الرئيسية / كتاب الانتفاضة / رفيق شامي / ضَرَبَ صَاحٌ صَيَّاحَاً/ رفيق شامي

ضَرَبَ صَاحٌ صَيَّاحَاً/ رفيق شامي

ضربَ: فعل ماضٍ وحاضرٌ في كل زمان وأغلب الأمكنة، والضربُ طريقٌ ذو اتجاه واحد يمتد من القوي باتجاه الضعيف.

والضرب له معانٍ كثيرة منها: ضَرَبَ في الأرض، بمعنى نهض وأسرع في السير طالباً الرزق… وهي فضيحة الفضائح في تاريخنا الحديث أن يهجر بناتُ وأبناءُ البلاد هذه الجنةَ بمواردها الخيالية طلباً للرزق متحملين الذل كعبيد القرن العشرين في غربتهم ولصوص ينهبون المليارات من عرق أهلنا الطيبين  وباطن أرضهم .

البلاد العربية تسبح فوق محيط من الذهب الأسود.. وبينما يكدس لصوصُ السلطة الأموال يلتحفُ غالبية سكانها بالقهر متوسدين الحاجة والفقر.

يقال أيضاً: ضرب في الماء بمعنى: سبح… وهي تختلف عن الجملة الشهيرة: “إضرب المي بتظلّ مي”.. بمعنى العمل المفقود أملُهُ. مثلاً: أن تُقنع شبيحاً بأن رأس الإنسان يمكن استعمالُه للتفكير وليس فقط للنطح والشخير والبراز.

ويقال: ضرب به عرض الحائط، بمعنى أهمله وأعرض عنه احتقاراً، مثلاً، مشورة أو رأي كعادتنا نحن العرب، فكل منا نبي ولكن ليس هناك مَنْ يُصْلِح المزراب. كل من مفكرينا يسبر الغيب بنظرته ويستطيع غلي إبريق شاي على وهج فكره، ولكننا، إلى الآن، لم نستطيع توحيد قوانا ضد عدو واحد. فما إن تكشف عمالة «داعش» و«جبهة النصرة» حتى يؤسس ثلاثة رجال أربعة ألوية تابعة لخمسة أحزاب.

ضرب الحلي والمعادن: بمعنى صاغها، والدراهمَ ونحوَها بمعنى سَكَّها وطبعها. وضرب له موعداً بمعنى حدده وعينه، وجملة «تضرب إنت ومواعيدك» تعني أن صاحبنا أتى متأخراً أو أنه لم يأت في الموعد المضروب إطلاقاً.

وضرب الخيمةَ: بمعنى نصبها، وضرب عليه الحصار بمعنى حاطه به وضيق عليه كما يفعل المجرم «أحمد عزرائيل» بالفلسطينيين والسوريين في مخيم اليرموك.

ومن فعل ضرب يشتق فعل  «أضْرَبَ» بمعنى أقام ولم يبرح، وسكن لا يتحرك. ويُستعمل هذا الاشتقاق منذ حوالي 200 سنة، بمعنى كف عن العمل حتى تجاب مطالبه. وهذا التصرف ممنوع دينياً في البلاد العربية الإنسانية، ومسموح به في قوانين كل البلدان الكافرة. وكذلك يشتق من فعل ضرب كلمة الضريبة وهو ما يُفرض على الملك والعمل والدخل في الدول غير المُمَانعة، وينعكس الأمر في بلاد الممانعة فيضع «رامي مخلوف»- مستنداً على إيمانه بالوطن- ضريبةً خاصة له على كل ما يدخل البلد ويسيطر لوحده على مصدر ربح تعيش منه دول العالم وهو «الجوال» والهاتف والاتصالات الإلكترونية. ولذلك أطلق عليه الشعب إسم (اللص أبو الـ 20 %)  ومن هنا اشتق العلماء كلمة «الممانعة» أي أن عائلة مخلوف «تمانع» وتقاوم بكل قواها الأعرافَ السائدة في كل الدول الراقية في تحديد اتجاه الضريبة من الناس للدولة لتقوم بوظائفها في خدمة الشعب الذي يدفع هذه الضريبة… وهم سباقون في ذلك وتفوقوا بوقاحة على أبناء عمومتهم من عائلة مبارك وأبناء خالتهم القذافيّين.

يعتقد بعضُ جهابذة اللغة أن فعل «ضربَ» قحطاني المولد، ويعني «العطاء».. ويؤكدون  ذلك بقولهم: «ضرب له مثلاً» بمعنى أعطاه مثلا. ثم يؤكدون ذلك بأن عملية الضرب في الرياضيات تزيد الأعداد سلباً وإيجاباً. ويمكن لهذا التفسير على سخفه أن يملك شيئاً من الحقيقة فالضرب عطاء لكن مُسْتَقْبِلَهُ ناكرٌ للجميل.

الضرب مسموح في بلادنا التي تنعم الله عليها بأربعة ديانات عالمية وحوالي 30 ديانة لم يسعفها الحظ فانقرضت في موطنها. وكان جاري «العربجي» أبو سليم يحذر كل من يفتخر أن بلادنا موطن الديانات دون باقي البلاد، من أن الله عز وجل- وهو العالمُ بكل الأمور حتى بما تفكر به نملة- عرف معدن شعوب هذه المنطقة وأنهم يحتاجون لأضعاف أضعاف ما تحتاجه الشعوب الثانية لترشد. فأرسل لهم الرسل وهز رأسه فيما بعد أسفاً على مصيرهم، فموسى أنكروه والمسيح صلبوه ومحمد حاربوه والحلاج قتلوه وبهاء الله سجنوه. بينما قوانين الشعوب المتأخرة، التي لم تحظَ ولا حتى بزيارة نبي، آمنت دون أن ترى نبياً واحداً (وقد مدحهم السيد المسيح متنبئاً بقوله “طوبى للذين آمنوا ولم يروا”)، وبلدان الكفار هذه تمنع حتى ضربَ الحيوان!

ويضيف العم أبو سليم: ومن هنا سُميت بلادنا «محبط» الديانات السماوية. والإحباط معلوم ولا حاجة لشرحه، وبعض الأجانب يلفظ “مَحْبَط” لعدم قدرته على لفظ الحاء: مَهْبَط.

والضرب عملية فيزيائية، أي أنها لا تغير تركيبة المضروب الكيميائية. فالإنسان يظل إنساناً جميلاً حتى تحت الضرب. لكن للضرب نتائج نفسية خطيرة على المضروب والضارب رغم أن الأخير يحتقر علم النفس.

صاحٌ: فاعلٌ مبتهج بالفعل.. ومن هنا الضمتان بدل الضمة، وإذا كان صاح ضابطاً في المخابرات حمل ثلاث ضمات، آخرها في بنطاله، فهو يشعر بإثارة جنسية مريضة عندما يرى رجالاً ونساءً من أرفع الناس فكراً، أخلاقاً ومركزاً يتوسلونه الكف عن الضرب. ويقال إن أحد الضباط كان في تدمر يلتذ جنسياً حتى الثمالة (ذروة النشوة) بمنظر المعذبين أمام طاولته.

و«صاح» ترد في المعاجم كاسم وفعل وصفة بنفس الوقت وعين الحاسد تبلى بالعمى. وصاح وأقرباؤه من أجمل ما يخطر على البال.. فمنه صح الشيء بمعنى خلوُّه من كل عيب، وصح المريضُ بمعنى شُفي، وصح الخبر وصحت الصلاة وصحت الشهادة وصح العقد فهو صحيح، وصحيح العقل بمعنى سليم العقل، وعكسه علي حيدر.

والصحة في البدن حالة طبيعية ونعمة يتمناها كل منا لمن يحبه، إلا عندما يرفع أحدُهم كأس النبيذ أو العرق مناديا «بصحتك! »، بمعنى أنه يشرب على حساب صحتك، فهو يشرب ويأمل أن يتشمع كبدك. والجواب الصحيح على مثل هذه الأمنية الخبيثة هو: كل واحد بيشرب على صحته، ما بدها غلاظة أخي!

وصاح تعني أيضاً يا صاحبي، خاصة عندما تأتي بعد ياء النداء. وصحا السكران ونحوه، أفاق وصحا، والقلبُ، تيقظ من هوى أو غفلة، كما في قول جرير: أَتَصحُو أَم فؤَادُكَ غيرُ صاحِ؟.. وصحت السماء تكشفت سحبها.
وصاحَ كفَعَلَ، صيحاً وصياحاً، بمعنى أطلق صوتاً بقوة. يقال صاح به دعاه وناداه وصاح عليه زجره ونهره فهو صائح.

والصياح مبالغة في الصائح ومن هنا القرب الشديد بين الفاعل والمفعول به إذ أن «صاح» و«صياح» من الأقارب. وأنا لا أرغب في التأكيد على أن بعض “الأقارب عقارب” فهذه بديهية وسطحية، ولكني أتذكر بيت شعر من معلقة طرفة بن العبد دقيق جداً في الوصف:

وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضة ً     على المرءِ من وَقْعِ الحُسامِ المُهنّد

والمهند نسبة للهند، وكان ذلك آنذاك ميزة للسيوف الجيدة.

وصاح تعني- كصفة- فيما تعني أن صاحبنا هذا ليس نائماً، وهذا لا علاقة له بالوعي، فصاح قد لا يحمل وعياً بقدر دجاجة، وذكاء بقدر جدار، أو قد يكون واعياً تماماً بما يفعله، وبذكاء، واختصاص كمحقق متدرب في أفضل الأقبية وجامعات الوحشية البشرية بدرجة دكتور. وعلى فكرة «رفعت أسد» كمان دكتور بخرزة زرقاء لتبعد الحسد عنه.

ولنعد إلى المحقق صاح الذي يضرب صياحاً ليصل إلى معلومات. والرجل قبالته لا يملك تلك المعلومات، أو أنه لا يريد الإفشاء بها لكي لا يؤذي أناساً آخرين، رغم الأذى الذي يلحقه. وغالباً ما يصرخ صاح بأنه يعرف كل شيء، وأنه يمتلك الحقيقة، ولكنه، وكهواية منه، يحب سماعها من فم المغضوب عليه. والحقيقة هنا ملعون أبوها في هذا القبو النتن. وهي لا تأبه بصاح وتُخَوِّنُه يومياً. ولكي لا أنسى: الحقيقة آلهة غريبة الأطوار، فهي تمنح من يفتش عنها الحكمةَ وتصيب من يمتلكها بالجنون. والأمثلة التاريخية كثيرة.

ولكن، لنعد بعد هذا الشطط الفكري إلى صلب الموضوع، وهو ضربُ صاحٍ لصياح. إذ لا يقتصر الضرب على الحضور في الأقبية بل هو ضيف دائم على صفوف المدارس العربية من المحيط للخليج ما عدى المدارس الخاصة التي تعلم اولاد الحرامية الكبار. يضرب الأساتذة تلاميذهم لسادية فيهم ولظنهم الخاطئ أن الضرب يقصر الطريق بين مادة الدرس وفهم الطالب. وهذا غباء لا يماثله غباء. فإذا لم يكن المعلم سادي قد يكون ماسوخي- سادي بمعنى أنه يائس من وضعه لقلة معاشه وكثرة همومه وخوفه من المستقبل ومن لقاء حماته التي تجعجع باستمرار أن صهرها الثاني فهلوي وصار مليونيراً رغم أنه لا يعرف كيف يفك الحرف (تعبير شائع) وكأن الحروف طلاسم سليمان الحكيم ومن هنا احترام الشعب البسيط لكل من يقرأ وينشد الشعر منذ أبد الآبدين وحتى حكم البعث فصار الأهل منذ ذلك الحين يحذرون بناتهم وأبناءهم أن يأخذوا من الكتابة ومشتقاتها مهنة بقولهم: “أعوذ بالله، شو جنيت يا إبني؟ إشتغل بالسياق (تنظيف مجاري القاذورات) ولا تشتغل بالوراق”… وكثير من الأهالي لا يعرفون هذا المثل لأني اخترعته الآن وهو طازة، وأقدمه للمستهلكين مجاناً وعلى الله العوض، والأهل تعلموا عبر خوفهم لقرون فن التورية، ولذلك يحذرون بناتهم وأبناءهم بتورية دقيقة بقولهم: “لا تنام بين القبور ولا تحلم منامات وحشة” والقبور رمز لأغلب الكتب حيث تدفن فيها الكلمات، والمنامات الوحشة تورية لسجون المخابرات إذ ما يلاقيه الإنسان السوري هناك لا يتصوره عقل بشري.

وبعضهم يقول: “ابعد عن الشر وغني عنه”. ومصدر هذا الفعل غن وهو فعل بمعان محدودة: غنا غنة تعني كان في صوته غنة لأنفه (خيشومه) ويقال لحديقة غناء لالتفاف شجرها وكثافة ذبابها فسُمِعَ لها غنة.

