الرئيسية / صفحات مميزة / كم من السجن….أيّتها

كم من السجن….أيّتها

فادية لاذقاني

جاءت فادية حلماً. عادت فادية كفناً.

وفي الممرّ الضيق لآخر بيت شهد أوجاعَه، أراني جميل إهداء زكريا تامر على مجموعة قصص، مكتوباً بريشة قلم حبر أزرق : ” أنعود إلى الوطن محمولين على صناديق النعوش ” ؟

ثم حلقت عيناه بأهدابهما المرتعشة في غياهب لا مدى لحدودها قائلتين لي : ”  لكم أخشى أن يصحّ هذا “

وعندما تساءل نزيه أبو عفش في إلقاء له في باريس، عن الأصحاب الذين لا يستطيعون الذهاب إلى البلد ليحضروا جنازات آبائهم وأمهاتم، لم يستطع أغلب الرجال حبس دموعهم، وبعض النساء شهقاتهن المالحة، فالقصيدة قالت ضيق المنفى و استحالة الوطن. كيف اتسعت، يومها، صالة معهد العالم العربي لكل هذي الكوارث والأنّات في الصدور؟

أما أبو رشا، و قبل أربعة اشهر من انطفائه في باريس، فقد قال بصوته الواهن : ” لقد فكرت في الأمر طويلا، سأخرج عن العادة، وليقل القائلون ماشاؤوا “. وتوقف هنيهة قبل أن ينزف وصيته : ” وقت تأتي الساعة ادفنوني هنا. لا أريد المشقة لبنتيّ. فقد كلفتُهما و ” الوطنُ ” حتى الآن أكثر مما تطيقانه. و ماهمّت الأرض وعليها وفيها سُمنا ما شيء لنا تشريداً و إذلالاً وهرباً وخوفاً؟ ”

فادية، ربيبة الليمون والحبق.

حلماً أتيت. وكفناً تعودين.

ها ابنتك الوردة تستقل الطائرة نفسها التي ستعيدك إلى الوطن صندوقاً خشبياً مركوناً في قسمها الأخير.

آه يابنيّة! ….تبدين قوية واثقة هادئة ؟ أ م هو ما تتظاهرين به أمامنا، ثم سينبجس دمعك إمّا يغمرك البرد والوحشة في السماء فتطلقين له العنان؟

أم تراك، ربيت نفسك، سنين تخفيها ثم زنازينها الستة وقت كنت صغيرة، على مواعدة الحزن بصمت، حتى إذا آن الأوان أشرعت له الأبواب، مستلسمةً في طقوس السرّ له وللوحدة والضعف وتقاسيم الفراق المتكرر؟

آه يابنيّة!…جاء دورها في الاختطاف والغياب ثمة كان لك من العمر سنتان ونصف السنة. أتقنتِ المشي والنطق وهي ” هناك “. و أكثر ما كان يشطر القلب أن لا تطلع كلمة ” ماما ” حديثة القطاف أوقات الزيارة…ثم يبدأ عدّ الساعات والأيام انتظاراً ل ” ماما ” الزيارة المقبلة عذاباتٍ وشهقات ليلية مكتومة أن تسمعها الرفيقات.

آه يابنية!..كم مرةً تعلقتِ بأهداب ثوبها، ورفضتِ مغادرة صدرها والمكان الذي كنت تحسبينه بيتها، وقت كانت الزيارة تجمعكما بلا شبك، وصحتِ ولم يتوقف بكاؤك ساعاتٍ بعد الوصول إلى بيت جدتك….وكم غلق عليك سرُّ بقاء صويحبتيك الصغيرتين مع أمهما داخل المكان العجيب الذي يسميه الكبار سجناً، والذي كبرت على إيقاع أبجديته ؟

وقديماً في أزقة باب توما والقيمرية والقصاع والشيخ محيي الدين ومساكن برزة، يا ما رددنا حتى بحت حناجرنا الأغاني الممنوعة التي كنا نجلبها كاسيتات مسروقة من بيروت. قرأنا ووزعنا الكرّاسات الحمراء. قفزنا عالياً كي نطول القمر. سهرنا نحلم بالمستحيل. ركضنا كالغزلان. سرقنا القبل في زاوية بوز الجدي. أنشدنا قصائدنا على ضفة بردى.. وقبلها تمددنا في بهاء الحقول، نقطر وجدَ أرواحنا على رخامة صوت أبي عادل وشديد حنان ” مرّينا بيكم حمد “.   كم استعرَتْ كياناتنا بنار الجنون العظيم ونحن نردد ” براءته ” مرةً وألف مرة. بطين غوطة الشام مرّغنا أجسادنا، و كهوف معلولا سجلت أسرار بوحِنا. وهناك بكينا ” بيتي أنا بيتك ” من ” طُعن بحربة ” في الحركة الأولى من أول رقصة تعلمها خارجاً للتوّ من أعوامه العشرين. فكان الغدر العظيم وذُهب به خلسةَ الفجر. ثم تلا حسان في العاشقين مزاميرهم و “تخلّفهم عن وعود الصالحية”. وعندما بدأ ينزل علينا غضب الاختفاء أوالاعتقال أضحت لنا طقوسنا في رفع كأس من غاب السهرة، ومن سيأتيه الدور فتغيبه عتمته فيتخلف عن القادمة. كانت لنا الأيام كلها والصباحات والمساءات. كان لنا هديل الحمام وخفق قلوب العصافير وطزاجة توت البرية.

ثم…هطلت علينا السجون وشتّتنا المنافي.

وعلى سرير موته بعد حريته بأيام كتب رضا حداد : ” لقد غادرت السجن، لكني أتساءل إن كان السجن قد غادرني”

فادية. ياقريبة التفاح والتين والزيتون.

من سرق وهج العينين ووثبة الحياة من روحك؟

من سيوقف قتل العاشقين قبل الأوان؟

ومن…من سيطلق لملاحم الحب تلاوتها، ولوعول البراري ركضهم؟ وللمنشدين نشوة الأغاني؟

فادية. تعودين شقائقَ نعمان،  ورمّانا  وأزرارَ زنبق بلدي. لك الخلد، ولسارقي أحلى سنين عمرك الخزي والعلقم والموت الأكيد.

فادية، سلام على روحك الغضة.

فادية لاذقاني، باريس 25 حزيران 2011

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...