الرئيسية / كتاب الانتفاضة / بدرالدين حسن قربي / كلام في صميم الشأن السوري

كلام في صميم الشأن السوري

 


بدرالدين حسن قربي

يقف السورييون اليوم وجهاً لوجه أمام سلطة إرهابية باطشة ومسلحة، خيارها المفروض على الشعب إما أن أحكمكم أو أقتلكم، وأدعسكم وأمرّغ أنوفكم بالتراب، وأقلب عاليها سافلها. فماشهدناه ونشهده مع دخول الأسبوع العاشر لثورة الحرية والكرامة من القتل بالمئات والاعتقال بالآلاف، وفي همجية الحصار للمدن بالدبّابات والآليات ومنع الغذاء والماء والكهرباءعنها، وفي الممارسات الطائفية للشبيحة، يؤكد فيما يؤكد على أحد جوانب الفتنة التي يواجهها السورييون بين الطبقات المسحوقة كما يحب أن يسميها الكثير من علماء السوريين وشيوخهم ترهيباً لهم وتخويفاً، والتي هي في النهاية تمديد للظالم المستبد، والسماح له بمصادرة حريات الناس، وتعبيدهم بتهوين الأمر عليهم ليبقوا رهائن أنظمة مفترية عديمة الأخلاق والضمير بل ومعدومة الرحمة.

وإذا كنّا نَسُوق كلاماً يقرؤه علينا من يقرؤه بمناسبة وغير مناسبة لما قاله ابن الخطاب عمر: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً، أو نستدعي نصاً نبوياً يردّده علينا العلماء والمشايخ خصوصاً، يشير إلى بعض مصير من انعدم فيه الضمير، وافتقد وازع الخير وجفّت فيه الرحمة: دخلت امرأة النار في هرّة حبستها، لا هي أطعمتها، ولاهي تركتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت. وهو كلام من روائع الكلِم يضعنا اليوم أمام سؤالٍ حقيقته: إذا كان حبس هرّةٍ، وسلبها حريتها فيه مافيه من عظيم الفاحشة وكبير الإثم، فما القول عن شعب بحاله، تُعدم خياراته ويُعتقل أخياره، وتُسلب حريته ويُقتل أحراره، وتُهان كرامته ويُعذّب كرامه، وتُنهب مقدّارته ويُعبث بأقداره، حتى إذا ضاقت حيلته وطفح كيله، وتمرد على حابسه وسجّانه، جاءه الذين يعلمون بأن الساكت عن الحق شيطان أخرس، يعلّلون ويفسّرون ويتأولون ويخرّجون ويتحدثون عن تآمر المتأمرين، ومكائد الكائدين ليصلوا في النهاية إلى اتهام السجين المسكين المعتّر، والوقوف في صف سجّانه المفتري الأفجر.

إن أكثر من أربعين عاماً قضاها السورييون في سجن النظام الكبير على امتداد أرجاء الوطن كافية بل هي أكثر من المطلوب صبراً على من يريد الإصلاح أن يصلح. وإن نشر مخدرات التطويع والخضوع والتبرير والتعبيد لسجّانٍ هو هنا ليس امرأةً حبست هرّة، بل نظاماً يحبس شعباً بأكمله، ضيّع عليه حاضره، ويتهدّده بمستقبله ومستقبل أجياله.

إن السوريين بعمومهم وعياً ورجاحة عقلٍ ووطنيةً لايحبون الفتنة وهم مع تجنّبها، ولكنهم في النهاية لن يقبلوا أن يكونوا الهرّة المحبوسة ولا تقبّل مصيرها أيضاً لدى امرأة عديمة الضمير والمشاعر والأحاسيس مهما كانت الفتاوي والاجتهادات، ومهما قيل في الأعذار والمسوّغات. ولئن كنّا مع الرأي والرأي الآخر تقديراً وحرية وحواراً فيه وعليه، فإن الأمور في منتهاها تحسمها نفوس علت بها همتها، وعفّت عن مغانم تذهب بمروءتها، وارتبطت بهموم الناس وآوجاعهم ومعاناتهم، فلم تتأول للسكوت عن انتشار فواحش الظلم وكبائر النهب.

للتاريخ نكتب بأن السوريين الذين يرفضون الضيم أو النوم عليه، كانوا مع الإصلاح أولاً ومع تجنب العنف توسطاً والابتعاد عن الفتنة أخيراً، ولذلك صبروا واحتسبوا طويلاً لسبب أو آخر من فتنٍ وغيرها على ماقيل عن الإصلاح القادم، فانتظروا وحاولوا وتعبوا وتوقّفوا وقرّبوا وبعّدوا وشقوا وتعبوا وإنما هو النظام فالج لاتعالج. والأبلغ أن النظام نفسه على لسان رئيسه قفلها في مقابلة له مع صحيفة أمريكية، عندما سئل عن الثورات في تونس ومصر قال: بأن من لم يصلح حتى الآن فقد تأخر وماعاد ينفعه الإصلاح، ثم وفي نفس المقابلة وعد بالشروع في إصلاحات سياسية واقتصادية، وإنما – والكلام إليه – لكي نكون واقعيين علينا ان ننتظر الجيل القادم لتحقيق هذا الإصلاح.

وعليه، فإن كان الشعار المطروح للبعض هو الإصلاح أو الرحيل، وإذا كان الإصلاح منعدماً ولن يكون، وشاهدُنا عشرات السنيين العجاف، فإن استحقاق المرحلة المتبقي هو الرحيل، وهو ماأذّن به مؤذّنوا شباب الحرية والكرامة ودقّ به جرسهم من البداية، بل وتجاوزوا كل كلام غيره أياً كانت الاجتهادات والآراء عن حسن نية أو غير ذلك، ومما لم يعد فيه فائدة مرجوة طالما أن المسألة باتت منتهية عند الأحرار والحرائر، دعواهم فيها سورية بلد حرية وعدالة وقانون، وتحيتهم فيها سلام على وطن كريم يعيش فيه الناس كراماً آمنين، ليس فيه تشبيح ولا شبيحة، وليسوا فيه عبيداً لحاكم ولا رهائن لأزلامه، ولا سدنة لأوثانه.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...