صفحات العالم

مجزرة من خارج الصراع


ساطع نور الدين

في كل حرب أهلية، ثمة حدث امني ضخم، اغتيال او انفجار او اقتحام، يشكل في العادة منعطفا حادا في سياق تلك الحرب وفي موازين القوى التي تحكمها. والذاكرة اللبنانية والعراقية والفلسطينية واليمنية والليبية تحفظ جيدا هذا النوع من الاحداث الفاصلة التي غيرت وجه دول ومجتمعات كاملة.

مجزرة دمشق المرعبة تندرج في هذا السياق الثابت الذي لا يحتاج الى دليل، وستدخل في يوميات الحرب الاهلية السورية باعتبارها نقطة تحول من مرحلة الاشتباك بين المتحاربين التي بلغت طريقا مسدودا يمنع الحسم ويؤكد استحالته الى مرحلة التصفية الشاملة التي تأخذ في طريقها الجميع، وتكون في الغالب بقيادة طرف ثالث يود ان يعلن عن نفسه ويتقدم الى الخطوط الأمامية من جبهة المواجهة، وتاليا الى المقاعد الرئيسية حول اي طاولة تفاوض.

التفجيرات المروعة التي ضربت العاصمة السورية لا تشبه كل ما سبقها. وهي لا يمكن ان تنسب الى المعارضة المدنية او حتى المسلحة بأسلحة خفيفة وتخوض مناوشات أمنية مع الجيش والقوى الأمنية، كما لا يمكن ان تنسب الى النظام، على ما اجتهد بعض المعارضين الذين يبدو ان الحدث الأمني الاستثنائي قد أخذهم على حين غرة.. لان الضرر اللاحق بهيبة النظام وعصبه وجهازه اكبر من اي وقت مضى منذ بداية الأزمة.

وإزاء تلك المجزرة، كان أداء النظام ورد فعله افضل بما لا يقاس من سلوك المعارضة وخطابها. وما خلا بعض الأصوات الناطقة باسم النظام التي وضعت المعارضين في سلة واحدة وفي قفص اتهام موحد، فان توجيه التهمة الرسمية الى الإرهابيين يفتح ثغرة في جدار الحرب الاهلية، يمكن او يؤمل ان يتسلل منها كلام عن الاستعداد لمد اليد الى الطرف الاخر بدل العمل على استئصاله وإستفزازه على ما هو سائد منذ آذار العام ٢٠١١، وذلك لمواجهة خطر داهم يهدد الجميع من دون استثناء، موالين معتدلين او متشددين، او معارضين سلميين او مسلحين، أحجموا لسبب غير مفهوم وغير مبرر عن الترحم على الاقل على الضحايا الذين كانوا في غالبيتهم الساحقة من المدنيين، وصولا الى التجرؤ على أدانة هذا الأسلوب من القتل الجماعي.. من اي جهة أتى.

الحدث هو من الأهمية والخطورة بحيث يستدعي مثل هذا الاجتهاد من المعارضة قبل النظام، لا سيما وان التفجيرين يحملان هذه المرة، واكثر بكثير من المرات السابقة، بصمات جهة تحاول ان تنتزع المبادرة من الجانبين. الشك بتنظيم القاعدة نفسه، لا بأي جبهة او شبكة او خلية مقربة منه، لم يعد مجرد افتئات على الحقيقة، او مسعى لتسهيل الفاعل او تبادل الاتهام. القرار بتنفيذ هذه العملية جاء من افغانستان او باكستان، بخلاف التفجيرات السابقة التي نفذتها على الارجح تنظيمات اسلامية محلية سورية، كانت ربما تقدم اوراق اعتمادها الى القيادة الأفغانية العليا.

المجزرة اكبر من ان يتم التسامح معها.. وأخطر من ان تدرج في الصراع المفتوح بين نظام ومعارضة فقدا امس المزيد من مصداقيتهما وشرعيتهما.

السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى