صفحات الرأي

مات المؤلف” تعالوا لندفنه/ عبّاد يحيى

 

في مكتبة قديمةٍ، عاث فيها الدهر، وجدت رواية من دون غلاف، غلافها وصفحاتها الأُوَل منزوعة، رواية تبدأ من دون مقدمات، والأهم من دون اسم مؤلفها. “لقيطة” جميلة، قرأتها بمتعة نادرة، متعة التخفّف من نَسَبها واسم صاحبها، وأدركت أن جزءاً غير يسير من جمالها كان نابعاً من أنني لا أعرف اسم مؤلفها، ولم أبحث عنه في google للحصول على معلومات أوفى.

لم أعرف المؤلف، وبالتالي لم أطلع على تسجيلات على YouTube تظهر حواراته مع مذيع ساذج، يسأله عن موقفه السياسي في القضية تلك، ولم أطلع على مقاطع مسجلة لحواره السطحي مع المذيعة الشهيرة، ولا قرأت له مقالات سياسية تحشره في زاويةٍ، أو تدفعه إلى أخرى. وبالضرورة، ولأنني لا أعرف المؤلف، لم أقرأ ما قال فيه المادحون، وما أخذ عليه النقاد، ولا ما أنزل به الناقمون من أوصافٍ ونكاتٍ وشتائم. والحقيقة أنني حرصت، بكل حزم، على عدم معرفة صاحبها، ولم يبخسها عدم معرفة مؤلفها شيئاً، ولم يضف إليها، على الأقل برأيي.

يحيل الأمر إلى كتبٍ مهمةٍ، وروايات بديعة وشعر ساحر، فقدت كل بريقها ومكانتها على يد مؤلفيها، أو مؤلِّفاتها، كيف لا، ونحن نعيش زمن الردّة، حيث الروايات صادقة، والروائيون كَذَبة، والأشعار شجاعة والشعراء جبناء، والفكر متّزن وأصحابه بهلوانات! وربما الأزمنة كلها أزمنة ردّة ما، إنْ قيست من هذا الجانب، ولعلّنا في حاجة إلى العودة، مرة أخرى، إلى مقولة “موت المؤلف”، لإنعاشها وتوسيعها، علّنا نجد فيها مخرجاً من مآزق، يضعنا فيها المؤلفون.

فبعدما حصرت مقولة “موت المؤلف” في سياق النقد الأدبي، أو الدرس الفلسفي، تبدو المقولة، برمزيتها العالية، ملحّة، يفرضها أن “الأدب في خطر”، ناهيك عن الفكر، وأن الحالة الثقافية بمجملها في خطر، في ظل التحولات السياسية الجارية في المنطقة العربية، وفي ظل ما يرينا “المؤلفون” من عجائب وألاعيب.

يحتلّ الراوي، أو المؤلف، في سياق الثقافة العربية والإسلامية (ربما الثقافة ذات المرجعية الدينية بشكل عام أيضاً)، فرادةً مضاعفة، فهو، في أحيانٍ كثيرة، أهم ممّا يقول، ويُدَلّل على النص من خلال مؤلفه وراويه، وليس العكس، ربما هي نزعة سلفية، لا بدّ من التخلص منها، ولو مرحلياً اليوم، حفاظاً على المُنتج الفكري والأدبي، ودفاعاً عنهما.

لو أننا أعملنا “موت المؤلف” في تعاملنا مع الفكر والأدب، في مرحلة التقلّب والنكوص وخيانة الفكر والثقافة، ستكون أحكامنا أكثر موضوعية، من دون “أفق التوقع والانتظار” الذي تضعنا فيه أسماؤهم المتصدّرة أغلفة الكتب، ذاك “الأفق” بات حصيلة مواقفهم السياسية، وعلاقاتهم النفعية، ومصالحهم الشخصية واصطفافاتهم المذهبية، وليس مجرد حمولة خالصة، متصلة بأصلهم الاجتماعي، وانتمائهم القومي وخطهم الفكري، أو الفني، وموقعهم الجيليّ.

إن تعاملنا اليوم مع الكتب من دون مؤلفيها الموتى سيقلّل، ربما، التكسّب من الثقافة والمعرفة، ونساهم، ولو قليلاً، في تفتيت شبكة المصالح التي أوقع المؤلفون أنفسهم فيها، أو أوقعتهم صروف الحياة في حبائلها. لن يعنينا تقلّب رأي صاحب الرائعة الروائية، أو الأشعار الفذّة، بالسياسة والدين والمرشحين للانتخابات، وسنضيّع على المتاجرين بالمؤلفين فرصة استخدامهم، وسننقذ المؤلفين من أنفسهم. لن يجابهنا المؤلفون بسطوة أسمائهم، ولن نستسلم لها. ولن يضرّ النصوص أن مؤلفيها يترعرعون في ظل الديكتاتور العسكري، أو يطمعون باعتراف أعدائهم.

سنحرّر أبطال الروايات من جنايات مؤلفيها، وسنمنحهم حياةً كريمة، بعيدة عن الحسابات الضيقة لمؤلفين يحولونهم إلى أتباع لاحقين في الظل. سنمنح أنفسنا، كقراء، ونمنح القراء، على اختلاف ثقافاتهم ومعارفهم، حقهم في التفكير والنقد، بدل التسليم بمقولات كتّابهم المفضّلين والاصطفاف خلفهم. وفي الوقت عينه، سنحرّر المؤلفين من سطوة الجمهور وفتنته، ومن أدوار النبوّة والرسالة، سنؤنسنهم أكثر بمعنى آخر.

حين قال رولان بارت بموت المؤلف، هزّت مقولته أركان النقد الأدبي والفكري، وبلغ الخوض فيها واستخدامها حد الابتذال، لكنها اليوم ملحّة على وقع المكاره التي نراها عربياً، ولا يمكن إنعاش المقولة بالتعامل معها كما كانت تماماً، ووفق سياقها، بل لا بدّ من تحويرات تتناسب مع حالنا. لا بد من توسيع المقولة، وإعادة الاعتبار لها، بالإضافة إليها، وإعمالها سياسياً حيال المؤلفين، أيّاً كانوا، ونحن بحاجة إلى خطوة أخرى إلى الأمام، تبرم الأمر وتنهيه، لقد “مات المؤلف”؛ وعلينا دفنه.

العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى