الرئيسية / صفحات الرأي / عن إشكاليات النقد بعد انتخابات أميركا وثورة سورية/ سامر فرنجيّة

عن إشكاليات النقد بعد انتخابات أميركا وثورة سورية/ سامر فرنجيّة

 

 

نجح دونالد ترامب، حتى لو لم يُنتخب رئيساً، بأن استحوذ على الخطاب العام واحتكر عناوين المعركة الانتخابية. وهذا التقييم قد ينطبق على الأحزاب المتطرفة الصاعدة في العالم كافة والتي، على رغم الهشاشة الانتخابية لبعضها، باتت القوة الصاعدة سياسياً التي تفرض معايير الخطاب.

تعود سهولة هذا الصعود جزئياً إلى عدم وجود خصم يستطيع تقديم مشروع بديل عن هذا اليمين المتطرف من جهة، وإلى نزعة التلفيق التي سيطرت على السياسة بعد انتهاء الحرب الباردة من جهة أخرى. فهذا اليمين الصاعد لم يجد إلا بقايا أحزاب «وسطية» تدرك أنّها لا تملك الكثير مما تقدّمه للناخب.

احتكار الخطاب لا يعود فقط إلى غياب بديل، بل إلى نجاح هذا اليمين في الاستفادة من «المخزون النقدي» الذي بني على مدى عقود. فتحوّل ظاهرة مثل «ويكيليكس» من مناهض أول للسياسات الأميركية إلى داعم أساس لترامب وحليفه الروسي ليس حالة منفردة تعود إلى شخصية صاحب تلك التسريبات، بل هو تعبير عن قدرة هذا اليمين على «تحوير» النقد للنظام وتسييسه. فتماهياً مع نقد الديموقراطية التمثيلية، استعان ترامب بالشعبوية واللقاءات الجماهيرية. وتماهياً مع نقد الاحتكار الإعلامي، اتّكل على جيش من الإعلاميين البدلاء المنتشرين على شبكات التواصل الاجتماعي. وتماهياً مع نقد نظرية الاندماج وخطابها «الصائب سياسيّاً»، حرّر ترامب خطابه من أي ضابط أخلاقي أو قمع ذاتي. وتماهياً مع نقد العمولة والرأسمالية، حارب الانفتاح وطالب بسياسات تدعم الصناعة المحلية. وتماهياً مع مطلب «ترييف» الغرب والرجل الأبيض، نصب نفسه ملكاً على هذا الريف الجديد.

وسهولة التماهي والسيطرة على المخزون النقدي لا ترجع فقط إلى حيوية هذا اليمين المتطرف، بل إلى طبيعة النقد الذي قبل، منذ التسعينات، بفرضية غياب البديل، وبالتالي بخلاصة استحالة التسييس، مستعيناً بأخلقة ضمنية يواجه بها ما وصفه بالعدو الكلّي. فمع الابتعاد عن التفكير ببديل، ازدادت «راديكالية» النقد المحرّر من السياسة، ليصبح نقداً شكلياً ينطلق من أزمات الخصم ليكرّس نوعاً من الخلاصية المطلقة. وبالتالي، جاء المخلص، وإن كان لا يشبه أمنيات النقاد.

وقد يكون المثل الأوضح عن هذا النقد المنغلق على نفسه مسألة العلاقات الدولية، حيث باتت معارضة «الإمبراطورية الجديدة» تحتكر كل المسافة النقدية، حتى عندما تزول الإمبراطورية وتحل محل مذابحها مذابح «تقدمية».

وهذا المجال قد يكون من أصعب العوائق في وجه بناء خطاب بديل. فعلى رغم الخطاب الجديد الذي قدّمه المرشّح بيرني ساندرز مثلاً، انحصر موقفه في ما يخص العلاقات الدولية بالشعار النمطي «لا للتدخّل»، والذي يتشارك فيه مع سائر اليسار وجزء كبير من اليمين. وهنا قدمت الثورة السورية أفضل الأمثلة عن غياب البديل، حيث بات هناك إجماع يخرق الحدود الأيديولوجية. فقد لعب كتّاب يساريون دوراً بارزاً في إعادة تعريف الثورة السورية بوصفها حرباً أهلية، مختبئين وراء خطاب «إنساني»، كانوا في الماضي من أهم نقّاده.

في هذا المعنى، قد يكون الفشل في تحويل الثورة السورية إلى نقطة تحوّل في الممارسات النقدية من الأسباب الرئيسة وراء عدم ظهور بديل متكامل يقف في وجه صعود اليمين المتطرف.

وأهمية الحدث السوري تعود إلى سببين: الأول أن الحدث السوري لا يستقيم مع الروايات والسياسات التي ورثناها منذ نهاية الحرب الباردة، بل يشكّل قطيعة معها. فالثورة السورية كانت سباقة في إعلان انتهاء صلاحية الممارسات النقدية الموروثة عن تلك المرحلة. وهكذا فتكرار مقولة «لا للتدخّل» هو إسقاط للحدث العراقي على واقع شهد تحوّلاً، وهو تكرار كان ليبدو بريئاً لو لم يتماش مع عملية تدخل أكبر ودمار أشمل. فأي بديل عن صعود اليمين المتطرف وعلاقاته الدولية المتمحورة حول بوتين محكوم إذاً بالمرور بالثورة السورية ومعضلاتها، لابتكار سياسة مختلفة تجاه المنطقة والتضامن الدولي ومسألة المهجرين وفكرة التحرّر.

وباتت هذه المسألة مركزية ليس فقط بسبب أهمية الحدث السوري، بل لأنّ هذا الحدث يلخّص أزمة النقد العامة. وهذا هو السبب الثاني والأهم. فالثورة السورية لم تحظ بالدعم ذاته الذي حصلت عليه قضايا أخرى. وهذا لا يعود إلى الموقف المناهض للإمبريالية فحسب، بل لأن الثورة السورية تطلبت من النقد ما لم يستطع تقديمه المناهض للإمبريالية فيما هو سجين أخلاقيته الضمنية. فقد اعتاد هذا النقد على قضايا بلا فاعل يجب تبريره، أو سياقات متناقضة يجب تسييسها، أو خصوم يجب فهمهم. ذاك أن «التابع» أُسكِت في لحظة التساؤل عن قدرته على التكلّم، والسياق أخرج من استشراقية ليقع في استشراقية مضادة، والخصم تحوّل فاعلاً وحيداً في هذه الرواية. وكان لنقد كهذا أن أنتج ممارسات تتراوح بين الالتحام الكامل بالقضية والشعور بالذنب الذي رافق عملية النقد. فإما التحام أو انفصال، فيما النتيجة واحدة، وهي غياب فاعل للقضية.

إن أهمية الثورة السورية هي أنّها كانت سبّاقة في الإشارة إلى أزمات هذا النوع من النقد. فصعوبة هذا الحدث لم تكمن فقط في أنّه خرق خطوط الاشتباك القديمة بل في أنّه طلب من الناقد نوعاً مختلفاً من التضامن، واعترافاً بتعقيدات السياق والتاريخ، وبضرورة السياسة كمخرج من الأخلاق. في هذا المعنى، جاءت الثورة السورية لتقول لنقد اعتبر نفسه متكاملاً أن هندسته باتت غير كافية وفي حاجة إلى إعادة تركيب. وبدوره كابر هذا النقد عليها، فتماهى مع اليمين المتطرف، وحاول الاستمرار في لعبته القديمة، فتحوّل إلى شريك في المذبحة، وفيما انسحب إلى «الإنسانية» ترك الساحة للعنصرية.

هكذا جاء ترامب لينهي هذه العملية، ويعيد النقاد مشكورين إلى جامعاتهم وتجمعاتهم. ولربّما حملت هذه العودة لحظة استدراك مفاده أنْ ليس من بديل خارج تحويل حدث الثورة السورية نقطة ارتكاز لخطاب بديل وجديد.

الحياة

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...