الرئيسية / صفحات العالم / عن البعث والنظام والثورة السورية

عن البعث والنظام والثورة السورية


ضافي الجمعاني

ان الكلام الكبير المبني على الهواجس والذي لا يستند الى العلمية والمعرفة هو كحجر الكلس الكبير الذي اذا رميته من أعلى يتفتت. ان أمراض المجتمع العربي موحدة في الدول الكبيرة والصغيرة وفي الدول الغنية والفقيرة، وهذه الأمراض هي في السلطة التي لا ينهيها الا الموت، ان كانت الموروثة او التي ستورث. هذه السلطة المستبدة الظالمة الفاسدة المنزوعة الوطنية، العميلة لمراكز القوى العالمية، والتي لم تترك أجهزتها الأمنية فضيلة الا وحاربتها، والتي تبيع القيم الشريفة والأساسية للحياة الكريمة من أجل الحفاظ على سلطاتها، تكره العروبة وتعاديها وتكره فلسطين والفلسطينيين، فهل هناك سوء اسوأ من هذا؟ ان الاستعمار المباشرهو أفضل من هذا الواقع فهو عدو مشخص لا بد من مقاومته. ولهذا فالثورات الشعبية في الوطن العربي موحدة الاداة موحدة الهدف، عدوها مشخص في أنظمة الحكم العميلة والفاسدة في الوطن، وهي ثورة تحرر من الاستعمار غير المباشر الذي تمثله أنظمة الحكم الموصوفة أعلاه. لذا فكل الجماهير أداة هذه الثورات تنادي بالحرية وتسعى الى امتلاكها، فقد تبين لها أن فقدان الحرية هو سبب كل ذلك.

ان البعث في منطلقه الفكري عرف ذلك لكنه لم يستطع الصمود على هذا المنطلق. لقد عرف البعث حقيقة فعل الحرية وتأثيرها التاريخي، لذا جعلها تتوسط شعاره، فهــــو يمسك بيمينه الوحدة و بيساره العدالة الاجتماعية. لانه بدون تحقيق الحرية لا يمكن تحقيق الحرية ولا العدالة اجتماعية ولنا من التجارب الماضية أصدق اثبات.

لقد مضى قرن من الزمن على التعامل المباشر وغير المباشر بين الاستعمار الغربي في المشرق العربي والانسان العربي، أنجز الاستعمار التجزئة و مضمونها على طريقته و هواه خدمة لمصالحه. ومن خلال هذه التجزئة خلق الكيان الصهيوني و عمق جذوره، وحتى يضمن الحفاظ على مصالحه وتثبيت اسرائيل ككيان دائم في فلسطين، اقدم على احتلال العراق الذي كان خارج السيطرة ويخطو خطوات جديدة نحو المنعة ويعتنق ايديولوجيه الوحده العربيه، وبهذا الاحتلال سيسهل عليه تحقيق اهدافه في الحفاظ على مصالحه وتثبيت اسرائيل . وذلك بتجزئة العراق اساسا ومنطلقا نحو مشروعه في اقامة الشرق الاوسط الجديد (الا ان القمر لم يأت على هوى الساري). لقد كان رد المقاومة العراقية سريعا ومباشرا وفعال، انزلت الامبراطوريه الامريكيه عن قمة السيطره على العالم سياسيا واقتصاديا، وهكذا طوي مشروع الشرق الاوسط الجديد من هذه الناحية، الا ان المحاولة الثانية لتحقيق هذا المشروع جرت من البوابة اللبنانيه السوريه، فكان هجوم الجيش الاسرائيلي على جنوب لبنان وتكفل حزب الله في افشاله ومنع الجيش الاسرائيلي من تحقيق اهدافه واهداف الولايات المتحده والغرب في تأسيس مشروع الشرق الاوسط الجديد من البوابة اللبنانية. ان الولايات المتحده التي انهزم مشروعها في العراق ولبنان وهي تلملم وحلف الاطلسي هزيمتهم المؤكدة في افغانستان، وبعد هذا الفشل الاستراتيجي ودخولهم في الازمة الاقتصادية لم يعودوا في وارد خلق ازمات عالمية جديدة لأنهم ليسو قادرين على الفعل فيها وحلها لمصلحتهم. انهم يحاولون الآن التاثير في الاحداث بعد وقوعها وحرفها عن المسار واهدافها من خلال اجهزة الانظمة التي كانت مرتبطة بهم وخاصة الاجهزة الامنية ‘الجيش والمخابرات والشرطه’ وما يجري في تونس ومصر الا دليلاعلى ذلك. الا انه يستحيل العودة بالامور الى اسوأ مما كانت عليه وذلك من خلال كسر الجماهير لجدار الخوف ووصولها هتافا الى التوصيف الفعلي لحقيقة هذه البلدان بسجن الآباطرة وفرض العقوبات المهينة عليهم وعلى زبانيتهم ايضا، وخلق ايضا خوفا حقيقيا للسلطة المؤقتة الآن وفي المستقبل.

