مؤلفات سلمان رشدي

عن الكاتب:

سلمان رشدي بريطاني من أصل هندي، ولد بمدينة بومباي عام 1947، وتخرج من جامعة كنج كولج في كامبردج بريطانيا عام 1981. حصل على جائزة بوكر الانجليزية عن روايته “أطفال منتصف الليل”. نشر في 1988 رواية “آيات شيطانية” التي أثارت ضجة في العالم الإسلامي وأدى الأمر إلى منع ترجمة الرواية إلي العربية وحظر بيعها. في نهاية عام 1990 اعتذر سلمان رشدي للمسلمين رسميا. وفي سبتمبر من عام 1998 أعلنت إيران عن إسقاط الفتوى ضد سلمان رشدي.

من أعمال رشدي الروائية: غريموس (1975)، هارون وقصص البحر (1990)، مشرد باختيار (1992)، شرق غرب (1994)، النفس الأخير للجدار (1995)، الأرض تحت أقدامها (1999)، الجنون (2001)، خطوات تقطع الخط (2002)، شاليمار المهرج (2005)، عرافة فلورنسا (2008)…

 

آيات شيطانية لسلمان رشدي

نبذة عن الكتاب:

الآيات الشيطانية بإختصار شديد عبارة عن رواية قصصية خيالية ، لا تنضبط وفق إطار فني واضح ، وإنما هي هلوسة عقلية تاريخية وفنية ، تبدأ بتخيل طائرة تنفجر بفعل إرهابي فوق الجزر البريطانية فيموت ركابها وينجو اثنان أحدهما جبريل رمز للخير والآخر الشيطان رمز للشر ، وعلى مدار أكثرمن خمسمائة صفحة (547) يسجل الكاتب أبشع أنواع القدح والتجريح والهزء بالإسلام ورسوله ومقدساته كافة ، بصورة دعت الكثيرين من أعداء الإسلام أنفسهم إلى الإعتراف بجرم الكاتب في حق المسلمين ، والمؤلف لم يترك رمزا من رموز الإسلام إلا سبه وهتك حرمته بأبذأ الألفاظ من النبي إلى الملائكة إلى زوجات الرسول وصحابته .

وهو لم يترك مجالا للالتباس وإنما أشار إلى الجميع بأسمائهم الصريحة، وإمعانا في ذم النبي (صلى الله عليه وسلم) فإنه أشار إليه بكلمة (ماهوند)

ومعناها الشرير أو النبي المزيف ، وهو قي الكتاب مصاب بالصرع والهلوسة و لا يتورع عن فعل أي شئ يحقق به غرضه .

في مستهل الكتاب يصف سيدنا إبراهيم -أبو الأنبياء – بأنه ابن زانية ، ووصف الصحابة بأنهم من الأوباش الحثالة ، وقال عن سلمان الفارسي (رضى الله عنه ) إنه غشاش ونصاب ، وزوجات الرسول – أمهات المؤمنين – توزعت أسماؤهن  مجموعة من الغانيات يعملن في بيت

للدعارة   يحمل أسم ( الحجاب ) ، ومكة المكرمة هي مدينة الجاهلية ، وسيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) هو نبي الجاهلية ، ورئيس الملائكة من مؤيدي اللواط فضلا عن أن جبريل مخلوق بذئ تجري على لسانه شتائم الآخرين بأنهم أولاد زنا.

وقام المؤلف بوصف النبي (صلى الله عليه وسلم) وجبريل (عليه السلام) بأنهما رجال أعمال .. وختم رشدي روايته بتسجيل سعادته البالغة بأنه صار إنجليزيا وأنه نجا من الإسلام ومن تخلف شعوب الشرق الإسلامي إجمالا ، وتنتهي الرواية  بإنتحار  بطلها الذي يحمل انفصــاما  في الشخصية فتارة هو جبريل رمز الخير وتارة هو الشيطان رمز الشر .

ردود الفعل على رواية آيات شيطانية :

كان رد الفعل الإسلامي على الإساءات البالغة التي وجهها سلمان رشدي في هذه الرواية عنيفا ومدويا على مستوى الشعوب والأقليات الإسلامية ، و في 14 فبراير 1989 أصدر الأمام الخميني الأب الروحي للثورة الإسلامية في ايران فتوى بإهدار دم مؤلف وناشري الرواية .

