الرئيسية / صفحات مميزة / عن تقلّبات الموقف الأميركي في الصراع السوري =مجموعة مقالات

عن تقلّبات الموقف الأميركي في الصراع السوري =مجموعة مقالات

 

 

 

 

نصر الحريري: واشنطن متمسكة بـ «الانتقال»… وسنحاور موسكو

رئيس «هيئة التفاوض» المعارضة قال لـ«الشرق الأوسط» إنه يرفض أي إجراء يؤدي إلى تقسيم سوريا

لندن: إبراهيم حميدي

أكد رئيس «هيئة المفاوضات السورية» المعارضة نصر الحريري في حديث لـ«الشرق الأوسط» أمس، أن مستشار الأمن القومي الأميركي هربرت ماكماستر أكد التزام واشنطن تحقيق «الانتقال السياسي» في سوريا، وأن مسؤولة شؤون الأمن والخارجية فيدريكا موغريني ربطت المساهمة الأوروبية في إعمار سوريا بـ«تحقيق الانتقال السياسي»، لكنه حذر من «أي خطوة يمكن أن تؤدي إلى تقسيم سوريا».

وكان الحريري يتحدث في لندن أمس حيث التقى نائب مستشار الأمن القومي كريستيان تيرنر ووزير الدولة لشؤون الشرق الأوسط إليستر بريت والمبعوث البريطاني إلى سوريا مارتن لونغدن من دون حصول لقاء مع وزير الخارجية بوريسن جونسون الموجود خارج العاصمة البريطانية، ضمن جولة يقوم بها وفد «الهيئة» وتشمل لقاءه في باريس اليوم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ووزير الخارجية جان إيف لودريان قبل انتقال الوفد إلى روما وبرلين.

وجاءت زيارة الحريري إلى لندن بعد الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف وقبل الجولة التاسعة المقررة في فيينا قبل نهاية الشهر. وقال رئيس «الهيئة» في حديث لـ«الشرق الأوسط» في لندن أمس: «نريد تفعيل مفاوضات جنيف وأردنا شرح ما حصل في الجولة الثامنة من المفاوضات، أن النظام لا يريد المفاوضات وسيبقى معرقلاً ولن يكون حريصاً لإحراز أي تقدم فيها. إذا كان المجتمع الدولي جاداً للوصول إلى الحل السياسي، فنحن جادون. لكن الحل السياسي يجب ألا ينحرف عن طريقه وهو بيان جنيف والقرار 2254 بهدف تحقيق الانتقال السياسي وليس الحل السياسي المشوه».

وعكس قبول دول غربية استقبال وفد «الهيئة» تقديراً لدورها في الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف. وأوضح الحريري: «نريد حلاً بالانتقال السياسي. في الجولة الثامنة في المفاوضات، طالبنا بمفاوضات مباشرة وناقشنا المواضيع المطروحة وقدمنا ردا على ورقة المبادئ التي قدمها المبعوث ستيفان دي ميستورا وتفاعلنا مع ورقته وقبلنا تمديد جولة المفاوضات. وتناقشنا مع دي ميستورا واتفقنا على جدول الأعمال وناقشنا كل شيء وارد في القرار 2254 بدءا من سلة المرحلة الانتقالية إلى قضايا العملية الدستورية والعملية الانتقالية».

وتابع: «رغم ذلك فشلت المفاوضات. وطالما أن مفاوضات جنيف متوقفة فستظهر مبادرات جانبية بصرف النظر عن اسمها. هذه المبادرات تعبير غير مباشر إلى عدم التقدم في جنيف. لذلك على المجتمع الدولي هو التركيز على العملية السياسية في جنيف. واضح الآن أنه في الجولات السابقة، كان الحضور للدول الداعمة للنظام فيما كانت الدول الأخرى غائبة. طالبنا من أميركا والدول الأخرى والأوروبية والعربية كي تأخذ دورها بتفعيل العملية السياسية للقول للروس إنه بهذه الطريقة لن تحل الأمور ولن يحل أي حل».

وتزامنت جولة «الهيئة» مع إقرار إدارة الرئيس دونالد ترمب استراتيجية جديدة إزاء سوريا، شملت ضمان وجود عسكري وسياسي شرق نهر الفرات والانخراط مع حلفائه الغربيين والإقليميين لـ«تعزيز شروط الحوار مع روسيا إزاء الحل السياسي وتقليص نفوذ إيران ومنع ظهور (داعش)»، بحسب مسؤول غربي. ومن المقرر أن يلقي وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون في المستقبل القريب خطاباً يتضمن الرؤية الأميركية للملف السوري والحوار مع موسكو.

وكان الحريري التقى ماكماستر ونائب وزير الخارجية ديفيد ساترفيلد في واشنطن والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وموغريني في بروكسل. وأوضح أمس: «عقدنا لقاءات رائعة مع ماكماستر وساترفيلد وغوتيريش. أولا، سمعنا من الأمم المتحدة والإدارة الأميركية التزاماً بالقرار 2254 وتحقيق الانتقال السياسي. غوتيريش وماكماستر تحدثا عن الانتقال السياسي». وأضاف: «ماكماستر قال في الاجتماع مرات عدة بضرورة حصول الانتقال السياسي في سوريا. وكان لدينا طلب من أميركا أن تأخذ دورها في العملية السياسية وركزنا على ذلك. هناك ادعاء روسي أن الوضع في سوريا انتهى. لا، لم ينته الوضع. بعد محاربة (داعش) ومناطق خفض التصعيد، لا يزال لدينا موضوع الوصول إلى الحل السياسي النهائي. والحل له مرجعيته ومكانه، أي القرار 2254 وعبر مفاوضات جنيف».

وترددت أنباء عن أن واشنطن بصدد تليين موقفها بالحديث عن «العملية السياسية» أو شروط الحل السياسي وإجراء إصلاحات دستورية تمهيدا لانتخابات بإشراف الأمم المتحدة بموجب القرار 2254. لكن الحريري أكد أن المسؤولين الأميركيين جددوا التزام «الانتقال السياسي».

وأعرب الحريري عن اعتقاده أن محادثات «الهيئة» في واشنطن ساهمت في تعزيز نية الإدارة الأميركية الانخراط في الملف السوري، الأمر الذي حصل لدى استقبال ساترفيلد الجمعة نظراءه من أربع دول غربية وإقليمية. وقال: «دعوا إلى الاجتماع الخماسي واتفقت الدول الخمس على (لاورقة) وأطلعنا الأميركيون على أفكارها العامة. إن العملية السياسية لم تحقق تقدما بسبب غياب الآليات الدولية الضاغطة لتحقيق التقدم. الآن هناك رغبة عبر الأفكار الأميركية لتحريك مفاوضات جنيف والعملية التفاوضية».

ومن المقرر أن يقر تيلرسون مع نظرائه من الدول الأربع الـ«لاورقة» خلال اجتماع في باريس على هامش مؤتمر مخصص لمنع استعمال السلاح الكيماوي الثلاثاء المقبل قبل أن يعقد الوزير الأميركي مفاوضات مع نظيره الروسي. وقال الحريري: «أبلغنا الأميركيون أن تيلرسون سيلقي خطاباً مفصلاً عن الاستراتيجية الأميركية إزاء سوريا. النظام سيرفض كل شيء. المعارضة كانت سابقاً ترفض كل شيء، لكن الآن نقبل شيئا ونرفض شيئا. بحسب الأفكار التي تطرح علينا، سندرسها».

وعن لقائه بموغريني في بروكسل أول من أمس، قال الحريري: «شرحنا موقفنا. نريد أن تكون كل الجهود الدولية لدفع عملية جنيف. لا إعادة الإعمار قبل الانتقال السياسي وليس قبل إحراز تقدم في العملية السياسية، كما يقول البعض. طلبنا ذلك من موغيريني وسفراء الاتحاد الأوروبي في بروكسل اتخاذ هذا الموقف» أي ربط الأعمار بتحقيق الانتقال السياسي و«كلهم وافقوا». وأضاف: «لن يكون هناك أي جهد لإعادة الإعمار في سوريا إلا بتحقيق الانتقال السياسي عبر الحل السياسي في مفاوضات جنيف برعاية الأمم المتحدة».

وتراوحت تقديرات كلفة إعادة إعمار سوريا بين 250 و300 مليار دولار أميركي. وتسعى موسكو للضغط على دول أوروبية وعربية للمساهمة في الإعمار و«عدم تسييس» الملف، فيما تراهن دمشق على حلفائها في طهران وموسكو وبكين ودول آسيوية للمساهمة في إعمار البلاد. ومن المقرر أن يعقد مؤتمر وزاري للدول الأوروبية في بروكسل في نهاية أبريل (نيسان).

وبالتزامن مع جمود مفاوضات جنيف والتحرك الأميركي والحذر الأوروبي، واصلت روسيا الحشد لعقد مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي نهاية الشهر، حيث تلقت «الهيئة» نصائح من دول غربية وإقليمية للحوار مع موسكو حول مؤتمر سوتشي. وقال الحريري: «من (التدخل العسكري المباشر في 2015 جميع الدول نصحتنا بالحوار مع روسيا. اللقاءات بيننا لم تتوقف ونخطط للقاء معهم (الروس). سيكون هناك لقاء بيننا. هم عندهم رغبة ولدينا رغبة والعمل جار على ترتيب اللقاء».

وسئل عن حضور «الهيئة» مؤتمر سوتشي، فأجاب: «لا نعرف عن المؤتمر شيئا. كل المعلومات التي تأتي عنه ليست لصالح الثورة السورية. والمزاج العام حتى داخل الهيئة ليس لصالح المشاركة في سوتشي في شكله الحالي مع العلم ليست لدينا أي معلومة حقيقية. الداعي لم يدعنا بعد ولا نعرف التفاصيل».

ومن المقرر أن يجتمع مسؤولون روس وأتراك وإيرانيون في 19 الشهر الحالي لبحث الترتيبات النهائية وقائمة المدعوين للمؤتمر وجدول أعماله وتأكيد الموعد المقرر في 29 الشهر الحالي أو تأجيله. وقال الحريري إن الجانب التركي أبلغ نظيره الروسي معايير محددة لدعم المؤتمر، وهي: «عدم وجود وحدات حماية الشعب الكردية وأن يخدم المؤتمر عملية جنيف وأن يكون مستندا إلى القرار 2254 للوصول إلى الحل السياسي بحضور الأمم المتحدة ومشاركة المعارضة السورية الحقيقية».

وسئل عن قرار إدارة الرئيس الأميركي تدريب «قوات سوريا الديمقراطية» التي تضم «وحدات حماية الشعب» الكردية لتشكل حرسا لحماية الحدود مع تركيا والعراق ونهر الفرات حيث تنتشر وراءه قوات الحكومة السورية، فأجاب: «نحن ضد أي إجراء تقوم به أي دولة لفرض أجندة على الشعب السوري. يجب ألا يفرض أي طرف أجندته على شعبنا بالسلاح ونحن ضد أي خطوة يمكن أن تؤدي إلى تقسيم سوريا، ونحن متمسكون بوحدة الأراضي السورية وفق القرار 2254 وليس الحل المجتزأ».

الشرق الأوسط

 

 

 

عن تقلّبات الموقف الأميركي في الصراع السوري/ ماجد كيالي

عودتنا الولايات المتحدة الأميركية على مواقف متغيرة ومتقلبة ومختلفة، إزاء الصراع السوري وإزاء الطرفين المباشرين فيه، أي النظام والمعارضة (السياسية والمسلحة) كما إزاء القوى الإقليمية والدولية المنخرطة فيه بطريقة مباشرة وغير مباشرة.

هكذا عبرت في البداية عن مؤازرتها ثورة السوريين، وعن موقفها بأن الرئيس الأسد فقد شرعيته وأن عليه أن يرحل، وذهب سفيرها إلى مواقع الحراك الشعبي السلمي في حماه ودوما وداريا، بل إن الأمر وصل، في ما بعد، إلى حد التعاطي مع بعض الفصائل المسلحة، وعبر دعم غرفتي الموم والموك في الأردن وتركيا، وصولاً إلى تحذيرها النظام من استخدام السلاح الكيماوي باعتبارها له خطاً أحمر، وأنه يستوجب العقاب.

وكما نعلم قد اختلف الموقف الأميركي بعد استخدام النظام للسلاح الكيماوي في الغوطة (آب -أغسطس- 2013)، إذ بدلاً من معاقبته، أو عزله، لجأت إلى عقد صفقة معه، بوساطة روسيا، نجم عنها القرار 2118، ومنذ ذلك التاريخ غضت الولايات المتحدة النظر عن انخراط قوى إقليمية في هذا الصراع لاسيما إيران، وأذرعها الإقليمية الميليشياوية المسلحة، مثل حزب الله وزينبيون وفاطميون ونجباء وعصائب الحق وبدر.

وفي تلك الفترة، أيضاً، قامت بتوكيل روسيا إدارة الصراع السوري، كما بدا من تسليمها بالقراءة الروسية لبيان جنيف 1 (2012)، وصولاً إلى القرار 2254 (2015) الذي جاء مخففاً لسابقه، بخاصة في ما يتعلق بتعويم مكانة الرئيس في الحل الانتقالي، وفي محاولة لتركيز الحرب على الإرهاب، في محاولة منها لمقاربة الموقف الروسي. وطبعاً، فقد امتد ذلك إلى حد سماحها لروسيا بشق مسار تفاوضي جديد، في آستانة، طوال عام 2017، بالتعاون مع الطرفين الإقليميين الأخرين، إيران وتركيا، مكتفية بمراقبة ما يحصل.

كل ما تقدم حصل في ظل الإدارة الأميركية السابقة، أي في ظل الرئيس باراك أوباما، لكن ما ينبغي ملاحظته أن هذه السياسة استمرت، على رغم تصريحات الرئيس دونالد ترامب المضطربة، التي تتحدث أحياناً عن عدم مبالاة بالصراع السوري، وأحياناً عن التزام الولايات المتحدة مسار جنيف، كمسار وحيد للحل السياسي في سورية.

بيد أن النقلة الأساسية التي ينبغي ملاحظتها في تقلّب مواقف الولايات المتحدة تتمثل في التصريحات الصادرة من بعض المسؤولين ومنهم وزيرا الدفاع والخارجية وغيرهما، والتي مفادها، أولاً، أن الولايات المتحدة لن ترضى بأي مسار تفاوضي غير مسار جنيف وتحت مظلة الأمم المتحدة، ما يعني القطع مع روسيا، ومع مساعيها المتمثلة في مسار آستانة، ولاسيما في المسار الأخر الذي تعول عليه كثيراً وهو مؤتمر سوتشي. ثانياً، الإعلان أن الولايات المتحدة لن تشارك في تمويل عمليات الإعمار في سورية مع بقاء نظام الأسد في السلطة، أو قبل إيجاد استقرار سياسي يجمع عليه غالبية السوريين. ثالثاً، أن الولايات المتحدة لن تسمح بممر لإيران إلى لبنان عبر سورية، وهذا موجه ضد إيران تحديداً وميلشياتها، وقد تم ترجمة ذلك بتوجيه ضربات عسكرية للقوات الإيرانية او الموالية لها. رابعاً، لقد ترجمت الإدارة الأميركية كل هذه التوجهات برصد نحو 500 مليون دولار لدعم فصائل معارضة، وإنشاء جيش قوامه 30 ألفاً لحماية الحدود السورية مع تركيا والعراق وشرق نهر الفرات. خامساً، في الغضون لا ينبغي أن ننسى أن الولايات المتحدة، وهي كانت تلعب دور المراقب، أقامت نحو ثماني قواعد عسكرية شرق الفرات، وباتت تسيطر بطريقة مباشرة وغير مباشرة على نحو ثلث الأراضي السورية، هذا من دون أن نضيف إليها منطقة خفض التصعيد في الجنوب التي تشرف عليها مع روسيا والأردن (وضمناً إسرائيل)، أي أن ثمة ما يقارب نصف الأراضي السورية، خارج سيطرة النظام وحلفائه.

بيد أن ما يجب إدراكه هنا أن الولايات المتحدة لم تغيّر سياستها في سورية، إلا بالنسبة إلى ما تعتقده الأطراف المعنية مباشرة، أو ترغبه، انطلاقاً من مصالح كل طرف، في حين من المفترض أن تتمّ قراءة الموقف الأميركي، في كل ما نعتقد أنه تقلّبات فيه، من داخله، أي بفهم محركات السياسة والمصالح في الولايات المتحدة الأميركية، ورؤيتها لمكانتا الدولية، ولإدارة الصراع في المنطقة، من دون أوهام.

على ذلك، ومع التقدير لكل ما نعتبره تقلّبات في الموقف الأميركي إلا أن ما يفترض أن ندركه أن الولايات المتحدة لا يعنيها من يحكم في سورية، سواء كان شخصاً أو حزباً، وسواء كان يسارياً أو قومياً أو إسلامياً، كما لا يعنيها ما يحصل في هذا البلد، إذا استثنينا ما يخص قضية الصراع مع إسرائيل. ويمكن تفسير ذلك بأسباب عدة، أهمها:

أولاً، أن هذا البلد لم يكن محسوباً طوال العقود السابقة، ضمن دائرة حلفائها التقليديين، لذا فهي لا تشعر بخسارة ما في هذا المكان.

ثانياً، أن مصالحها مضمونة بغض النظر عن طبيعة النظام الحاكم، سواء كانت مصالح سياسية أو اقتصادية أو أمنية، وهو ما يمكن تبيّنه من مراجعة السياسات التي انتهجها النظام السوري طوال نصف القرن الماضي، بغض النظر عن كل الشعارات أو الادعاءات.

ثالثاً، أن هذا البلد صغير وفقير الموارد، وتنبع أهميته من موقعه الجغرافي، ومن جواره مع إسرائيل.

رابعاً، إن تعامل الولايات المتحدة مع المسألة السورية، بغض النظر عمّن هو الرئيس، يتأسس على الاستثمار في المسألة السورية، وهذا يختلف عن إدارة الأزمة، لأنها في حقيقة الأمر، ومن الناحية العملية، تشجع كل الأطراف على المجيء إلى سورية، وعلى تحويل سورية إلى ساحة للمواجهة أو للصراع، في حين تجلس هي في مقاعد المتفرجين، أو في مكانة الحكم بين الأطراف.

وعلى الأرجح فإن الإدارة الأميركية تشتغل في سورية بناء على فكرتين، أولاهما، ترك الآخرين يتقاتلون في ما بينهم ويستنزفون بعضهم، بما يشبه مقولة «دع العرب يتقاتلون»، والمقصود هنا إيران وتركيا وروسيا والسعودية، وغيرها من الدول العربية. وثانيتهما، أن كل الأطراف، بعد أن تكون أُنهكت واستنزفت، ستلجأ في الأخير إلى الولايات المتحدة، باعتبارها صاحبة القوة الأكبر، وباعتبارها الحكم. طبعاً، وفي السياق ذاته، لا يمكن أن ننسى القطبة المخفية (أي الإسرائيلية)، في هذا الأمر، إذ إن أغلب المؤشرات تفيد بأن إسرائيل هي أكثر دولة مستفيدة من بقاء الأمور على ما هي عليها في المنطقة، ولا سيما في سورية.

أما الأسئلة التي يمكن أن نطرحها على أنفسنا، من وجهة نظر المعارضة السورية، أو من وجهة نظر مصلحة الشعب السوري، بالخلاص والاستقرار، على ضوء التغيرات الجديدة في الموقف الأميركي، فهي تتمثّل بأسئلة من نوع: هل هذه المتغيرات هي فعلاً بمثابة إعلان عن انخراط جديد للولايات المتحدة في الصراع الدائر في سورية بعد أن كانت تكتفي بدور المراقب لصراعات القوى الدولية والإقليمية فيها؟ وهل هناك قرار حقاً بتحجيم نفوذ إيران، في سورية والعراق، بعد أن كانت الولايات المتحدة قدمت العراق على طبق من فضة للنظام الإيراني وأتباعه من مليشيات طائفية؟ ثم أين يضع ذلك روسيا، فهل انتهت مرحلة التوكيل الأميركي لروسيا، وما هو رد الفعل الروسي على ذلك؟ ثم ماذا في شأن تركيا، وأين سيضعها هذا الأمر، مع اخذنا في الاعتبار الاستقطاب الروسي الأميركي، وما تراه تركيا مصلحتها في عزل «قوات سورية الديموقراطية» التي تعتبر حليفاً للولايات المتحدة؟ أخيراً بالنسبة إلى المعارضة السورية أين سيضعها هذا الاستقطاب الجديد، بين تركيا والولايات المتحدة ومصالح شعبها، وما تأثير ذلك فيها؟ وماذا عن مؤتمر سوتشي بل ومفاوضات آستانة وجنيف وهل نحن إزاء حقبة جديدة من الصراع العسكري أم على أبواب حل سياسي؟

طبعاً هذه الأسئلة تحتاج إلى أجوبة من مختلف الأطراف، ومن المبكّر الإجابة عليها بطريقة جازمة، وهي موجهة أساساً إلى القوى الحية والفاعلة في المعارضة السورية (السياسية والعسكرية والمدنية) لترتيب أمورها إزاء التحديات الجديدة، مع علمنا أن كثيراً من الأمور ستظل تعتمد على معرفة ما إذا كان الولايات المتحدة قررت، أو وصلت فعلاً إلى قناعة بأن استثمارها في الصراع السوري بات يتطلب الحسم، وأنه أن أوان تحقيق الاستقرار وضبط اللاعبين المحليين والخارجيين.

* كاتب فلسطيني

الحياة

 

 

 

 

 

الرياء الروسي – الأميركي في سورية/ وليد شقير

إذاً، هناك استراتيجية أميركية لسورية. هذا ما أنبأنا به وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون. والوسائل هي إبقاء القوات الأميركية في سورية، والعمل الديبلوماسي من أجل حل سياسي يخرج بشار الأسد بنتيجته من الرئاسة، والهدف هو منع عودة «داعش» وإنهاء نفوذ إيران الذي يتمدد على الأرض السورية وفي قلب مؤسساتها السياسية والعسكرية والاقتصادية والتربوية والاجتماعية.

ومع أن المضمر في كل هذه الاستراتيجية هو وقف استفراد روسيا بالنفوذ على بلاد الشام، بعدما أمعنت في تجاهل الدور الأميركي تارة عبر ابتداعها مرجعية آستانة، وأخرى عن طريق اختراعها منصات للمعارضة السورية في موسكو وغيرها، وأخرى بخلقها أطراً لجمع السوريين في سوتشي بهدف تذويب المعارضة المعتدلة للنظام، فإن واشنطن سبق لها أن سلمت لموسكو بكل هذه الأطر، وتركت لها هندسة مشاريع الحل السياسي على قاعدة حفظ مصالح إسرائيل بإبعاد إيران و «حزب الله» عن حدود الدولة العبرية، وراهنت على أن تساهم شراكتها مع الروس في تقليص نفوذ طهران في سورية بعد أن عدّل دونالد ترامب توجهات الإدارة الأميركية حيال تمدد الحرس الثوري. وقبلت بموازاة هذا الرهان، ببقاء الأسد الذي تعتبر الآن أنه وعائلته لا يمكن أن يلعبا دوراً في حكم سورية.

اكتشفت واشنطن أن موسكو إما غير قادرة أو أنها لا ترغب، في الحد من النفوذ الإيراني الذي تعتمد على وجوده الميداني في تثبيت أهدافها في سورية. ومن أهم الاختبارات لعدم القدرة أو عدم الرغبة، كان فشل اتفاقها مع الجانب الروسي على منطقة خفض التصعيد في جنوب سورية حيث استمر النفوذ الإيراني في التمدد في محافظة القنيطرة. والدليل استمرار القصف الإسرائيلي لمخازن «حزب الله». ولم تنجح خطة واشنطن في قطع الطريق على كوريدور طهران الممتد من حدودها إلى العراق وصولاً إلى سورية، ثم إلى لبنان. وبناء الأوهام العربية والأميركية على التعارض في المصالح الروسية والإيرانية، بدا سراباً. فموسكو لم يرف لها جفن في إسقاط اتفاق مناطق خفض التصعيد الذي صاغته منذ أيار (مايو) السنة الماضية مع إيران وتركيا في آستانة، وشملت محافظة إدلب، شمال حمص، الغوطة الشرقية والجنوب السوري، حين أعادت إطلاق العمليات العسكرية بوحشية وقحة، بالتعاون مع قوات النظام و «حزب الله» في هذه المناطق، في ظل سكوت تركي كامل لم يخرقه إلا احتجاج خجول على استهداف إدلب بعد أن كانت قمة سوتشي الروسية- الإيرانية- التركية أوكلت إلى أنقرة أمر إدارة التهدئة فيها. بل أن مهندسي السياسة الأميركية وجدوا أن بوتين تمكن من اجتذاب أنقرة وضمان سكوتها عن خرق مناطق خفض التصعيد، مقابل إعطائها حرية مواجهة التمدد الكردي في الشمال الشرقي لسورية، المدعوم أميركياً، وأن التعاون التركي الروسي لم يعد مسألة تكتيكية بل أصبح يعاكس بالكامل ما تسعى إليه واشنطن، وصولاً إلى ما يشبه التماهي والتحالف مع طهران. لم يتوقف التلاعب الروسي الذي أتقنه سيرغي لافروف مع نظيره الأميركي السابق جون كيري عن إدارة الظهر للتوافقات الدولية والإقليمية حول سورية، طوال السنة السابقة التي أوحت لقاءات الجانبين أن في الإمكان تعاونهما في سورية. على العكس، تعمقت الحرب بالواسطة التي يخوضانها الواحد ضد الآخر. وما جرى من قصف على مطار حميميم وقاعدة اللاذقية الروسيين، شاهد على ذلك.

منذ عام 2011، وفي كل محطة تتنبه الإدارة الأميركية إلى أنها تفقد زمام المبادرة وموقع الشراكة في سورية، تعود فتتشدد، لكن بعد أن تكون تخلت عن خيوطها، بحرمان المعارضة المعتدلة من الدعم، لكن تصحيح «استراتيجيتها» يأتي متأخراً وسلبياً، لأن سقفه الإفادة من مأزق روسيا في تكريس انتصاراتها العسكرية باحتكار الحل السياسي.

بدت القوتان العظميان تمارسان سياسة طفولية حين تنافستا على اعتداد كل منهما بأنها وراء الانتصار على «داعش» قبل أسابيع. وهما تواصلان الرياء على السوريين بالحديث عن أن لا حل عسكرياً لأزمتهم، فيما هما تتقاتلان بالواسطة في الميدان.

الحياة

 

 

 

واشنطن “ترفع الحرارة” ضد الروس في سوريا/ حسين عبد الحسين

حملت الطائرات المتفجرة من دون طيار، التي انهالت على قاعدة حميميم الروسية في الداخل المحصن لمناطق الرئيس السوري بشار الأسد، رسالة واحدة الى موسكو، مفادها أن القوات الروسية أضعف مما تخال نفسها في سوريا.

وجاء الهجوم الغامض على القاعدة الروسية، بعد أقل من ست أسابيع على توقيع الرئيس الاميركي دونالد ترامب على تمويل وتدريب قوات “المعارضة السورية” بمبلغ 393 مليون دولار أميركي.

اختراق الدفاعات الروسية في حميميم لم يحمل بصمات أميركية، بل الصمت المطبق الذي رافق الهجوم كان صمتاً يشبه الإعلان، فالفصائل السورية المعارضة أو “داعش” تسابقت على مدى السنوات السبع الماضية على تبني هجمات، وحتى أحداث وانفجارات عرضية عن طريق الخطأ، لاعتقادها أن أي استعراض قوة يحسّن موقعها في نظر المانحين، ويساهم في التحاق المقاتلين بها.

الهجوم على قاعدة حميميم، والذي أشارت تقارير غير مؤكدة إلى نجاحه في تعطيل سبع مقاتلات روسية كانت جاثمة على أرض المطار العسكري في القاعدة، هو الأهم عسكرياً واستراتيجياً. ومع ذلك، لم تتبناه أي من الفصائل السورية المعارضة أو “داعش”، وهو ما يشي أن من يقف وراءه، يعمل بانضباط وتعليمات من جهة لا يناسبها أن تتحمل مسؤولية الهجوم علناً، ولكن لا يضيرها في الوقت نفسه أن يشتبه الروس في ضلوعها في الهجوم.

الروس، بدورهم، سارعوا لاتهام الأميركيين، أولاً بسبب المدى البعيد لهذه الطائرات، وثانياً بسبب تحليق طائرة تجسس أميركية في السماء السورية، أثناء الهجوم، يعتقد أنها زودت المهاجمين بإحداثيات المقاتلات الروسية، أو ساهمت في توجيه الطائرات المتفجرة.

وإن صحّت الاتهامات الروسية لأميركا بالتورط في الهجوم، وبما أن الهجوم يلي موافقة ترامب — البخيل في مصروفه عالمياً عادة — على تمويل المعارضة السورية، وبما أن الأحداث التي لا تصب في مصلحة القوى المنافسة للولايات المتحدة، من قبيل اندلاع تظاهرات شعبية مفاجئة في إيران، بدأت تحصل، لا بد من الاعتقاد أن واشنطن دونالد ترامب قررت التخلي عن حذر سلفه باراك أوباما، و”إعادة أميركا إلى عظمتها مجدداً”، حسب شعار ترامب.

وشعار ترامب هذا مأخوذ من شعار سلفه، ومثله الأعلى بين الرؤساء، الراحل رونالد ريغان، الذي كان معروفاً بموافقته على تزويد ميليشيات حول العالم بأموال ودعم لإلحاق الهزائم بخصومه، وكان في طليعتهم الاتحاد السوفياتي، الذي عانى من دعم أميركا للجهاديين الأفغان، والعقوبات الأميركية بسبب الاجتياح السوفياتي لأفغانستان. ولم تكد موسكو تخرج من المستنقع الافغاني حتى انهار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية بأكملها.

ترامب يحاول تكرار كل ما قام به ريغان اعتقاداً منه أن الرئيس الراحل اكتسب سمعة اسطورية بسبب انجازاته في السياستين الاقتصادية والخارجية. لكن على عكس ريغان، الذي اطلق تسمية امبراطورية الشر على روسيا، يتمتع ترامب بعلاقة وطيدة مع موسكو، يعتقد البعض أنها علاقة دولة (روسيا) بعميلها الاستخباراتي (ترامب).

ترامب، المتعاطف مع روسيا لألف سبب وسبب، يعتقد أنه وجد ضالته في إيران، التي يسعى لإلحاق الهزيمة بها وتدوين اسمه في كتب التاريخ، مثل ريغان، وهو ما يعني أن موافقته على تمويل المعارضة السورية المسلحة هو لاعتقاده انه تمويل لهزيمة ميليشيات ايران وحليفها الأسد. لكن الموافقة على تمويل المعارضة السورية شيء، وقيام وزارة الدفاع الاميركية بتحديد الخصم من الحليف داخل سوريا شيء آخر.

والمعروف عن ترامب أنه معجب بالعسكر والجنرالات، وانه يؤيد اطلاق أيديهم في السياسة الدولية والعسكرية، ولا بد أنه أطلق أيديهم في سوريا.

الجنرالات، بدورهم، نشأوا في زمن كانت أميركا ترى فيه روسيا كتهديد وجودي، ولا شك أن نظرتهم تجاه موسكو ماتزال سلبية، وهو ما يكرره رئيس الاركان مارك مايلي دورياً، مثل في قوله في مقابلة لمجلة الجيش الاميركي، إن روسيا هي تهديد وجودي للولايات المتحدة، وإنه بالحكم على “تصرفاتها في السنوات الاخيرة، في اعادة تنظيم جيشها، وزيادة قدراتها، وتبنيها سياسية خارجية عدائية”، روسيا هي العدو الأول لأميركا.

احجية مصدر الطائرات المتفجرة على حميميم قد تبقى من دون إجابة، لكن تطورات الأحداث في واشنطن قد تشي بأن الولايات المتحدة في طريقها “لزيادة الحرارة” تحت أقدام الروس في سوريا.

المدن

 

 

واشنطن إذ تقلب الطاولة في سوريا/ محمد قواص

دخلت الولايات المتحدة كلاعب كامل الأهلية والدور والوظيفة في تحديد راهن سوريا كما مستقبلها. بات البلد مهما لاستراتيجية الأمن القومي الأميركي بعد أن جعلته إدارة الرئيس السابق باراك أوباما متراجعا في سلم الأولويات التي تشغل بال واشنطن. أضحت سوريا موقعا أساسيا في خرائط البنتاغون ووزارة الخارجية والبيت الأبيض في المنطقة، وجزءا من التحولات التي طرأت على المزاج الأميركي العام حيال باكستان وإيران، مرورا بالعراق وسوريا ولبنان.

