الرئيسية / صفحات الرأي / عُسر التغيير العربي

عُسر التغيير العربي

 


د. طيب تيزيني

يُلاحَظ فيما يحدث بمعظم المجتمعات العربية الراهنة، أن حالة معينة تفرض نفسها، خصوصاً في اليمن وسوريا، هي صعوبة وعُسر وتيرة التغيير فيهما. وإذا كان هذا الأخير قد سار وتحقق في تونس ومصر بوقت أقصر وبصعوبات أقل نسبياً مِمَّا لا يزال يحدث في البلدين الإثنين المذكورين، إلا أن ما يلاحظ هو البروز شبه المتسارع لما ينشأ في تونس ومصر من ظاهرات جديدة قد تندرج في إطار ما أطلق عليه في هذين الأخيرين من مشكلات وصراعات، يُدخلها البعض في نطاق ما يدعونه “الثورة المضادة”. وهذا، بدوره، ربما يشير إلى أن التوقف عن تظاهرات الشباب في تونس ومصر إنما هو أمر ليس نهائياً، وإنما له كذلك عواقب محتملة.

وينبغي القول، إن مصدر ذلك الأمر في البلدين المذكورين يتحدر من بعض العوامل، التي تتصل بخصوصية كل منهما في الحقول الدينية والإثنية والمذهبية وكذلك القبائلية والعشائرية، إضافة إلى مستوى التطور السياسي الاقتصادي والمعاشي والثقافي. وقد يكون للعامل الآخر التالي دور خاص في هذه الحال، وهو التركيب الطائفي والقائمون بأدوار السلطة بمختلف أنساقها، مع تاريخ العلاقات المدنية والحضارية، دون أن نتغاضى عن تاريخ ما سماه باحثون “الاستبداد الشرقي”، يداً بيد مع ما حدث من تأثر بالنزوع الشمولي في الحكم السياسي تخصيصاً.

لهذا، كان دور الحكم السياسي الشمولي، سواء باسم المرحلة السوفييتية أو من موقع تأثيرات تحدرت من الداخل العربي (اليمن) أو من الخارج (سوريا).

وإذ يحين وقت التغيير هنا وهناك تحت أعباء تصدعات بنيوية وبتحفيز من قوى وعوامل خارجية، فإن الأمر يأخذ طابع وضعيات تبدو كأنها غير معنية باستحقاقات ذلك التغيير. فثلاثون عاماً في اليمن، وأربعون عاماً ونيف في سوريا، راحت تفرض نفسها في البلدين المذكورين كأنها من طبائع الأمور. لقد غُيِّب التاريخ بوصفه محدِّداً وضابطاً لمراحل الحكم واستمراريتها، وغُيِّبت السياسة المدنية بصفة كونها معيار النظر والتدبّر في المجتمعات. وبدلاً من ذلك، ظهرت مفاهيم “الأبدية” في الحكم، و”الأمن وأجهزته” في تدبير ومعالجة الأزمات والمشكلات في هذه المجتمعات. لكن الانطلاق من أبدية الحكام ومن أجهزة الأمن كإطار للإجابة عن تلك المشكلات والأزمات، لا يستقيم، بل هل نفسه يراهن عليه هذا كله: هنا تقترن الأبدية في الحكم، بصيغة أجهزة لا يرقى دورها إلا إلى محاولة ترسيخ الاعتقاد بأنه على رأس كل قرن (وهو عمر جيلين تقريباً هما الموروث والوارث)، يحتاج التاريخ لمن يعمل على إصلاحه.

إن قضية التغيير في العالم العربي عملية عسيرة، تحتاج رؤية جديدة متقدمة، وعقلاً نقدياً منفتحاً، وبنية تاريخية نقدية مستنيرة.

د. طيب تيزيني

أستاذ الفلسفة – جامعة دمشق

الاتحاد

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...