صفحات سورية

نحن مسيحيي سوريا لا نطلب الحماية ساعدونا على إقامة نظام مدني ديموقراطي!


المحامي ميشال شماس ـ دمشق

كَثُرَ الحديث في الآونة الأخيرة عن أوضاع المسيحيين العرب، لاسيما بعد المتغيرات الهائلة التي شهدها وما زال تشهدها عدد من البلدان العربية بدءاً من أحداث الحادي عشر من أيلول واحتلال العراق وصولاً إلى انتفاضة الشعوب العربية ضد الاستبداد والقمع في كل من تونس ومصر وليبيا وسوريا والبحرين واليمن.

في وسط هذا التحوّل التاريخي الذي شهدته ومازالت تشهده بلدان عربية، تصاعد الجدل مجدداً حول وضع المسيحيين ودورهم في صنع هذا التحول التاريخي ليصل إلى حد تحذير البعض من خطر تعرضهم لانتهاكات كبرى لاسيما المسيحيين في سوريا، بعد أن سيطرت قوى إسلامية على مقاليد الحكم في كل من مصر وتونس وليبيا، ووصل الأمر ببعضهم إلى إطلاق دعوات لحماية المسيحيين وتشجيعهم على الهجرة لدول الغرب ومنحهم حق اللجوء فيها.

مناسبة هذا الحديث هو ما نقله لي صديق كان في زيارة لألمانيا عن تصريحات لبعض السياسيين المنتمين للحزب الديمقراطي المسيحي في ألمانيا الذين يدعون إلى حماية المسيحيين في سوريا ومحاولة تمرير قانون بمنح اللجوء إلى المهجرين من المسيحيين السوريين وهي دعوة تدل على تمييز فاضح في التعامل مع المهجرين السوريين على أساس ديني. المهجرون من سوريا ليسوا من المسيحيين وباقي الأقليات فقط، بل إن أكثريتهم من المسلمين السنة أشقائنا وشركائنا في الوطن. وهو أمر معيب ويرفضه المسيحيون في سوريا، على اعتبار أن هذا التمييز غير إنساني بحق شركائهم في الوطن، ومخالف لشرعة حقوق الإنسان وكافة المواثيق الدولية ذات الصلة.

وبصفتي سوري أولاً ومسيحي ثانياً أعلن رفضي الكامل لمثل تلك المواقف والتصريحات الداعية لحماية المسيحيين السوريين بحجة أنهم مستهدفون أو أنهم سيتعرضون للاضطهاد في حال تغيير نظام الحكم في سوريا، لأن مثل تلك الدعوات والتصريحات سوف تسيء أولاً إلى وضع المسيحيين في سوريا خاصة وفي الشرق بعامة، وتهدد وجودهم كمكون أصيل من مكونات الشعب السوري، وثانياً ستؤدي تلك الدعوات سواء بقصد أو بدون قصد إلى خلق هويات دينية مسيحية وأخرى إسلامية حتى في إطار البلد الواحد تمهيداً لخلق دول دينية خالصة كمقدمة لتبرير إقامة دولة يهودية، وقد يشكل ذلك مدعاة للتدخل الأجنبي في شؤون دول الشرق الأوسط.

إن المسيحيين في سورية ليسوا طارئين على سوريا أو غرباء عنها ولا أقلية أجنبية أو عرقية، بل هم مواطنون أصليون تمتد جذورهم عميقاً في هذه الأرض التي قامت فيها منذ آلاف السنين حضارة عريقة قدمت للعام أقدم أبجدية عرفها التاريخ البشري، ومنها انطلقت المسيحية إلى العالم، وقدمت للعالم سبعة باباوات وبعض الأباطرة الرومانيين، وتضم سوريا بين جنباتها أهم المقدسات المسيحية في العالم من كنائس وأديرة وأضرحة كثيرة مثل كنيسة حنانيا ودير مار جرجس الحميراء ودير مار تقلا في معلولا ودير صيدنايا..الخ. ومازالت فيها بلدات تتكلم لغة السيد المسيح حتى اليوم مثل معلولا، وجبعدين وصيدنايا وبصرى..الخ.

إن ما يربط المسيحيين بوطنهم سوريا وبشركائهم السوريين المسلمين أكبر وأغلى من أن يفرطوا به، فسوريا بالنسبة لنا نحن المسيحيين هي الوطن الأصلي وهى في الوقت ذاته الوطن البديل.. نهرب منها إليها، ونذوب عشقاً فيها، سوريا بالنسبة لنا نحن المسيحيين هى الأرض والعرض والأصل والجذور، وأم ثكلى سقط ابنها شهيداً في الحقول ويده لم تزل على المحراث، وتراب تقدس برفات شهداء سقطوا دفاعاً عن تراب الوطن إلى جانب أخوتهم من السوريين المسلمين..

