صفحات العالم

“قواعد حماة”: حدود الحل الأمني بسوريا


 مركز الجزيرة للدراسات

في اليوم الذي أرسلت فيه دمشق موافقتها على خطة كوفي عنان، مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية، في 27 مارس/آذار 2012، تفقّد الرئيس السوري بشار الأسد حي بابا عمرو، في مدينة حمص، الذي شهد قتالاً شرسًا استمر نحو شهر كامل بين قوات الجيش النظامي والجيش السوري الحر، أوقع دمارًا شبه كامل لهذا الحي؛ وهكذا فالحدثان معًا، وقد صحبهما صخب إعلامي سوري رسمي متعمَّد، يؤشران بشكل واضح إلى الخيار الذي يقدمه النظام: إما الإبقاء على حكم الأسد وعائلته من خلال التسليم الشعبي بإصلاحات سياسية واهنة لا تتمتع بالمصداقية ولا تحقق الحرية والديمقراطية التي نادى بها السوريون، وإما الدمار الجماعي على غرار نموذج بابا عمرو في استعادة لأحداث حماة وعقاب الأسد الأب لها في فبراير/شباط 1982. وبين هذا وذاك، لن يعطي النظام أهمية لسيل من المبادرات تُطرَح لتسوية الأزمة القائمة في الداخل السوري، وأحدثها مبادرة النقاط الست التي طرحها عنان في 16 مارس/آذار 2012، والتي تحمل في طياتها بذور فشل قادم لا يغيب عن أعين المتفحصين لهذه النقاط، فهي مبادرة تسلم للأسد قيادة التغيير السياسي الذي قاتل عاما كاملا لمنعه.

يرى النظام السوري تردد المجتمع الدولي في التدخل عسكريًا لتعديل موازين القوى المختلة على الأرض لصالح قواته، سواء كان ذلك لحالة الانقسام القائم بين اللاعبين الدوليين الرئيسيين خاصة المواقف الروسية والصينية المعرقلة لصياغة قرارات دولية ملزمة، أو الخشية من تبعات الفوضى المحتملة في سوريا ما بعد الأسد، أو ربما لطبيعة بناء تحالفات الرغبة الدولية التي تُقام وتعمل خارج إطار الشرعية الدولية، وعادة ما تحتاج إلى حسابات دقيقة وإجراءات معقدة تستغرق وقتًا ليس بالقصير، (شهادة وزير الدفاع الأميركي ورئيس الأركان أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ في 8 مارس/آذار 2012، بأن هناك تخطيطًا عسكريًا أوليًا يجري حول تدخل عسكري دولي في سوريا بناء على أوامر الرئيس الأميركي باراك أوباما)، وقبل كل ذلك يرتكز موقف النظام السوري على الدعم المادي والمعنوي الذي يتدفق عليه من حلفائه الإقليميين.

ورغم ترويج النظام السوري لإنجازاته الميدانية الأخيرة على الأرض في مواجهة المعارضة المسلحة وبراعته الدبلوماسية في التلاعب بالمبادرات المطروحة لحل الأزمة سلميًا، وفي قدرته على تعميق الانقسام في المواقف الدولية، فإنه يواجه وضعًا غاية في السوء، فالجامعة العربية توصلت لإجماع غير مسبوق في تاريخها بطرحها لآلية تحول سياسي في الداخل السوري في 22 يناير/كانون الثاني 2012، تحتوي بنودها على نهاية فعلية للنظام الحالي. والمجتمع الدولي رغم فشله على مستوى مجلس الأمن في إصدار قرارات تدين دمشق، سلك طريقه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة التي سجلت إدانتها لممارسات النظام في قرار صدر بأغلبية 122 دولة في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2011، بينما المعارضة السورية بوجهيها السياسي والعسكري، ورغم ما تعانيه من انقسامات داخلية ونقص في كفاءة قيادتها، تكتسب بمرور الوقت مزيدًا من القبول الدولي الذي يترجم في آليات عدة منها تشكيل المجموعة الدولية لأصدقاء سوريا ( عقدت اجتماعها الأول في تونس في 24 فبراير/شباط 2012، واجتماعها الثاني بإسطنبول في 01 أبريل/نيسان 2012 )، مع دعوات متواصلة من السعودية إلى تسليح الجيش السوري الحر واجهة المعارضة المسلحة في الداخل والخارج.

