الرئيسية / صفحات مميزة / في أزمة المعارضة السّوريّة

في أزمة المعارضة السّوريّة


ياسين السويحة

يجوز، ربما، لمتابع أخبار وجولات المعارضة السوريّة أن يعتبر أن النزاع الذي حصل مؤخراً (ولن يكون الأخير) داخل المجلس الوطني من جهة، وبين المجلس الوطني وهيئة التنسيق من جهة أخرى، حول اﻻتفاق (أو مشروع اﻻتفاق، أو مسودّة مشروع الاتفاق.. أياً يكن) الذي أمضاه برهان غليون مع هيئة التنسيق منفرداً عن الكتلة الأكبر في جسم المجلس الوطني الذي يرأس فيه من حروب الـ”أنا” أكثر مما فيه من الخلاف الحزبي والمؤسساتي، أو حتى أكثر مما فيه من صراع آراء. ومع أن “أنا” عن “أنا”، والحق يقال، تختلف تبعاً لقائلها فإن الغائب الأكبر في عمل المعارضة السورية هو نجاحها في التغلّب على الأمراض التي عانتها، مجبرة، طيلة عقود اﻻستبداد القاسية. تغلّب الشارع على شطرٍ كبير من العلل والقيود التي جثمت على صدره طيلة فترة اختطافه من قبل الديكتاتوريّة، في حين أن المعارضة لم تتغلّب، بشكل عام، على عقدة أنانيّة وشكوك المُلاحَق. عقدة تعبّر عن نفسها بلغة ليس لها علاقة باﻻنقلاب الحاصل في الحياة العامّة في سوريا في الشهور الأخيرة، لغةٌ تفضح، بشكل مبالغ به أحياناً، تأخر “النخبة السياسيّة” عن سيرورة الأحداث وسرعتها.

لدى الشارع ما يكفي من الأسباب لسحب ثقته من المعارضة السياسيّة والقفز فوقها وتركها خلفه. السؤال المقلق هو: يتركها خلفه في طريقه إلى أين؟ من الجيّد أن ينتج الحراك الشعبي تمثيله السياسي من داخله. لكن المخيف، في خضم بركان الدم والموت والقمع والكراهية، هو أن تأخذ خيارات شعبويّة أدواراً ﻻ تستحقها وﻻتقدر على التصدّي لها، كأن تنتج وتعيد إنتاج خطابات كراهية وتفرقة وعنف بدعوى تمثيل صوت جمهورٍ يعاني عنفاً سلطوياً رهيباً.

الخيار المخيف مطروح، وقد أطلّ برأسه، ونخشى، إن استمر بنموّه السرطاني المتحالف ضمناً مع طغيان اﻻستبداد وعنفه الدموي، أن يصيب السياسة السوريّة (الوليدة بالكاد) في مقتل. لن يكون هناك أعذارٌ حينها لأيّ “أنا” في تفسيرها لأين كانت وماذا كانت تفعل حين مات هذا الرضيع.

يبدو الجدل البيزنطي العقيم المندلع حول “التمثيل” بين الجسمين المعارضين الرئيسيين في سوريا استفزازياً في مواقع كثيرة، وتكمن استفزازيته، رأيي الشخصي، في موضعين. الأول يخص أن “إقرارهما” بأن التمثيل السياسي الديمقراطي الحقيقي ﻻ يمكن أن يأتي إﻻ من صناديق اقتراع حرّة محاطة بكل شروط وضمانات العمليّة الديمقراطيّة ليس إﻻ إنشائياً، والثاني في أن مظاهر “التمثيل” التي يستخدمونها لمحاربة بعضهم البعض تبدو أحياناً كمضاربة باعة جوّالين على بعضهم البعض. المجلس يستند على مشاهد لافتات “المجلس الوطني يمثلني” في المظاهرات ويتحدّى الهيئة أن يأتي بمثلها، والهيئة (على لسان أحد أعضائها) تقول أنها هي التي تمنع أنصارها من إبراز هكذا مظاهر.