اليمن: ان الخوف الآن على اليمن، فكما قال عبدالعزيز بن سعود في وصيته لأبنائه، ‘ان الخير والشر يأتيكم من اليمن’ و خير و شر الجزيرة والخليج من اليمن أيضا، فالخير يأتيكم من يمن مسيطر عليه فاقد القدرة على التأثير، والشر يأتيكم من يمن حر عروبي متماسك وموحد، و مصالح الاستعمار الغربي في الجزيرة والخليج أكبر من أن تترك للمخاطر، فهل يستطيعون السيطرة على اليمن؟

لقد ذكرت أعلاه أن الأمراض في الأقطار العربية واحدة، وأن القوى المقاومة لهذه الأمراض هي واحدة، ولكن الأختلاف بين هذه الأنظمة يكمن في التكوين البنيوي، فأقطار مثل تونس ومصر واليمن أداة الحكم فيها مبنية ‘مظهريا’ على الأحزاب، ومن هذه الأحزاب تكونت معظم السلطات واستمرت تحكم مدة طويلة، ولكن الحكم الحقيقي هو للحاكم وعائلته وتيارعريض من الانتهازيين والمنتفعين الفاسدين.

أما في ‘الجماهرية الاشتراكية العظمى’ فالأمر مختلف تماما عن كل أنظمة العالم، فقد أبدع الملازم الأول في الشرطة معمر القذافي عندما خلق لنظامه أيديولوجية النظرية العالمية الثالثة، أي أنها لا رأسمالية ولا اشتراكية أساسها من ‘من تحزب خان’. هذا الملازم الأول أطاح بالنظام الملكي وأجلى القواعد الجوية الأمريكية والبريطانية عن الأرض الليبية و خلق الجماهيرية الاشتراكية العظمى التي تقودها اللجان الثورية ويقود هذه اللجان ‘الأخ العقيد معمر القذافي قائد الفاتح من سبتمبر’. المهمة الحقيقية لهذه اللجان هو التهليل وتأليه معمر القذافي، فهو يوما أمينا للقومية العربية ويقاتل مع ايران ضد العراق، وفي اليوم التالي يغادر العروبة الى افريقيا ليصبح ملكا لملوكها. يملك مليارات طائلة ومدينة بنغازي ثاني أكبر المدن الليبية مثل ‘قرية ذيبان’ في تواضعها، وهناك أكثر من مليون ليبي من أصل خمسة ملايين مهاجر من ظلم القذافي، حيث أن بعضهم يعملون بالأجرة في جزيرة مالطا.

هل من يستطيع ان يقول لي ان الاستعمار البريطاني الذي خلق هؤلاء الورثة قد قتل في أي من مستعمراته العربيه الفين ومائتي سجين لأنهم يطالبون بالحريه كما فعل الاخ العقيد؟!

اما شقيقه نظام الفريق حافظ الاسد فهو صاحب مهمة اكثر تعقيدا واخطر اهدافا ويدل على ذلك توريثه النظام الى ابنه بشار الاسد وذلك للحفاظ على الاستراتيجية التي جاء من اجلها. ومهمات هذا النظام:

1.منع سورية من دورها الطليعي المنادي بالوحدة العربية.

2.العداء للعراق وعدم اللقاء معه بالمطلق والاصطفاف مع اعدائه ايا كان لونهم وجنسيتهم.

3.الاعتراف بالقرارين (242،338) اي الاعتراف بالكيان الاسرائيلي.

4.تشويه صورة حزب البعث العربي الاشتراكي من خلال الحكم باسمه. والحقيقه انه ليس للبعث علاقة بالموبقات التي يرتكبها النظام المشكل من عائلة الاسد واقربائهم وانسبائهم بالتحالف مع التجار والصناعيين واصحاب المصالح في المدن السوريه الكبرى.

يحكم هذا النظام ا بمجموعة عسكرية اكثر ضباطها من لون واحد لكون التصفيات التي حدثت في الجيش العربي السوري لم تنلهم، ومن هنا اخذ صفة الطائفية، قاتل العراق مع ايران بالرغم من انه يحكم كما يدعي باسم البعث ومضمونه، وتضمه والعراق جامعة الدول العربية، وارسل جيشه الى حفر الباطن ليقاتل العراق مع الامبريالية والصهيونية، ارضه محتلة منذ اكثر من اربعين عاما لم يطلق طلقة واحدة من اجل تحريرها، يقاتل بالشعارات والقوى المقاتلة خارج الارض السورية، هذا هو نظام حافظ الاسد الذي سجن رفاقه لأكثر من عقدين دون محاكمتهم بعد أن انقلب عليهم، وصفى بعضهم جسديا داخل السجن دون ستر أو خوف كما فعل بالرفيق اللواء صلاح جديد الأمين العام المساعد للحزب، وقتل أكثر من ثلاثين الف انسان في مدينة حماة، وقام شقيقه رفعت الأسد بقتل أكثر من ألف سجين في سجن تدمر عقابا لمحاولة اغتيال أخيه. هذا هو نظام حافظ الأسد.

ان الثورة العربية الحالية ليست أول ثورة في التاريخ، فقد حدثت مثلها ثورات عالمية بنفس العوامل والأسباب التي تقوم بسببها الثورات العربية اليوم، فلمذا ينسب العديد من العرب هذه المقاومة للواقع المهين الى الامبريالية وحلفائها؟

ان الخوف على الثورة العربية ليس من الغرب الأمبريالي أو من غيره من القوى الخارجية، انما الخوف يأتي من الثوار أنفسهم، لمعرفتهم السطحية للواقع والقوى الفاعلة، ولعدم الخبرة في كيفية الاستفادة من الثورة في عملية البناء. حيث من المعلوم أن الثورات الكبرى انتهت الى الدكتاتورية، فالفرنسية الى نابليون والروسية الى ستالين والجزائرية الى بومدين والعسكر، ومع ذلك فأنني مؤمن أن الوطن العربي سياسيا واجتماعيا يتقدم الى الأمام.

‘ سياسي اردني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

+ 15 = 22

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...