لم يعد سرا أن الجيش الأميركي يملك ما لا يقل عن ثماني قواعد عسكرية في سوريا ينتشر معظمها شرقا في الجهة المقابلة لقاعدتي حميميم وطرطوس الروسيتين في الغرب. ولم يعد سرا أن لا تردد في القرار الاستراتيجي الأميركي القديم الجديد بالاستناد على القوى الكردية لبسط النفوذ الأميركي القادم في سوريا. والظاهر أن أولي القرار العسكري والسياسي والأمني في الولايات المتحدة لم يحتاروا كثيرا في التفضيل ما بين “قوات حماية الشعب” الكردية وتشكيلاتها الرديفة (قسد وغيرها) من جهة/ وما بين الحلف التاريخي الأطلسي مع تركيا من جهة أخرى.

راوغت واشنطن طويلا وأجلت المواجهة مع أنقرة، لكن مصالح واشنطن باتت تميل نحو أكراد سوريا حتى لو كانت مرجعيتهم عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني في تركيا، وحتى لو كانت قيادتهم الحقيقية تسكن جبال قنديل الشهيرة شمال العراق.

تذهب الإدارة الأميركية بعيدا في انتهاج خيارات مفاجئة ضربت الطاولة البليدة للشرق الأوسط وأربكت فاعليها. لم تعد أنقرة ترى تميزا لعلاقاتها مع الولايات المتحدة عن تلك الكارثية بين طهران وواشنطن. تستضيف ولاية بنسلفانيا الأميركية فتح الله غولن العدو الأول للرئيس التركي رجل طيب أردوغان. تماطل واشنطن في إعطاء رد على طلبات أنقرة التي لا تنتهي بتسليمها من تتهمه بأنه زعيم “الكيان الموازي” المتهم بتدبير محاولة الانقلاب الشهيرة في 15 يوليو 2016، وتعد بدرس هذا الطلب قريبا. في تركيا من يرى أن سلوك واشنطن مع غولن يتعدى الاستضافة إلى ما يشبه الرعاية والتواطؤ الملتبسين.

على أن إعلان واشنطن عن ورشة كبرى لإقامة قوة كردية قوامها 30 ألف مقاتل للدفاع عن الحدود الشرقية الشمالية في سوريا يقدم الأعراض الأولى لما ترسمه الولايات المتحدة في سوريا ما بعد داعش. بدا أن الإدارة الأميركية تفرش خيمة أميركية فوق حدود جغرافية سيتجمع الأكراد داخلها ليمارسوا إدارتهم الذاتية المتوخاة. لا شيء يمنع من تطور تلك الإدارة إلى كيان مستقل في عرف الوجدان الكردي، على الرغم من صعوبة ذلك وفق السابقة التي تم إجهاضها في إقليم كردستان العراق. وبدا أيضا أن ما تريده واشنطن للأكراد يرسل إشارات قاسية صوب كافة اللاعبين في الميدان السوري، لا سيما روسيا- بوتين.

تفصح المناورة الأميركية في شقيْها العسكري الميداني والسياسي الدبلوماسي عن عزم على استعادة زمام المبادرة في سوريا. والأمر يتجاوز الحسابات السورية لينبسط باتجاه ما تدبره واشنطن في العراق وما تحيكه من خطط لمواجهة إيران في كل المنطقة. ضمن هذا السياق تعود موسكو لتستفيق على وضع جديد يحرمها من موقع الريادة الذي تمتعت بـه في السنوات الأخيرة.

لم تعد سوريا بالنسبة لبوتين منبرا عاليا يطل منه على العالم أجمع، ولم يعد بالإمكان تنظيم تعايش يشبه الشراكة بين روسيا والغرب في سوريا، يكون بديلا عن فضاء التنافر داخل الميدان الأوكراني. لم تستطع المنابر الروسية العسكرية الرسمية كتم دهشتها من فرضية أن مخالب أميركية كانت وراء الغارات الجماعية التي شنتها 13 طائرة مسيرة ضد قاعدتي حميميم وطرطوس. حتى أن وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، الذي احترف الحنكة مع نظيره الأميركي القديم جون كيري إبان الإدارة السابقة، بدا فاقد الحجة متلعثم اللسان في تفسير ذلك الانقلاب المقلق في استراتيجية واشنطن السورية.

قد تكون إيران في هذه الأيام هي أكثر المرتاحين للتطور الأميركي في سوريا. استفاقت طهران لتجد نفسها في خندق حقيقي واحد مع روسيا وتركيا، ولتلاحظ، للمفارقة، مدى التناغم الجاري هذه الأيام بين نظام أنقرة ونظام دمشق.

تعرف طهران أن أمر التحالف هذا ظرفي انتهازي مؤقت، وأن تسويات قد يتم إدراكها بين واشنطن وكل من أنقرة وموسكو، وأن تلك التسويات لا بد أنها ستأتي على حساب إيران في كل المنطقة.

خلال ساعات اختلطت أوراق كثيرة في سوريا. تكتشف موسكو أن تقدمها متحالفة مع إيران ونظام دمشق داخل محافظة إدلب لم يغضب الأتراك فقط، بل فقد كل معانيه حين أطل الأميركيون ملوحين بألويتهم الكردية شرق البلاد. خلال ساعات فقط تحوّل السجال بين أنقرة وموسكو وطهران إلى سجال بين الجميع وأصحاب الحل والربط في واشنطن. بات نظام الأسد يهاجم أمر القوة الكردية من بوابة الدفاع عن وحدة سوريا، فيما توعد نظام أردوغان ذلك المشروع بصفته تقسيميا لسوريا. وبين هذا التصريح وذلك الموقف يطل وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون متأبطا ملفا سميكا يوحي أن حراك عسكر واشنطن في سوريا لا يجري عن هوى، بل هو واجهة من واجهات سياسة خارجية في سوريا تتكشف أوراقها يوما بعد آخر.

يكتشف السوريون أن لواشنطن خطة سورية. قيل إن نصر الحريري رئيس وفد المعارضة السورية إلى جنيف، حين زار نيويورك، سمع من أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس كلاما حازما في شأن سوريا يَعدُ بجهد دولي قادم باتجاه تسوية التغيير في سوريا. قيل أيضا إن كواليس واشنطن تتحدث بلهجات راديكالية ضد نظام دمشق بما يقوّض كل الهمم التي تبذلها روسيا لإيجاد حل دمشقي الهوى في سوتشي. تفصح منابر الإعـلام عـن اجتماعـات أوروبيـة غربية جـرت في واشنطن واستكملت في باريس من أجل إخراج خطة يتم التجادل بشأنها مع موسكو لإخراج سوريا من أتون النار والعبث الحالي.

وعلى قاعدة الاختراق اللافت الذي تعمل عليه واشنطن في سوريا يتسابق جنيف وسوتشي على خطب ود الفرقاء السوريين. سوتشي لا تحظى برعاية الأمم المتحدة ودون ذلك فإن ما قد يخرج من مداخن بوتين هناك لن يحظى بغطاء دولي يفرج عن التمويل الدولي لمشاريع الإعمار في هذا البلد.

عادت ميادين سوريا لتفاجئ اللاعبين. أظهرت معارك الغوطة، كما غارات الدرون كما دينامية الفصائل في إدلب كما التطور الكردي شرقا، أن أمور سوريا تعود لمربعات أولى خُيّلَ للمراقب تجاوزها. بدا أن التواصل القريب بين تيلرسون ولافروف، كما ذلك الذي جرى بين رئيسي الأركان الأميركي والتركي على هامش اجتماعات الحلف الأطلسي، بمثابة إعلان نوايا أميركي جديد وجب على كافة الأطراف أخذه بعين الاعتبار.

فإذا ما قرر ترامب تأجيل الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران طالبا من شركائه الأوروبيين إيجاد صيغ لإصلاح ما أفسده هذا الاتفاق، فذلك أن رجل البيت الأبيض يعوّل على حضور عسكري وسياسي أميركي في سوريا والعراق يطل مباشرة على دوائر النفوذ الإيراني في البلدين.

