الرئيسية / كتاب الانتفاضة / سمر يزبك / كنت أتعلم ، وما زلت..

كنت أتعلم ، وما زلت..

 


سمر يزبك
كان ممراً طويلاً، بالكاد أستطيع رؤية الزنازين على طرفيه، وبالكاد أشعر أنه مكان حقيقي وليس فضاء في عقلي المريض بالكتابة، إنه واقع! ممربالكاد يكفي لمرور جسدين متلاحمين. الأسود يحيط بحدوده. ممر منفصل عن الوجود، أنظر خلفي فلا أرى شيئاً، أمامي  السواد المطلق. ممر بلانهاية ولا بداية، معلق في العدم، وأنا في الوسط وأبواب مغلقة. الرجل الواقف أمامي يقوم بفتح أحد الأبواب، أزيز حاد  يبدأ بسرعة ثم ينتهي بدقات بطيئة، كانت دقات حزينة  تشبه لحناً سمعته ذات يوم في  بار  يوناني. أمسكني الرجل من مرفقي ودفعني قليلاً إلى الداخل، وبقي ممسكاً بيدي والباب مفتوح، وهناك…رأيتهم؛ كانت زنزانة بالكاد تكفي لوقوف شخصين أو ثلاثة. لم أستطع أن أحدد، لكني رأيت  ثلاثة أجساد  معلقة في مكان ما، لا أعرف كيف! كنت مذهولة وشعرت أني قبضت على خديّ بفكي، وبدأ بطني يرتجف، الأجساد الثلاثة شبه عارية، وكان ثمة  ضوء خفيف يتسرب من مكان ما. لم أعرف إن كان فتحة في السقف، ولكنه يتحول إلى خيوط واهية من الرؤية الكافية لأعرف أنهم شباب لم يتجاوزوا العشرين أو في أوائل العشرينات، أجسادهم الغضة الفتية كانت واضحة من تحت الدماء، أيديهم  معلقة بأصفاد معدنية، وأصابع أقدامهم بالكاد تلامس الأرض، والدماء تسيل من أجسادهم؛ دماء طازجة، دماء يابسة،  جروح عميقة  ترتسم على أجسادهم مثل ضربات ريشة عبثية، وجوههم تتدلى  نحو الأسفل، كانوا في حالة إغماء ويتأرجحون  مثل ذبائح

تراجعت إلى الوراء، فأمسكني أحد الرجال، ودفع بي ثانية بصمت تام، في تلك اللحظة  رفع شاب رأسه بتعب، بالكاد رفع رأسه، وكانت تلك الخيوط  الواهية من الضوء التي سمحت لي برؤية وجهه.

لم يكن له وجه؛ عيناه مطبقتان تماماً، لم ألمح لمعة عينيه، لا مكان لأنفه، ولا حتى لشفتيه،  وجهه مثل لوحة حمراء بلا خطوط. أحمر متداخل مع الأسود الذي كان أحمر!

تهاويت حينها على الأرض، وقام الرجلان بإنهاضي، لدقيقة كنت أتأرجح في منطقة لزجة، عائمة، وبقيت لدقائق حتى استعدت ثبات قدمي على الأرض. سمعت أحدهما يقول للأخر: يا زلمة هي ما بتلقى كف واحد. من الشوف هيك صار فيها،  هي بتموت من دولاب!

ثم تدفقت تلك الرائحة، رائحة دماء وبول وغائط. رائحة صدأ حديد. رائحة  تشبه التحلل، رائحة لحم ميت، لابد أنها هي  تلك الرائحة!

فجأة أخرجني من الزنزانة وفتح  زنزانة أخرى، وهو يقوم بذلك، بدأت أصوات الصراخ والتعذيب تخرج من مكان ما، مكان بعيد وقريب،  وكنت أرتجف، لم أسمع يوما أصوات وجع تشبه هذه الأصوات، قادمة من أعمق نقطة في الأرض، وتستقر كلها في قلبي. الأصوات لم تتوقف حتى غادرنا الممر.

فُتحت الزنزانة الثانية وكان فيها  شاب مكوم على الأرض، يتكور حول نفسه، ظهره لي،  تبدو عظام عموده الفقري مثل رسم تشريحي، ويبدو أنه أيضاً في حالة إغماء، ظهره متشقق، وكأن سكينا حفرت خارطة فيه.

أغلقوا الزنزانة، وهكذا زنزانة وراء زنزانة، كانوا يمسكون بي من مرفقي، ويدفعوني إليها، ثم يقومون بإخراجي منها. أجساد مرمية وراء أجساد  متكومة، إنه الجحيم! وكأن البشر مجرد قطع من اللحم معروضة لتفصيل أفضل ما يمكن عرضه لفنون التعذيب،  شباب يتحولون إلى قطع من اللحم البارد في  زنازين ضيقة ورطبة،  وجوه ليست بالوجوه، أجساد  بتضاريس  جديدة. هنا تسقط مقولة الله، فلو كان الله موجوداً لما سمح بإعادة تكوين خلقه على هذه الشاكلة  الفادحة من التشويه.

قلت لأحد الرجلين وهما يقومان بشد العصابة حول عيني ثانية: هدون الشباب  تبع التظاهرات؟

رد أحدهما بجلافة: هدون الخونة تبع التظاهرات! انزعج من سؤالي، وهو يمسك بمرفقي، فضغط عليه بقسوه حتى شعرت أنه سيهشمه، لم أعرف ما يدور بذهنهم حينها، لكن بطني عاد للإرتجاف، وكان  الرجل يمسك بي ويجرني، وأتعثر وأسقط، فلا يمهلني لأقوم ويجرني، فتحتك ركبتي بالدرج، ثم يفعل ذلك بقسوة أكبر، ثم  جرني على الدرج مثل كيس بطاطا، وكان ألم عظامي حارقاً حين فكرت بالشباب الذي يخرجون للتظاهرات. أرتجف ثانية ويتركز ارتجافي عميقاً داخل بطني، صارت الروائح كلها في فمي، وصور الزنازين  تغطي عتمة عيني. توقفنا، ونزعوا العصابة، ورأيته جالساً وراء مكتبه الأنيق، وصدقت أني لا أعيش كابوساً.  نظر بسخرية وقال: شو رأيك..شفتي رفقاتك الخونة؟

هنا بدأ شيء ما يخرج من أمعائي بسرعة شديدة ، وكأني أردت أن أخرج من جلدي.

في الحياة أقول لصديقاتي: إن  لمسة رجل لا تجعلك تبدلين جلدك كأفعى، ليست لمسة حب. الأن أستطيع القول أن هناك أشياء أخرى  تبدل جلودنا: الانسلاخ نحو الموت والطيران نحو الهاوية!

تلك اللحظة؛  كانت الطيران نحو الهاوية، وعوضاً عن التحليق، تقيأت. كنت واقفة، وسقطت على ركبتي، غضبوا بشدة، وقام من مكانه ينظر مذهولاً إلى الأثاث الفاخر الذي تلوث، وبقيت أتقيأ. عيناي  تشران أيضا بالماء، لم تكن دموعاً، أنا واثقة، الدمع يتساقط كقطرات، وما خرج من عيني لم يكن كذلك، عادت تلك الفكرة: كل من يخرج للتظاهرات في الشوارع هنا إما يقتل بالرصاص، أو يعيش هارباً متخفيا، أو يعتقل ويعذب كهؤلاء، أي شجاعة  نبتت فجأة من هذا الصوان؟

خرج صوتي ضعيفاً، لكني استطعت أن أسمعه: أنت اللي خاين. عرفت أنه سمعها لأنه انحنى وصفعني بقوة، وسقطت نهائياً على الأرض، ثم بدأت الأشياء تتهاوى، وقبل أن أفقد الوعي، استطعت الاحساس بذلك،  كان فمي مفتوحاً على الأرض، ودماء بدأت تخرج:

أيضا حينها عرفت ماذا يعني أن يقال بالعامية: والله لبزقك الدم.

كنت أتعلم، وما زلت.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

1 + 4 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...