الرئيسية / صفحات الرأي / عن متابعة الثورة!

عن متابعة الثورة!


ميشيل كيلو

كان لينين يقول: إن كل ثورة تتضمن سلسلة بدايات متتابعة، فالثورة ليست فعلا تاريخيا يتحقق لمرة واحدة أو من خلال فعل واحد، لذلك يمكن القول متى بدأ الفعل الثوري، لكنه يصعب القول متى ينتهي، ويمكن التأكيد على أن هذا الفعل يبدأ من مقدمات معينة، لكن من الصعوبة بمكان معرفة ما ينتهي إليه، ما دامت له بداية معلومة وليس له نهاية محددة، وما دام الواقع، الذي يجري فيه متطورا متغيرا، ويفرض عليه أن يتطور ويتغير بدوره.

وقد طرحت أسئلة كثيرة حول هوية الفعل الذي يجري في الواقع العربي الحالي، وهل هو ثورة، أو تمرد ناقص، أو احتجاج فاشل، أو انقلاب لم يكتمل … الخ. وكان الميل إلى تقديم جواب سلبي على هذا السؤال ظاهرا للعيان في الآونة الأخيرة، فالذي وقع ليس ثورة، وهو لم يقلب النظام القائم وإن أبعد الرئيس وأسرته وبطانته، وبدّل بعض الشيء مواقع القوى داخل المجتمع والسلطة، وغير حسابات بعض السلطويين والمتسلطين، وأخاف أو شجع بعض المالكين والمحرومين، وأجبر عددا ضخما من الناس على تغيير لغتهم واستخدام مفردات كانوا يجهلونها أو يرفضونها، وألغى في الظاهر بعض المظاهر، التي كانت علامات فارقة للنظام القديم، الذي قيل إنه تمت إطاحته، لكن حضوره القوي ما برح ملموسا، وفاعليته راهنة وقبضته تمسك بأعنة أقسام ومناطق ومجالات واسعة من الحياة العامة، الرسمية والشعبية، فعن أية ثورة يتحدثون؟

سادت فكرة الثورة كفعل يتم في مرحلة واحدة خلال الحقبة التي تلت الثورة السوفييتية، وقدمت نموذجا محددا للثورة ما لبث أن انتشر إلى العالم بأكمله، واعتبر النموذج الثوري الوحيد الجدير بالتطبيق والمضمون النجاح، وكل نموذج آخر فاشل حكما. تركزت دراسة الثورة على شروط إعداد ونجاح الفعل الثوري، فلم يدرس أحد بما فيه الكفاية، وبما هي موضوعا قائما بذاته، الفترة بعد نجاح ضربته الحاسمة، التي تقلب النظام القائم وتعلن حلول نظام جديد محله. ولم يهتم أحد لهذه الفترة، لأنها اعتبرت فترة ثورية بالضرورة، ما دامت تلي الفعل الثوري / الانقلابي، رغم ما عرفه الواقع العالمي من نماذج دول وبناء متباينة هنا وهناك، ومن سمات خاصة برزت خلال التطور، الذي حكمته خصائص وطنية وقومية، تاريخية وسياسية، اجتماعية وقيمية، متباينة، طبعته بطابعها، وأضفت خصائصها على سماته العامة والمشتركة مع غيره، التي لم يقر مركز الثورة السوفييتي بغيرها، وسعى إلى فرضها على سواه، بحجة أن للثورة سمات واحدة وطريقا واحدا ونتائج واحدة، وأن أي نموذج يحيد عن النموذج السوفييتي لا يجوز أن يعتبر ثورة، مهما كانت خصائصه وإنجازاته الفعلية ودرجة ثوريته.

