الرئيسية / صفحات الرأي / علمانية الإسلام

علمانية الإسلام


كرم الحلو

فيما يتزايد القلق في مرحلة التحولات الراهنة على الساحة العربية من هيمنة الديني واكتساحه السياسي بالكامل، تستعاد من جديد اسئلة النهضة الاشكالية والتي لا تزال تربك الفكر العربي منذ القرن التاسع عشر. فلماذا تأخر المسلمون وتقدم الآخرون؟ ولماذا يبــقى التوتر محتدماً بين الاسلام والغرب رغم انفتاح العرب والمسلمين على الحضارة الغربية منذ قرون؟ هل ثمة تناقض بنيوي بين الاسلام والعرب والحداثة على ما تصور أرنست رينان وفكر الاستشراق منذ القرن التاسع عشر ام ان لذلك صلة بنظام الحكم واشكال مفهوم الدولة والتباس علاقتها بالدين في المجتمعات العربية ـ الاسلامية؟ فهل الدولة دينية ام مدنية، وهل يمــكن الأخــذ بمبادئ وقيم الغرب الليبرالية مع الاحتفاظ بالهوية الحضارية العربية والاسلامية؟

اسئلة اشكالية لا يمكن الاجابة عنها، كما ذهب علي عبد الرزاق في كتابه «الاسلام واصول الحكم» الصادر عام 1925 والذي اعادت نشره وزارة الثقافة القطرية 2011 وقدم له حيدر ابراهيم علي، من دون حسم مدنية الدولة في العالم الاسلامي وتخليص فكرتها من اسر النموذج الماضوي غير المتفق عليه (الخلافة)، ومن دون نزع الصفة الدينية والتقديسية عن الدولة في بلاد المسلمين.

كانت مقاربة عبد الرزاق الخاصة بعدم ضرورة والزامية الخلافة هي مدخله للمطالبة بدولة اسلامية مدنية قائمة على الشورى، وفصل الدين عن الدولة والرسالة عن الحكم، الامر الذي يتيح في رأيه «للمسلمين ان يسابقوا الامم الاخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلها، وان يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلوا له واستكانوا اليه، وان يبنوا قواعد ملكهم، ونظام حكومتهم، على احدث ما انتجته العقول البشرية، وامتن ما دلت تجارب الامم على انه خير اصول الحكم».

حاول عبد الرزاق دحض الزامية الخلافة بالتوجه مباشرة الى النص والاجماع، فقطع بعدم وجود نص قرآني او حديث نبوي في هذا الصدد: «الحق ان الدين الاسلامي بريء من تلك الخلافة وبريء من كل ما هيأوا وأعدوا لها من رغبة ورهبة. والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلا ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة. وانما تلك كلها خطط سياسية صرفة، لا شأن للدين بها، تركها لنا لنرجع فيها الى احكام العقل وتجارب الامم وقواعد السياسة». وعليه رأى عبد الرزاق ان لا شيء في الدين يمنع المسلمين من التوجه العلماني والانخراط في ثورة الحداثة المعاصرة بكل ما تعيشه من نظم سياسية واجتماعية واقتصادية.

ان القدسية التي اضيفت على مؤسسة الخلافة مردها في رأي عبد الرزاق الى الحكام انفسهم الذين عملوا على اضفاء صبغة دينية على حكمهم، ساعدهم في ذلك علماء السلطان بالفتاوى والحيل الفقهية، حتى شاع بين المسلمين أن الخلافة مقام ديني، وان الخليفة ظل الله على الارض، الخطأ الذي اتاح للسلاطين ان يتخذوا من الدين دروعاً تحمي عروشهم، وترد الخارجين عليهم، وتلك جناية الملوك واستبدادهم بالمسلمين «أضلوهم عن الهدى وعموا عليهم وجوه الحق، وحجبوا عنهم مسالك النور باسم الدين، وباسم الدين استبدوا بهم وأذلوهم».

بيّن ان علي عبد الرزاق قد أراد فصل السياسي عن الديني، مدعياً علمانية الاسلام بمعنى انقطاع الصلة بينه وبين السياسة والدولة والدين، ذاهباً في ذلك أبعد مما ذهب اليه الذين بشروا بعلمانية الغرب سبيلاً للتقدم، ومتقدماً على كل الذين درسوا الاسلام وتاريخه الحضاري. وهذا في حد ذاته كان اكبر من ان يتحمله رجال الدين المتخرجون من المعاهد الدينية والمجترين لتقليد القدماء الذين رأوا في «الاسلام واصول الحكم» طعناً في العقيدة، فعملوا على محاكمة علي عبد الرزاق بسببه، وكانت محاكمته من اهم محاكمات الرأي في تاريخ المسلمين الحديث، فقد تمت ادانته وجرّد من ألقابه العلمية ووظيفته. لكن الكتاب شكل رغم ذلك، تحولاً في الفكر العربي المعاصر وكانت له ارتدادات واسعة لدى عدد من المفكرين. من هؤلاء المفكر الجزائري عبد الحميد باديس وخالد محمد خالد، ويمكن ان ندرج ايضاً في هذا التيار العقلاني التحديثي الذي بادر به عبد الرزاق مفكرين مثل محمد احمد خلف الله ولويس عوض وزكي نجيب محمود وفؤاد زكريا ومحمود امين العالم وفرج فودة وغيرهم، وقد مضى فيه محمد اركون حتى النهاية، مؤمناً بالتحديث من داخل الاسلام.

وتموج الساحة حالياً بمواقف تجديدية يرجع نسبها الى افكار الشيخ عبد الرزاق، رغم ادانة اصحابها له. فثمة نماذج وتعريفات للدولة الاسلامية تنأى بنفسها عن صفة الدينية، ولأول مرة يضيف أغلب الاسلاميين صفة المدنية رغم التباس مفهومها لديهم، وهذا في حد ذاته تحول عظيم في التفكير السياسي وصل لدرجة تخلي بعض تنظيمات الاسلام السياسي عن اسمائها التاريخية. حتى ان يوسف القرضاوي ذهب الى ان الاسلام حسم الامر بالدعوة الى «سلطة اسلامية بمعنى انها سلطة مدنية تختارها الامة، تعتمد المرجعية الاسلامية في تشريعها». ويتبنى هذه المواقف الفكرية مفكرون اسلاميون مثل طارق البثري وسليم العوا واحمد كمال ابو المجد وفهمي هويدي ومحمد عمارة في مصر، وآخرون في قطر والسودان والاردن. إلا ان بعض التيارات السلفية ما زالت تصر على طريقة في التفسير تقربها كثيراً من فكرة الدولة الدينية. وهذا كله يضفي على افكار علي عبد الرزاق في عشرينيات القرن الماضي صفة الراهنية مطلع هذا القرن. فالعلمنة التي بادر الى رفع لوائها في الفكر الاسلامي واصر عليها، وكابد كثيراً من اجلها، رغم استخدام بعضهم حيلة لاغتيال افكاره، بقولهم انه قد تنازل عن كل ما قاله واعتذر عنه قبل وفاته، هذه العلمنة، فضلاً عن كونها حاجة انسانية كونية، هي حاجة عربية واسلامية في وقت تتهدد العالمين العربي والاسلامي النوازع الطائفية والمذهبية والجهوية بما يضعهما امام مخاطر التفتت العصبوي والحرب الاهلية.

ان استعادة علمانية علي عبد الرزاق التأسيسية في الفكر العربي الاسلامي، فضلاً عن محنته الشخصية، تشكل في رأينا حافزاً للمضي من دون هوادة في علمنة المجتمعات العربية والاسلامية التي ما فتئت تصارع تخلفها وفواتها منذ قرون، والتي اثبتت التجربة ان لا سبيل امامها للتقدم والخروج من دوامة ترديها الحضاري من دون الانفتاح على فضاء العلمانية والاستفادة من دروسها.

([) كاتب وأكاديمي لبناني

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...