الرئيسية / صفحات الثقافة / فضائح كتب التدريس السورية/ سلمان مصالحة

فضائح كتب التدريس السورية/ سلمان مصالحة

 

 

تعكس الكتب التدريسية التوجهات الاجتماعية، الثقافية والسياسية للمجتمع الذي توضع فيه هذه المناهج. كما إنّه، وبالاستناد إلى هذه المناهج يتمّ تنظيم المعارف الأساسية التي تفرضها السلطة المركزية على الأجيال القادمة، ويتمّ توريث القيم الأخلاقية السائدة للأجيال القادمة.

لأجل معرفة مدى الهول والخراب العربي الذي نشاهده من حولنا في هذه المنطقة المترامية الأطراف، يجدر بنا العودة قليلاً إلى كتب التدريس العربية. إذ إنّ هذه الكتب، بما تحويه من مضامين، هي المرآة التي تعكس المفاهيم التربوية التي تُعشّش في ذهنيات القائمين على وضعها في وزارات التعليم ويتغذّى على مضامينها التلاميذ والنشء الجديد في المدارس العربية.

في الآونة الأخيرة قمت بفحص بعض كتب التدريس في المناهج السورية، وما سأورده هنا من المنهاج السوري قد يندرج على بلدان أخرى في العالم العربي، وسأترك للقارئ حرية المقارنة مع المناهج العربية في البلدان الأخرى.

فماذا يتعلم التلاميذ السوريون هذه الأيام في كتاب من إصدار وزارة التربية السورية؟

إنّ حقيقة وجود مئات آلاف القتلى والجرحى وملايين اللاجئين السوريين الذين تفرّقوا أيدي سبأ في أربع جهات الريح، لا تثير أيّ انطباع لدى واضعي المناهج التدريسية. على ما يبدو، فإنّ النظام، في كل أذرعه، يعيش في حالة من الإنكار التامّ وهو مستمرّ في غيّه المتوارث منذ عقود طويلة. ففي أحد الكتب التدريسية للصفوف السابعة في المدرسة الابتدائية، يُطلب من التلاميذ السوريين كتابة إنشاء. وها هو وصف المهمّة الملقاة على التلاميذ، مقتبسة من المنهج التدريسي السوري: «استوقفتك الصور التي تُعرض على شاشة التلفاز. والتي تصور مجازر الصهاينة في فلسطين المحتلة». وبعد هذه المقدمة يُطلب من التلميذ أن يكتب إنشاءه: «اكتب نصّاً ذاتيّاً من مقطعين تصف فيه مشاعرك تجاه عدوّ لا يفرّق بين طفل وشيخ وشاب!». فما الذي سيفكّر فيه التلميذ السوري؟ أين العدوّ، ومن هو الذي لا يفرّق بين طفل وشيخ وشاب. هل سيفكّر، مثلاً، بالطفل حمزة الخطيب، هل سيفكّر بالشباب والشيوخ الآخرين من حوله والذين لا يفرّق بينهم العدو؟

ولا يكتفي منهج التدريس السوري بهذا، بل يواصل في فصل آخر طالباً من التلاميذ أن يذكروا علامات الإعراب، أو بناء الأفعال التي تحتها خط في الأمثلة المذكورة. ومن بين الأمثلة، نقرأ: «لا يعرف العدو إلا لغة القتل والتدمير». بل أكثر من ذلك، إذ يطلب من التلاميذ لاحقاً أن يطوّروا ملكاتهم اللغوية كتابيّاً، على النحو التالي: «اكتب ستّ جمل مترابطة تُحذّر فيها العدوّ الصهيوني من نتائج اعتداءاته المتكرّرة على أهلنا في الأرض المحتلّة، مستخدماً حالات بناء المضارع».

ولأنّ النّظام مغرم بالجزم في كلّ شيء، فإنّ الجزم اللغوي هو وسيلة إيصال هذه الفكرة إلى التلاميذ. فها نحن نقرأ عن صيغ الجزم بالعربية: «فيما يلي مجموعة من الجمل يشتمل كلّ منها على فعل مضارع مسبوق بحرف جازم». وهكذا نجد من بين الجمل، الجملة التالية: «لمّا يُدرك العدوّ بأنّنا قادرون على قهره». ولكي لا تبقى الأمور من دون تذويبها على أرض الواقع اللغوي في ذهنية التلاميذ، فإنّ التلاميذ مطالبون بعد ذلك بكتابة إنشاء، هذا نصّه: «اكتب فقرة مترابطة مستوفياً فيها حالات جزم المضارع تُعبّر فيها عن قناعتك بنهاية العدوّ الصهيوني». ولا يكتفي الكتاب بهذا، بل يضع في أفواه التلاميذ الكلام الذي يجب أن يكتبوه من دون أن يُعطوا إمكانية لأيّ تشكيك في الموضوع. إذ يُطلب من الطالب أن يكتب: «مستفيداً من الألفاظ والتراكيب التالية (يُدحر العدوان، تنتهي الحرب، على يد المقاومة، ينتصر، أنا على يقين، أستعدّ، يتهيّب)»، كما ينصّ الكتاب المدرسي السوري.

أمّا مسك الختام، كما تتبدّى عليه صورة النّظام في هذا البلد المأزوم منذ عقود طويلة، فهو إيراد خطاب الرئيس بشّار الأسد في كتاب مدرسي للصفوف الابتدائية، كما لو أنّ النّصّ هو نصّ لشكسبير مثلاً، أو لنقل خطبة للإمام علي من نهج البلاغة. إنّه مجرّد خطاب في مؤتمر قمّة عربية عقدت في دمشق. فما علاقة ذلك بتدريس الطلاب؟ والجواب عن ذلك، كما يردّ في الكتاب حول الخطاب. إذ يُطلب من التلاميذ ما يلي: «تميّزت شخصيّة السيّد الرئيس بالعمق الوطنيّ والقوميّ، هاتِ من الخطاب ما يدلّ على ذلك!». فماذا يسع المرء أن يقول في هذا الكلام؟ لو كان الأمر مضحكاً لضحكنا.

هكذا هي الحال، إذن، في المناهج السورية. أليست هذه الحال هي أكبر دليل على هذا الخراب التربوي الذي يعيش فيه التلاميذ العرب في هذا القطر؟ إنّ مناهج تدريس من هذا النّوع لا يمكن أن تُنشئ إنساناً حُرّا مُبدعاً بأيّ حال. ففي نهاية المطاف، تنشئ هذه المناهج مواطناً لا يؤمن بأيّ شيء، إذ إنّه يعيش في عالم من الكذب والدجل، ولا يستطيع البوح بما في مكنونات نفسه.

هذا المثال السوري من المناهج التربوية هو الخراب الكبير الذي تترعرع فيه وعليه الأجيال العربية. فيا لها من مأساة!

* كاتب فلسطيني

الحياة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...