صحافي وكاتب سياسي لبناني

العرب

 

 

 

الولايات المتحدة تُعلن إفلاساً استراتيجياً في سورية/ جو معكرون

كان على إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عدم الكشف رسمياً عن أي استراتيجية في سورية، لأن خطاب وزير الخارجية ريكس تيلرسون في “معهد هوفر” التابع لجامعة ستانفورد، مساء الأربعاء، كان بمثابة “إفلاس استراتيجي” لأي دور أميركي في سورية، في مقابل التموضع في الشمال على طول الحدود العراقية التركية. كلام تيلرسون طرح تساؤلات أكثر مما قدّم أجوبة، وحمل في طيّاته صدى من إدارة الرئيس السابق باراك أوباما لناحية عدم الرغبة في توسيع التورط العسكري واستمرار الرهان على روسيا لاحتواء إيران، مع حسم خيار التحالف مع الأكراد وعدم وجود رغبة بالانخراط جدياً في مسار سياسي. وأتت كلمة تيلرسون إثر ضغوط من الكونغرس على إدارة ترامب، لتوضيح أبعاد استراتيجيتها السورية، فأصبح هذا الخطاب أول وثيقة رسمية شاملة عن السياسة الأميركية.

ثلاثة عناوين رئيسية في كلمة تيلرسون اختصرت دوافع إدارة ترامب وتبريراتها: ماهية الدور الأميركي، ومقاربة الداخل السوري، وإدارة التوازنات الإقليمية. ربط تيلرسون بين استمرار التواجد الأميركي في سورية، وحماية الأمن الداخلي للولايات المتحدة. وهي معادلة الرئيس الأسبق جورج بوش الابن، التي استندت إلى قتال الإرهابيين في الخارج بدلاً من قتالهم في الداخل. وتمّ تطبيق ذلك عبر غزو أفغانستان عام 2001 الذي أضعف البنية الأساسية لتنظيم “القاعدة”، لكن غزو العراق عام 2003 ساهم بشكل مباشر في إطلاق موجة جديدة من الإرهابيين، الذين تحدّوا مرجعية “القاعدة” المتهاوية. وحتى الآن على الأقل، ليس لتنظيم “داعش” لا الرغبة ولا القدرة على الضرب في الداخل الأميركي، سوى عبر “ذئاب منفردة” تجاوبت مع دعوات التنظيم من دون قدرات لوجستية لتحريكها وتدريبها. وقد حذّر وزير الخارجية من تكرار خطأ الانسحاب الأميركي من العراق، الذي أدى باعتقاده، إلى تحويل “القاعدة” في العراق إلى “داعش”، وهذا تقييم مشكوك فيه لأن “جماعة التوحيد والجهاد” التي أسسها أبو مصعب الزرقاوي كانت العصب الرئيسي لتأسيس “داعش”. وقال تيلرسون إننا “لن نرتكب الخطأ نفسه كما في العام 2011 عندما سمح الخروج المبكر من العراق للقاعدة أن تبقى هناك وتنتشر لتصبح تنظيم داعش”.

كما ربط تيلرسون مسألة “إنهاء المهمة الأميركية في سورية” بلائحة طويلة من الأهداف، هي “هزيمة تنظيمي داعش والقاعدة، وحلّ النزاع السوري عبر الأمم المتحدة لعبور سورية إلى مرحلة ما بعد بشار الأسد، والعودة الآمنة والطوعية للاجئين والنازحين، وإخلاء سورية من أسلحة الدمار الشامل”.

ولفت إلى أن “التواجد العسكري ـ المدني سيقود مبادرات لتحقيق الاستقرار، مع تركيز متجدد على الحل السلمي للنزاع بين المعارضة والنظام، وتفادي مساحات غير خاضعة للحكم تكون أرضية خصبة لإعادة بروز الإرهابيين ومنع نظام بشار الأسد من مواصلة معاملته الوحشية ضد شعبه”. صحيح أن التوافقات الأميركية ـ السورية نجحت في خفض التوتر في أنحاء سورية، لكنها لم تحم المدنيين.

وأضاف تيلرسون أن “الانسحاب التام للأميركيين في هذه المرحلة سيساعد الأسد على مواصلة تعذيب شعبه”، مشيراً إلى أن “قاتل شعبه لا يمكن الوثوق به للتوصل إلى استقرار طويل الأمد”.

بالنسبة إلى الداخل السوري، ليس واضحاً بعد ما هي طبيعة السياسة الأميركية، وقد وصف تيلرسون الأسد بأشد التعابير، لكن من دون رؤية لكيفية التعامل مع استمرار وجوده في الحكم. لم يذكر وزير الخارجية الأميركي أن على الأسد التنحّي كشرط مسبق لبداية أو نهاية التفاوض، بل اكتفى بالتلميح إلى أن “المرحلة الانتقالية لا يمكنها أن تكون ناجحة من دون رحيله”. ودعا المعارضة السورية إلى “الصبر في هذه المسألة التي ستحصل من خلال عملية تدريجية للإصلاح الدستوري”. وهناك على ما يبدو مسعى أميركي لتجاهل مسار سوتشي مقابل دعوة موسكو للضغط على الأسد للمشاركة الجدية في مسار جنيف، وهو تكتيك أثبت فشله في المرحلة الماضية.

أبعد من ذلك، الضغوط الأميركية ستكون في عدم توفير أي دعم مالي لجهود إعادة الإعمار في مناطق تحت سيطرة الأسد وعدم تشجيع أي علاقات اقتصادية بين نظام الأسد وأي بلد آخر. وهي أدوات دبلوماسية غير فعّالة أيضاً في التأثير على النظام. وفي ظل وضع عودة اللاجئين السوريين ضمن الأولويات الأميركية، ليس واضحاً كيف يمكن أن يتم هذا الأمر من دون نوع من التواصل بين النظام السوري ودول الجوار. وهو ما ظهر في تركيا والأردن ولبنان.

ترداد تيلرسون أكثر من مرة عبارة “سورية مستقرة وموحدة ومستقلة”، من دون الاشارة إلى تعبير “وحدة الأراضي السورية”، فيه محاولة لاستيعاب انتقادات الدعم الأميركي للأكراد. فقد تحدث وزير الخارجية عن دور أميركي في المرحلة المقبلة ممهّد لإنتاج “سلطات محلية مدنية شرعية” في “المناطق المحررة”. ولفت إلى أن “هذه الإجراءات لا تعني مساراً مفتوح الأمد لبناء الأمم وإعادة الإعمار”. والمقاربة في الملف الكردي كانت جديدة من ناحية الدعوة للمرة الأولى إلى انخراط “قوات سورية الديمقراطية” بطريقة ما في مسار جنيف، وأن “على هذه القوات احترام التعددية السورية وأن لا تشكّل أي تهديد لجيران سورية”.

تحدث تيلرسون بشكل سريع عن “ضرورة استمرار الشراكة مع أنقرة في سورية بإدلب ومعالجة قلق تركيا من إرهابيي حزب العمال الكردستاني في أماكن أخرى”. غير أن الأمر لم يُستتبع لخريطة طريق للخلاف بين البلدين حول مدى علاقة حزب العمال الكردستاني بـ”قوات سورية الديمقراطية”، ولا التطرّق إلى فكرة تشكيل قوة من 30 ألف جندي من حرس الحدود، التي أغضبت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي أعلن أنه “سيعمل على خنق هذه الوحدة العسكرية قبل ولادتها”.

غير أن تيلرسون أبلغ الصحافيين على متن طائرته، بأنه “تمّ توصيف هذه الفكرة بشكل خاطئ من قبل بعض المسؤولين الأميركيين، وأنه ليس هناك نية لتشكيل قوة حرس حدود، وأنه التقى وزير الخارجية التركي (مولود جاويش أوغلو) في فانكوفر يوم الثلاثاء الماضي، لإيضاح هذه القضية”.

كما خرجت مؤشرات من واشنطن في الأيام الأخيرة بأنها “لن تتدخل عسكرياً لحماية القوات الكردية في عفرين”، في محاولة للتخفيف من الاحتقان التركي والتمهيد لتجديد التفاهمات مع موسكو في الشمال السوري. لكن التجربة أثبتت أن “التباين الاستراتيجي كبير في سورية بين واشنطن وأنقرة، رغم المحاولات الأميركية لاستيعاب الاعتراض التركي بين الحين والآخر”.

وأوضح تيلرسون بشكل صريح أن “تحقيق هذه الاستراتيجية في سورية سيستند إلى حدّ كبير إلى الانخراط الدبلوماسي لا المواجهة العسكرية، تحديداً في مسألة ردع النفوذ الإيراني”. كما اعتبر أن “تقليص وطرد النفوذ الإيراني يعتمد على وجود سورية ديمقراطية”، مشيراً إلى أن “وجود حكومة مركزية جديدة لا تخضع لنظام الأسد سيكون له شرعية لتفرض سلطتها على كل الأراضي السورية”. ما يعني أن واشنطن لن تسمح بتسليم الأراضي التي يسيطر عليها الأكراد سوى إلى حكومة مركزية من دون الأسد. ووعد وزيرالخارجية الأميركي بتقديم مزيد من الدعم لجولة محادثات السلام الجديدة حول سورية في فيينا برعاية الأمم المتحدة، موضحاً أن “رحيل الأسد من منصبه لن يكون إلا من خلال عملية تدريجية وانتخابات حرة ونزيهة وتغيير للدستور”.

