الرئيسية / صفحات الحوار / لم نستلم فن الخط من نقطة تطوره إنما من نقطة جموده منير الشعراني: الخط نتاج حضاري، ابتكروا خطاً للكومبيوتر

لم نستلم فن الخط من نقطة تطوره إنما من نقطة جموده منير الشعراني: الخط نتاج حضاري، ابتكروا خطاً للكومبيوتر

 

احمد بزون

يقيم الفنان السوري منير الشعراني، في غاليري “Art on 56th” معرضاً يضم مجموعة من أعمال الخط (يستمر لغاية 29 الجاري في مقر الغاليري منطقة الجميزة)، تختصر إلى حدّ ما تجربته الرائدة في هذا الفن، فهو منذ سن العاشرة يكابد بحب الإجابة عن كيفية تطوير هذا الفن، وكسر المقدس، متحركاً مرة من التدقيق في الجذور وقد تعلم على كبير خطاطي دمشق بدوي الديراني، ومرة أخرى في اتجاه التجديد وفتح الخط العربي على آفاق العصر.

نحن في هذا المعرض أمام فنان يعرف كيف يعيد إنتاج الخط العربي، باحثاً عن تجليات جديدة له، ومعتمداً على ثقافة فنية واسعة، وقدرة على التنظير توازي قدرته على الخلق. أمام فنان يعد واحداً من كبار الخطاطين العرب، وقد انتشرت أعماله في العديد من المتاحف العربية والأجنبية. حول معرضه ونتاجه وأفكاره هذا الحوار:

÷ نبدأ من البيان الذي وزعته في المعرض، وتصف فيه أعمالك بأنها معاصرة. لماذا لم تصفها بالحديثة؟ أليست كلمة معاصرة كبيرة على لوحة الخط حتى الآن؟

} أقصد المعاصرة بالمعنى الزمني، وليس بالمعنى المترجم عن الغرب الذي يعني المتفلت.

÷ إذا انطلقنا من هذا التفسير، فما علاقة لوحتك بالعصر، في الوقت الذي تلتبس فيه علاقة لوحة الخط بالعصر؟

} العصر يعني العلاقة بالتكنولوجيا. كل فن مختلف عن الآخر في علاقته بالعصر، أقصد تفاعله معه. العصر العثماني كرس نوعاً من القدسية، بالإضافة إلى الزخرفة والتزيين مع تأثير روكوكو. نحن اليوم نفتح أفقاً للفن. لم يعد البناء مغلقاً مثل ذلك الوقت. نفتح له الآفاق بعيدا عن أشكال المستطيل أو المربع أو سوى ذلك مما كانوا يفرضون. في الحياة الحديثة ميل للبساطة والتجديد وابتعاد عن الحشو. لذا نعمل على علاقة هذا الفن بالعين المعاصرة.

÷ معروف أن الفنون التشكيلية اكتسبت من الغرب وبنت مجدها على أساسه. الخط كواحد من هذه الفنون تأخر عنها، ما استوجب من الفنان العودة إلى الوراء أكثر ليؤسس حداثته، وهذا يعطل طموحه إلى المعاصرة. هل أنت لا تزال تعمل في تأسيس تحديث الخط العربي؟

} في ما يتعلق بي أنا عندي اليوم أفكار لعشر سنوات إلى الأمام، لكن بما أن هذا الفن توقف لمدة طويلة لا أستطيع أن أشطح، بمعنى أني لا أغفل مراحل كان من الضروري أن يمر بها الخط، ولم يحدث ذلك بسبب العقلية السلفية والتقليدية والجمود التي حكمتنا منذ العصر العثماني، وتستمر حتى اليوم بشكل أو بآخر. الخطاط الطموح إلى المعاصرة عليه أن يحل إشكالات سابقة. نحن لم نستلم هذا الفن من نقطة تطور وصل إليها إنما من نقطة جموده. العثمانيون وضعوا الخط العربي في قفص ذهبي، وقالوا إن هذا الفن له منفعة ما، واستخدموه للنص المقدس وفي الدواوين والأشعار وغالباً الصوفية. علينا أن نخرجه من هذا القفص، سواء كان ذهبياً أو غير ذلك، علينا أن نجعل محتواه على علاقة بالعصر وروحه. علينا أن نتحدث عن معاصرتنا نحن. وهذا المعرض يحتوي أعمالاً من العام 1987 حتى اليوم من حيث العرض، ومن حيث الشغل يعتبر خلاصة عملي للوصول إلى صيغ حديثة ومعاصرة. وصرت في مرحلة وسيطة بين القديم وما نطمح إليه في الخط العربي.

÷ تقول في البيان إنك تخطيت المسكوت عنه. ما هو المسكوت عنه في الخط العربي؟

} في العصر العثماني ابتعدوا تماماً عن مجموعة عائلة الخطوط الكوفية كلها، أو ذات الأصل الكوفي، أو التي تسمى اصطلاحاً كوفية، أو ما ابتدع بالكوفي. هذا كله تم الإقفال عليه. ولم نعرف بعض أنواع هذا الخط إلا في القرن الماضي، بعد تأسيس مدرسة الخطوط العربية في مصر. مع ذلك لم يجر بحث عميق، فهناك خطوط أقدم يمكن أن تحمل قيماً مهمة. فالذائقة العثمانية تبحث عن الخطوط التي ليس فيها لبس. وقد أقفلوا على الكوفي إما لأنه لم يستجب لذائقتهم أو من باب التعصب التركي. أما الخطوط المغربية البعيدة عن المشرق فما اهتم بها أحد. عندما يحكون عن العمارة نجد خطوطاً لا نراها في الدراسات التي أنجزت عن الخط العربي. فالدراسات تناولت المخطوطات، وهي من الطبيعي أن تكون محصورة أكثر بالمصاحف. فالمكتبات التي حرقت وسواها إتلاف الكتب لم يطل المصحف الذي كان موجوداً في كل بيت، ويعتزون بوجوده بخط فلان أو فلان. لذا صارت المصاحف هي المرجع للخط العربي، وهذا ما سمح للبعض باعتبار الخط مرتبطاً بالدين، إلا أن الإسلام دين ودنيا، والخط كان يستخدم في الدين والدنيا. كان الخط العربي موجوداً في الحلي والأنسجة وغرف النوم وكل شيء بالإضافة إلى وجوده في المساجد، وكانت هناك كتب علوم بالخط العربي.

÷ لكن حتى اليوم لا يزال النص الديني والنص الحكمي أكثر وجوداً في لوحات الخط.

} لا. هناك أشعار الغزل، وحتى أشعار جنسية، هناك خطوط موجودة على الاسطرلاب مثلاً. صحيح أن البعض لا يزالون يضعون الخط في القفص الذهبي الذي وضعه العثمانيون. غير أن العصر العباسي كان نتاج حضارة لا نتاجاً دينياً، وكان الخطاطون فيه مسلمين ويهوداً ومسيحيين. وقد ظهرت خطوط منفذة بشكل راقٍ لخطاطين لا نسّاخ. لكن للأسف ما بقي هو الخطوط القرآنية.

تاريخ الخط

لهذا السبب أنت تلعب أيضاً دور الباحث، وهذا ما تفعله وأنت تنبش الخط النيسابوري والخط المغربي، وتقيم تجاربك عليهما؟

الثقافة مهمة جداً للناس. وهي متاحة في الفنون الأخرى أكثر مما هي متاحة في فن الخط العربي. هناك أخطاء كثيرة، فأنا رأيت مبدئياً خللاً في تأريخ الخط العربي. لذا البحث ضروري.

÷ بعد اكتشافك للخطين المذكورين. كيف اشتغلت على تحديثهما؟

} النيسابوري أولا لم يصلنا منه أكثر من صفحتين، وبعض الحروف على الأواني الخزفية. وهذا لم يكن كافياً لاستخراج الأبجدية الكاملة. فكان علي دراسة أسلوبه وبناءه لاستكمال الصورة، ثم الوصول إلى عمل فني أو لوحة معاصرة تنسجم مع العين وروح اليوم. هذا العمل أخذ جهداً كبيراً مني للوصول إلى الصيغة الملائمة بين هذا الخط واللوحة، ومغايرة السطور التي كانوا يشتغلون عليها، وبالتالي تقديم بناء جمالي يراعي العلاقة بين الفراغ والكتلة. أما الخط المغربي فكان مرسلاً تماماً. كان خط مخطوطات، كل واحد يكتبه بمزاجه. علماً بأن خطوط المغرب العربي لم تقنن كما قننت غيرها، وبالتالي كان هناك قدر أكبر من الحرية. فهمت السمات العامة لهذه الخطوط من خلال دراستي لمجموعة من المخطوطات المغربية الهامة، التي تقدم جمالية عالية، ومعرفة العلاقات التي تقدم هذه الجماليات واستطعت تطويرها من حرف يدوي صغير إلى خط للوحة. وأنت عندما تضع اللوحة إلى جانب الخط المغربي تنتبه إلى ذلك الخيط الرفيع الذي يجمع الاثنين، وعندما يرى المغربي اللوحة يعرف أن لديه ما هو قريب من هذا الخط.

÷ يمكن الكلام على الخط العربي كأكثر فن تشكيلي تكون الهوية العربية فيه واضحة. وفي الفنون التشكيلية عموماً هناك خلاف على موضوع الهوية. ما رأيك، عندما نقول هناك خط فارسي أو نيسابوري أو أندلسي، هل يترجم ذلك التباساً بهوية الخط العربي التي يخطها غير العرب؟

} الخط هو نتاج حضاري لا نتاج ديني، وهذا النتاج امتد على رقعة واسعة، فإذا تحدثنا عن عالم سوري في أميركي، نجد أنه ابن العطاء الأميركي. ففي ظل الحضارة العربية التي ظللت الكثير من الحضارات، ظهرت معطيات ثقافية وفنية إلى درجة يمكن القول معها إن هناك نقاط التقاء وروحاً خاصة في كل منطقة، ففي الأندلس يختلف العطاء عن الذي نعرفه في إيران، لكن عندما نرى ذلك الهيكل الذي يمسك الطرفين، نجد أن كل واحد يملأه بطريقته. في البلدان الأكثر حضارة نجد رهافة أكثر من البلدان الأقل تقدماً. عملياً هناك ناس يخلطون بين الحرف والكتابة من جهة والخط العربي من جهة أخرى. في العالم هناك عائلتان في فن الخط، عائلة الخطوط الصينية اليابانية وعائلة الخطوط العربية، الأولى تستند إلى اللوغس أو العلامات أو الرموز أو في مرحلة متقدمة الكتابة، والأخرى تمثل المرحلة الأرقى لكتل الحروف. كل يستمد جماليات من نوع خاص، لكن الاثنين فيهما قيم جمالية إذا جردت يمكن وضعها في عمل فني. استخدم الحرف العربي في البلاد غير العربية سواء لأداء الطقس الديني أو الفروض الدينية وقراءة القرآن، أو للكتابة به باللغات الأخرى. في إيران كانت الكتابة الفهلوية فحل محلها الحرف العربي، وفي تركيا كتبوا بالحرف العربي، وفي بلاد شرقي إيران لغة الأوردو صارت تكتب بالحرف العربي. في هذا السياق صارت هناك تمايزات مثلما حدث في الفنون عموماً، ففي الانطباعية مثلاً كانت هناك انطباعية فرنسية وانطباعية بريطانية.