المسيحيون في سوريا والشرق ليسوا وحدهم فهناك الكثير من الكُتّاب والأدباء وشخصيات دينية وسياسية مرموقة جلّها إسلامية رفعت ومازالت ترفع الصوت عالياً دفاعاً عن الوجود المسيحي في هذا الشرق، وحذرت ومازالت تحذر من خطورة تهجير المسيحيين، داعية في الوقت نفسه إلى التصدي لتلك المخططات التي تهدف إلى إفراغ المنطقة العربية من أبنائها المسيحيين. ومشيدة في نفس الوقت بالدور النهضوي والنضالي للمسيحيين العرب إلى جانب أخوتهم العرب المسلمين؟ وهذا ما أشار إليه الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود في حديث لصحيفة النهار اللبنانية29/1/2002:” لقد شكَّل العرب المسيحيون إحدى ركائز البناء العربي، القديم والحديث على السواء. ففي فجر الإسلام كانوا ركناً ثقافياً وسياسياً وعسكرياً من أركان الدولة العربية التي توسعت شرقاً حتى بلاد السند وغرباً حتى إسبانيا، وكانوا أحد عناصر القوة الدافعة التي حملت الإسلام إلى خارج جزيرة العرب وبلاد الشام والتي شكلت أحد العناصر الحاسمة في توسع هذه الدولة ونموها وسيادتها على معظم العالم القديم. وفي عصر النهضة، الممتد طوال القرنين التاسع عشر والعشرين، لم يَغِبْ العرب المسيحيون عن دورهم في إعادة إحياء معالم العروبة ومضمونها الحضاري الجامع والمنفتح على الحضارات الأخرى الناهضة في مرحلة التراجع العربي. شكَّلوا حلقة وصل واتصال، وعمقاً ثقافياً أصيلاً في العروبة متقدماً في العَصرنة والحداثة.. كان العرب المسيحيون ولا يزالون نتيجة لثقافتهم المتنوعة المناهل، يخلقون تحدياً مستمراً في الثقافة والفكر. وهجرتهم تلغي هذا المعنى، باعتباره تنوعاً غنياً، وتسلخ فئة كبرى عن أصولها العرقية والثقافية الأصلية”.

وما قاله أيضاً الصحفي العربي الكبير محمد حسنين هيكل في كتابه “عام من الأزمات- كلام في السياسة”: “أشعر، ولابد أن غيري يشعرون، أن المشهد العربي كله سوف يختلف حضارياً وإنسانياً، وسوف يصبح على وجه التأكيد أكثر فقرا واقل ثراء لو أن ما يجرى الآن من هجرة مسيحيي المشرق ترك أمره للتجاهل أو التغافل أو للمخاوف. أي خسارة لو أحس مسيحيو المشرق أنه لا مستقبل لهم أو لأولادهم فيه، ثم بقي الإسلام وحيداً في المشرق لا يؤنسه وحدته غير وجود اليهودية الصهيونية بالتحديد أمامه في إسرائيل”.

والمسيحيون في سوريا لا يطلبون الحماية من الغرب ولا من الشرق، بل يطلبونها من إخوتهم وشركائهم في الوطن ويستقوون بهم، كما فعل الكبير فارس الخوري ( رئيس وزراء سوريا مرات عدة في الخمسينات من القرن الماضي) رداً على ماقاله الجنرال الفرنسي “غورو”عندما دخل دمشق محتلاً، حيث اعتلى منبر الجامع الأموي مخاطباً المسلمين:” إذا كانت فرنسا تدّعي أنها احتلت سوريا لحمايتنا نحن المسيحيين من المسلمين، فأنا كمسيحي من هذا المنبر أشهد أن لا إله إلا الله فأقبل عليه مصلو الجامع الأموي وحملوه على الأكتاف وخرجوا به إلى أحياء دمشق القديمة في مشهد وطني مازال يتذكره السوريون إلى يومنا هذا.

إذا كان بعض الساسة الألمان والغرب عموماً يريدون مساعدة المسيحيين في سوريا فعلاً ، فإن أفضل مساعدة يمكن أن يقدموها لهم هي في مساعدتهم على ترسيخ الشراكة التاريخية بين المسلمين والمسيحيين وتثبيتها في هذا الشرق المتنوع في مواجهة التطرف الديني من قبل بعض الجهات الإسلامية المتطرفة، وكذلك المسيحية المتطرفة التي غالباً ما تأتينا من الغرب. ووقف دعم الأنظمة الديكتاتورية المستبدة في المنطقة والتي تشكل تربة خصبة للتطرف الديني والسياسي المستبدة، والضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي العربية المحتلة ووقف اعتداءاتها على الشعب الفلسطيني وتمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته الوطنية المستقلة على أرضه..

وإن المساعدة التي يطلبها المسيحيون في سوريا ليست بالتأكيد اقتلاعهم من أرضهم وتشجيعهم على الهجرة، بل تقديم كل ما من شأنه أن يساعد المسيحيين على التشبث بأرضهم والتمسك بها كوطن نهائي لهم إلى جانب أخوتهم وشركائهم المسلمين، ومساعدة السوريين جميعاً ومن دون أي تمييز بينهم على تجاوز محنتهم، وتخفيف معاناة اللاجئين منهم وتشجيعهم على العودة إلى سوريا، وتقديم العون المادي والتقني للشعب السوري بمختلف أطيافه وألوانه، وكل ما من شأنه أن يساعد السوريين على وقف سفك الدماء والانتقال بسوريا من نظام شمولي مستبد إلى نظام مدني ديمقراطي تعددي.

المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى