الرئيسية / صفحات الرأي / لا تتركوا هذا يحدث والأمر يعتمد عليكم

لا تتركوا هذا يحدث والأمر يعتمد عليكم


صالح بوزان

في عام 1984 قرأت رواية جورج أورويل (1984)، أي في التاريخ الذي يحمل العنوان نفسه. وعندما أنهيت قراءتها وقعت في حيرة من أمري، فمن ناحية وجدت أن هذا الروائي لا يقصد في روايته الأنظمة الشمولية التي عايشها فقط، بل كافة الأنظمة الشمولية المعاصرة، سواء قبل مماته أو بعد مماته (مات عام 1950). من ناحية ثانية كنت، حينئذ عضواً، في الحزب الشيوعي السوري. وكانت الثقافة الحزبية التي تربيت عليها، مثل كافة الشيوعيين السوريين، هي أن كل ما يُكتب في الغرب عن النظام السوفييتي لا أساس له من الصحة. هو جزء من الحرب الباردة ضد النظام الاشتراكي، وضد “قائد عظيم مثل يوسف ستالين”. وبالتالي لم أتمعن في الرواية كثيراً. مع العلم أنني لاحظت بعض التطابق بين الخلفية الفكرية لأحداث الرواية وما وجدت في المجتمع السوفييتي خلال دراستي الجامعية هناك.

مرت الأيام والسنوات، تركت الحزب الشيوعي السوري. وابتعدت عن الأجواء السياسية وقراءة الكتب الحزبية. وبالصدفة وقعت هذه الرواية مرة أخرى تحت يدي. وعند قراءتها للمرة الثانية شعرت وكأن هذا الكاتب كتب هذه الرواية بعد أن عاصر الأنظمة الدكتاتورية العربية. هذه الأنظمة التي سعت بشكل حثيث إلى حيونة الإنسان، كما يقول شاعرنا العظيم ممدوح عدوان. (له كتاب بهذا العنوان).

انتابني خوف شديد خلال قراءتي للرواية. بل وصلت إلى درجة من التوتر العصبي، بحيث أصبحت أحداث الرواية تحاصرني من حيث المكان والزمان.

في تصريح صحفي لجورج أورويل حول روايته، عندما قيل له أن الرواية تخلق جوّا مرعباً. قال “المغزى الأخلاقي الممكن استنتاجه من هذا الوضع الكابوسي الخطير بسيط ، لا تتركوا هذا يحدث والأمر يعتمد عليكم”. لكننا تركنا هذا يحدث. والآن تدفع شعوب المنطقة ضريبة غالية لإزاحة هذا الكابوس الطويل عن كاهلها.

 * * *

ليس هدفي من هذه الموضوع القيام بدراسة أدبية تحليلية لهذه الرواية، وإنما لتبيان مدى تجلي واقع الأنظمة العربية الديكتاتورية في أحداثها. وكأن شخصيات مثل قذافي وحافظ الأسد وصدام حسين ومبارك و زين العابدين وعلى عبد الله صالح وغيرهم هم أبطال هذه الرواية. هذه الشخصيات التي تميزت بدكتاتوريات خاصة، اتحدت كلها في قهر الشعب وإذلاله وتحطيم شخصيته والاستهتار بكينونته الإنسانية.

مرة قال لي صديق مازحاً ما رأيك أن نخرج بمظاهرة، نرفع فيها لافتة واحدة تقول: “عذراً أيها الفرنسيون عودوا من جديد، وفي هذه المرة بناء على طلبنا وليس غصباً عنا”.

ما يجمع المستبدين العرب أنهم اغتصبوا السلطة بعيداً عن إرادة الشعب. حفنة من الضباط يتزعمهم مغامر، تآمروا في الخفاء، ومن ثم تسلقوا إرادة الشعب، وباسم الشعب بنوا هرم استبدادهم. في البداية صدقهم قسم من الشعب، واعتقدوا أن هؤلاء “الثوار” سيحققون شعاراتهم، سيرفعون صوت الشعب عالياً، وسيضعون مصلحة الشعب فوق كل اعتبار. لكنهم لم يتوقعوا أن يصبح هؤلاء “الثوار” حفنة من الطغاة يتقنون الكذب والخداع. لقد خلق هذا الاغتصاب حالة نفسية رافقت هؤلاء الحكام ماداموا يتربعون على كرسي سلطتهم المطلقة. فهذا الدكتاتور المغتصب يبقى خائفاً من الشعب طيلة حياته، ويعتقد أنه مهدد في أية لحظة. فهو يعترف في قرار نفسه أنه وصل إلى السلطة عن طريق مؤامرة من خلف إرادة الشعب. ولذلك لا يؤمن بالمبادئ ولا بالقيم والأخلاق. فالسياسة عنده عمل تآمري. ومن يتقن المؤامرة أكثر هو الذي ينتصر. وتحول هذا التفكير “البراغماتي” عنده إلى هاجس يقض مضجعه. فهو في توقع دائم أن ثمة من يتآمر عليه في الظل، تماماً كما فعل هو. لا يستطيع بأي شكل من الأشكال التصالح مع الواقع، لأنه يدرك أكثر من غيره أن عملاً من هذا النوع سيؤدي حتماً إلى نهاية حكمه. ولهذا لا يجد حلاً لمعضلته سوى الاستمرار في الاستبداد.

يتمركز كل تفكيره على عاملين. الأول دفع الشعب إلى الصمت. والثاني إحاطة نظامه بشبكة معقدة من الأجهزة التي تتحكم بها مجموعة من أقرباء الدم(وهي الدائرة الضيقة) وأنصار في قمة الانتهازية والانحطاط. وهؤلاء الأنصار تميزوا بإتقان المديح للدكتاتور واطلاق صفات عليه تصل إلى مستوى القداسة.

الدكتاتور الشرقي المعاصر يعرف كل المعرفة أن صمت الشعب يخفي وراءه عداء شديداً له. هذا العداء الذي قد ينفجر في أية لحظة. كما يدرك أن القائمين على الأجهزة الأمنية والبوليس السري هم مكروهين من الشعب نتيجة ممارساتهم اليومية، و لا سيما أن غالبيتهم ينحدرون من شرائح اجتماعية مشكوك بأخلاقياتها.

كان الجنرال باتيستا الذي أطاحت به الثورة الساندينية يختار رجال أجهزته الأمنية من تلك الشرائح الأكثر انحطاطاً في المجتمع. كان يدس جماعته بين الناس، ليصلوا إلى القوادين واللوطيين والمقامرين. فيختار منهم ما يلزمه. يخضعهم لدورات عسكرية مكثفة ويعلق على أكتافهم الرتب والنياشين، يؤمن لهم السكن الجيد والراتب المجزي. فيتحول هؤلاء المنبوذون اجتماعياً، بين ليلة وضحاها، إلى سادة القوم بفضل الدكتاتور. تبرز عند هؤلاء حالتان. الأولى حقدهم على المجتمع الذي كان ينبذهم. هذا الحقد الذي يدفعهم إلى ممارسة الانتقام ضد الشعب. والثانيةً ولاءهم المطلق للدكتاتور الذي انتشلهم من الحضيض. ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يصبح الدكتاتور شبه إله لديهم. وبالتالي يحرسون على بقائه أكثر من الدكتاتور نفسه.

ذكر لي صديق عراقي أن البعثيين عندما استولوا على السلطة عام 1963 في العراق، خططت قيادتهم مرة أن يصعد جميع البعثيين في الليل، وفي وقت متفق عليه، إلى سطح المنازل في مختلف أحياء بغداد، ويطلقون طلقات مكثفة بشكل متواصل من أسلحتهم الأوتوماتيكية في آن واحد. قال: لقد هز صوت الطلقات بغداد كلها، وتبين فيما بعد أن الهدف من هذه العملية كان إرهاب الناس من أجل أن يستسلموا لسلطة البعث التي كانت مهزوزة عندئذ. ولكي لا يسعى أي حزب أو مجموعة ما التفكير بمقاومتهم أو الخروج عليهم.

من خلال التحليل السيكولوجي لنفسية المستبد العربي يتبين أنه يعيش في ظل هاجس اغتصابه للسلطة. فبعد أن يسيطر على زمام الدولة، يبدأ البحث عن اختلاق شرعية لواقعه الجديد.

يكرس لهذه المهمة كبار المثقفين والكتاب الذين يشتريهم بالمال والجاه. فيجمع حوله ما يكفي منهم. فكما قام الدكتاتور بالاستيلاء على السلطة عن طريق التآمر واعتقال المعارضين و قتل وإعدام الكثيرين منهم، كذلك يفعل هؤلاء المثقفون والكتاب في مجال عملهم.

يقوم هؤلاء المرتزقة بحملة بربرية ضد أهم الرموز الفكرية والثقافية. يستولون على تاريخ الشعب ومجمل الحياة الثقافية والفكرية. فينشئون تاريخاً جديداً للشعب والوطن. يمحون أحداثاً بكاملها، ويختلقون غيرها، ويضخمون بعضها الأخرى. كل ذلك من أجل خلق مسلسل من الأحداث التاريخية تؤدي نتيجتها إلى حتمية ظهور الدكتاتور و”انتصار”نظامه الشمولي “كمطلب تاريخي”. من يقرأ كتابات المفكرين البعثيين يتكون لديه تصور أن النبي محمد هو المبشر الأول للفكر القومي الذي يتحدث به الدكتاتور البعثي.

وهكذا يتحول الحاكم المستبد إلى قدر الوطن وقدر الشعب. بل يتكون تصور عند عامة الناس بأن لا قيمة للوطن والشعب بدون الدكتاتور. ما يلفت الانتباه في البلدان العربية أن الوطن والشعب يُعرف بالحاكم وليس العكس. فسوريا هي “سوريا الأسد” وليس أسد سوريا. قال أحد الخطباء البعثيين في إحدى المناسبات: كم نحن فخورون بأننا نعيش في عهد حافظ الأسد. الأهم من ذلك، أنهم يخلقون تصوراً عند عامة الناس من مستقبل مرعب بدون الدكتاتور.

عندما ندقق في التاريخ الذي صاغته الأنظمة الشمولية العربية نجد أن أمجاد الأمة تبدأ منذ استلام “قائد المسيرة” للسلطة. هذه “الأمجاد” الجديدة التي تتحول إلى تراتيل يتم تكرارها مثل العبادة في الإعلام وخلال المؤتمرات والمناسبات وحتى في السهرات العائلية.

كيف يتم ترسيخ هذا التاريخ المصطنع؟

تبدأ المسألة بتربية الشبيبة على هذا التاريخ الجديد. وفي هذا العمل تتجلى قمة ذكاء الحاكم. فالشبيبة لا تملك خلفية ثقافية تستطيع أن تقاوم التشويه. ومن خلالها يتم الاستيلاء على المستقبل والتحكم به. لتحقيق هذه الغاية تبدء الخطوة الأولى في السيطرة على قطاع التعليم من المرحلة الابتدائية ولغاية الجامعية. فتوضع برامج مدروسة وتؤلف كتب تتضمن أفكار وبطولات الحاكم المعني. كما يتم تشكيل تنظيمات خاصة بالشبيبة، إلى جانب إلغاء كل التنظيمات السابقة أو السيطرة عليها. ومنذ تلك اللحظة لا يقبل وجود تنظيمات أخرى للشبيبة.

عندما تشكلت الجبهة الوطنية التقدمية في سوريا بقيادة حزب البعث عام 1972 والتي ضمت مجموعة أحزاب كانت مشهورة في سوريا حينئذ. تم الحظر على هذه الأحزاب، ما عدا حزب البعث، العمل بين الشبيبة والجيش. وحقق حافظ الأسد من وراء هذا العمل هدفين هامين. الأول أنه أدخل الشبيبة في حظيرة البعث قانونياً. وبذلك قضى على مستقبل الأحزاب التي تحالفت معه. والثاني حول الجيش إلى جيش بعثي مهمته الأساسية الدفاع عن سلطة حزب البعث. وهذا ما تم على أرض الواقع. ونجد نتائجها في واقع الثورة السورية الراهنة.

خلال جيل أو جيلين من تربية الشبيبة على ثقافة البعث في المدارس والمعاهد والجامعات، تحول التاريخ حسب المنظور البعثي إلى ما يشبه الحقيقة. هذا التاريخ الذي يبدأ منذ انقلاب حزب البعث عام 1963، وبخصوصية أكثر منذ استلام حافظ الأسد للحكم عام 1970 بانقلاب من داخل السلطة والحزب.

أستطيع القول أن الشبيبة السورية لا تعرف الكثير عن تاريخ سوريا الحقيقي، خصوصاً مراحل ما قبل استلام البعث للسلطة. التاريخ المتداول في سوريا هو التاريخ الذي صنعه ميشيل عفلق وصلاح بيطار وحافظ الأسد وأخيراً بشار الأسد. إن كتاب “التربية القومية الاشتراكية” المكرس لهذه الغاية والذي يدرس في جميع مراحل التعليم هو الذي يكوّن ذاكرة الشبيبة. والكتاب مجموعة من التلفيقات السياسية والفكرية تهدف إلى توحيد الشبيبة بشكل أعمى حول قائد المسيرة.

إن الفكر الذي صاغه مفكرو وقادة حزب البعث، هو فكر يقيني ميتافيزيقي. وعلى ضوء هذا اليقين الميتافيزيقي كُتبت دراسات كثيرة قام بها كتاب ومفكرون بعثييون وقوميون عرب غير سوريين، و بينهم من يعود في جذوره للفكر الماركسي أيضاً. والعديد من هؤلاء الأخيرين بالذات وضعوا الفكر الماركسي في خدمة الفكر القومي الاستبدادي للحاكم البعثي. لقد جعلت هذه الدراسات من الفكر القومي العربي طوطماً للعبادة. وكل من يتعرض لهذا الطوطم بالنقد هو عدو للأمة العربية التي صاغها البعثي الأول.

لم يحقق الحاكم البعثي هدفاً واحداً من أهداف حزبه، لا في سوريا ولا في العراق. ويعود ذلك إلى سببين. الأول أن الحاكم البعثي كان ينظر إلى كل أهداف حزب البعث من خلال شخصيته الصنمية. فهو ليس تجسيداً لحزبه بل الحزب تجسيد له. والسبب الثاني هو أن فكر حزب البعث أصلاً غير قابل للتحقيق ولا علاقة له بواقع المجتمع السوري، ولا بواقع المجتمعات العربية. لقد عزز حافظ الأسد وصدام حسين القطرية أكثر من أي حاكم عربي.

هكذا تربى أكثر من جيل من الشبيبة السورية على هذه الأفكار والتصورات السياسية والاجتماعية التي صاغها المنطق البعثي. هذا المنطق الذي أدى في النتيجة إلى غربة الشعب السوري من واقعه ومن محيطه، والأهم من ذلك غربته عن العصر.

إن هذه الإيديولوجية البعثية لم تبق محصورة في حزب البعث فقط. بل نجد جميع شعارات الأحزاب السورية الكلاسيكية وبرامجها، بما في ذلك أحزاب المعارضة، غير واقعية وغير قابلة للتطبيق. إنها شعارات وبرامج تسبح في فضاء خيال الأمين العام للحزب. هذا الخيال الذي يختلق جماهيراً وهمية لا علاقة لها بالواقع السوري الحي. وأصبحت هذه الأحزاب مع الزمن تعيش في غربة عن الشعب. وبالمناسبة فالتطلع القومي الكردي المتشدد في سوريا حدث في عهد حزب البعث، كرد فعل على التطرف القومي العربي البعثي. وبالتالي أصبحت هذه الأحزاب الكردية هي الأخرى بعيدة عن الشعب الكردي السوري وتطلعاته القومية الواقعية.

عندما نقرأ برامج وشعارات أي حزب سوري، نجد أن هذه البرامج والشعارات مصاغة لشعب غير الشعب السوري أو لواقع غير الواقع السوري. فهي برامج موجودة في ذهن واضعي أصحابها. وبالتالي لم يكن غريباً ابتعاد الشعب عن هذه الأحزاب مع الزمن. هناك اليوم في سوريا أحزاب لا يتجاوز عدد أعضائها عن مئة شخص. وإذا كانت الأحزاب التي هي خارج السلطة اكتفت بلوم الشعب الذي لا يفهم برامجه لأنه لا يدرك مصلحته (حسب تبرير هذه الأحزاب) ، فإن حزب البعث انزلق أكثر فأكثر إلى نظام قمعي تسلطي ممنهج يعتمد على البوليس لإخضاع الناس لمشيئته رغماً عنه.

إن جميع المصطلحات السياسية والفكرية والاجتماعية التي تستخدمها الأحزاب السورية لا تلفت انتباه الشعب. فالقومية والوطنية والاشتراكية جميعها مصطلحات تخص الجماهير التي تقبع في ذهن هذه الأحزاب وقائدها “الملهم”. ولا علاقة للناس الذين يخرجون منذ الصباح الباكر للبحث عن قوتهم اليومي بها. يوجد تناقض جذري بين هذه المصطلحات ومتطلبات الجماهير الحياتية وتوجهات العصر. فالجماهير التي تعاني من تدني مستوى المعيشة ومن الاستبداد الأمني والقهر اليومي هي غير الجماهير المصوغة في البرامج. بل تتعرض هذه الجماهير الحية إلى التخوين، لأنها لا تجسد إرادة القائد. وكل تحرك شعبي مخالف لتوجهات هذه الأحزاب هي مؤامرة امبريالية وصهيونية. كان بعض الشيوعيين يكررون أن لينين قال مرة أن الجماهير لا تعرف مصلحتها أحياناً ، بعكس الطليعة الواعية (يقصدون الحزب والقائد هنا) الوحيدة التي تعرف مصلحة الجماهير أكثر منها. وتحولت هذه المقولة إلى تبرير فج عن سبب ابتعاد الشعب عن الحزب الشيوعي السوري.

عندما يتطرق ساسة ومثقفو النظام وهذه الأحزاب الكلاسيكية لسلوك الجماهير المخالف لبرامجهم يتم إدانتها، أو تخوينها. ومسألة التخوين والمؤامرات لا يتقنها حزب البعث فقط، بل كافة الأحزاب والشخصيات السياسية السورية الكلاسيكية؛ العربية منها والكردية. فبالعودة إلى أدبيات الأحزاب التي تعرضت للانشقاقات (لا يوجد حزب في سوريا لم يتعرض لأكثر من انشقاق) نجد أن لغة التخوين هي السائدة بين الأطراف المتصارعة. والمؤامرة حسب زعمهم تبدأ من داخل الحزب ومن داخل سوريا ولغاية المركز العالمي الامبريالي والصهيوني.

وهكذا عاش الشعب السوري طيلة نصف قرن في ظل الأوهام والأحلام التي صاغها الحاكم والأمين العام لأحزاب الموالاة والمعارضة. فالشعب لم يستطع إلغاء هذه الأحزاب على أرض الواقع. لكنه أدار ظهره لها. من ناحية أخرى لم تبرز من بين صفوف الشعب طليعة تجسد مصالحه الحقيقية. فحتى المفكرون والمثقفون السوريون الذين لم يرضخوا لأيديولوجية حزب البعث والأمين العام لأحزاب الموالاة والمعارضة تشتتوا في بقاع العالم البعيدة أو انحشروا في زاوية مهملة تجمدت فيها أفكارهم وإبداعاتهم. وبالتالي عاش الشعب طيلة هذه المدة بدون ذاكرة تاريخية، لا يستطيع أن يتلمس مستقبله لعدم وجود مثقفين وساسة ينيرون له طريق المستقبل. يتساءل جورج أورويل “كيف يمكنك إثبات أكثر الحقائق وضوحاً، إن لم يكن لها أي تسجيل خارج ذاكرتك”.

يعتقد أورويل إن أهم مسألة تقوم بها الطغمة الحاكمة هي تزوير التاريخ والمكان والرموز. فالماضي يتعرض للتشويه، والكتب تنقح على هذا الأساس. فكل لوحة يعاد رسمها، وكل تمثال وشارع وبناية تعاد تسميتها، وبالتالي يتبدل التاريخ، ويُجتث الشعب من تاريخه الحقيقي، ليعيش في تاريخ وهمي على شكل عبد مستلب الهوية والإرادة. (لقد قام البعث بتغير غالبية أسماء القرى الكردية، كما منع لفترة قريبة الأسماء الكردية للولادات).

في سوريا لا توجد مدينة ليس فيها تمثال لحافظ الأسد، ولكون السلطة تعرف أن الشعب لا يحبذ هذه التماثيل، فهي تحت رقابة أمنية. لاحظنا في انتفاضة الأكراد عام 2004 أن أول ما تعرض لنقمة الجماهير الهائجة هي هذه التماثيل. وفي الثورة السورية الراهنة قام المتظاهرون بتحطيم كل تماثيل حافظ الأسد في مدنهم. صحيح أن تحطيم التماثيل لا يحقق أي انتصار. لكن هذا العمل يجسد ذاكرة جمعية ترمز إلى إرادة الخروج من تحت نير الاستبداد بطريقة أكثر راديكالية.

الشعب الذي يتكلم عنه حزب البعث وأحزاب المولاة هو شعب خانع يهتف للقائد مهما تصرف، ومهما فشل وانهزم.

بعد هزيمة الخامس من حزيران عام 1967 واغتصاب إسرائيل لجولان بطريقة مهينة لكل السوريين، خرجت إلينا صحف البعث وجريدة الحزب الشيوعي السوري لتقول على لسان كبار القادة أن العدوان الإسرائيلي فشل في تحقيق أهدافه. وحسب هؤلاء القادة كان هدف العدوان الإسرائيلي إسقاط النظام التقدمي في سوريا. أي أن بقاء البعث في الحكم هو أهم من فقدان جزء من الوطن. يا له من منطق بليد.

هناك نظرية لدى جميع الأحزاب السورية الكلاسيكية. تقول أن الأحداث تثبت دائماً صحة سياسة الحزب وبُعد نظر الأمين العام. أتذكر أننا في الحزب الشيوعي السوري كنا دائماً نقول أن سياسة الحزب صحيحة. انشق الحزب إلى عدة أحزاب وبقينا نقول أن سياسة الحزب صحيحة. فقد الحزب استقلاليته وأصبح تابعاً لحزب البعث، كررنا شعارنا بحماس. تركتنا الجماهير، وتحولنا إلى حزب فلان وفلان، ولم نمل من ترديد شعارنا “المقدس” بحيوية. في ذاكرة هذه الأحزاب جماهير تؤيد سياستها وتصفق لقائدها. جماهير لا علاقة لها بالواقع السوري الحي . يقول جورج أورويل: “بإمكانك – ويا للغرابة !- أن تخترع أناساً ميتين، ولكن ليس باستطاعتك أن تخترع أناساً أحياء”.

الحاكم المستبد، والحزب المستبد حسب أورويل لا يجد الحاجة لتثقيف الكادحين، إذ ليس من المستحسن أن يكون لديهم مشاعر سياسية قوية. يجب أن يبقوا في حالة يرتكز جل اهتمامهم على همومهم الصغيرة. وبما أنه لا يمكن تحقيق هذه الحالة إلا بخلق أوهام كبيرة لدى هذه الجماهير، عندئذ يصبح الكذب حقيقة عامة، ومن الصعب الوقوف ضدها، لأنك عندئذ ستكون ضحية فردية لا تأثير لها على الناس. عندما تحتك بكوادر الأحزاب السورية الكلاسيكية تصاب بصدمة كبيرة لضحالة تفكيرهم وولاءهم المذل لقائد المسيرة وللأمين العام. وعندما تناقشهم سرعان ما تُتهم باللاوطنية والعمالة للامبريالية والصهيونية.

في هذه البلدان التي تحكمها الأنظمة الشمولية والفكر الشمولي، تصبح خائناً إذا قلت “لا” في الوقت الذي يطلب منك الحاكم أو الأمين العام للحزب أن تقول “نعم”. وستصبح خائناً أيضاً إذا قلت “نعم” في الوقت الذي يُطلب منك أن تقول “لا” في الموضوع ذاته.

لا يقف الأمر هنا، في ظل الإرهاب المستدام، بل يتعود الناس على ترديد ما يطلبه الحاكم، كما يتعود أعضاء الحزب أن يقولوا ما يقوله الأمين العام. غير أن أجهزة النظام وعيون الأمين العام تكتشف بسرعة فيما إذا كان ما تردده نابعاً عن قناعة أو مجاراة. في الحالة الأخيرة تسعى الأجهزة الأمنية وزبانية الأمين العام إلى البحث عن وسائل جديدة للتسرب إلى داخل دماغك لمعرفة حقيقة أمرك وما تخفيه في ذاكرتك. وبالتالي يتم القضاء عليك بطريقة ما أو إعادتك إلى حظيرة الحاكم والأمين العام بخنوع أكثر من السابق.

بالنسبة للحاكم العربي لا يجوز أن يكون للجماهير فكر مستقل ولو في الباطن. فعلى الجماهير أن تقبل الحياة التي تعيشها كما هي. بدون أحلام ولا طموحات ولا البحث عن مقارنات مع حياة من يعيشون أفضل منها في بلد أخر. فحتى هكذا المقارنة تدخل في خانة التخوين. كل ما يسمح لك أن تسبح في فضاء خيال الدكتاتور.

الشعب السوري يعيش في كابوس حزب البعث وأحزابه الرديفة، وفي كابوس أحزاب المعارضة الكلاسيكية. وهذا ما يفسر انبثاق الثورة بعيداً عن كل هذه القوى الميتة. ولعل قوة الثورة السورية تكمن في أنها بعيدة عن تأثير هذه الأحزاب التي لم تقف إلى جانبها بشكل فعال. والبيانات التي تصدرها بعض الأحزاب (العربية منها والكردية) بين فينة وأخرى هي لإبعاد تهمة العجز عن نفسها. ومن ناحية أخرى فهي تترقب نهاية المطاف. فإذا فشلت الثورة، لا تكون قد خسرت العلاقة الظاهرة أو المبطنة مع النظام. وإذا انتصرت الثورة فهي ستسعى لاصطياد الفرص من أجل سرقة الثورة من أصحابها، أو إيجاد موقع قدم لها في النظام الذي سيقوم بعد الثورة.

يبدو لي أن فشل المعارضة الكلاسيكية في تنظيم نفسها في إطار واحد للوقوف إلى جانب الثورة حتى الآن تكشف أنها هي الأخرى لا تفهم إرادة الثوار، أو لا تريد أن تضع نفسها تحت إرادتهم. فممثلو المعارضة يفكرون بالدرجة الأولى بأجندة خاصة لأحزابهم أو لمجموعاتهم فيما بعد الثورة. لكن القوى الفعلية التي خلقت الثورة والتي تدفعها إلى الأمام حتى الآن بشلال من دماء خيرة أبناء سوريا لن تنخدع بكل هذه الممارسات وهذا السلوك المخزي من قبل العقل السياسي السوري الكلاسيكية.

الثورة السورية لها تطلعات تتجاوز عقلية النظام وعقلية كل الأحزاب السورية الكلاسيكية.

موقع الآوان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...