الرئيسية / كتاب الانتفاضة / سعيد لحدو / عفواً سيدي الرئيس…. أنت تكذب

عفواً سيدي الرئيس…. أنت تكذب


سعيد لحدو

سأدعي الشجاعة وأنا على بعد آلاف الكيلومترات عن المدى المجدي لرصاص قناصة النظام السوري وشبيحته لأقول لرئيسهم المتفوه: عفواً سيدي الرئيس… أنت تكذب.

وأعترف بأن شجاعتي المزعومة هذه لا ترتقي إلى نسبة واحد بالألف من شجاعة أصغر طفل سوري في أبعد قرية ضمن حدود الوطن الثائر وهو يخرج مسلحاً بحنجرته وصدره العاري إلا من ثقوب رصاص القنص وركلات الشبيحة، ليهتف للحرية. ولكنه مع ذلك فقد أرعب النظام وزعزع أركانه مما دفع هذا النظام للدفع بكل مايملك من قوة بطش وقتل وترهيب، لمواجهة ذلك الطفل. مستخدماً جيش الوطن الذي طالما أصم آذاننا لعشرات السنين بشعارات إعداده للمواجهة والممانعة والصمود والتحرير، فإذ به يواجه بهذا الجيش أبناء الوطن الشرفاء لتدعيم وإطالة أمد صموده وممانعته في التزحزح ولو قيد أنملة عن عرش السلطة المتوارث. أما التحرير فقد تحول إلى تحرير المدن والبلدات السورية من أهلها، ليظل الجولان هادئاً هانئاً سعيداً في كنف إسرائيل التي أثبتت رغم كل وحشيتها بأنها أرحم بألف مرة من هذا النظام.

عفواً سيدي الرئيس…. أنت تكذب. هذه الحقيقة لم نكن بحاجة إلى طلتك البهية للمرة الرابعة لنتأكد منها. فقد سبق لك أن أتحفتنا بالكثير من اللغو والحشو والكلام الفارغ من أي مضمون، والوعود بإصلاحات وقرارات لا أحد يؤمن بجديتها حتى أنت نفسك وكل من حولك ممن هم معنيون بتنفيذ هذه القرارات، ناهيك عن مضامينها الفارغة من أي إصلاح مزعوم. ومن باب التذكير فقط، ولا أظنك ولا أجهزة مخابراتك قد نسيتم، وإن كنتم تتناسون في كثير من الأحيان أنكم قلتم وصرحتم بأمور كثيرة وفعلتم مايخالفها تماماً. أو أن الوقائع أثبتت أنكم كنتم على خطأ جسيم. ومع ذلك تجاهلتم الأمر وكأنه لم يحدث. وعلى سبيل المثال:

كذبت علينا في أول إطلالة رسمية لك من على منبر مجلس المطبلين والمزمرين والمصفقين لتؤدي يمين القسم أمامهم بعد أدائهم المميز في مسرحية التعديل الدستوري إياه ليحق لك دستورياً أن ترث مزرعة الوالد بعد الجهد الكبير الذي بذله طوال ثلاثين عاماً لتكون ملكاً خالصاً لأبنائه من بعده. ولا أظنك، لو أسعفتك الظروف، تحيد عن هذا النهج. لقد كذبت في أول كلمة نطقتها حينذاك وأنت تؤدي القسم الذي كتبه وحضَّره لك والدك من قبل، بأن تحافظ على النظام الجمهوري الديمقراطي الشعبي وأن تحترم الدستور والقوانين وأن ترعى مصالح الشعب وسلامة الوطن…. ولكنك في اللحظة ذاتها التي كنت تؤدي فيها القسم كنت تخون الشعب وتخترق الدستور وتحول النظام الجمهوري إلى سلطة وراثية،. ولم تحترم يوماً مصالح الشعب ولا سلامة الوطن، لاقبل القسم ولا بعده. وتؤسس لحكم ديكتاتوري لامثيل له إلا توأم والدك مجنون ليبيا الذي يلفظ في هذه اللحظات أنفاسه الأخيرة.

ولأن الشعب السوري شعب طيب ومتسامح وغفور ويتطلع بأمل إلى مستقبل الوطن، غفر لك ذلك على أمل أن تتدارك الأمر وتحول بحماسة الشباب غده أفضل من حاضره. وقد تداعى الكثيرون من الشرفاء من أبناء هذا الشعب لتسيل المهمة عليك عندما أسسوا منتديات المجتمع المدني وبدأوا مناقشات جدية ماعرف حينها بربيع دمشق، متشجعين بوعود التغيير والإصلاح التي أعنتها حينذاك. وعندما لمستَ جديتهم في الأمر كان مصيرمعظمهم الملاحقة والاعتقال تحت ذرائع واتهامات مزيفة، وستبقى تلك الاتهامات علامات إدانة لك ولنظامك إلى أن تحين ساعة المحاسبة، ولا أظنها باتت بعيدة الآن.

وعندما بدأت شرارة الثورات بالاشتعال في بعض البلدان العربية ، تجاهلت الأمر وكأنك بمعزل عن ألسنة ذلك اللهيب فكذبت علينا مرة أخرى. لقد قلت حرفياً وبصريح العبارة في مقابلتك مع صحيفة (وول ستريت جورنال) بتاريخ 31 كانون الثاني 2011:( إذا أردت أن تتحدث عن تونس ومصر، فنحن خارج هذا الأمر. وفي النهاية، نحن لسنا تونسيين ولسنا مصريين). وقلت أيضاً وفي المقابلة ذاتها: (لدينا ظروف أصعب مما لدى أغلب الدول العربية ولكن على الرغم من ذلك فإن سورية مستقرة،….وعلى الرغم من كل هذا لا تجد الناس يخرجون في انتفاضة..).

كذبتك الكبيرة هذه انفضحت بعد أسابيع قليلة باندلاع الانتفاضة السورية في أواسط آذار. وعمى الألوان السياسي هذا لم يصبك وحدك وإنما كامل نظامك القائم على التعامي عن الحقائق التي لا تروق له. ومع ذلك فأنت مازلت تصر على أن ثورة الشعب السوري ليست سوى تمرد بعض المندسين والإرهابيين. فإن كنت مازلت تتنكر لثورة بهذا الحجم والاتساع وبهذا العدد الكبير من التضحيات التي لا تشكل تضحيات الشعب التونسي والمصري مجتمعة ربع ماقدمه الشعب السوري من شهداء حتى هذه اللحظة، فكيف تريد منا أن نصدقك ونصدق وعودك التي لا تنتهي إلا بالإصلاح اللفظي؟ في الوقت الذي مازالت أجهزتك الأمنية بكل مالديها من إمكانات وملفات إحصاء أنفاس السوريين تستنزف معظم موارد الدولة. ألم تستطع تلك الأجهزة وكل مرادفاتها من نقابات واتحادات ومنظمات شعبية وحزب قائد للدولة والمجتمع أن تشتم رائحة نيران الثورة التي بدأت بالاشتعال؟؟؟

ومرة أخرى كذبت علينا عندما ألغيت حالة الطوارئ وأعطيت أوامربعدم إطلاق الرصاص على المتظاهرين،أو على الأقل هذا ماسمعناه منك ومن مستشاريك الفطاحل، لتطلق العنان بعدها لشبيحتك وفرق الموت الخاصة بقصرك، الذي سماه والدك زوراً وبهتاناً بقصر الشعب، لتقنص وتقتل وتسلخ جلود المواطنين وتنزع حناجرهم وتعتقل عشرات الآلاف منهم. لأنهم خرجوا يهتفون للحرية.

كذبت علينا أو كذب علينا وزير خارجيتك عندما تنكر في مؤتمر صحفي لوجود أية أزمة وها أنت في إطلالتك الميمونة هذه تتحدث وبصريح العبارة عن أزمة في سوريا. فهل تلك توجيهاتك الحكيمة أم هذه استشارة بليغة منه؟؟

وتكذب علينا من جديد وتقول بأن: القانون سيطبق على الجميع ومن يثبت تورطه بجرم ضد مواطن سيحاسب. ولكن لاندري من تقصد بالمواطن؟ أليس أولئك الناس الذين يظهرون بئات مقاطع الفيديو التي تصور سراً وهم يُدعسون ويُركلون ويُهانون و يُقتلون برصاص قناصتك مواطنين يستحقون حماية قانونية؟؟؟ أم إنهم مجرد جراثيم بحسب اختصاصك الطبي أو جرذان (بالسماح من صديقك القذافي) تجب مكافحتهم؟؟

وتكذب علينا في موضع آخر عندما تعلق أهمية على الغرب عموماً وعلى أمريكا بوجه خاص في مقابلتك إياها قبل بضعة أشهر لتعود وتؤكد اليوم بأنك لاتخاف من مجلس الأمن ولا تعير أية أهمية لموقف الغرب منك ومطالبه لك بالتنحي.. علماً أن وزير خارجيتك كان قد شطب هذا الغرب من خارطة العالم كما شطبت أنت لواء اسكندرون من خارطة سورية. فهل هذا تطابق في المواقف أم كذب ونفاق لرئيس لا يعرف حتى كيف يكذب؟

الحديث يطول والأمثلة كثيرة وكثيرة جداً والكذب يتواصل من إطلاق سراح المعتقلين السياسيين إلى شعار الصمود والمقاومة وتحرير الأرض، مروراً بالإصلاحات والانتخابات وقوانين الإعلام والأحزاب وسحب الجيش وأوامر عدم إطلاق الرصاص ورفع الأحكام العرفية ومنح الأكراد الجنسية (وليس حقوق الأقليات)، إلى تحسن الوضع الاقتصادي إلى اختلاف سورية عن محيطها إلى غيرها وغيرها الكثير الكثير…!!!

وبدون عفواً هذه المرة فإن الرئيس يعلم كما يعلم العالم كله والشعب السوري في مقدمته أن بشار الأسد مع كل إطلالة له يعيد إنتاج كذبه بتصريحات وطروحات لا يعول عليها أحد.

ولكن حبل الكذب قصير كما يقال والعبرة لمن اعتبر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...