الرئيسية / صفحات مميزة / صكوك براءة الإسلام وجدواها: عبد السلام إسماعيل

صكوك براءة الإسلام وجدواها: عبد السلام إسماعيل

عبد السلام إسماعيل

في كل مرة نسمع بفتوى صادمة للبداهة وللحس السليم، أو بفعل شنيع يرتكب بإسم الإسلام، يقوم أغلبنا في مهاجمة الفعل من خلال الدفاع الإسلام وتنزيهه عن ذلك “يا أخي الإسلام مو هيك ” / “الإسلام بريء من الخ الخ “

فيما يستمر “مسلمون” يمارسلون “إسلام ” نبرئه من “إسلام ” متخيل موضوع على رف مقدس خارج التاريخ، في كل مرة يتكثف فيه “إسلامهم” بفعل يصدم تصوراتنا عن “إسلام ” الرف المقدس.

الحرص المستمر على تنزبه الإسلام وكفى هو أسوأ دفاع يمكن أن يقال عن الإسلام، لأنه يقيم انفصاما حادا بين إسلام الكتب وخطب الجمعة وبين الإسلام الذي يعيش بيننا ويطبع سلوكياتنا.

وأسوأ ثمرات ذاك الدفاع هي الطمأنينة وقتل التفكير في الانغلاقات والانحرافات التي أفضت إلى تلك الفعال، مما

يجعل من مسألة ظهور مسلمين يعكسون الإسلام “المنزه” مسألة شبيهة بانتظار خروج المهدي “عج”.

“الإسلام بريء” لا تنطوي العبارة على موقف نقدي من الفعل، بل تهتم في صيانة التصور الميتافيزيقي للإسلام وحمايته من المساءلة والنظر، فطالما أن الإسلام بريء كمعطى بديهي، تصبح الإنحرافات المشفوعة بإسمه “أخطاء فردية” مهما كثرت، وربما تدخل في باب إجتهاد المخطئ . . المساءلة قد تقود إلى طريق وعر يخلخل تصوراتنا ويقوِّض الطمأنينة والثقة في منظومة راسخة ومقدسة . . “الإسلام بريء”  تقود إلى اللامبالاة حيال ما يرتكب بإسمه من أفعال.

يموج “الإسلام” بشواهد كثيرة تخالف وتجرم كثيرا من الأفعال التي تتخذه سبيلا، بدءا من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وانتهاء باستنباطات الفقهاء وعمل الصحابة والتابعين. لكنها لا تستدعى إلا وقت الحاجة، تحت رواق المحكمة الذاتية العابرة، أو على منبر عمومي، نستعرضها نطمئن إلى أن الإسلام بريء، تعود وتتوارى لتترك الساحة لتصور ما ينفك يجبرنا على استدعائها كل مرة . . الإسلام بريء، نعم بريء لكننا لم نحل المشكلة.

،والسؤال، ما هو منشأ هذا التناقض، هل يحمل الإسلام وجهات نظر متناقضة؟ أم شأنه شأن الفلسفات الكبيرة، تتشظى حد التناقض بتشظي مدارك المشتغلين فيها وتباين وعي المتلقين ؟

وإن كان كذلك، ألا يطبع هذا الأمر نسبية الفهم الإنساني للمطلق الإلهي ؟

والسؤال الآخر، ما هو الإسلام ؟

هل هو القرآن ؟ هل هو القرآن والسنّة ؟ هل هو القرآن والسنّة وعمل الصحابة والتابعين ؟ هل هو القرآن والسنّة وعمل الصحابة والتابعين واجتهادات الفقهاء ؟

وما هي السنّة أصلا ؟ هل هي كل ما صدر عن الرسول من قول وفعل وتقرير ؟ ألا يصطدم التعريف بحقيقة أن محمد رجل ونبي ورسول، وكل صفة لها موضعها، والدمج بين الصفات الثلاث في صفة الرسالة، فيه إهدار لإنسانية الرسول ولشروط تجربته الحياتية. أي إخراج الرسول من سياقه التاريخي وتجريده من قيمة الإلهامية من حيث كونه بشر مثلنا أولا.

وإن كان القرآن هو المقدس الذي لا يماري فيه إثنان، لماذا يتم إهمال السياق الإجتماعي والسياسي والثقافي لجدلية الإنساني والإلهي، تفاعل البشر مع الوحي الإلهي وفهمهم له وفق ظروفهم وسياقاتهم التاريخية؟

حصيلة التفاعل تلك الممتدة على مدى عقود، تمخضت عن بينان ضخم إسمه الإسلام. لماذا نصر على سلخه من سياقه التاريخي التراكمي وتحنيطه كمعطى غير تاريخي مقدس، ألا يفضي هذا إلى جعل أي كلام عن تجديد الإسلام محض ضربٍ في الهواء، أو عمل يشبه تجميل وصيانة سيارة قديمة “أنتيك”، جل ما يمكن فعله هو تلميعها وتنظيفها.

ألا يشبه حديث تجديد الإسلام وملائمته لكل زمان ومكان في الشكل الراهن، حديث النظام عن الإصلاح والتطوير، إصدار مراسيم وقرارات تعالج الهوامش، فيما بنية النظام ومنهجية عمله مصانة لا تمس، مراسيم/فتاوى متتابعة متناقضة أحيانا، لا أثر فعلي لها . . بالنهاية لم يكن هناك حل سوى الثورة الجذرية والقطعية على النظام وبناه السياسية والأمنية والإقتصادية والعمل على إسقاطه لنتمكن من بناء نظام جديد أكثر ملائمة . . والثورة الدينية قادمة كذلك، هي ضرورة في الوقت الراهن وستكون نتيجة فيما لو تأخرت، غير أنها لن تأخذ الشكل الإنفجاري، بل ستكون ثورة هادئة مديدة طويلة الأجل كما هو حال التغييرات الفكرية الكبرى، ما يطمئن أن إرهاصاتها بدأت منذ مدة ليست بالقصيرة.