هناك سمات خاصة لكل منطقة. ما نسميه نحن الخط الفارسي ليس هو الخط الفارسي، هم يسمونه “النستعليق”، أي ينسخون به التعليق. كان هناك المغربي في المغرب العربي والأندلس والنستعليق كان موجوداً في كل لغات الأوردو، أما النسخ فكان موجوداً في كل من سوريا والعراق ومصر. كل منطقة بحسب موروثها الحضاري وموروث التذوق خلقت الشكل الذي يناسبها أكثر. عندما يكتب الإيراني النسخ نحن نمجّه، لأنه فعلياً لا يناسب مزاجنا، كذلك هو نسخنا ليس أقرب لمزاجه، بينما نجد النسخ العراقي أو التركي أو السوري جميلاً. طبيعي أن نجد النستعليق الإيراني أفضل من النستعليق الذي نعمله نحن، لأنه أخذه من الموروث الفني في منطقته. المغربي لم يكن الناس يعتبرونه على شيء من الجمالية لأن العثمانيين أبعدوه، لكننا نرى فيه جماليات عالية تجعله اليوم معاصراً.

هويات

÷ هنا أعود إلى سؤالي عن الهوية. فكل يأخذ الحرف إلى هويته. هل نستطيع أن نتحدث عن هويات عدة في الخط العربي؟

} أنا أفرق بين الحضارة العربية الإسلامية وبين الإسلام الذي نراه في وجه سلبي. في تلك الحضارة كان هناك عطاء ثقافي. الحضارة جمعت الشرق مع الغرب. وكانت الترجمة تطاول الهند واليونان والمعطى السابق لهذه الحضارة، للوصول إلى تفاعل وإنتاج شيء جديد. الخط العربي هو نتاج الحضارة العربية الإسلامية لا نتاج الإسلام. تلك الحضارة شملت كل هذه الشعوب، وإن كان حضور الإسلام أساسياً ومهماً. في العراق كان هناك تطور للخط العربي من الناحية الفنية، ثم صار هناك تجويد له في تركيا ومصر، لكنه نتاج هذه الحضارة التي أسهمت فيها كل هذه الشعوب التي تأثرت بها هذه الحضارة.

÷ بوضوح أكثر، هل نسمي فن الخط الذي يخطونه في إيران عربياً لأنهم يستخدمون المفردة العربية؟

} الإيرانيون يعترفون به كخط عربي، أما الأتراك فيقولون عنه خطاً تركيا، وإذا تجاوزوا يقولون إسلامياً. في الغرب يقولون “الحرف اللاتيني” علماً أن لغاته لم يعد لها صلات بعضها ببعض. واليوم من أفغانستان حتى المغرب يكتبون بالحرف العربي.

÷ هناك مستشرقون استفادوا من الخط العربي وفنانون غربيون مثل بول كليه وغيره استفادوا منه أيضاً. من جهة ثانية، الفنون التشكيلية العربية استفادت من الخط الغربي. ألم يستفد فن الخط العربي من الغرب برأيك؟

} الخط العربي بالضرورة ليس محصوراً بالضرورة بالعرب. الخط هو فن، أي نتاج إنساني، وهو نتيجة تراكم علمي. ما نرفضه هو التعتيم على المصادر العربية للفن الغربي. هذا إرث. فميزة الحضارة العربية أن العرب عندما ترجموا نسبوا النصوص إلى أصحابها، لكن عندما أخذ الغرب عنا أغفلوا الكثير من المصادر، خصوصاً في العلوم. لا يحكون إلا عن ابن سينا وابن رشد، بينما الباقي مغفل. أنا اطلعت على هذا الموضوع بشكل جيد. مثلاً قلم الحبر الذي يملأ بالحبر اخترع في الدولة الفاطمية. العرب يعترفون بأخذ الورق عن الصينيين في التاريخ.

أنا استفدت مثلاً من الغرافيك دزاين، درسته بفهمي البصري المعاصر. وهو يمكن أن يكون آخر الفنون قبل أن تحضر فنون التركيب والتجهيز. علينا أن نكون منفتحين على كل شيء. أنا أستخدم أيضاً الغواش التي لم تكن معروفاً عند العرب. وهي أيسر مادة بالنسبة إلي. بينما السلفيون والمتعصبون يستخدمون المواد القديمة، في وقت توجد فيه شركات في العالم تصنع أحباراً مهمة. ولماذا يعالج الخطاطون الورق بزلال البيض في حين هناك ورق جاهز أفضل. نجد الكثير من السلفية والجمود والتقليدية في التعامل مع هذا الفن لدى الخطاطين المشتغلين على المحاكاة والتقليد وكل طقوس القدماء. سواء في الحبر والكتابة على اللوحة، أو حتى بالمواد التي يلونون بها. هناك مثلاً ذهب جاهز في القناني، فلماذا نتعب أنفسنا لنخلط ورق الذهب بالعسل وسواه.

الخط اليوم

÷ من مهنة النسخ سابقاً، إلى دور الخطاط في الطباعة، إلى استخدام الكومبيوتر… رحلة شهدت تأخر مهنة الخطاط من مرحلة إلى أخرى.

} لا أريد أن أعتبر ذلك مؤامرة على الخط العربي، مثلما يعتبر بشار الأسد أن هناك مؤامرة على النظام السوري. هذا التطور يؤثر فى النسّاخ أو الخطاط الحرفي، لكن أي خطاط لديه موهبة يستطيع أن يبدع، ويتوجه إلى إنتاج أعمال فنية أهم له من ممارسة الحرفة. كان الخطاط قديما محترماً ويعيش برعاية جيدة، ثم دخلت المطبعة فصار الهم تقليد خط المخطوط، لذلك كان في صناديق الحروف الأولى للمطبعة تسعون نموذجاً، حتى أن هناك صناديق كان فيها أكثر من 124 نموذجاً من الحروف، على الذي يصفّ الحرف أن يجمعها، وبالتالي لا يعرف ذلك إذا لم يكن متضلعاً بالمهنة. فالعقلية اختلفت. عندما وجدت المطبعة في العالم أخرت تركيا وصولها إلى بلادنا حوالى 200 سنة، وأصدرت فرامانات تحريم. رداءة الخطوط الطباعية تكمن في محاكاة المخطوط، وهذا أثر في نوعية الحروف التي ظهرت في وقت لاحق. الخط يشبه الهيكل العظمي نستطيع أن نبني عليه أشكالاً مختلفة. أنواع الخطوط الموجودة أكثر من سبعين نوعاً، بينها أرى أن الخط الكوفي يمكن أن يفتح أفاقاً. الخط العربي هيكله التشريحي مثل هيكل الإنسان العظمي الذي تبنى عليه أشكال مختلفة. كان هناك مجال للتطوير لو أن البداية كانت جيدة في تصميم الخطوط الطباعية. اليوم بدأت تظهر الخطوط الجيدة عندما بدأ الخطاطون يتمردون.

÷ الخط النسخي ساد مع الطباعة أكثر. لكن ألا ترى أن عصر الكومبيوتر أحيا تنويع الخطوط أكثر؟

} المهم من هو الذي يعمل. هناك كثيرون أتوا بالخطوط إلى الكومبيوتر بطريقة رديئة جداً. ثم من قال إنه علينا إحياء خط غير معمول أصلاً للطباعة أو الكومبيوتر. لماذا لا نبتكر خطاً جديداً للكومبيوتر.

÷ أنت مع ابتكار خط لا يرتبط بالقوالب المعروفة؟

} أنا عملت خطين جديدين في مجلة “الكرمل”، واحد للعناوين وآخر لأسماء الكتّاب. وهما لا ينطبقان على أي نوع من أنواع الخطوط المعروفة. لهما جذر الخط فقط. يمكن ربطهما بالكوفي بطريقة أو بأخرى. فأنا أعتمد على الجذر. المهم أن الواو مثلاً لا يُشْكِل مع حرف ثان، ولا الميم، والذي ينزل تحت السطر ينزل. لا بد من الحفاظ على السمات الأساسية للخط. في الرسم اليوم يمكن أن نرسم شخصاً طويلاً بلا عظم ولا لحم. وكل المدارس الفنية خرجت من جذر واحد هو إدراك الحركية والبناء وسواهما. نحن إذا أدركنا هيكل الحرف نستطيع أن نبني أشكالاً لا حدود لها.

÷ في الفنون التشكيلية الأخرى عندما يقال استند الفنان للزخرفة يعني نحن نشتمه. أنتم تأخذون الخط في اتجاه الزخرفة. لماذا؟

} أنا ليس عندي زخرفة.

÷ عندك القليل منها.

} لا أنا عندي بناء.

÷ المهم أنك ضد الزخرفة.

} نعم أنا ضد. أنا أرى الخط العربي بطل اللوحة، من دون اتكائه على أي فن آخر. الزخرفة فن آخر، وكذلك الرقش أيضاً.

÷ هل أنت مع تصوير الأشكال (إنسان، حيوان، طبيعة) بالخط؟

} هذا استعراض براعات لا يصب في الخلق بقدر ما يصب باستعراض اللغة. هناك ناس عندهم لغة بلا شعرية. أنا تهمني الشعرية في الخط. أنا حتى الآن أحب شعر المتنبي لكن إذا أردت أن أكتب نصاً لا أكتب مثله. وهذا ينطبق على الخط العربي. استعانوا بالزخرفة ليعملوا ما يعادل التقفية والشكل العمودي للشعر، بينما كان يلزم الخروج من ذلك. الخليل لما اكتشف البحور لم يقننها. هي كانت موجودة ولها علاقة بالزمن والأذن. وهكذا بالنسبة إلى الخط، المهم أن نعرف كيف نتعامل مع الخط وكيف نبنيه بالطريقة المناسبة للعين.

÷ أنت لا تأخذ العلاقة بين الخط والنص في اللوحة في اتجاه تعبيري. مثلاً لوحة “العين سراج الجسد” لا تعبر عن مضمون النص، هل تكتفي بالاتكاء على النص في فنك؟

} في بعض الحالات يمكن الإيحاء بالمعنى من خلال المبنى، وفي حالات أخرى تكون صريحاً، وفي حالات تهتم بإيصال المعنى من خلال تركيب أو تكوين جميل، بحيث لا تقول حالة واحدة. فأنت لا ترسم أنت تشتغل على فن هو أصلاً تجريدي أو تجريد المجرد. الكتابة نفسها بدأت بالصورة لتصل إلى الحرف. لكن لا بأس أن تكون في الخطوط أحياناً طاقة لعبارة معينة، فعندما يراها المشاهد يشعر بجوهرها.

÷ الذي يتحرر من كل القيود مثلك، يمكن أن يكمل تحرره نحو آفاق أبعد قد يحلم بها من دون أن يطبقها. ما الآفاق التي تفتحها أمامك، خصوصاً في هذا العصر الجديد. كيف تزوّج الخط العربي للعصر أو التكنولوجيا؟ هل يمكن أن تضيف الحركة إلى الخط مثلاً؟

} يمكن أن أعمل مجسماً للخط أو أحركه، أو أضيف إليه ما يعتمد على الإضاءة والظل بعيداً عن اللوحة المسطحة. حتى يمكن استخدام خامات أخرى كالنسيج أو سواه يقدم آلية مختلفة عن تلك التي نشتغل بها. الفن تعامل بخامات وتجليات وطرق مختلفة، واليوم نحن نتعامل مع العصر الجديد. أحب أن أحقق ما أستطيع، ويهمني أن أترك بذرة لخطاطين آخرين يكملون بها في هذا الاتجاه. أنا كان علي أن أحارب كثيراً، وأن أكون الفنان والباحث والناقد والمنظّر في سبيل نقل الخط العربي من مرحلة إلى أخرى لأطلع من الجذور ثمراً جديداً مختلفاًَ.

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف عيساوي: “فايسبوك” منبري لتقصي الإلحاد

    حاوره: وليد بركسية “هذه المقابلة ستجعل أي تلفزيون يرفض العمل معي في المستقبل”. ...