الرئيسية / صفحات الرأي / صدام المهدويّتين في العراق والشام/ وسام سعادة

صدام المهدويّتين في العراق والشام/ وسام سعادة

 

 

تتوقف المؤرخة باتريسيا كرون في مؤلّفها المرجعيّ «الفكر السياسي الإسلامي في العصر الوسيط» عند مفارقة مذهبية ذات دلالة في الزمان والمكان: فالظاهرة «المهدوية» التي كانت ظاهرة «شيعية» بامتياز في المشرق الإسلامي من العصر الأموي فالعباسي إلى العصر الفاطمي، استحالت بعد سقوط الفاطميين، ظاهرة «سنية» بامتياز في المغرب الإسلامي، في القرن الثاني عشر الميلادي، مع ظهور دولة الموحّدين، ومُطْلقها المهدي محمد بن تومرت، التي لا تستبعد المؤرخة ان يكون خليفته عبد المؤمن قد تكفّل بإغداق مسمّى «المهدي المعلوم والإمام المعصوم» عليه بعد مماته.

في مجرى الصراع المذهبي الدمويّ الحالي الدائرة رحاه في أرض العراق والشام، يبدو كما لو ان «المهدويّة» حكْرٌ على الحركات الأيديولوجية المسلّحة المنبعثة على أرضية التشيّع الإماميّ، كما لو ان «مهدي أهل السنّة» بات خارج دائرة التوظيف السياسيّ عند الحركات الأيديولوجية المسلّحة المنبعثة على أرضية التسنّن السلفيّ.

لكن الحال لم تكن كذلك على امتداد القرون الماضية. الإحيائية السنّية كثيراً ما عرفت أوجهاً ووجوهاً مهدوية، وان يكن بمعنى مختلف كثيراً عن مقام الإمام المهدي في التشيّع الإمامي، بل وباختلاف جلي بين ظاهرة مهدوية سنّية وأخرى.

في القرن التاسع عشر الميلادي مثلاً، ظهرت حركتان مهدويّتان سنّيتان أساسيّتان، تتحرّكان ضمن ثلاثية «سلفية – صوفية – مهدوية»، إذ لم يكن مطروحاً البتة عدُّ أطراف هذه الثلاثية كنقائض.

فمحمد بن عبد الله بن فحل، أو محمد أحمد المهدي، ادعى انه المهدي المنتظر وأقام «دولته» في السودان كثورة على الحكم المصري – الانكليزي، وشكّل فتحه لمدينة الخرطوم ذروة حركته، ومحطة لاهتمام العالم الغربي آنذاك، بحيث ان مستشرقاً كجيمس دار مستتر حين يضع مصنّفاً عن «المهدي منذ بدايات الإسلام حتى أيامنا» عام 1885، ستسيطر على شرحه صورة مهدي السودان.

أما النموذج الثاني فلم يدّع المهدوية لنفسه، بل نسبها له أتباعه بعد مصرعه، وهو الإمام المجدّد، المنطلق من أرضية نقشبندية، سيد أحمد بن سيد محمد عرفان شهيد بريلوي، في شمال شبه القارة الهندية، الذي انتشرت حركته في وادي الغانج والبنجاب وبيشاور، وفعّل فريضة الجهاد ضد السيخ والبريطانيين إلى ان لقي حتفه في بلاكوت عام 1831 لينتظر أنصاره من بعد ذلك رجعته في آخر الزمان.

وإذا شئنا تحييد الحركات التي غالت في إعلان مهدويتها مثل الحركة الأحمدية، والمهدي ميرزا غلامأحمد القادياني، فان الغالب في القرن التاسع عشر كان الحرص على التوفيق بين أطراف ثلاثية «سلفية وصوفية ومهدوية»، إلا في الحالة الأحمدية المشارة إليها (حيث الصوفية والمهدوية تغلبان الاحيائية السلفية)، أو في الحالة الحنبلية – الوهابية، حيث السلفية والمهدوية تتشاركان في نبذ المنزع الصوفي، الذي لم يكن نقيضاً للمذهب عند حنابلة العراق والشام، بمن فيهم ابن تيمية وابن القيم.

هذا النبذ للمنزع الصوفي لم يسمح للحنبلية – الوهابية بان تقرّ منزعها المهدويّ على ما هو عليه، بخلاف أنصار مهدي بلاكوت في الهند ومهدي السودان وبخلاف محمد المهدي بن سيد محمد السنوسي في ليبيا.

مع ذلك، وكما يتعقب أثرها المؤرّخ نبيل مولين، ظلت النزعة المهدوية تنتاب الوهابيين أو من يتفرّع عنهم، وتحديداً من خلال ادعاء أكثر من داعية تمثيل دور «القحطاني» الذي يمهّد في أحاديث متواترة لظهور المهدي.

لم يطوّر التسنّن «لاهوتاً مهدويّاً» كما فعل التشيّع الإمامي، وبشكل نسقيّ منذ ظهور الدولة الصفوية، حيث تحول الإمام القائم والغائب إلى مصدر الشرعية السياسية والدينية، والجدل المتواصل بين توكيله الولاية إلى الملوك أو إلى الفقهاء، قبل ان تحسم الثورة الإسلامية جدل قرون بنظرية ولاية الفقيه المطلقة الشرائط أي «ولاية الفقيه الملك»، الذي يحاكي «الفيلسوف الملك» الافلاطوني.

لكن المهدويّة، منذ أيام ابن تومرت إلى يومنا هذا، لا يمكن استبعادها عن أي حركة احيائية سنّية تقيم فصلاً حادّاً بين مرحلة الخلافة الراشدة ومراحل المُلك العضوض، وتستوحي من هذا الفصل الحاد واجباً فقهياً بإحياء الخلافة الراشدة نفسها، و»سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» كما جاء في الحديث انما تبرز التمازج الكبير بين «الراشدية» و»المهدوية».

ومنذ أيام ابن تومرت، ليس «المهدي السنّي»، بـ»مهدي آخر الزمان» الممهّد لزمن القيامة، بل انه مهديّ بمعنيين. أولّهما من الهداية، فهو الإمام المجدّد الذي يصلح حال الأمة على رأس كل قرن ويزيل الغبار المتراكم عن أصول دينها. وثانيهما، انه، الشخص الذي عندما يرحل عن دنيانا، تنتظر رجعته. ليس هو صاحب الزمان إذاً. لكن ذلك لم يمنع ان يتطوّر البعد المهدوي عند الحركات الاحيائية السنية منذ الموحّدين، وإلى مهديي الهند والسودان وليبيا.

لا يمكن، في المقابل، تقدير إلى أي حدّ أثّر التشديد الشيعي المعاصر على فكرة المهدي، على انكماش فكرة المهدي عند الحركات الاحيائية السنّية، بما فيها الجهادية. كذلك لعب الرفض الوهابيّ للصوفيّة من الأساس دوراً كبيراً في ذلك، في حين ان الحركات السلفية غير الوهابية كانت في أعمّها الغالب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر حركات تنقيحية للتصوّف وليست حركات نابذة له من الأساس، والتصوّف كان يوفّر حوضاً دلالياً وافراً لـ»شاعرية» فكرة المهدي…

مع ذلك، فان قرننا الرابع عشر الهجري هذا بدأ بـ»مهدي وهابي» بامتياز، وهو محمد بن عبد القحطاني زوج أخت جهيمان العتيبي قائد الجماعة السلفية «المحتسبة» في حادثة احتلال الحرم المكي عام 1980.

هذه النزعة المهدوية هي الغائب الأكبر عن كل التحليلات التي تتناول «الدولة الإسلامية» وخليفتها البغدادي اليوم. فهذه التحليلات تفضّل إرجاع إمارة البغدادي إلى صورة سلبية سهلة. مثلاً وصفها بانها «جاهلية» أو «من الخوارج» أو «وهابية» أو «صنيعة الأمريكيين» أو «صنيعة بشار الأسد»، ولا يقلّ سوءاً أولئك الذين يكتفون بان «داعش هي صورتنا في المرآة»، فهذه نسخة علمانية ملطّفة عن تفسير ظاهرة اجتماعية سياسية مسلّحة بانها عقاب إلهي.

الغائب في كل هذا هو ما تلجمه «الدولة الإسلامية» نفسها من نزعة مهدوية، تأتي هذه المرة ليس فقط كـ»محتسبة» وانما كـ»محتبسة»، وعلى أرضية صراع دموي مع الحركات «المهدو – مركزية» الشيعية.

يحكى كثيراً عن «فكر داعش». لكن هذا «الفكر» يكاد يختصر في الحديثين المتواترين الذي تتخذهما خلافة أبي بكر البغدادي شعاراً لها. حديث «الخلافة على منهاج النبوة» التي تكون في الراشدين ثم ترفع مع الملك العاض ثم ترجع. وحديث «لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق أو بدابق»، ودابق هذه التي عنونت «داعش» بها صحيفتها هي معركة آخر الزمان أو هرمجدون الإسلامية ـ وليست معركة مرج دابق الذي غلب فيها السلطان العثماني سليم الاول المماليك عام 1516، فتلك دورة ملك عضوض عادية.

بهذا المعنى، يمكن المجازفة بالقول، انه، لئن فضلت «الدولة الإسلامية» إشهار الخلافة وليس ادعاء مهديّة أميرها بصريح العبارة، بخلاف ما فعله الموحّدون في الاندلس والسلفيون المهدويون في القرن التاسع عشر، وبخلاف حركة جهيمان العتيبي وصهره، فانها دفعت مع ذلك النزعة المهدوية السنية إلى حدود قصوى، أي إلى حدود «نهاية التاريخ»، حيث الخلافة النبوية العائدة ليس بعدها «ملك عاض»، وإلى «دابق» حيث المفاصلة الكبرى. وكل هذا لا يُفهَم إلا من باب ان الصراع المذهبي في العراق والشام لا يتخذ طابع صراع بين مهدويين ولامهدويين، وانما طابع صراع بين .. مهدويتين، واحدة محتسبة ومحتبسة، والثانية غائبها معلومُ الحجّة، ومعلومها يتراوح بين انتظار المخلص والتعجيل الإرادي لظهوره.

٭ كاتب لبناني

القدس العربي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...