إن حديثًا عن إنجازات عسكرية يحققها النظام منذ أواخر يناير/كانون الثاني 2012 باتباعه استراتيجية الأرض المحروقة أو ما يُعرَف بـ “قواعد حماة” نسبة لتجربة الأسد الأب في حماة في العام 1982، وما يرافق هذا الحديث من تحليلات تذهب إلى حد وضع المعارضة المسلحة على مشارف هزيمة عسكرية هو أمر يحتاج إلى إعادة تدقيق للأوضاع الميدانية على الأرض، والأهم استيعاب طبيعة الحرب الدائرة هناك والتي تنتمي إلى ما أصبح معروفًا ومطروحًا في الأدبيات الاستراتيجية بحروب الجيل الرابع 4th Generation War أو ما يرمز له بـ (4GW).

قوات الجيش النظامي: إجهاد مع نتائج متواضعة

مرت ردود فعل النظام عسكريًا حتى الآن بـأربع مراحل، طبقًا لتطور كل من الموقفين السياسي والميداني على الأرض، وكذلك رؤية القيادة السياسية السورية في مواجهتهما؛ فالمرحلة الأولى المبكرة والتي استمرت حتى نهاية مارس/آذار 2011، اعتمدت نشر قوات الشرطة إلى جانب العناصر الأربعة الأمنية الرئيسية: (مخابرات عامة، استخبارات عسكرية، استخبارات جوية، الأمن السياسي) مدعومة بميليشيات النظام المعروفة بـ “الشبيحة”، واتصفت أساليب مواجهة الاحتجاجات الشعبية إبّانها بخليط من التكتيكات التقليدية لفض التجمعات، واستخدام انتقائي للذخيرة الحية لتصفية قادتها، مع شن حملات اعتقالات جماعية وتعذيب لكوادر الثوار النشطة في محاولة إجهاض استباقي لهذه الاحتجاجات، في الوقت الذي حاول النظام على التوازي استرضاء الاحتجاجات ببعض الإجراءات كمعاقبة مسئولين محليين وزيادة الرواتب الحكومية والوعد بإلغاء قوانين مقيدة للحريات.

مرحلة ثانية: استمرت من نهاية مارس/آذار وحتى نهاية إبريل/نيسان 2011؛ حيث اضطر النظام مع الفشل الواضح في قمع الاحتجاجات إلى الدفع بقوات حماية النظام كاملة (شملت إلى جانب عناصر المرحلة الأولى كلاً من فرقة الحرس الجمهوري والفرق المنتقاة من الجيش النظامي التي يغلب عليها الولاء الطائفي، وهي الرابعة المدرعة وكلاً من الرابعة عشرة والخامسة عشرة للقوات الخاصة)، ووضح آنذاك التخطيط المنهجي لعمليات القمع باستخدام وحدات وتشكيلات ميدانية كبرى استعملت إجراءات التحضيرات الأولية، من تطويق وعزل وقطع خدمات رئيسية لأحياء ومناطق وربما مدن بأكملها، ثم إطلاق نيراني عشوائي كثيف ومعزز من الخارج، يتم تحت ستره الدفع بعناصر القوات الخاصة وشرطة مكافحة الشغب وميليشيات الشبيحة للسيطرة على نقاط مرتفعة داخل هذه المناطق، ثم تتولى أعمال القنص المباشر لعرقلة أية تحركات على الأرض بهدف إحداث شلل كامل لنواحي الحياة، فتمهد لشن غارات بوحدات مقاتلة ثقيلة تستهدف القتل الانتقائي والاعتقالات الجماعية للنشطاء، وترويع باقي السكان المدنيين، ثم يلي ذلك عمليات انسحاب من هذه المناطق والتهيؤ لممارسات مماثلة في أحياء ومناطق ومدن أخرى.

مرحلة ثالثة: مع استمرار الفشل في احتواء الاضطرابات، رغم تصاعد حصيلة القتل التي يُحدثها النظام في مناطق الاضطرابات وتنامي المساحة التي تشملها الاحتجاجات لتشمل قلب العاصمة والمناطق المحيطة بها، عمد النظام منذ نهاية إبريل/نيسان 2011 إلى تعميق تكتيكات المرحلة الثانية بإدخال بعض الوحدات النظامية للجيش (الفرقة الخامسة والفرقة الحادية عشرة) إلى مناطق في الشمال والجنوب رغم شكوك في مدى ولاء كوادرها للنظام. كما اعتمد النظام على تكثيف القوة النيرانية باستخدام المدفعية الصاروخية الميدانية (راجمات الصواريخ) إلى جانب نيران الدبابات والآليات المدرعة وحشود المدفعيات الداعمة لها، وصاحَبَ ذلك بدءُ ظهور أزمة اللاجئين السوريين الفارين إلى الأردن تحت ضغط عمليات قوات النظام في المناطق الجنوبية خاصة في درعا وريفها، وإلى لبنان بفعل عمليات القمع والقتل دون تمييز في مناطق حمص وبانياس وحماة وتل كلخ، ثم تصاعدت الأزمة مع إعادة انتشار قوات النظام أكثر إلى الشمال في إدلب وجبل الزاوية وجسر الشغور بدءًا من أوائل يونيو/حزيران 2011، والتي استُخدمت فيها الهيلكوبتر المسلحة في عمليات قصف المناطق المأهولة هناك؛ الأمر الذي أدى إلى نزوح كثيف للمدنيين إلى داخل الأراضي التركية في إقليم هاتاي والمناطق الجنوبية الأخرى، وقد استمرت هذه المرحلة حتى منتصف يناير/كانون الثاني 2012؛ مع ذلك استمر مأزق النظام جليًا حيث فشل في قمع الحركة الاحتجاجية رغم تصاعد نزيف الأرواح بفعل ممارسات ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية دفعت المجتمع الدولي إلى إدانة النظام، والأهم أن مراكز حشد اللاجئين الفارين عبر الحدود إلى الدول المجاورة بدت ليست فقط كمسألة إنسانية ضاغطة على المجتمع الدولي تدفعه إلى البحث في شكل من أشكال التدخل العاجل لوقفها، ولكن لكونها أصبحت ملاذات آمنة لأنشطة قيادة وتنظيم المعارضة المسلحة الواسعة في الداخل ومصدر تمويلها وتسليحها.

مرحلة رابعة (قواعد حماة): في مواجهة تطور عمليات المعارضة المسلحة وتعرّض قوات حماية النظام إلى هجمات متزايدة في مناطق احتشادها وعلى طول خطوط مواصلاتها، وفقدان السيطرة على أجزاء عديدة من المناطق خاصة في محافظات إدلب وحماة وحمص وإلى حد ما في درعا ودير الزور، فضلاً عن انتقال نشاط المعارضة المسلحة إلى ريف دمشق وقلب العاصمة نفسها، ومع تنامي الإجهاد في وحدات حماية النظام ذات الولاءات الموثوقة بحكم فرط التمرد، وزيادة حالات الانشقاق بين الجنود، وتكرار الحديث الدولي عن التفكير في إنشاء مناطق آمنة داخل الحدود السورية تحت ضغوط أزمة اللاجئين في الدول المجاورة، اعتمد النظام استراتيجية “قواعد حماة” في استعادة لأساليب سحق الانتفاضة باستخدام القوة المفرطة غير المقيدة في مناطق الاحتجاجات المأهولة دون أدنى اعتبار للخسائر البشرية أو التلف الجانبي المصاحب لذلك؛ فمن خلال عمليات عسكرية متكاملة على مستويات تشكيلات كبرى تبدأ بقصف نيراني كثيف لفترة زمنية مطولة (استمرت في حالة بابا عمرو لـ 27 يومًا كاملة) من قواعد إطلاق لا تصلها نيران المعارضة المسلحة المحدودة أصلاً، يتبع ذلك اختراق هذه المناطق واحتلالها بالتمركز في نقاط رئيسية كالجسور وتقاطعات الطرق والمباني الحكومية والمستشفيات، وبعد إجراء عمليات تمشيط قصيرة بفعل هجرة غالبية القاطنين لهذه المناطق أو حتى قتلهم تحت وطأة النيران التمهيدية الاستباقية، تُترَك وحدات عسكرية محدودة للتأمين ومحاولة استعادة مظاهر الحياة الشكلية بينما تتجه التشكيلات الرئيسية نحو مناطق أخرى لتكرار ذات الأمر.

ويبدو في الوضع الحالي، ورغم القبول بخطة المبعوث الدولي العربي، إصرار النظام على مواصلة خيار “قواعد حماة” أو بالأحرى خيار “الأرض المحروقة” في محافظات الشمال والوسط وفي دير الزور غربًا ودرعا وما حولها جنوبًا ( كمثال: في اليوم التالي لقبول خطة المبعوث الدولي، اجتاحت قوات النظام قلعة المضيق التاريخية في ريف حماة بعد 18 يومًا من القصف النيراني الكثيف، الذي أتى على جزء كبير من القلعة الأثرية).

(الجيش السوري الحر): قوة متنامية

رغم الانحسارات الميدانية لعناصر المعارضة المسلحة على المستويات المحلية بفعل الحملة العسكرية المكثفة للنظام خاصة في مناطق الشمال والغرب السورية؛ فإن واقع الحال على الأرض من منظور قياسات نوع وطبيعة الحرب الدائرة المختلفة جوهريًا عن تلك الحروب التقليدية، يشير إلى أن عناصر الجيش السوري الحر قد حافظت على فاعليتها وتواجدها كلاعب رئيسي في الداخل السوري وفي خارجه على السواء، فقد أدامت هذه العناصر بقاءها على الأرض باعتباره أهم قياسات الفاعلية العملياتية لهذا النوع من الحروب عبر حيازتها المتنامية للقبول الشعبي في بيئة العمليات الجارية، رغم معاناة السكان المحليين من الخسائر البشرية والمادية التي يتعمد النظام إلحاقها بهم بغرض خلق حالة من النفور الجماعي من أنشطة عناصر الجيش السوري الحر، تمهد فيما بعد لانقلابهم ضده وانحيازهم للنظام (كمثال: أُطلق شعار “تسليح الجيش الحر” على الاحتجاجات الشعبية في الجمعة التالية لاجتياح قوات النظام لحي بابا عمرو في حمص في الأول من مارس/آذار 2012 )، يضاف إلى ذلك عمليات الاستنزاف المتواصلة ضد الوحدات والتشكيلات الميدانية للنظام المنتشرة في الشمال والجنوب وفي المناطق حول العاصمة دمشق.

يعاني الجيش السوري الحر من نقاط ضعف عديدة بفعل عوامل حداثة التكوين واختلال موازين القوة النيرانية والحركية الواضح لصالح القوات النظامية، فضلاً عن تباطؤ المجتمع الدولي وتردده في الدعم العملياتي واللوجيستي لأنشطته، وقبل ذلك الاستيعاب المتأخر لمفهوم وطبيعة حروب الجيل الرابع، وهو ما سيأتي بطبيعة الحال متدرجًا بمرور الوقت وإن كان بتكلفة بشرية ومادية باهظة. وإلى جانب الخلل الكبير لصالح قوات النظام في القدرات النيرانية وحشدها في الزمان والمكان المناسبين، تعاني المعارضة المسلحة من نقص مزمن في إمدادات السلاح والذخيرة على نحو خاص، فلا تتاح لها درجة عالية من الاستمرارية القتالية في الاشتباكات، كما يتضح غلبة الطابع المحلي في تنظيم قوات المعارضة المسلحة على الطابع الميداني الذي يدمج سائر قوات مسرح العمليات، إضافة إلى ضعف نظام القيادة والسيطرة خاصة على المستوى الميداني، فلا يتحقق الحد الأدنى من التعاون والتنسيق بين الأنشطة العسكرية المحلية بصورة متزامنة، كما يبرز على نحو خاص تكرار أخطاء التمسك بمناطق معينة لفترات طويلة كما حدث في إدلب وحمص وريف دمشق، فيتوفر النظام على الوقت الكافي للتعبئة والحشد ثم التعامل بصورة منفردة ومتتالية مع كل من هذه المناطق (الجيوب) على حدة، والأهم أنه يوفر مبررات القصف النيراني الكثيف وغير المميز بهدف معاقبة السكان المحليين في هذه المناطق، وخلق ثغرة من الشكوك وانعدام الثقة وإلقاء المسؤولية على عناصر المعارضة المسلحة.

من جانب آخر، يتمتع الجيش السوري الحر كوعاء فضفاض لجماعات المعارضة المسلحة في الداخل السوري بنقاط قوة عديدة تمنحه مستويات عالية من البقاء وقدرة العمل على الأرض، يبرز منها على نحو خاص التطور النوعي في استهداف خطوط المواصلات اللوجيستية والعملياتية لقوات النظام عبر تكتيكات الكمائن والنيران المباشرة والاستخدام الموسع للعبوات المتفجرة على أجناب الطرق والمحاور الرئيسية، فضلاً عن عمليات الاستنزاف الليلية لمواقع ونقاط التفتيش التي تديرها القوات النظامية على مخارج التجمعات السكانية وعلى طول خطوط المواصلات، كما برزت مؤخرًا –خاصة بعد معركة بابا عمرو– المرونة العالية في سرعة الانسحاب من المناطق المستهدَفة نيرانيًا من قوات النظام، مع فتح جبهات قتال جديدة على التوازي في نفس الوقت (كمثال: العمليات القتالية في ريف دمشق وضواحيها لتخفيف الضغط على مناطق إدلب وجبل الزاوية وريف حماة التي تتعرض لهجمات كثيفة من قوات النظام منذ أوائل مارس/آذار 2012)، وتضاف إلى ذلك مؤشرات واضحة على تنامي استيعاب مفاهيم هذا النمط من حروب الجيل الرابع، خاصة في شن عمليات استعراضية تستهدف جذب الاهتمام الإعلامي والضغط معنويًا على الخصوم في دائرة القرار السياسي والعسكري (كمثال: عملية حي المزة في 18 مارس/آذار 2012)، ودون التورط أو الإعلان عن المشاركة في تفجيرات توصف بالإرهابية في المناطق المأهولة بل وإدانتها وإلقاء المسئولية على أركان النظام نفسه، حفاظًا على الانطباع الإقليمي والدولي نحو الجيش الحر كحركة كفاح ديمقراطي.

كما أن دلائل تحسن ملموس وواعد في مجال القيادة والسيطرة آخذة في التبلور بظهور المجالس العسكرية الإقليمية والمحلية في الداخل، وبروز تشكيلات ميدانية على مستوى الألوية في مناطق عدة تحتوي في هياكلها على كتائب عملت في السابق بصورة مستقلة، إضافة إلى تأسيس مجلس عسكري للجيش السوري الحر في 24 مارس/آذار 2012، يتولى رسم الاستراتيجيات العامة وترتيب مسائل التمويل والتسليح الخارجي والسعي لتجميع كافة جماعات المعارضة المسلحة تحت مظلته الجامعة، وهو ما يمثل خطوة إيجابية نحو تعزيز التعاون والتنسيق على المستوى الميداني والذي عانت من افتقاده طويلاً عناصر الجيش الحر العاملة في الداخل، وكذلك تعزيز التعاون على المستوى الوطني مع قيادة المجلس الوطني السوري.

“قواعد حماة” مع فارق الزمن

من جانب النظام تبدو عملياته المكثفة الأخيرة وفقًا لـ “قواعد حماة” بدون نتائج حاسمة على الأرض؛ فالبيئة العملياتية المحدودة ذات الطابع المحلي الضيق لانتفاضة الأعوام (1979 – 1982) وفي غيبة أدوات التواصل المعلوماتي والإعلامي آنذاك، أتاحت للأسد الأب استخدام عناصر نظامية مسلحة صغيرة نسبيًا لإنجاز عمليات قمع عشوائية قضت على الآلاف خلال فترة زمنية قصيرة، بينما تمارس الانتفاضة الشعبية الحالية عملها بأعداد بشرية أكبر وعلى مساحة واسعة من البلاد، وفي حضور معلوماتي وإعلامي توفره تقنية الاتصالات الحديثة على مدار الساعة؛ الأمر الذي يفرض على النظام ضرورة استخدام أعداد أكبر من الوحدات والتشكيلات والعناصر الأمنية التي لا تتوافر لديه إلا بأعداد قليلة متمثلة في قوات حماية النظام ذات الولاء الطائفي والحزبي في بعض الأحيان، وهو ما ألقى على هذه القوات عبئًا ثقيلاً سببُه مستويات عالية من الإجهاد القتالي، مصحوبًا بضغوط نفسية حادة بفعل انكشاف عملياتها غير الإنسانية أمام المجتمع الدولي، وما يصاحبه من إدانات صارخة ومتكررة وتوثيق مستمر لهذه الأفعال يمهد لمحاسبة قادمة لمرتكبيها، لأنها لن تسقط بالتقادم الزمني.

في مقابل ذلك، تبدو المعارضة المسلحة رقمًا صعبًا على الأرض حقق مستوى عاليًا من البقاء، وحافظ على درجات متنامية من القبول الشعبي رغم الكلفة الباهظة البشرية والمادية معًا، والأهم أن هذه المعارضة تستوعب بشكل متسارع مفاهيم حروب العصابات المعاصرة في بيئة تكنولوجيا المعلومات وشبكات الاتصال الكونية، وتدرك بوعي تام عدم تجاوز الخطوط الحمراء فيما بين حق الدفاع المشروع عن النفس وما بين “الإرهاب” في محاولة واعية لجلب مزيد من الدعم الخارجي على المستويين السياسي والعسكري معًا وصولاً إلى مشارف أفق –وإن كان بتكلفة بشرية ومادية باهظة– يفرض بمرور الوقت خيارات متنوعة لتدخل عسكري دولي تبدو احتمالاته قوية باعتبار المنظور الأمني الشامل لنظام قرر التمادي في توظيف القوة المميتة دون تمييز ضد شعبه حتى النهاية. إنها إذًا معضلة “قواعد حماة” عندما تكون في غير زمانها ومكانها رغم التواصل في الأسرة الواحدة ما بين الأب والإبن.

وللموازنة بين القوتين، فإن قوة النظام تزداد انهاكا مع الوقت لأنها أقل من السيطرة على احتجاجات شديدة الاتساع، وتواجه استنكارا خارجيا ينزع عنها المشروعية الدولية؛ أما الجيش الحر، فإنه يستوعب سريعا حرب العصابات ونجح في كسب التعاطف الشعبي في المناطق التي يقاتل فيها، وحصل بشكل متدرج على أنواع من الاعتراف الدولي، جعلته يرسى قواعد للقيادة آمنة بتركيا؛ وهي كلها عوامل تجعله يستمر في القتال، ويزيد بالتالي في انهاك قوات النظام. ومثل هذه النوع من الحرب، وهو حرب العصابات، لا تحسم عسكريا كما يراهن النظام السوري وإنما سياسيا، والمثال لأبرز عليها في الوقت الراهن هو الحرب في أفغانستان.

الجزيرة نت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى