدخل الوطني للنظام. ومن ثم فقد جاء من عدة أيام المرسوم التشريعي رقم 110 لعام 2011 بتعديل مادتين من قانون العقوبات ليضاعف الغرامة المالية مئتي ضعف، فأصبحت عشرين ألفاً بدلاً من مئةٍ على كل مواطن متلبس بحضور جمع أو اجتماع عام ليس له طابع الخصوصية وأشياء قريبة من مثله، ولينشيء غرامة مالية جديدة على المتظاهر قدرها خمسون ألف ليرة، بمثابة عقوبة رادعة موجعة للمواطن المعتّر والمنهوب فضلاً عن تعذيبه وضربه وإهانته، وهي مايساوي مرتب موظف عادي قرابة خمسة أشهر كاملة.

لاشك أن مكتشف هذا المصدر للدخل الوطني بأهدافه المتعددة من المستشارين العتاولة فائق الذكاء، وإنما ذكاءٌ من الصنف الذي يتميّز به المافياوييون في ممارسة جرائمهم تنفيذاً وإخفاءً، ولكنه يحمل أيضاً في تلافيفه غباء الذين يواقحون ولم يفهموا بعد أن النظام قد دنا أجله مذ أثخن في قتل مواطنيه وبالآلاف، وماعاد ينفعه مال يفرضه على الناس بعد أن خرج ماردهم من قمقمه يحطم الأغلال والأصفاد في وجه سجّانه معلناً نهاية القمع والاستبداد.

إن الانتفاضة السورية التي انطلقت في لحظة قدرية خارقة لكل المألوفات والحسابات، وخرج أبطالها السلمييون عراة الصدور، يواجهون الباطش المستبد ورصاصه وطيشه وإجرامه بمزيد من التظاهر والثبات، والإصرار على المطالب أكثر وأكثر، ويوماً من بعد يوم مما أذهل العالم، والتي لاشك أن أحد عوامل انطلاقتها وقوتها بعض رجالات النظام وشبيحته، الذين لعبطهم وعسر فهمهم يرجع الكثير من عوامل نجاحها وقوتها واستبسالها.

كيف يُقنع أذكياء النظام وجهابذته أنفسَهم أن متظاهرين بالآلاف بل ومئاتها وفي مئات الأماكن يومياً وعلى امتداد ستة أشهرٍ حسوماً، وعلى امتدادات أرض البطولات مدناً وأريافاً ومحافظات، قَتلوا منهم الآلاف واعتقلوا منهم عشراتها، وأخفوا منهم الكثير والكثير، واستخدموا معهم كل أساليب القمع والبطش المتوحش، فما وهنوا لما أصابهم وما استكانوا بل كانت وصية الشهيد فيهم للشهيد من بعده الوفاء بعهده وقسمه حتى الخلاص وسقوط النظام..!! كيف يُقنع أذكياء النظام ومفكروه أنفسهم أن شعباً بعشرات الآلاف يقفون في مظاهرة هنا ومظاهرات هناك، وقفة رجل واحد رافعين أيديهم بالعهد والقسم، ألا يثنيهم عن إسقاط النظام إلا الموت، كيف يَقنع الحمقى أن هؤلاء يمكن أن يُمنعوا عن كريم غايتهم ونبيل هدفهم بغرامة مالية قلت أو كثرت، وهم يرونهم عين اليقين يقدمون أرواحهم فداء مقدساتهم في الحرية والكرامة، ورسالتهم إلى من يهمه الأمر من الأغبياء والحمقى، والدهاقنة والمستشارين:

إن شعباً ورث الإباء والنخوة والشهامة كابراً عن كابر، يشمّ ريح الجنّة وهو ينادي في وجه القتلة: الموت ولا المذلة، ويحطّم أصنامهم وجدارياتهم ويمزّق صورهم ولوحاتهم، ويلعنهم أحياءً وأمواتاً، وهتافه وساحات الوقائع تشهد بمئات ألوفه: عالجنّة رايحين، شهداء بالملايين. إن شعباً أبياً عرف طريقه، واسترخص روحه، فصاح في أرجاء الكون: سوريا بدها حرية، وياللا ارحل يابشار، والشعب يريد إسقاط النظام، لم يعد ينفع معه كثير الغرامات المالية ولا قليلها، ولكن مَنْ يُفهّم الأغبياء والحمقى..!!

http://www.youtube.com/watch?v=BIvKw6Wt7CQ&NR=1

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...