الرئيسية / صفحات مميزة / لجميل حتمل في ذكرى نومه الطويل: اثنتا عشرة قرنفلةً وستّ

لجميل حتمل في ذكرى نومه الطويل: اثنتا عشرة قرنفلةً وستّ

فاديا لاذقاني

جاء دوري في المناوبة.

إنه اليوم الأخير لجميل. لم يسعفني الأصفر، وسيخونني همس السماء أنها ساعاته الأخيرة. جمال لم يعد يطيق التحمل. أمسكنا به وكدنا، مع شريكة عمره ماجدة، نحمله حملاً ليغادر المكان. يوسف سيعود في المساء. هالة في الشام. صخر في المشفى لعمل جراحي. عائشة تتلقى الهواتف.

مضى عليّ فقط يومان لم أره. يالعقوق الحياة. لم تُصدِّق عيناي شحوبه الموغل، ونتوء عظام صدره الذي كان يعلو ويهبط مع لهاثه التعب. جئت بحلوى كان يحبها. وببطءٍ وصوت واهن بالكاد تُسمع حروفه : يا صديقتي.. لا.. أستطيع. قال ضاحكاً وهو يشير إلى فمه. ثم وكأنه خشي من خيبة أمل صغيرة قد يسببها لي: لأنها.. قاسية.

أصفر أصفر أصفر. الصفرة تعمّ المكان. الكون أصفر، الغرفة صفراء، غطاء السرير أصفر، لباس المشفى أصفر ‘ لماذا تبنّوا اللون الأصفر في مشافي باريس العمومية؟ ‘ الزمن أصفر، الموسيقى صفراء…. السماء صفراء. لكن الأقسى كان اتحاد أصفر السرير وأغراضه بصفرَة لون وجهه وخديه. هما الخدّان اللذان ما غادرهما يوماً صخب الحياة حمرةً انفعالاتٍ لا تنضب، عجلةً خبيثة عابثة في مشوار عاشق، حماسةً واندفاعاً في حديث سياسةٍ. أو بعض خجلٍ يخطر له أحياناً أن يعتريه.

لا يريد جميل أن يكون سنبلةً ذابلة. يبتسم عريضاً. وأخال الابتسامة تكلفه جهداً كبيراً،

ثم يرحل في غيبوبةٍ صغيرةٍ أخرى.

جميلُ الكلامِ يعصى عليه الآن الكلام. جاء صوته خافتاً كحمامة تهمس، مقطع الأوصال كعصفور جريح، بعد أن أشّر لي كي أقترب منه كي أسمع ما يقول:

Le Pal”

حواسي كلها له. أصغي، أراقب. لا أفهم.

يعيد وكأن صوته آتٍ من جبّ عميق:

_ Le Pal

حملني بساطُ ريحِ الأزرق.

أولَ سنة 1976 . بيت عند تقاطع زاوية الأزبكية وشارع بغداد الرائح إلى قلب الشام. ‘مرّينا بيكم حمد/ وإحنا بغطار الليل. واسمعْنا دْ- ْهَوَه / وشمّينا ريحة هيل…’

كنا سعداءَ، كنا نريد تغيير العالم، موقنين بامتلاكنا مفتاح السحر المقدس. كنا نطير بأجنحة الحلم. لا تخفف من هذا، بل تزيده، دموعُنا على غناء أبي عادل وصوته الشجيّ. وكل يوم ننطلق إلى واسع المجرّات.

‘يمّا مْويلِ الهوى، يمّا مويلليّا’. غداةَ يوم الأرض، السنة نفسها، كان لقاؤنا الطويل في غرفته، في بيت أبيه، بشارع الخطيب. تضيق بجميل المساحة الصغيرة، فلا يهدأ من غرفةٍ إلى أخرى، وكلها تنوء بأحمال الكتب. يريني كتاباً وتبرق عيناه دهشةً وانفعالاً وصخباً. حكى لي عن مكتبة أبيه ‘آلفريد’ الفنية الضخمة. وكان يقفز من غرفته إلى الجنينة الصغيرة بالقبو. طالعاً نازلاً. ضاحكاً باكياً.

-كيف لم ألحظك البارحة في المظاهرة؟

ثم حديث أطول من عمر.

أعادني الأصفر، ولهاث جميل المتقطع وتنفسه الصعب. أنظر إليه مستفهمةً، فيعيد لفظ الكلمة اللاتينية التي رفض عقلي فهمها.

علّه يحكي عن فيلم سينمائي ناطقاً، كعادته التي ما غيّرتها إقامته في باريس، لفظ الباء المفخمة بباء عربية، والعكس بالعكس.

يقول كلمة، ثم يسلم نفسه لمقادير الغيبوبة الصغيرة. أفكر بهذه الكلمة. لقد رفعوا عيار المورفين. فهو ينام الوقت جلّه. والكلمة، أعنوان فيلم هي أم كتاب أم من أضغاث المورفين هي؟

قال كبير الأطباء ليوسف ولي:

– للأسف، كنا ننتظر القلب المناسب للزرع، وإجراءاتكم في إنجاز إجراءات التأمين. الآن، لدينا الاثنان، لكن نخشى أن صحة صديقكم لم تعد تتحمل الزرع!

يغني جميل. يطير جميل. يتحمس جميل. يشتري فرنفلةً يركض بها بقلبه، المريض منذ الولادة، إلى حبيبته الجديدة. يزرع المسافات بين مقصف الجامعة و برج الروس وباب توما ثم بيت المخيم. طاقة العالم تنبعث منه. ولا يتعب. نعتمد عليه في استئجار الميكرو الذي سيقلّنا إلى معلولا مع مظفر. يتوه بنا السائق على إرشادات جميل. وبعد ضحك ساعات وضياع في الطريق. نحب أن نبكي مرةً أخرى. ما تكاد أميرة أن تكون معنا، بسلسلتهاعنقها تحمل صورتي الغاليَين، إلا وينهمر الدمع كالسيل.

– ‘بيتي أنا بيتك، وما إلي حدا’.

نقتعد الأرض قرب الكهف في معلولا. نركض. نغني. نثمل. نضحك. نلعب. يتوسد كل منا على كتف رفيقه وأبو عادل ينصحنا ألا نتهوّر، ويحكي لنا عن العسف الجائر الذي لم يكن طيشنا يحسب له حساباً.

جميل الوحيد الذي احتفظ بقصيدة مظفر، غير المنشورة، عن الشلة ‘ أخيراً، أنا وحدةُ القهر يا أصدقاء/ حكيتُ لماء النهيرات عنكم/.. وتنزل نجوى وعاشقُها في الخطيب/ وتذهب ليلاً إلى أهلها فاطمة’.

أفاق جميل.

– أنا سعيد جداً. يقول بصعوبة جمّة وصوته يزيد حشرجةً. سعيد أن العملية ستتم بنجاح أخيراً أليس كذلك؟

سيقول لي يوسف بعد سنوات، أنه كثيراً ما ضبط نفسه تنتظر جميل ينبق من زوايا الباستيل والسان ميسشيل، حاملاً إشراقته وازدحامَ كلامه ومزاحه الذي لا ينتهي. يالكذبة الحياة المريرة!

كم سأتساءل بعدها لماذا تركتني الحياة وحدي جانبه اللحظات هذه؟

أشياء كثيرة خطرت على بالي، لم أقل واحداً منها. لم أسأله إن كان يريد أن يقول شيئاً ل ‘فوفو- آلفريد’ الصغير. لم أسأله عن كتبه المتراكمة ‘هنا’ و’هناك’. لم أسأله.. لم أسأله. لم أتخيل أن بضعة ساعات فقط تفصلني عن جرس هاتف يوسف، الذي سيرنّ معلناً الفاجعة الخامسة والنصف فجراً.

كيف كان لي أن أعرف أن جميل سيبقى غافياً طوال بقاء صديقته الأخيرة، يسمع أو لا يسمع كلامها، دون أن يأتي بحرف، وأنه سيقول لي بعد دقائق آخر جملتين له، قبل أن يصمت إلى الأبد؟

– بعد دقائق تأتي صديقتك التي طلبتَها يا جميل.

– سأذهب الآن ياجميل. أتريد شيئاً؟

مّد جميلٌ يديه واسعتين إلى الطفولة. سلّمها نفسه، فنزل معها قاع سلمها.

قولي لعائشة أن تعمل لي فولاً نابتاً على طريقتها.

فول نابت؟ نظرت إلى علبة الحلوى التي ستبقى شاهد الساعات الأخيرة.

سأقول لها فورا. هل تريد شيئاً آخر؟

ألقى برأسه وجسمه الهزيل على السرير. لم يقل شيئا.ً

– تريد شيئاً آخر؟

توجهتُ نحو الباب. أظنه عاد للنوم.

لكني، قبل وصولي إلى عتبة الباب، سمعته يصيح اسمي:

إي…إي.

نظرت صوبه بكل انتباه. أردف بصوت كأنه آتٍ من جبّ عميق:

– ولاتنسوا الكمّون!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...