الرئيسية / صفحات الثقافة / على عجل جاء الخريف وأنكر العنب/ أحمد رضا

على عجل جاء الخريف وأنكر العنب/ أحمد رضا

 

 

 

هذه الكلمات..

 

ساخنةٌ هي هذه الكلمات اليوم

في هذه الجُمعة من الصيف،

وأنا أخشى إذا ما كتبتها

أن يحترق الورقُ ويضيع البيت

في الحريق.

إنّه الصيف،

بعيدون نحنُ عن صقيع الشتاء.

أجلس ههنا بجانب هذه الكلمات اللاهبة.

ليس قيظ الصيف ما يشعرني بالعطش

وهجُ هذه الكلماتِ هو ما يدفعني للمضي إلى باحة الدار

والجلوس على العشب.

أنظرُ إلى نافذة البيت

الكلمات اللاهبة تركض من وراء الزّجاج.

لي رغبةٌ في الحياة،

لي رغبةٌ في أن آخذ مزهريات “العسلية” إلى الغرفة،

وأن أحدّث أحلامي عن أزهارها.

واليوم فحسب

علمتُ أنّ جاري ينوي أن يجلب لي عند غروب الشمس

بُصيلات الزنبق.

لا طاقة لي على تحمّل الحريق

في ظهيرة الصيف هذه

المتظاهرة بالدَّعة.

الكلماتُ أحرقت الغرفة،

الكلماتُ صارت رماداً

والحريقُ امتدّ إلى الشارع،

في ظهيرة الصّيف هذه

المتظاهرة بالدَّعة.

 

 

في وقتٍ متأخّرٍ من الليل

 

 

في وقتٍ متأخّرٍ من الليل

تبدأ هذه الترنيمة:

في البدء صوتُ تشقّق الجليد

وجريانُ نهرٍ صغيرٍ فوق الحُصُر،

ثم رائحة خبزٍ بائتٍ متشقّقٍ

تعجزُ الأسنان عن كسره..

الطيورُ إثر انتهائها

من تفتيت قطع الخبز

كانت تشرعُ بالغناء..

لم نكن وحدنا،

الآخرون أيضاً سمعوا هذا الصوت.

متحمّساً ووحيداً

جاء هذا الطائرُ الذي يحمل الصيف بين منقاره،

ليأخذ عناقيد العنب من فصلٍ إلى آخر.

شبابنا يبدأ،

الطفولة تتلاشى..

لنَختبئ داخلَ غناء هذا الطائر المتحمّس الوحيد،

داخلَ عناقيد العنب الماضية نحو فصلٍ آخر…

ليتها تصحبنا معها عناقيدُ العنب

ونغرق في نومٍ أبديٍّ

تحت ظلّ غناء هذا الطائر المتحمّس الوحيد.

 

 

(………)

 

 

إنّهُ العمرُ، ينبغي ملازمة الصمت.

عاد من جديدٍ إلى الطفولة….. عاد إلى الشّباب. من عتبة البيت رأيتُ الحريق يمتدُّ من الشارع إلى بيتنا، كنتُ واقفاً عند عتبة الباب منتظراً عودة أمّي عبر الزّقاق. كانت ذاهبةً لشراء الخبز، لشراء أقلام التلوين، وجاءت مع الحريق إلى البيت.

واقفاً كنت عند عتبة البيت عندما دخل الحريقُ، عبر الزّقاق، إلى بيتنا.

على عتبة الباب كنت أنتظرُ أبي الذي كان ذاهباً للثأر لأخي. عند مغيب الشمس عاد بخنجرٍ مغروزٍ في صدره، وعند عتبة الباب سقط.

توافد الجيرانُ .. حلّ الليلُ، وحتى الصّباح كانت الجنازةُ وسط غرفة الضّيوف، والجيرانُ حولها يتحدّثون عن شبابهم.

أمّي كانت تحدّقُ إلى الجنازة حتّى الصباح.

قرب جثّة أبي غفوتُ…

في الحلم رأيتُ أزهار الأقحوان نابتةً في موضع الطّعنة، في صدر أبي.

أيّ ساعةٍ دفنوا الجنازة؟

– في مساء اليوم التّالي..

اخترق الحريقُ مراسم الدَّفن أيضاً، وظلّ الكفنُ يحترقُ حتى فجر اليوم التالي.

– لقد رأينا ذلك…

– في الحلم؟

– كلاّ، كان ذلك في اليقظة.

بعد الحريق غمرنا إحساسٌ بالبساطة..

شفّافاً كان الماءُ في الكؤوس، شفّافاً صار الماءُ في الكؤوس، شفّافاً كان زجاجُ نوافذ الغرفة المبللة بالمطر….

– الحريقُ والألمُ؟

– كلاّ ..الحريقُ والبساطة.

كانت الزّهور قد نمت في كلّ مكانٍ ….

بين ثنايا ملاءاتي أيضاً كانت قد نبتت زهور….

كان أبي يحبُّ الحريق والبساطة طوال حياته…

دائماً كانت أمّي تسمّي الحريقَ

سرير العشّاق المجهولين….

 

 

انظري إلى نومي الفسيح…

 

 

انظري إلى نومي الفسيح

في المطر.

تقبّليني،

لقد صحوت.

خلفَ النافذة

يتساقطُ الثلجُ على الأغصان..

عظيمةٌ

هي هذه النوافذ الخضراء الثلاث،

كلُّ نافذةٍ

تخبرُ عن وقت شروق الشمس.

 

 

أتيتُ…

 

أتيتُ، في يدي فقط سلّةٌ من الندى وغصنُ جوريٍّ، كنتُ أهيّئ نفسي للقائك، كانت لديّ سلّة عنبٍ، بضعُ سلالٍ من ندى الصّباح، قطعة خبزٍ، جرعة ماءٍ باردٍ من الكوز، وبساطٌ مهترئٌ..

بسهولةٍ أتيتُ… بسهولةٍ أتيتِ..عندما التقيتكِ نسيتُ اسم الخبز..

كان الشتاءُ يشقّ الحجر والحلم.. الصّيفُ كان متوارياً داخل سلّة عنبٍ..

على عجلٍ جاء الخريفُ وأنكر العنب، وتأخَّر الشتاء في المجيء.

فتحنا أبواب العنب، كان النّبيذُ نائماً وحزيناً…

 

 

تنادونني…

 

تنادونني.

تفوحُ من جبيني رائحة الشيخوخة

فتكفـّون عن مناداتي.

مطرٌ ميتٌ وغاضبٌ

يقطر من قامتي

على الإسفلت الصيفيّ اللاهب للشوارع..

قاتمٌ هو حلمي

فهل ستأتون إليّ؟

أريد أن أتحرّر.

لا أخبار عن مجيئكِ

سأجلسُ إذاً على رصيف الشتاء البارد

وألقي نظرةً..

الموتُ متوارٍ بين شجيرات القرّاص الصامتة

والضيوفُ مضوا

إلى وسطها.

اليوم هو أوّل أورديبهشت*،

مظلات الضيوف ومعاطفهم الشتوية

بقيت في بيتنا..

إنّي في انتظار أن آخذ ملابسي من عند الخيّاط

لأرتديها في الثلج والمطر

وأمضي إلى وسط شجيرات القرّاص،

فالضيوفُ في انتظاري.

 

 

بيتي المهدَّم…

 

بيتي المهدَّمُ

ينفرُ من الوحشة.

عبرَ هذا العالم الخاوي من البرتقال والأقحوان

أركضُ

وأصلُ إلى البيت..

الماءُ يدلفُ من السقف..

أتوقـّفُ في الممرِّ

وأشاهدُ الطعام في الصحون

ممزوجاً بليلك الملجأ

ودم الجيران.

 

 

*شاعر إيراني،

وأورديبهشت هو الشهر الثاني من السنة الإيرانية، وثاني أشهر الربيع.

(الترجمة من الفارسية)

المترجم: ماهر جمّو

ضفة ثالثة

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...