كما لا يعول على رجال النظام في إحداث تغيير نوعي في بنية النظام، لا يعول على المشايخ –الجيل الحالي وما سبقه على الأقل- في إحداث ذات التغيير وذلك لنفس الأسباب التي تمنع رجال النظام. وأيضا ثمة سبب معرفي/شخصي متعلق بالمشايخ أنفسهم، وسبب آخر متعلق بالإطار التنظيمي للمشايخ.

الطلبة ذوي الملكات العقلية العالية غالبا ما يحصلون على علامات مرتفعة في الثانوية، النظام الإجتماعي والإقتصادي يدفعهم نحو التخصص في الفروع العلمية “طب – هندسة . . الخ” فيما الأقل ذكاء والأقل اهتماما في الدراسة يذهبون إلى فروع أدنى فأدنى، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية لا تحتاج سوى إلى الحد الادنى من العلامات، معظم من يذهب إليها من الفاشلين دراسيا والفقراء معرفيا، لا تشغل المعرفة والمطالعة حيزا من اهتمامهم، بالنهاية يدرس الطالب/الشيخ، يحفظ ويحفظ ما هو موجود في الكتب، ليتخرج بمرتبة شيخ، وحتى لو زاد اهتمامه في المعرفة وقراءة الكتب، فسيتوسع في قراءة الكتب الدينية والنتاج الفقهي الهائل وكفى. وهو نفس النتاج الذي نحتاج إلى نقده وتفنيده وغربلته.

غير أنه لا يملك العدة العقلية أو المعرفية لذلك، لأنه غالبا لا يقرأ خارج نطاق دراسته وإن قرأ فيقرأ لا للتفكر ولكن للتندر على الضياع والتهافت والجهل الذي يعيشه العالم فيما هو يملك المعرفة المنزلة من الإله.

هذا الطالب الفاشل دراسيا، هو من سيتحكم في تفاصيل حياة الناس بما يملكه من شرعية حصل عليها من دراسة الدين. وذلك باجترار أقوال من سبقوه من السلف وبفهمه الحسير للآيات والآحاديث النبوية.

أما المشكلة التنظيمية، فتأتي من منبعين، الأول متعلق بطور انتشار الإسلام وارتباطه في السلطة السياسية منذ لحظة الولادة بما أفضى إلى الحد من استقلالية الإسلام وارتهانه لخدمة مصالح السلطة السياسية والعكس بالعكس، من حيث أن مشروعية السلطة السياسية تأتي من الشرعية الدينية. هذه العلاقة أعاقت تشكل المؤسسة الدينية بطريقة سوية.

والثاني، يأتي من مقولة لا كهنوت في الإسلام، وأنه لا يوجد رجال دين في الإسلام، وهي مفهوم متهافت أمام الواقع العياني، ثمة كهنوت ويوجد رجال دين في الإسلام ولا يتسع المقال لتبيان ذلك، لكن يكفي النظر إلى الفضائيات اليوم ونلاحظ كثرة الدعاة والمشايخ.

غير أنه كهنوت غير مؤسسي لا مرجعية رئيسية تنظم عمله، قد يراه البعض أمر إيجابي من حيث أنه يطلق حرية التفكير والإجتهاد للمشتغلين في الحقل الديني ويشي بشيء من الديمقراطية الإسلامية على نحو ما يقول برهان غليون، لكنه في نفس الوقت عامل تبعثر وتشتت كبير يصل حد الفوضى، يعيق تشكل مؤسسة دينية ناظمة تقوم بمهمة تطوير الفكر الإسلامي إن كان ممكنا، وتحرره من ربقة الإرتباط بالمؤسسة السياسية، فضلا عن أن وجود مثل هذه المؤسسة يفيد في الحد من ظاهرة انتشار الفتاوى وتجعل الناس لا يتقبلون أحكاما دينيا من أي شيخ أو جهة تدعي أنها إسلامية. وقد تطرق ياسين الحاج صالح في كتابه أساطير الآخرين إلى هذه القضية واستعرض آراء من طرحوا الفكرة قبلا.

عود على بدء، “الإسلام بريء” توحي العبارة بوجد إسلامين، إسلام مصدري وإسلام آخر متعلق بمستوى إدراكنا لإسلام المصدر. غالبا ما تعطف عبارة الإسلام بريء على عبارة أخرى ” الإسلام الحقيقي” غير أنه لا إسلام حقيقي على وجه التحديد يمكن للمسلمين أن يتفقوا عليه . . “الإسلام الحقيقي” بالنسبة للقائل هو فهمه للإسلام وتصوره الذاتي عن الإسلام.

هذه نقطة أحسبها بالغة الأهمية، لأثرها في تجريد كل التراث الإسلامي والإستنباطات الفقهية وحتى التأويلات القرآنية من قدسيتها ووضعها في موضعها الطبيعي باعتبارها اجتهاد بشري محكوم بالأرضية المعرفية والإجتماعية التي نشأ عليها، فضلا عن عدم قطعية الأحكام والمعايير التي أرسوها . . الأحكام القطعية موجودة في القرآن وما عداها اجتهاد.

وكنوع من التدريب الفكري، كثيرا ما أفكر بالفرضية التي طرحها محمد شحرور: ماذا لو نزل علينا القرآن اليوم؟

صحيح، ماذا لو نزل علينا القرآن اليوم، هل كنا بحاجة إلى صكوك نبرء الإسلام فيها، أم سيكون هناك فهم جديد للإسلام على ضوء المشاكل والقضايا التي نواجهها؟

خاص – صفحات سورية-

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...