الرئيسية / صفحات الثقافة / فاشية خائبة تحفر أنفاق خلودها العاثر في أجساد ضحاياها بالسكاكين والحجر

فاشية خائبة تحفر أنفاق خلودها العاثر في أجساد ضحاياها بالسكاكين والحجر


محمد كتيلة

توحشت الوحشية في سوريا، تعرت تماماً، لم يبق منها شيئ  إلا طبيعتها ، وغداً ستزحف على بطونها وبعد غد لن تجد لها مكان أو مأوى إلا وراء القضبان، وسيصعب علينا أن ننسى، لأننا سنكتشف أن حجم الكارثة بعد زوالهم يحتاج إلى أزمنة وأجيال لكي يزولوا من التربة والجذور وينظف منهم الهواء، وسنجد أن من كانوا يستبدون بالبشر هم أغبى البشر، لا أصول لهم ولا إنتماء ولا هوية، لأنهم كانوا حتماً من عصر الحجر وما قبل التاريخ الشفوي والمكتوب…وحشية تجمع من الفاشية تقاليدها الحديدية الصارمة والعنجهية الفارغة، ومن البربرية أصول العدوان الشرس المتمرس في البغض واللؤم والتبرؤ من الطبائع الإنسانية العادية اللطيفة… وحشية ضارية لم تستقر على مذبحة بعد، ولم تكتف بتعذيب البشر وتشريدهم وتقطيع أوصالهم وصلاتهم ببعض، ولن تهدأ وكما حدث في آخر مجزرة والتي سيتنصل منها التاريخ من شدة أهوالها وبشاعة فظاعتها..وحشية بغيضة، تواصل إستشراسها بكل ما أوتيت من طاقة إستفزازية، ومن خبرات دموية شرسة، ولا تتوقف ولاتكتفي، بل تضيف عليها  ما لم تفلح به قاهرة الدنيا أمريكا وربيبتها إسرائيل.

فقدت الوحشية غاية توحشها، بعد أن أغرقت البلاد بدم وأجساد الضحايا المكللة بالدموع والفجائع… إقتربت من جحيم عذاباتها ، تبدو من وراء الغيم الأسود وأدخنة الحرائق والمجازر والدمار التي تحجب عين الشمس في السماء، وكأنها لم تستقر على حال بعد أن فقدت خط الرجعة المتعرج المترجرج تحت أقدامها، والذي لم تحسب له أي حساب بسبب الغباء والجنون والغلو المضطرد في القتل المجاني والغطرسة الوضيعة.

ولوعدنا قليلاً إذا ما استطعنا في خضم هذه الأهوال،  إلى بدايات المذابح والقتل العشوائي العنيف، لاكتشفنا مفاصل إحتضارهم متجسدة بكثافة ووضوح وعلى الملأ، في شعار الدهماء والغوغاء، يلعلع جنباً إلى جنب مع لعلعة الرصاص وزمجرة الصواريخ  والقذائف، متقدماً على فوهات الدبابات العابرة للأجساد والمدن والقرى، (الأسد أو نحرق البلد)، حيث لا خيار بين نار ونار، بل التأكيد المأفون العربيد على وهم الأبد، ولا مفر ولا حل ولا خلاص، مقابل الشعار الأعظم في تاريخ الثورات في العالم والذي رفعته السواعد القوية الفتية، المخضبة بالدم عالياً عالياً وبإصرار يفل الحديد ” الموت ولا المذلة “، مختزلاً أزمنة الخضوع والإستعباد وسنوات القهر والخنوع المذل،  وبتكثيف دقيق وخفيف على القلب المدمى، وأكثر من ذلك، حصاره العفوي القوي المهيب، لأطياف المعارضة التي لحقت بهم، وبكافة أشكالها ومسمياتها، وما كان منها في طي الكتمان، وما استجد وولد بعسر، على تخوم الجحيم…تحول الشعار إلى علم إلى نار لا تنطفئ في وجه الطغاة، وجدار صلد أمام العقول المترنحة وما تقترحه من حلول بعيدة كل البعد عن صناع القرار بجدارة وصبر المياومين بأجسا دهم وأفئدتهم في الشوارع والساحات.

لم تجرؤ وحشية في تاريخ التوحش وعصور الحجر ومهما بالغت في قساوتها وفظائعها، على مواجهة البراءة الإنسانية والطفولة والأمومة، بالوقاحة والنذالة التي نشهد فصولها المأساوية وآثارها المدمرة… فاشية خائبة ومن طراز بربري متصحر، تحفر أنفاق خلودها العاثر في أجساد ضحاياها بالسكاكين والحجر.

تعددت المجازر وتنوعت بمستوى إنحطاطها وشراستها، وليس آخرها مأساة الحولة بحجم ضحاياها من أطفال رضع ومن هم أكبر منهم بقليل من الوقت، من تراوحت أعمارهم قبل لحظات الإبادة الجماعية، بين عمر الورد والعصافير، ومن النساء والرجال والصبايا والشباب الذين هوت أجسادهم على أديم الأرض، وتطايرت رؤوسهم التي أُعتمت والرقاب التي نحرت بأنصال البغض واللؤم، فاصطبغوا بدخان الحرائق، وتاهوا في الدم وتشابهوا في ومضات العمر الأخيرة… ما إسم هذا القتل وإلى أين سيذهب القتلة بكل هذا القتل والجرائم المتلاحقة، إلى أين إلى أين ؟؟؟

يطلقون القذائف ليل نهار وبلا توقف أو إنقطاع، كما لو أنهم  يشعلون لفائف تبغ في ليل مهجور أو في صحراء خالية من الإنس والجن… الرصاص أفسد الهواء ولوث حياة البشر، حول مدنهم وقراهم إلى مقابر جماعية جاهزة في كل الأوقات ليسكنها الأحياء من الجرحى والمرضى والضحايا معاً، جعل من بيوتهم مضافة للغبار والجثث المتلاحقة، إختلط الرصاص مع رغيف الخبز والضوء الشحيح وشربة الماء المفقودة .

من آخر المستحيلات وأبعدها، أن يتمكن طغاة بلاد الشام الأقزام، من كانوا قبل عام وأكثر بقليل من الثورة والغضب الشعبي العارم هم المستحيل وقد هوى وتهدم، أن يتخطوا عتبات القيامة من دون حساب على أرض الآخرة في بلاد المعجزات … فهو مكتوب على وجوه أطفال الحولة المحمولة على أكتاف سهل الغاب الوادع الهادئ الجميل، وقد أعياهم الموت وهول المجزرة وأذهلهم الذهول … كُتب على وجوهم الطرية الغضة وقبل أن تكفنهم عيون الشمس وبعد أن لفتهم في أحضانها لينعموا بالرأفة والدفء والحنان …كُتب على أعناق كل سوري حر أبي نبيل.

كاتب فلسطيني يقيم في كندا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...