الرئيسية / كتاب الانتفاضة / إياد الجعفري / عقدة السيدة الأولى/ إياد الجعفري

عقدة السيدة الأولى/ إياد الجعفري

 

 

بحكم عملي في وسيلة إخبارية الكترونية سورية، خلال النصف الثاني من العقد الماضي، أُتيح لي أن أعايش حادثة طبعت في ذهني وأذهان زملائي من الإعلاميين تصوراً محدداً لطبيعة العلاقة داخل الدائرة الضيقة لنظام الحكم بسوريا.

كان مسؤول التحرير في الوسيلة المشار إليها قد نشر خبراً عن نشاط قامت به أسماء الأسد، عقيلة بشار، واستخدم تعبير “السيدة الأولى” في وصف أسماء، وخلال ساعات وصل إلى رئيس التحرير توبيخ شديد اللهجة، من الجهة الأمنية المعنية حينها بمتابعة نشاط وسائل الإعلام الالكترونية. مفاد التوبيخ، ضرورة توخي الحذر في وصف “السيدة الأولى”، وعدم إطلاقه إلا على أنيسة مخلوف، أرملة حافظ الأسد، ووالدة بشار، في حين يمكن وصف أسماء، بـ “عقيلة الرئيس”، فقط، لا أكثر.

إلتزمت الوسيلة الإعلامية حينها بالتوجيه، وغيّرت صيغة وصف أسماء، لكن التوبيخ كان مفاجئاً، بل كان صادماً للكثيرين من الإعلاميين العاملين معنا حينها.

في النصف الثاني من العقد المنصرم، ضاق تدريجياً ذلك الهامش من حرية الإعلام الذي أُتيح في النصف الأول منه. وانحصر أخيراً، في نقد رئيس الوزراء وما دون، مع محرمات أبرزها، عدم التطرق لأي خبر يمس “العائلة الحاكمة”، أو “السياسة الخارجية”، أو “شؤون الحريات والحياة السياسية في الداخل”، إلا وفق التوجيهات والصيغ التي تصل من الجهات الأمنية، وما غير ذلك، يمكن نيل قسط من الحرية في تناوله نسبياً.

ذكرني خبر وفاة أنيسة، أمس السبت، بتلك القصة التي ترجع إلى قرابة الـ 9 سنوات، وطبعت حينها في ذهني قناعة أن للبعد الشخصي دور حاسم في صنع القرار في أعلى قبة الهرم بسوريا، بحيث كان يمكن لأرملة سبعينية حينها، أن تهز أركان جهاز أمني، بسبب خبر، قلل من صفتها “المطلقة”، كـ “سيدة أولى” لـ سوريا.

في المُتداول الشعبي السوري، تُعتبر أنيسة، ركيزة أساسية لاستقرار الحكم، وصياغة العلاقات بين أركان الدائرة الضيقة العليا فيه، وإدارة هذه العلاقات، وتوجيهها.

فهي، والدة أبرز شخصيتين في نظام الحكم السوري، بشار وماهر، وعمّة شخصية فاعلة في الشق الاقتصادي والمالي منه، رامي مخلوف، وشقيقة أحد أركانه العسكرية، محمد مخلوف، وخالة إحدى شخصياته الأمنية المثيرة للجدل، عاطف نجيب.

في علم السياسة، لا تُعطي النظريات السياسية دوراً حاسماً للبعد الشخصي في إدارة أنظمة الحكم، عادةً. لكن في الأنظمة الملكية، والشبيهة لها، خاصة تلك المؤسسة حديثاً، بحيث أن المعادلات الحاكمة لعلاقات أفرادها، تمتد فقط لجيل واحد أو جيلين، يلعب البعد الشخصي دوراً كبيراً في صياغة تلك المعادلات واستقرارها.

وفي حالة نظام الحكم بدمشق، ذلك المؤسس على أسرة حافظ الأسد، التي ضمت شقيقاً – رفعت- أُبعد عن الحكم في ظروف عصيبة، وشاباً – باسل- تُوفي في ظروف غامضة، وطبيباً – بشار- جُلب على عجل إلى سدة الحكم، وعسكرياً – ماهر- عُرف بتهوره وتورط في حادثة إطلاق رصاص على صهره – آصف-، وابن خال – رامي- يُعتبر رمزاً من رموز الفساد المُزري في سوريا، وابن خالة – عاطف نجيب- عُرف بمسؤوليته عن الشرارة الأولى للثورة على هذا النظام، وأخيراً، إمرأة – أنيسة- عُرفت بقوة الشخصية والتأثير على مجمل ما سبق من الأشخاص،.. في تركيبة كهذه، ومع ضغط التهديدات المستمرة لأكثر من خمس سنوات لاستقرار حكم هذه العائلة، لا بد أن الغياب الكامل للجيل المؤسس – حافظ وزوجته- سيؤثر على متانة الرابطة بين أعضاء الدائرة الضيقة للحكم، بما يجعل مستودع المشاحنات والتوترات والضغائن، المكبوت، بين أعضاء هذه الدائرة، معرضاً للانفجار في أي لحظة، وتحت ضغط أية أزمة.

هو مجرد احتمال، لكن نسبه ترتفع مع غياب أنيسة، ليجعل ركيزة من ركائز تماسك العائلة الحاكمة بسوريا، في ذمة التاريخ.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كيماوي دوما إهانة للغرب/ إياد الجعفري

    لا يمكن فهم هجوم الكيماوي الأخير في دوما، إلا على أنه تحدٍ ممزوج ...