مع العلم أن عدد القوات الأميركية في سورية، بلغ نحو ألفي جندي، كما أن طائراتها تجوب شرق البلاد مستهدفة عناصر تنظيم “داعش”.

العربي الجديد

 

 

 

السياسة الأميركية في سوريا: من الاحتواء إلى الانخراط/ سلام السعدي

للمرة الأولى منذ اندلاع الثورة السورية في العام 2011 يبدو أن الولايات المتحدة الأميركية قد وضعت استراتيجية سياسية-عسكرية في سوريا. ففي خطابه الأخير في جامعة ستانفورد، رسم وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون الخطوط العامة لتلك الاستراتيجية والتي ترتكز على تعزيز التواجد العسكري الأميركي في شمال البلاد، وضخ الأموال من أجل إعادة الإعمار وتعزيز الاستقرار. أما الرسالة الموجهة للرئيس السوري وحليفتيه، روسيا وإيران، الذين يتطلعون لاستعادة تلك المناطق الغنية بالثروات النفطية والزراعية فكانت واضحة: ممنوع الاقتراب.

تعرض الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما خلال ولايته الرئاسية لانتقادات قاسية في ما يخص الملف السوري. وتصاعدت تلك الانتقادات بعد التدخل الروسي في سوريا في نهاية العام 2015 وشملت الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه أوباما. طالب المنتقدون حينها بضرورة رسم استراتيجية أميركية واضحة المعالم في سوريا. وإذ اعترف الجميع بتعقيد الواقع السوري وما يعنيه ذلك من صعوبة بالغة تعتري مهمة رسم استراتيجية متماسكة، ولكن كان هنالك إجماع على اتسام سياسة إدارة أوباما بالتردد والانعطافات المتكررة التي جعلتها تضيع فرصا عديدة من أجل بناء استراتيجية محددة بصورة تدريجية قائمة على الخبرة المتراكمة في الميدان السوري.

وكان الانتقاد الثاني لإدارة أوباما بخصوص سوريا هو التركيز على البعد السياسي وتجاهل البعد العسكري، وهو ما جعلها تفتقد للفاعلية وتنقاد للأحداث المتسارعة وتتأثر بها، فضلا عن تعويلها الدائم على روسيا للعب دور بناء ينهي الصراع القائم وذلك بإقناع الرئيس السوري بشار الأسد بالقبول بانتقال سياسي.

دافعت روسيا عن حليفها في المحافل الدولية بكل شراسة، ورفضت ممارسة حد أدنى من الضغوط على الرئيس بشار الأسد لأسباب متعددة. ومن ثم انخرطت موسكو في عمل عسكري في سوريا في نهاية العام 2015 لتطلق بذلك رصاصة الرحمة على التعويل الأميركي على دور إيجابي متخيل يمكن أن تلعبه موسكو ويقود إلى عملية سياسية جدية. أطلق التدخل العسكري الروسي في سوريا وابلا من الانتقادات ضد إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، ودفعها إلى التفكير بشكل جاد في رسم استراتيجية واضحة تخرج واشنطن من تخبط السياسات والارتهان للسياسة الروسية في سوريا.

بدأت ملامح تلك الاستراتيجية بالتشكل خلال العام الأخير للرئيس باراك أوباما في السلطة 2016، حيث حسمت واشنطن أمرها بدعم القوات الكردية تحت مسمى “قوات سوريا الديمقراطية” واعتبارها الحليف الاستراتيجي ضمن سياسة جديدة قدمت، لأول مرة، بعدا عسكريا مباشرا للانخراط الأميركي بالنزاع السوري.

كان الغطاء العام للمهمة الأميركية الجديدة هو محاربة تنظيم الدولة الإسلامية وهزيمته، فيما تمثل الهدف الاستراتيجي بالسيطرة على مساحات شاسعة من شمال سوريا وشرقها، وبناء تواجد عسكري طويل الأمد يشمل إرسال مقاتلين ومعدات فضلا عن إنشاء قواعد ومطارات عسكرية.

شكلت القوات الكردية الحليف الأفضل بسبب كونها خاضعة لحزب قومي- يساري، وتحظى بالتالي باستقلالية نسبية وبانضباط كبير، وذلك بعكس فصائل المعارضة السورية مفككة القيادة والتي خضعت بدرجة كبيرة للدعم والنفوذ التركيين. كما رفضت فصائل المعارضة السورية قصر المعارك التي تدعمها الولايات المتحدة على تنظيم داعش، وواصلت قتال النظام السوري فيما التزمت القوات الكردية بقتال التنظيم المتطرف. وأخيرا، يحيط الأعداء بقوات سوريا الديمقراطية من كل جانب حيث تشمل لائحة أعدائها كلا من النظام السوري وتركيا والمعارضة السورية وتنظيم داعش، وهو ما يجعل تحالفها مع واشنطن أكثر تماسكا.

عملت الولايات المتحدة منذ منتصف العام 2016 بسرية تامة على توطيد وجودها العسكري في شمال سوريا، وقد نجحت في ذلك مع انتهاء المعارك بصورة رسمية ضد تنظيم داعش في نهاية العام الماضي بالسيطرة على مدينة دير الزور آخر المعاقل الرئيسية للتنظيم في سوريا، وتوطيد قوات سوريا الديمقراطية تواجدها وحكمها للمناطق التي انتزعتها من التنظيم.

أعلن ريكس تيلرسون أن التواجد العسكري الحالي والمتصاعد للولايات المتحدة غير محدد بمدة زمنية، وأنه يرتبط بعملية الانتقال السياسي في البلاد ليشكل ذلك أول ورقة ضغط جدية تستخدمها واشنطن للدفع نحو تسوية سياسية منذ انطلاق الصراع. ويعتبر هذا الإعلان بمثابة رد على التجاهل الروسي التام لمطالب واشنطن منذ العام 2012 بإنهاء الصراع وتحقيق انتقال سياسي عبر الضغط على بشار الأسد.

أصرت روسيا على الإبقاء على الأسد كحجر عثرة يمنع أي تطور سياسي ذي أهمية، ويحقق شيئا من الاستقرار في المنطقة. ويبدو أن الرد الأميركي اليوم هو وضع حجر عثرة أيضا في وجه المشروع الروسي- الإيراني- التركي في سوريا الذي يتضمن إعادة تأهيل الدولة السورية بقيادة الأسد، واستعادة السيطرة على كل الأرض، وخصوصا شمال البلاد الغني بالموارد الاقتصادية.

كاتب فلسطيني سوري

العرب

 

 

 

التجاذب الأميركي – الروسي في زمن بوتين وترامب/ د. خطار أبودياب

تسود خيبة الأمل الدوائر الحاكمة في موسكو بعد عام على تمركز إدارة دونالد ترامب مع سقوط الرهان الروسي على شخص الرئيس ترامب لجهة حصول تغيير إيجابي في العلاقات الثنائية. على العكس من ذلك، يبدو أن الاحتدام سيد الموقف مع هيمنة شبح “روسيا غيت” في الداخل الأميركي، ومع ما يشبه حرب باردة جديدة على مسارح تمتد من أوكرانيا إلى سوريا وشبه الجزيرة الكورية.

ومما لا شك فيه أن هذا التجاذب بين واشنطن وموسكو ومسار اختبار القوة بين الجانبين سيكونان حاسمين أو مؤثرين في مآلات أزمات كبرى من الشرق الأوسط الملتهب من سوريا إلى الملف النووي الإيراني إلى الأزمة الكورية في الشرق الأقصى.

منذ نهاية الحرب الباردة راهن جميع الرؤساء الأميركيين الجدد عندما استقروا في البيت الأبيض على تطبيع العلاقات الروسية – الأميركية، وتوطيد العلاقات بين واشنطن وموسكو.