وغني تعني كثر ماله ولم يحتج إليه. كما في جملة: أنت غني عنه. بمعنى أنت لا تحتاجه. ومنها فعل استغنى بمعنى تخلى. وكلمة الغانية التي ساد خطأ استعمالها بمعنى المرأة المبتذلة معناها الصحيح: امرأة غنية بحسنها وجمالها ولذلك تستغني عن الزينة والحلي.

وللغنى معنى آخر وهو الطرب وغنى بفلان ( وليس لفلان) بمعنى مدحه أو هجاه.

لكن للأسف فهم زياد الرحباني النصيحة الأخيرة خطأ فبدل أن يبتعد عن الشر ويستغني عنه، غنى له طرباً، لأن الشرط الوحيد بنظره هو بعد بيروت عن دمشق (حوالي 100 كم).. ولذلك غنى لكل ما يفعله نظام الأسد ومدحه بشيوعية فريدة عصرها وأوانها عدد أتباعها واحد فقط وحتى هذا الواحد زائد على اللزوم. وزياد هذا قرر وبكل شجاعة ثورية أن يغني لنظام دمشق كلما سنحت له الفرصة هيك لوجه الله كمل يقول المرتزقة لأنهم لا يعرفون غير المال إلهاً (وهذا ما حذر منه العبقري ابن عربي وتلميذه اللبيب هادي العلوي).

ولنعد للحَماة التي تهدر في وجه صهرها الأستاذ الشاعر (الأستاذ يقرض الشعر وقد نشر خمسة دواوين دفع لناشرها كلفة طباعتها… وكلمة يقرض بمعنى قطعه بأسنانه ويقال الفأرة قرضت الخبز… وشاعرنا هذا يقرض كتبه لخواء معدته) وتشتم الحماة صهرها الشاعر أنه هو وشهادته ودواوين شعره لا يساوي قشرة بصلة والديون  تشرشر (بعامية دمشق تنهمر كقطرات سريعة) من قفاه (هنا بمعنى الشرج)، والأستاذ يصاب بعد كل لقاء مع حماته لأيام بعجز جنسي خاصة لرائحة فمها التي تقتل ذبابة على بعد نصف متر، وبما أنها تزوره الآن لأسبوع فمصيبته صارت كبيرة ولم يبق أمامه سوى “فش خلقه” بمن هو أضعف منه. وهو دوما التلميذ في هذه المدرسة الحكومية التعيسة.

صياحاً: صياح اسم علم يكثر استعماله في سوريا ويلفظ بمد الألف صيااااااااح وأصل الاسم يعود إلى فعل صوتُ كل شيء إِذا اشتد. صيح الصِّياحُ: الصوتُ؛ صاحَ يَصِيحُ صَيْحة وصِياحاً وصُياحاً، بالضم. وصوت الديك يسمي صياح… لكن صياح البشر يكثر عند المساء على عكس الديكة، فابن آدم يسحب بالكاد رجليه صباحا ويرى بالكاد طريقه. ولو كان الديك موظفا لعزف عن الصياح.

وصياح مفعول به بعدة فتحات، يعبر عنها رمزياً (وليس تزويراً) بفتحتين فقط. والفتحات تدل على مقدار ما أصاب صياح من كرم صاح. إلا أن صياحاً لا بد وأن فعل شيئاً حتى لحق به ما لحق، فهو قد يكون قد تدخل بالسياسة، فهو دخيل، أو عمل بها، فهو عميل، وفي كلا الحالتين أثار صياح غضب صاح.

إعراب الجملة: رغم تشابه الاسمين صوتاً وتقاربهما في المعنى، إلا أن العصا هي الفرق بينهما وهي، وإن لم تذكر في الجملة، بمكانة عظيمة تسمى إعرابياً ولغوياً “الفاعل المستتر بين الكلمات”. العصا في المعاجم ما يتخذ من خشب وغيره للتوكؤ أو الضرب وهي ككل الكلمات الهامة في لغتنا مؤنث (شمس، عين، يد، شجرة، غيمة، قبلة، نبتة، حياة). وتأخذ كلمة عصا حجماً كبيراً في “لسان العرب” يبلغ ست صفحات كبيرة لأهمية العصا في تراثنا الإنساني. ويقال عَصاهُ يَعْصُوه إذا ضرَبَه بالعصا. وعَصِيَ يَعْصَى إذا لَعِبَ بالعَصا كَلِعبه بالسيفِ. لكن العصى بالألف المقصورة معنى هام: عصى فلان سيده يَعْصِيه عَصْياً وعِصْياناً ومَعْصِيَةً إِذا لم يُطِعْهُ، فهو عاصٍ وعَصِيٌّ. ونهر العاصي شريان حمص البطلة سمي لذلك لأنه يخالف الأنهار في المنطقة التي تسيل من الشمال إلى الجنوب أما هو فيسيل رافعاً رأسه بشهامة بنات وأبناء حمص نحو الشمال.

والعصا أداة سيطرة ولسطوتها تمنع ذكر دورها وراء الأحداث، كأجهزة المخابرات التي يبلغ عددها في آخر إحصائية 15 جهازاً تعمل سراً لحماية الشعب من مؤامرات أعداء العروبة والممانعة. وتأثير كل ضابط صغير فيها أكثر من وزير يظهر علناً ويلقي خطابات عن المستقبل، فهو في عرف المخابرات “خيال صحراء”. وهذا الضابط كل اختصاصه أنه، ولحَظِّه، كان في الوقت المناسب ابن عم زوجة رئيس فرع من فروع المخابرات، وهو الذي دبر له هذه الوظيفة بعد أن طالت عطالة الشاب ورفُض طلبه من كل الشركات التي تقدم إليها متوسلاً العمل، وقد سعت له بهذه الوظيفة ابنة عمه التي أحبته منذ كانت طفلة والتي زُوِّجَت عنوة لهذا الوحش الذي لا يعرف ربه بالإشارة، فطلبت، لذكائها، من زوجها وهي العالمة بخفايا نفسه في اللحظة المناسبة، أن يلبي لها طلب عزيزاً، فأجابها وهو على شفير هاوية النشوة فقد فيها كل برودة أعصابه وبلادته، “لك شو ما بدك تكرمي” فقالت له حسناء قبيلتها، إن عمها العزيز بمعزة والدها رجاها أن تطلب منه تدبير أمر هذا الابن المسكين، لأنه يعرف أن زوجها من أهم رجال البلد. وهذه المبالغة تعمدتها المرأة لأنها تعرف أن الديك متى نفش ريشه زاغ بصره.

هكذا أصبح حامل البكالوريا التعيس هذا بعد زيارة قصيرة لثكنة تدريب ضابطاً يقول لكل من له أذن أن فلان رئيس فرع المخابرات الفلاني  صهره. وهذا الضابط الصغير ينتقم عندما يضرب صياح من كل الذين أذلوه وأذلوا أهله منذ القرن العاشر. وصدقاً ينتقم أيضاً من رئيسه الذي يحسده لمضاجعة أجمل بنات قريته والتي حلم يوماً أن تكون زوجته. وهو لو كان فيه ذرة صدق لقال لصياح: عدم المؤاخذة، يا أخي، فأنا لا أعرفك ولا أضربك شخصياً وإنما أنت تمثل دور التعيس الأبدي في مسرحية تاريخية وأنا ألعب دور البطل المغوار الذي ينتقم لشرف قبيلته ولابنة عمه.

لنعد بعد هذا الشرح النفسي العلمي لضابطنا الممانع، للعصا، التي تلعب دوراً هاماً في الإعراب فهي تحول من يمسك بها لفاعل والآخر لمفعول به وتغير حتى الفعل فيما لو ملكها كلاهما، ساعتها يتحول فعل «ضرب» لفعل «تضارب» وهو فعل في اتجاهين يتحول كل من الغريمين لفاعل ومفعول به في نفس الآن. ولذلك تصبح صيغة الجملة كما يلي: تضارب صاحٌ وصياحٌ ويحمل كلاهما ضمتين ويستران الفتحتين والواو تسمى- زوراً- واو العطف وهي كما يتضح لكل قارئ لا عطف فيها لا على البشر ولا على الحيوان، وهي جبارة تربط بين الضارب والمضروب دون أن تتأثر بأي منهما.

تمتد صلاحية هذه الحالة النادرة إعرابياً حتى يبطح أحد الغرماء نده أرضاً فتعود الأمور لنصابها ويصبح المبطوح مفعولاً به متمدداً (يقال له منصوباً لتهدئة خاطره). ويحسن بنا هنا أن ننهي الحلقة لكي نستطيع معالجة كل هذه المواضيع التي لمحنا إليها تلميحاً وتقف الآن أمام بابي منتظرة بصبر وأدب إنكليزي دورها.

رفيق شامي

كانون الثاني، يناير 2014

نشر المقال بوافقة الكاتب

موقع كش ملك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...