ﻻ نعلم. يمثّل، أم يمثّل على، أم يمثّل بـ .. ﻻ نعلم

ﻻ نعرف إلى أين تريد هيئة التنسيق أن تذهب بخطابها وأسلوب عملها المتّبع. فالتنظيم السياسي الذي يضم نخبة من معارضي الداخل تشكّل أسماء قيادته عنوان مرحلة من المعارضة السياسيّة دامت أربعين عاماً ونيف. وربما يكون هذا بالذات هو السبب في أنها يبدو أنها لم تخرج، بلغتها وخطابها وعناوينها، من كهوف هذه الأربعين عاماً ونيف. تسطع نخبوية خطاب هيئة التنسيق في أكثر من مكان وأكثر من مناسبة، وتبدو لغتها متعالية على الحراك الشعبي ومتشرّطة عليه، وفي أحيان كثيرة تبدو وكأنها، بحسّ فلسفي- ليبرالي كلاسيكي على الأغلب، تحابي الخصم أكثر مما يجب. ﻻ مكان لفولتيريات الودّ الذي لا يفسده الخلاف في سياق ثورة شعبيّة ضد حكم استبدادي فاسد وقاتل. لذلك، يبدو استخدام هيئة التنسيق لشعارات ولغة النظام ذاته بما يخص التدخّل الخارجي وكأنه خلق قضيّة مشتركة بين القامع والمقموع، أسمى من الدّم، وبالتالي ممنوعٌ على أهل الدّم تجاوزها. عدا ذلك، يضع خطاب هيئة التنسيق النظام في وضع المخوّل بالحكم على الوطنيّة من عدمها حين تحابي خطابه وتتقرّب منه، وهذا وضعٌ ﻻ يستحقّه النظام، ولم يستحقه في يومٍ من الأيام. لا يتوجّه النقد نحو محتوى رفض الهيئة للعنف أو الطائفية أو التدخّل الخارجي، فكاتب هذه السطور ضد هذا المثلث اللعين دون أي تحفّظ أو استثناء، بل يخص نمطاً من الخطاب والفعل السياسي يرفض الخروج من عباءة النظام، ويعطي هذه العباءة قيمة ﻻ تمتلكها إطلاقاً.

قد يبدو بديهياً أن هناك مشكلة كبيرة حين يكون خصمك أول مادحيك، خاصّة وأننا نتحدّث عن خصم ﻻ يحترم اﻻختلاف معه وﻻ يقبله وله تاريخ أسود في قمع حقوق وحريات المواطنين والمواطنات. هناك خلل سياسي كبير في أن يكون الإعلام المعادي صراحة لانتفاضة الشعب السوري منبراً متكرراً لأعضاء هيئة التنسيق، وﻻ تجدي حجّة إغلاق “الإعلام النفطي” (والمقصود بذلك الجزيرة والعربيّة) في وجههم (وهو إغلاق مستهجن وكريه في جميع الأحوال) نفعاً لتبرير الصعود على منابر العداء ﻻنتفاضة الشعب السّوري. إلى من يتحدّثون خلالها بالضبط؟

من ناحية أخرى، ﻻ يمكن للمجلس الوطني أن يدّعي أنه قد حلّ تناقضات ومشاكل هيئة التنسيق أو ثبّت نفسه كبديل حتمي جامع للقوى السياسيّة السوريّة. ﻻ شكل في أنه الأكثر “جماهيريّة”. لكن، على ماذا تستند هذه “الجماهيريّة”؟ لم يجب المجلس الوطني على أيّ من الأسئلة السياسيّة الجوهريّة التي يُفترض أنه أنشئ أصلاً لكي يجيب عليها بثبات ووضوح الثائر ضد اﻻستبداد والظلم والقمع، ﻻ بل تبدو عوامل التصدّع والشرخ وكأنها تتربص بأي محاولة للإجابة بشكل واضح عن أسئلة بديهيّة يجب عن يطرحها من يدّعي لنفسه تمثيل الثورة السوريّة قبل أن يطرحها أيّ شخصٍ آخر عليه. لم يعطي المجلس الوطني، حتّى الآن، مظهراً من مظاهر الثقة بالنفس، فالمداهنة وتدوير الزوايا واللف والدوران هي أساليب متكررة لأعضائه والناطقين باسمه (ما هو عدد الناطقين باسم المجلس الوطني؟ بعدد أعضائه؟)، والتناقضات السياسية في داخله متكررة بشكل مقلق.

أكثر من عدم إظهار الثقة بالنفس، لا يبدو، وهذه هي المأساة برأيي، أن المجلس الوطني يقدّر قيمة الحراك الشعبي أو يثق بقدراته وإمكاناته. لقد منح المجلس الوطني النظام هديّة ثمينة عندما دخل (أو لنكن أكثر إنصافاً: لم يمانع إدخاله) كعنصر آخر من عناصر النزاع الإقليمي- الدولي بين محاور قائمة منذ سنوات، محاور تتنافس على أمورٍ كثيرة من بينها العداء الصارخ والصريح لحقوق وحريّات وكرامة الشعوب العربيّة. حرب المحاور قائمة منذ سنوات، والمتغيّر اليوم هي اﻻنتفاضة الشعبيّة. اﻻنتفاضة قامت لتفرض وضعاً جديداً يضع كرامة الشعب وحقوقه وحرياته فوق أي شيء آخر فهل يعمل المجلس كممثل نزيه لهذا الهدف السامي، حتى وإن سلّمنا بضرورة وجود حيّز برغماتي معيّن يعمل ضمن واقع أننا لسنا في جزيرة منعزلة؟ يتصرّف المجلس وكأنه ينال شرعيته من دخوله في معترك السياسة الدولية عن طريق لعبة المحاور، في حين أنه كان يُنتظر منه، كي نستطيع القول أنه يستحق تمثيل الانتفاضة السوريّة، أن يتصرّف باعتدادٍ أكبر وأن يفرض نفسه وشروطه (أي شروط مصالح الشعب السوري) باعتباره ممثل المتغيّر الأقوى اليوم في الساحة. هل يفعل ذلك؟

ماذا عن موقف المجلس الوطني من “التدخّل الخارجي”؟ من المؤسف أن يكون خطاب وعمل الهيئة الطامحة لتمثيل الحراك الشعبي الثوري من العوامل الباعثة لليأس في صفوفه. لا يبدو أن للمجلس الوطني منهج سياسي يخص تجذير عمله في الداخل السوري والعمل على فتح آفاق جديدة للحراك الشعبي عن طريق استنباط أشكال نضاليّة جديدة والعمل على توسيع القاعدة الشعبية وضم الفئات المترددة وتطمين الفئات الخائفة. على العكس تماماً. متابعة مداخلات أعضاء المجلس الإعلامية تشير إلى أنهم يدافعون عن أن الحراك الشعبي قد وصل إلى سقفه واستنفذ أدواته (وهذا غير صحيح على الإطلاق) وبالتالي لا مفر من البحث عن “التدخّل الدولي”. لكن، لو تركنا ضخ اليأس الذي يمارسه المجلس في الحراك الشعبي جانباً، ما هو “التدخّل الدولي” الذي يطالب به المجلس؟ عشرة أجوبة مختلفة، على الأقل.

لنعد إلى “جماهيريّة” المجلس الوطني. تلك اللافتات التي تدافع عن المجلس الوطني وتهاجم منتقديه. هناك قطّاع فاعل ونشيط إعلامياً داخل المجلس الوطني يدافع عن خيار التدخّل العسكري الأجنبي (بمسميات مختلفة ودورانات متنوّعة) كخيار أوحد لـ “حماية المدنيين”. أي، يا أيها الواقعون تحت رصاص ونار ونير وموت النظام القمعي، أنا وفقط أنا أمتلك الوصفة لإنقاذكم من الموت. هذا ليس ابتزازاً لضحايا فاشيّة قوى القمع، بل أنه أيضاً مزايدة رخيصة على رافضي هذا الخيار بحجج شعبويّة مؤسفة من قبيل اﻻتهام بانعدام الإحساس بمعاناة المدنيين.

للأسف، يبدو أن بعض من في المجلس، وكثيرين من حوله، يعتقدون أن هذه اللافتات، الخارجة بهذه الظروف، هي بمثابة “بالروح بالدم..” البائدة. ﻻ ولن..

تشترك هيئة التنسيق والمجلس الوطني في “خطيئة” إقحام التدخّل الخارجي كموضوع رئيسي في اﻻنتفاضة الشعبية السورية. الأولى تريد برفضه نيل صكّ وطنيّة ممن ﻻ يمتلك موقعاً أخلاقياً يؤهله لمنح هذه الصكوك، والثانية أرادت فرض نفسها كناظم لهذا التدخّل بطريقة أو بأخرى. واقعان: الأول هو أن النظام في النهاية، بسياسته القمعيّة العنفيّة وبضربه عرض الحائط بأدنى منطق وطني وإنساني، هو المسؤول عن أي تدخّل خارجي يحصل، خاصّة وأن خطابه المدافع عن السحق والقمع والذبح كـ “شؤون داخليّة” يدفع إلى ذلك. الثاني هو عدم وجود دلائل على أي نيّة لتدخّل عسكري خارجي من أيّ جهة. الواقع السياسي واﻻقتصادي الدولي لا يسمح بمغامرة من هذا النوع، ولذلك تبدو المراهنة على تجذير الانتفاضة الشعبيّة واتخاذ قرار شجاع بالمضي بها حتّى النهاية أكثر أمناً وضماناً من السماح بوضع الانتفاضة في وضعيّة انتظار شيء لن يأتي، وإن أتى فلن يأتي وفقاً لمصالح الشعب السوري.

يمكننا، ويحق لنا، أن نقسو على المعارضة السورية بأطيافها وأن نوسعها هجاءً ونقداً من جميع الزوايا والنواحي. لكن أقوالاً شبيهة بأن المعارضة تشبه النظام أو أنهما وجهان لعملة واحدة ﻻ تستحق إﻻ الرفض، حتى لو قيلت بحسن النيّة. ليس صحيحاً أن المعارضة سيئة كالنظام، وهذه الأقوال ﻻ تشبه إﻻ اعتبار ما يحدث في سوريا نزاعاً بين “الدولة” ومحطّة فضائيّة، والمدافعون عن هذا منطق أن صراع المعارضة مع النظام هو صراع بين سيئين متساويين هم، على الأغلب، ممن يدافعون أيضاً عن أن الموقف “المنطقي” و”العقلاني” هو الحياد أو الصمت. في سوريا انتفاضة شعبية أشبه بالمعجزة ضد نظام استبدادي وظالم ﻻ يشبه إﻻ أسوأ الأنظمة في تاريخ اﻻستبداد، انتفاضة لم تطلقها المعارضة ولم تفعل حتى الآن إﻻ محاولة اللحاق بها ﻻهثة، وبالتالي ﻻ يمكن قبول هجاء المعارضة كمبرر للتخلّي عن اﻻنتفاضة أو خذلانها، بل على العكس تماماً.

انتفاضة على انتفاضة، أو انتفاضة على “ممثلي” اﻻنتفاضة.. أياً يكن، المهم أن تكون، أولاً وأخيراً، انتفاضة!!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...