ويتقاسم الرئيس فلاديمير بوتين هذا الرهان الذي اصطدم عمليا بعدم توافق الثقافات السياسية الروسية والأميركية، ولكنه اصطدم أيضا بالسلوك الهجومي للكرملين وباستعجال موسكو تكريس عودتها إلى المسرح الدولي، وبإشكالات مرتبطة بمرحلة ما بعد الأحادية الأميركية وخصوصاً قرار واشنطن توسيع حلف شمال الأطلسي نحو حدود روسيا.

يجدر التذكير أنه في نهاية عهد جورج بوش الابن عاد التوتر من بوابة حرب جورجيا في 2008، ولم يصمد طموح الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في ترميم العلاقة الروسية – الأميركية بسبب قرار الرئيس فلاديمير بوتين ضم شبه جزيرة القرم في مارس 2014.

ومنذ هذا التاريخ تحوّلت العقوبات الأميركية إلى عامل بنيوي في صياغة العلاقة الثنائية المترنحة. لكن مع انتخاب دونالد ترامب في نوفمبر من العام 2016، تأملت موسكو انطلاق حقبة جديدة من “الصداقة” بين أعداء الحرب الباردة السابقين، ليس على غرار توازنات الحرب الباردة، بل وفق منطق “الشراكة ذات المنفعة المتبادلة”. لكن سرعان ما طغت الشكوك حول التدخل الروسي المفترض في الانتخابات الرئاسية الأميركية، واضطر دونالد ترامب لعدم تنفيذ وعده الانتخابي حول تخفيف العقوبات المفروضة على روسيا في ما يتعلق بأوكرانيا.

والآن بعد سنة من رئاسة ترامب، يتضح أن سيد الكرملين لم يحصل على أي تنازلات كان يأمل أن يقوم بها نظيره الأميركي. على النقيض من ذلك، عاد قاموس الحرب الباردة إلى أدبيات الجانبين.

ضمن الاستراتيجية الأميركية الجديدة للأمن القومي التي أعلنها الرئيس ترامب في ديسمبر 2017، تم تصنيف روسيا كمصدر تهديد وورد في الوثيقة “من خلال الأشكال المعاصرة من التكتيكات التخريبية، تتدخل روسيا في الشؤون السياسية الداخلية للدول حول العالم ولمصالح واشنطن”.

والملفت اعتبار الصين وروسيا معا كغريمين يسعيان لتحدي سلطة الولايات المتحدة وتآكل أمنها ورخائها، وورد حرفياً في الوثيقة أن روسيا والصين “عقدتا العزم على جعل الاقتصاد أقل حرية وعدلا، وتنمية جيشيهما، والسيطرة على المعلومات لقمع مجتمعيهما، ومد نطاق نفوذهما”.

هكذا قامت المؤسسات الأميركية بتصنيف الصين وروسيا في الخانة العدائية بالرغم من محاولات الرئيس الأميركي الشخصية بناء علاقات مع نظيريه بوتين وشي جين بينج. وعلى نفس المنوال وأكثر، ورد في تقرير أعدّته مجموعة من الشيوخ في الحزب الديمقراطي، ونشر في 10 يناير الحالي، ضرورة “اعتبار روسيا والرئيس فلاديمير بوتين شخصياً بمثابة تهديد ضد الولايات المتحدة والديمقراطيات الأوروبية”. في المقابل، اعتبر مجلس الأمن في روسيا الاتحادية أن “الاستراتيجية الأميركية تهدد العالم وأن نهج الهيمنة الأميركية يسبب عدم الاستقرار”.

بالرغم من كل ذلك ومن مسار التحقيق في احتمال التدخل الروسي والضجة حول كتاب “النار والغضب” للكاتب الأميركي مايكل وولف، يتحدث ترامب باستمرار عن رغبته في تحسين علاقته مع روسيا، لكن هامش مناورته يضيق أكثر فأكثر نظرا لسياسات موسكو في سوريا وأوكرانيا، ولنهجها “الملتبس” إزاء أزمة واشنطن مع كوريا الشمالية.

في واشنطن لم تعد روسيا من أولويات السياسة الخارجية الأميركية، أما في موسكو فإن تطورات “القضية الروسية” داخل بيت الحكم الأميركي تدفع بأصحاب القرار إلى اعتبار دونالد ترامب رئيسا ضعيفاً وغير قادر على فرض إرادته.

ويقول مطلع على الشأن الروسي أن “ضعـف ترامب” يمثل مشكلة في العمق لموسكو مع سقوط الرهان عليه كصديق ولأنه “خصم فاقد للمصداقية” أو فزاعة تحفز الرأي العام حيث أن “القيصر الجديد” على أبواب انتخابات مارس، ولأن التركيز الدعائي على إعادة الاعتبار لمكانة روسيا كقوة عالمية كبرى يصطدم بوجود رئيس في البيت الأبيض تقيده المؤسسات الأميركية ويفتقد إلى استراتيجية حقيقية ومتماسكة.

في ما يتعدى الاعتبارات التكتيكية، صعدت في واشنطن فكرة اعتبار روسيا كهاجس دائم، بينما استعادت موسكو التركيز على معاداة السياسة الأميركية، لكن مع ترحيبها الضمني بقرار بعض المجموعات الأميركية (مثل بوينغ وكارغيل وماكدونالدز) بتدعيم وجودها في روسيا بالرغم من نظام العقوبات. لكن ذلك لا ينفي أن الصراعات حول الطاقة وطرقها أو مستقبل العلاقات مع أوروبا والصين لا توجد في حسابات الطرفين.

حيال هذا المأزق يطالب البعض في موسكو بالعودة للتعامل مع واشنطن وفق أساليب الحرب الباردة القديمة، سواء من خلال مساومات في قمم ثنائية أو عبر إبراز عضلات من خلال تعاون استراتيجي مع الصين. لكن عناصر القوة عند روسيا تتحكم بها إمكاناتها المحدودة إزاء قدرات الولايات المتحدة التي تبقى القوة العظمى الأولى، ومن هنا تبرز الانعكاسات السلبية على مسارح الأزمات الدولية.

يعود شبح المواجهة إلى الأزمة الأوكـرانية، ولم تغيّر إدارة تـرامب من موقفها منذ إعلامها روسيا في فبراير عام 2017 عن شـرطين للحل: التخلي عن ضم القـرم ووقف الحرب في شرق أوكرانيا. ولا يبدو أن بوتين بـوارد التراجع قيـد أنملة، وأن المؤسسات الأميركية ستتخلى عن استخدام الورقة الأوكرانية في جهدها من أجل لجم طموحات موسكو في جوارها الاستراتيجي.

أما في الأزمة السورية المتصلة بالموقف الأميركي من إيران، فقد كشفت تصريحات وزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، عن سياسة سورية جديدة ونوعاً ما متماسكة لواشنطن تعتمد على إبقاء القوات الأميركية شرق الفرات من أجل “منع عودة تنظيم داعش وإنهاء نفوذ إيران الذي يتمدد على الأرض السورية وفي قلب مؤسساتها السياسية والعسكرية والاقتصادية والتربوية والاجتماعية. استراتيجية أميركية لسوريا من أجل “حل سياسي يخرج بشار الأسد بنتيجته من الرئاسة”.

والواضح أنه من خلال هذه الدعائم لسياسة جديدة تأمل واشنطن منع استفراد روسيا بالنفوذ وفرض “الحل الروسي” في سوريا، خاصة بعد عدم نجاح إدارة ترامب في إقناع روسيا بالفصل الاستراتيجي بينها وبين إيران على الساحة السورية.

وعلى صعيد الملف الكوري الشمالي، تنظر واشنطن بريبة إلى دور موسكو في عدم احترام العقوبات المفروضة على بيونغ يانغ وتقديم نفسها كحليف احتياطي لكيم جونغ أون كي يتهرب من ضغط الصين. ومن هنا أتى اجتماع هانوفر، في الأسبوع الماضي، حيث التقى ممثلون عن عشرين دولة (مع تغييب للصين وروسيا) من أجل ضمان تطبيق العقوبات ضد كوريا.

في زمن فلاديمير بوتين ودونالد ترامب يمكن القول إن روسيا والولايات المتحدة على عتبة حرب باردة جديدة، وإن الكلام عن إمكانية الشراكة في الحوكمة العالمية مؤجل إلى إشعار آخر، وإن التوتر وتناقض المصالح هما العنوانان البارزان في الحقبة الحالية.

أستاذ العلوم السياسية، المركز الدولي للجيوبوليتيك – باريس

العرب

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...