عن درب الآلم والحرية: خولة يوسف

 

خولة يوسف538909_10150924652132656_1236183102_n

يبدو من الأصعب عليَّ في هذه اللحظة أن أستطيع إستجماع ذاتي لأخط منها أحرفاً أفي بها بالوعد الذي أحبُ أن ألتزم به في أن أشارك في هذا المحفل الياسمينيّ السوريّ وخاصة أنني فخورة بشدة كوني أنثى من سوريا العظيمة .. يغلبني في هذه اللحظة المطر الذي يقرع نافذتي هنا ليلامس زجاجاً دافئاً .. ويغوص في ألمي وينكئ لي هناك جرحَ البرد والجوع والعراء في أجساد أنهكها الصراع الأقسى .. التشرد وراء الكرامة .. الموت حلماً بالحرية المُشتهاة التي لم يعرف بعدُ أي أحد منا نحنُ السوريّون أن يصفها أو يرسم ملامحها .. سؤال يَهُدني كل ليله وببساطة كان التعبير عنه تحت الإذلال والإهانة والتعسف والإنتقام ( هي هي الحرية يلي بدكن ياها ) .. جملة نطقها حقد ٌمجنون لم يفهم أين ستودي به وبنا وكيف ولماذا ..
ماهي الحرية التي نُريدها ؟ أمام كلِ مشهدٍ تجاوز الخيال المرضيّ بالعنف والموت يتجدد سؤالي حارقاً ما الذي يستحق أن تُبذل من أجله كل هذه الدماء ؟
.. الحرية .. كيف نُفند هذه الأحرف وكيف نخترعُ منها وطناً .. كرامةً .. حقوقاً .. تنوراً .. رفاهاً .. و مساواة .. كيف ونحن نقارب أن نغلق السنة الثانية من الثورة الأكثر تكلفةً والأبهظ ثمناً والأصعب والأعمق تأثيراً فينا وفي كل ماحولنا كيف سنستطيع أن نُسقط هذا الأوجع منا على واقعنا لنصوغ منه أحرفاً تحمل المعاني كلها وتُختصر بأحرف الحرية الأربعة ..
ماذا تُريد أنت كي تستطيع أن تقول أنك حر ؟ و ماذا أريد أنا كي أحس بهذه الحرية ؟
.. تتدفق الأسئلة كما تتدفق الدماء ..
تتراكم الآمال والتمنيات والخيبات أيضاً ..
أركن إلى نفسي وأسئلتي .. أجد الأعذار قبل أن أترك للخيانات منفعة إيلامي حتى النخاع .. لا أصدق ما يحدث ولا أفهمه .. لكنني أدقق فيه وأحاول أن أتقبله كواقع .. كواقعنا الذي بدأ الآن يُضاء وقد كان كتلة من سواد وفساد .. نعم ..
نحنُ لم نعرف الحرية من قبل فكيف نصفُها وكيف نطلبها ؟ كيف نُريد شيئاً لم نختبر وجوده معنا ولا نعرف كنهه ؟ أم هو أيضاً إيمان غيبيّ.. كما اعتدنا أن نفعل أن نحول كل شيء لمقدس ونعود مرة أخرى من جديد لا نستطيعُ له مساساً ..
.. أم نحن الآن في سعينا وراء المجهول المُكلف نرسم الهوية التي لم نحملها يوماً والتي لا نعرف عنها شيئاً من معرفة الخبرة وليس من بغبغائيّة ترداد نظريات الإستبداد الفارغة والمشوهة ..
أنحنُ الآن نكتشف من هم نحن ُ السوريوّن خارج الإنسحاق تحت الحذاء القمعيَّ و نظريات التقليد وإصطناع التثقف والقضية والتشبه المسرحيّ بالأفضل منا وكيل اللعنات عليه في الوقت ذاته وتعلم كراهيته وبالتالي كراهية أنفسنا نحن المقلدون السخفاء الفارغون من المعنى .. أليست هي سوريا التي نتعصب الآن لنفندي بكل شيء حدودها التي رسمها الإستعمار قبلاً كما قالت كُتب التاريخ .. ؟ وسحق ماضينا وحاضرنا بها الإستبداد والجهالة كما يقول الواقع .. أم سوريا التي علينا أن نكتشف وأن نبني معاً .. هذه الثورة التي من سوء حظي أنني كُتبَ علىَّ المنفى قبل موسمها بسنوات لتكون حسرة عمري أنني لستُ في خضم نيرانها .. هذه الثورة تُعيد صياغتنا من جديد .. تضعنا أمام مرأة .. تُعطينا الفرصة لنتحول من أشباه بشر نحو الإنسان الكامل المُكتمل بمرارة وحلاوة الإختبار .. بوركتْ ونُصِرتْ .. كما تستحق ..
وعاشت سوريا حرة آبية .. وسقط الطغاة بكل أشكالهم .. السابقون واللاحقون .. وسقطت ثقافة الطغيان. ..

اللوحة للفنانة سلافة حجازي، وهي تشارك بلوحاتها في محور: بمثابة تحية إلى نساء سورية.

خاص – صفحات سورية –

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...