رغم هذا، عرفت المرحلة التالية للفعل الثوري حقب مد وجزر انتشرت في كل مكان، بل وشهدت حالات عادت فيها إلى أنماط من السلطة والممارسة كان يعتقد عموما أنها خاصة بالنظام القديم، وتنتمي إلى ما كان يسمى الثورة المضادة. ولو أخذنا الثورة الفرنسية كمثال، لوجدنا أنها كانت ثورة ضد الملكية المطلقة ومجتمعها الإقطاعي، وأن الأولى عادت مرات متتالية بعد نجاح ضربة عام 1789 إلى السلطة والحكم، وإن في صيغة دستورية مقيدة، ولم تغادر المسرح تماما حتى منتصف القرن التاسع عشر، بعد ثورة باريس الأولى بأكثر من ستين عاما. لكن اللافت أن أحدا لا يتحدث اليوم عن فشل الثورة الفرنسية، ولا يشكك في حقيقة وقوعها ونجاحها، بل ولا يرى أحد فيها شيئا آخر غير النموذج الأمثل والأكمل للثورة، الذي بدل العالم والتاريخ تبديلا لا يمكن مقارنته مع أي شيء سبقه أو ترتب عليه. هل أذكر في هذا السياق بالثورة من فوق، التي قامت في بلدان أوروبية عديدة بقوة السلطة القائمة، وكانت ملكية وإقطاعية، وأدت في النهاية إلى قيام مجتمع برجوازي / رأسمالي يشبه النظام الفرنسي الذي أنتجته الثورة من تحت، ولم يخجل مؤيدوها المخلصون للملكية والإقطاع من إطلاق اسم ‘ثورة’ عليها؟. فكانت نموذجا آخر، سلميا وتدرجيا، غير شعبي وغير مجتمعي، من الثورة، أفضى في نهاية الأمر إلى إقامة نظام حافظ على الأمر القائم في الشكل ونسفه في الجوهر!.

لو كان هناك دراسات للحقبة التالية للفعل الثوري بوصفها مرحلة قائمة بذاتها ومستقلة عن هذا الفعل، وتخضع لآليات تختلف عن الآليات التي أنتجته، لبدا جليا أن الثورة أخذت شكلا جديدا كانت له حركة خاصة كل مرة، وانه قام أساسا على التقدم لبعض الوقت والتراجع أو الركود لبعضه الآخر، وأن حركته تشبه موجات متتابعة تتقدم ثم تنحسر، لتندفع من جديد، وأن المهم هنا هو أن تكون الموجة التالية أعلى من التي سبقتها، مع أنها غالبا ما تعقب حالة انحسار مرت فيها يبدو معها وكأن الثورة بمجموعها تضيع الاتجاه أو تتراجع أو تفشل، بالنظر إلى أن الفكرة التي سادت عنها كانت ترى فيها فعلا متصاعدا لا يتراجع ولا يعرف البطء، هو مرحلة واحدة لا تقطّع فيها ولا تعثر، مع أن هذا ليس ولم يكن صحيحا في أية ثورة عرفها التاريخ.

ربما كانت الثورات العربية الراهنة قد بلغت لحظة كهذه في الفترة الأخيرة، التي قيل خلالها إنها لم تكن بالأصل ثورة، أو إنها ثورة ناقصة سرعان ما فقدت زخمها وبالتالي اتجاهها، إن كان لها أصلا اتجاه … الخ. لكن الأحداث تؤكد أن الحراك عاود الانطلاق والصعود في موجة ثانية، بعد أن برز التفاوت الزمني في انطلاقته الأولى بين بلد عربي وآخر ؛ تفاوت زمني عبر عن تفاوت مجتمعي / سياسي يرتبط بعناصر كثيرة خاصة بكل بلد عربي، علما بأن تونس لم تكن أكثر البلدان العربية نضوجا للثورة، بل كانت أول من انطلق فيها لأسباب تميزها عن غيرها، وبأن نجاح ثورتها ذكّر بقية العرب بإمكانية نجاح ثورتهم هم أيضا، فكان هذا دورها في حراكهم، الذي تعين بأوضاع لم يقررها أساسا أي تأثير خارجي : دوليا كان أم عربي.

بسبب تفاوت الانطلاقة الزمنية والواقع المحلي، تفاوتت الحدة أيضا، فجاء كل ثورة أشد من سابقتها، خاصة وأنها تعلمت منها. واليوم، تتجدد انطلاقة الثورتين الرائدتين: التونسية والمصرية، بعد أن بان كم تحاول قوى النظام القديم والأمر القائم كبحهما ووضع العراقيل في سبيلهما، وكم يتهددهما خطر وقوعهما في رتابة وتكرارية الحياة السياسية اليومية ما بعد الثورية، وكم يواجههما من مقاومة على يد الأجهزة الحاكمة، الحاملة للنظام، الذي ما أن أسقطت رأسه حتى تقدمت كي تمسك بالوضع العام، وتنتزع عنان القيادة من يد الشباب الثائر والجماهير العريضة، وتعيد إنتاج النظام في الظرف الجديد، فيتمكن من احتوائه ورده إلى حال قريبة إلى الأصلية السابقة للثورة. ولعله ليس من المبالغة ما يقال اليوم حول عودة الروح إلى الثورة، وليس من المباغت ما نراه من تجديد زخمها في انطلاقة ثانية لا تقل تصميما عن الأولى، التي أطاحت بالرئيس ويعني تجددها إحداث اختراقات واسعة وحقيقية في جسد النظام من الضروري أن تستهلك بالتدريج عافيته وقدرته على البقاء والمقاومة، شريطة أن يتم ذلك وفق رؤية ذات مراحل معروفة سلفا، تتالى على شكل موجات لا بد أن تكون التالية منها أعلى من السابقة، وأن تقوم بتعبئة وحشد قوى كافية لإنجازها، وتمتلك برامج تفصيلية تقبل الترجمة إلى وقائع تترابط حلقاتها وتتماسك، أخذا بعين الاعتبار أن مصير الحركة كلها يتوقف على نجاح كل واحدة منها، فلا بد إذن من منحها أعظم قدر من الاهتمام، ومن دراستها بدقة قبل تنفيذها بأعظم قدر من التصميم والعزيمة، دون أن يترك أي فاصل زمني أو برنامجي بينها وبين الحلقة التي تليها، أو يتم القفز عن أية واحدة منها، أو يقع الثوار في خطيئة مميتة هي النظر إلى هدفهم باعتباره شعارا مرحليا يمكن بلوغه بخطوة واحدة، وتحقيقه بوصفه خطوة تكتيكية. إذا حدث هذا، كانت الثورة مهددة بالقتل على يد من يقومون بإنجازها، واكتفت الثورة المضادة بانتظار فرصة اقتناصها، التي ترتسم عندئذ في أفق الأخطاء القاتلة.

قامت الموجة الأولى من الثورة العربية بكنس رموز في النظام القائم، وها هي تنطلق من جديد كي تكنس بعض ركائزه وقواه وتحتل مواقعها، وهي ستدخل بعد زمن يقصر أو يطول في موجة ثالثة ستقضم خلالها المزيد من بنية هذا النظام وشخوصه، إلى أن تنجز ما وعدت نفسها والشعب العربي بتحقيقه : الحرية والعدالة والمساواة والدولة الديموقراطية المدنية، العدالية والوحدوية.

من هنا، أعتقد أن الثورة العربية الحالية ستستمر لفترة طويلة، وستعرف حالات تقدم وتراجع، صعود وهبوط، حماسة وفتور، نجاح وفشل، دون أن تفقد هويتها أو طابعها كثورة، مهما قال القائلون من خصومها والجاهلون من أنصارها!.

انطلق العرب في طريق جديدة لن يرجعوا عنها، مهما كانت المصاعب التي سيواجهونها. هذه الانطلاقة وهذا الطريق هما الثورة، التي ستنقلهم إلى مطلبهم : الحرية والكرامة!.

‘ كاتب وسياسي من سورية

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

31 − 21 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

صناعة الدين سلطويا/ محمد ديبو

      تدفع ظاهرة عمرو خالد وغيره من الدعاة الذين يضعون “علمهم ودينهم” في ...