نص فتوى الإمام الخميني :

”  إنني أبلغ جميع المسلمين في العالم بأن مؤلف الكتاب المعنون ( آيات شيطانية ) الذي ألف وطبع ونشر ضد الإسلام والنبي والقرآن وكذلك ناشري الكتاب الواعين بمحتوياته ، قد حكموا بالموت ، وعلى جميع المسلمين تنفيذ ذلك أينما وجدوهم،كي لا يجرؤ أحد بعد ذلك على إهانة

الإسلام ، ومن يقتل في هذا الطريق فهو شهيد ” (1)

و خصص ( حسن صانعي – ايراني ) مكافأة مقدارها 3 ملايين دولار لكل من يقتل سلمان رشدي .

ردود الفعل على هذه الفتوى :

كانت رواية سلمان رشدي بمثابة الغطاء الذي كشف عن عداوة أوروبا للإسلام حتى درجة الغليان ، فما أن أصدرت إيران فتوى بإباحة دم

سلمان ، حتى هبت أوروبا غاضبة ثائرة وأعلنت قطع علاقتها مع إيران ، وأصبح سلمان رشدي الكاتب المطمور تحت تراب الإهمال والنسيان أسطورة من أساطير التاريخ ، الحكومات الأوروبية سحبت سفراءها من إيران ، و طردت كل الدبلوماسيين منها ، أمريكا فعلت نفس  الشئ  ،

وأعلن الإتحاد السوفيتي  ترشيح سلمان رشدي عضوا في إتحاد كتاب آسيا وأفريقيا ، رؤساء أمريكا فرنسا وبريطانيا أدلوا بتصريحات متشنجة

انفعالية يطالبون فيها بحماية سلمان رشدي من إرهاب المسلمين ، وملايين الأوروبيين يدافعون عنه بحرارة وكأنه أتي  بما  لم  يأت به  الأوائل ،

والناشرون الأوروبيون يعلنون تطوعهم لطبع هذه الرواية وبيعها بسعر التكلفة ، صحف أوروبا ودول الكتلة الشرقية ينشرون صـور وأخبار سلمان رشدي ويصفونه بأنه ( ضحية الرأي ) و خصصت له بريطانيا حراسة لم تفعل مثلها مع رؤساء الدول ، وطلبت إسـرائيل  أن يـهاجر سلمان إليها ليعيش في أمان وتنفق عليه ببذخ وتطبع وتــوزع كتبه بالمجان ، واختفى ســلمان رشدي عن الأنظار  لفترة من حتى لا يقتل .

وخرج  الذين يبحثون عن الشهرة بأرخص الأثمان من أوكارهم وساروا  على خطى سلمان نذكر منهم : الكاتبة البنغالية  :   تسليمة  نسرين ، وحيدر حيدر ومحمد شحرور  وغيرهم

 

وفي المقابل فإن الشعوب و الأقليات الإسلامية صعدت المظاهرات والإحتجاجات ضد سلمان وكتابه وضد الموقف الأوروبي من  الفتوى .

 

قراءة في رواية آيات شيطانية:

من بين عديد ما كتب عن رواية «آيات شيطانية» للكاتب الهندي البريطاني سلمان رشدي وكثير السجالات التي دارت بعد صدورها سواء حول الرواية نفسها أم حول تداعياتها الكثيرة وفي قلبها فتوى الخميني بإهدار دم كاتبها، فإننا نستطيع اعتبار الجدل الذي دار بين صادق جلال العظم «وهو بطل معظم هذه السجالات في حقيقة الأمر» وبين عبد الرزاق العيد على أنه الأرفع بين كل هذه السجالات والكتابات.

هذا السجال الذي ابتدأ بدراسة العيد «سلمان رشدي في المنظور العربي» ولحقه رد العظم في كتابه «ما بعد ذهنية التحريم»، يدور حول ثلاثة مستويات يناقش عبرها العظم والعيد رواية رشدي، «مستوى أدبي» يتعلق ببنية الرواية وتقنياتها السردية ومركز التبئير السردي لها وكيفية قراءتها وكشف دلالتها وأبعاد تناصيها مع روايات أخرى «عند العظم عولس جيمس جويس ومساخر رابليليه، وعند العيد مسخ كافكا»، و«مستوى قيمي» يتعلق بأفق استخدامها لـ«الملحمة المحمدية» بتعبير العظم، وهل هو استخدام مجاني لا يفعل سوى النيل من مرتكزات «إسلام الشعب» الذي يفترض من رشدي أن يدافع عنه[1] كما يقول العيد أم أن له حضورًا  حتميًا، حيث له قدرة على كشف بعض أبعاد شخصية الرواية الرئيسية «صلاح الدين شمشا» عبر إضاءات حُلمية ورؤيوية وكرنفالية، و«مستوى تنويري» يتعلق بموقع الرواية من أسئلة التنوير والنهضة وقدرة الجزء الخاص بـ«جبريل» وكل ما يتعلق بـ«الملحمة المحمدية» على أن يكون ذا أفق تنويري، سواء عبر الهرطقة وفقًا للعظم، أو عبر إنشاء شبكة علاقات تسمح بتعدد الأصوات كتقنية روائية تجعل الرواية فعالية تنويرية وفقًا للعيد[2]. وهذه الأبعاد الثلاثة غير منفصلة، بل إنها شديدة التداخل كما سنوضح.

محاولتنا هنا هي استثمار لهذا الجدل الرفيع عبر تعقيده عن طريق إدخال «صوت آخر» بالإضافة لأصوات جويس وكافكا وبريخت وباختين ورابيليه وجينيه، هو صوت ميلان كونديرا، والذي تناول بالفعل الرواية في صفحات من كتابه «وصايا مغدورة» الكتاب الثاني من ثلاثية الرواية، وإن كنا هنا سنعتمد بالأساس على كتابه «فن الرواية» الأول في الثلاثية، وعلى كتابته الروائية كذلك فظننا أن كونديرا – وعبر ثلاثة مفاهيم رئيسة – تشكل محورًا لرؤيته للرواية كما عرضها في «فن الرواية» ولكتابته الروائية كما نطالعها في أعماله يستطيع أن يفيدنا كثيرًا في هذا الجدل حول رواية رشدي وحول مستوياتها الثلاثة الأدبي والقيمي والتنويري.

فمهفومه عن «وحدة الثيمة» يفيدنا كثيرًا في حسم أمر التفكك الذي يطال بنية «آيات شيطانية»، والذي اضطر العظم في معرض دفاعه عن الرواية أن يرجعه لتقنيات جويسية وبريختية، يرى العيد أنها غير متوفرة أبدًا في رواية رشدي، التي لو قرأت كروايتين أو ثلاثة لما شعر أحد بفرق[3]،  يفيدنا كونديرا في هذا الجدل حيث يشكل «التفكك الظاهري» جزءًا رئيسًا في معمار رواياته، لكن لا يصل أبدًا لتفكك حقيقي بسبب «وحدة الثيمة» كتقنية رئيسة في كتابته، والتي تربط كل ما في الرواية حتى لو مقالات بـ«الموقف الوجودي» لأفرادها، وعبر هذا المفهوم الثاني «الموقف الوجودي» وما يتعلق به من «كلمات أساسية (مفتاحية)» نستطيع أن نوجه لرواية رشدي السؤال عن موقع «الملحمة المحمدية» المروية عبر هذيانات «جبريل فاريشتا» في كشف وإضاءة أبعاد شخصية الرواية الرئيسية «صلاح الدين» المتمحورة حول كلمات «المنفى والعودة والولادة الجديدة»، وهذا لأن إضاءة الوجود واكتشاف أبعاد جديدة منه هي القيمة المركزية للرواية عند كونديرا، هي «أخلاقية الرواية»، وفقًا له «إن الرواية التي لا تكشف جزءًا من الوجود ما يزال مجهولاً هي رواية لا أخلاقية» وكما ينقل عن هرمان بروخ «اكتشاف ما لا يمكن للرواية وحدها أن تكتشفه هو مبرر وجودها»[4]، وإذا كانت الرواية هي كشف تعقيد الكائن عند كونديرا، وهي بهذا بالذات حديثة وتنويرية وضد الاستبدادية والشمولية والأنساق المغلقة فكما يكرر «لا رواية في ظل استبداد»[5] فإننا نستطيع عبر هذه الرؤية طرح السؤال؛ هل كانت رواية رشدي تنويرية؟

لكن مبدئيًا وقبل الدخول لتحليل المستويات الثلاثة للرواية، حتى نستطيع تقييمها فإن علينا أولًا أن نموقع رواية رشدي في تاريخ «ما بعد اهتزاز المدونات التقليدية» أي التاريخ اللاحق على النقد التاريخي لسير الأنبياء والتشكيك في موثوقيتها، وهذا كي نحدد بوضوح كيفية استثمار رشدي لهذه المدونات في خلق «ملحمته المحمدية» والدلالة الأولية لهذا الاستثمار، فإذا كانت الرواية المعاصرة التي تتناول الأنبياء والنبوة تعتمد بقدر كبير على التزعزع الذي طال الثقة في المدونات التقليدية «السير طالما نتحدث عن النبي محمد والأناجيل حين نتحدث عن المسيح»، فإنها لا تستخدم هذا التزعزع بنفس الطريقة، فالروائي قد يلجأ في بناء نصه لملأ الفراغات التي لا يذكرها التقليد من أجل إضاءة جوانب غابت عن السرد التقليدي أو قام بتهميشها.

مثال هذا قيام ساراماغو في روايته «الإنجيل يرويه المسيح» بالتركيز على الجانب البشري في المسيح وتوسعة حيز مريم المجدلية ونسج علاقة حب جسدي بينهما في محاولة لاكتشاف البعد البشري قليل الحضور في الأناجيل الرسمية، وقد يميل الروائي بدلًا عن هذا لتضخيم مناطق «الحرج» في المدونات التقليدية، أي تلك الأخبار التي لا يرضى عنها المؤمنون بصورة كبيرة لكنها استمرت في المدونات التقليدية سواء في المركز «مثل بعض عناصر الحرج المذكورة في الأناجيل الرسمية الأربعة مثل تعميد يوحنا للمسيح ومثل الصلب ومثل مصاحبة المنبوذين والخطاة» أو في الهامش «مثل الروايات التي تتحدث عن النبي ببعض ما لا يراه المؤمنون لائقًا والتي تشيع في كتابات الأخبار القائمة على التجميع لا فرز المرويات». ونحن نستطيع أن نقول إن رشدي اختار التقنية الثانية وحدها، فـ«الملحمة المحمدية» في رواية رشدي الشهيرة هي محض تضخيم للحرج[6].

وإذا كان البعض قد رأى أن يتعامل مع هذا التضخيم من رشدي بمعيار تاريخي، فحسن حنفي والعظم يبينان أن ما ذكره رشدي تذكره الروايات بالفعل والرجل لم يختلق شيئًا، وغيرهما يركز على كون هذه الروايات ضعيفة وفاقدة للموثوقية التاريخية مما يجعل استخدام رشدي لها محض انتهازية لا أكثر، إلا أننا نود التعامل مع المسألة من منظور آخر، ففي ظننا أن «حضور الهامش» و«تضخيم الحرج» في الرواية يفقد كل دلالته لو تمت قراءته كأمر تاريخي، هذا لأن طبيعة هذا التضخيم بكل ما فيه من سخرية وتدنيس لا يعمل على مقاومة الرواية الرسمية بأخرى مهمشة لها نصيب أكبر من التاريخ، بل المقصود منه التأكيد على «لا تاريخية كتابة السيرة» برمتها في هامشها ومتنها، فحضور الهامش والمنفي هدفه القول بأن الرواية الإسلامية الرسمية عن محمد هي محض اختلاق، رواية اختلقت وصنعت على مهل عبر نفي المشين «تلك الروايات المهمشة والحرجة التي يضخمها رشدي» عن المؤسس لتكريس الإيمان المتشكل وتبريره، مما يجعلنا نعتبر «تضخيم الحرج» عند رشدي هو مقاومة أدبية غرضها كشف أدبية التقليد، لذا فإن رواية رشدي ليست مجرد رواية ناتجة من تزعزع المدونات التقليدية بل إنها في حقيقة الأمر تحاول صنع هذه الزعزعة بمساءلة حقيقة الرواية المركزية عبر استحضار هامشها وهو ما تنبه له بذكاء فتحي بن سلامة حين اعتبر تخييل رشدي بمثابة نقد تاريخي للنص[7]، مع التأكيد على أن الهامش عند رشدي لا يحضر كحقيقة بديلة عن «حقيقة الإيمان» بل كنفي لوجودها من الأساس.

وطالما أننا أوضحنا هذه النقطة التي نظنها مهمة حيث إنها تحدد كيفية استثمار رشدي للمدونة التقليدية في بناء ملحمته المحمدية الجديدة «تضخيم الحرج» ودلالة هذا الاستثمار الأولية «زعزعة الرواية التقليدية»، فإننا نستطيع العودة للسؤال المركزي هنا وهو كيف لنا في ضوء هذا أن نقيم رواية رشدي من حيث كونها «تخييل جديد للأصول» بتعبير فتحي بن سلامة؟ كيف نكتشف دلالتها للوقوف على قيمتها الأدبية، والقيمية «إضاءة الكائن»، والتنويرية «كشف التعقيد»؟

معمار رواية رشدي، ثلاثة مستويات متداخلة

ربما كل قارئ للرواية يتبين له قدر من التفكك بين أجزائها، وغريب أننا لا نجد في كل من تناول الرواية من التفت لهذا ونبه إليه إلا عبد الرزاق العيد، ربما لأنه الوحيد تقريبًا إلي جوار العظم الذي اهتم لقرائتها أدبيًا، لكن بالطبع التفكك الظاهري يظهر في كثير من الأعمال والروايات الجيدة والممتازة، طالما إنه لا يصل حد التفكك الحقيقي، وهذا ما يراه العظم والعيد كلاهما، وبالنسبة لرواية رشدي فالعظم يعتبر أن فوضاها وحلميتها هي مثل فوضى وحلمية «عولس جويس»، من حيث هي فوضى غير تلقائية ولا معبرة عن عجز الكاتب بل مصنوعة ومتكلفة عبر موهبة الكاتب في الكشف عن غموض الواقع وفوضاه بتقنية سردية مناسبة وليس بالحديث عن الفوضى عبر ذات السرد التقليدي[8]، بذا يصبح حضور «الملحمة المحمدية» في رواية رشدي شبيهًا بحضور ملحمة هومير في عمل الأيرلندي العظيم، وتنسج الرواية عبر هذا التداخل في الأزمنة والأمكنة لتكون رحلة ومغامرة أدبية متكاملة.

وفي الحقيقة نحن نتفق مع العيد تمامًا في كون هذا النسج الذي يتحدث عنه العظم غير موجود في رواية رشدي، وأننا أمام وحدتين بل ربما ثلاثة لا رابط عميق ولا ناسج كاشف بينهما، رغم العلاقة المباشرة والتقاطعات بين جبريل وصلاح الدين التي تظل سطحية وعرضية.

فضلًا عن كون التفكك لا علاقة له أبدًا بالرغبة في سرد تعقد الواقع وفوضاه كما يكرر العظم، لأن هذا لا ينفي وجود وحدات تنسج النص الروائي غير وحدة الشخصية ووحدة الحدث وتناظر الفعل، والعلية البنائية التكوينية والتشارط السببي والضرورة الداخلية التي يرفضها العظم، وأيضًا لأن العلاقة والتقطاعات بين صلاح الدين وجبريل هي قائمة بالفعل في الرواية لكنها تظهر كعلاقة عرضية وتقاطعات مفككة وهذا غير مقبول مع كل ما يردده العظم عن أهمية حضور هذيانات جبريل فاريشتا في الرواية ودورها في كشف الموقف الوجودي لصلاح الدين شامشا باعتبارهما ظلين لبعضهما كما يؤكد العظم من داخل الرواية وهو ما نتفق معه.

لذا فالسؤال المفترض إجابته هنا لتحديد طبيعة بناء رواية رشدي هو أين هي الوحدة التي تضم هذا النص وتجعل علاقة صلاح الدين وجبريل علاقة حقيقية في نسيج واحد بالفعل، وليس تقاطعات عرضية، بتعبير آخر، أين هي الوحدة التي تجعل التفكك الذي يتحدث عنه العيد والذي يراه كل قارئ للرواية تفككًا ظاهريًا فحسب لا أكثر؟

ظننا أن هذه الوحدة هي وحدة الثيمة؛ «التساؤل الوجودي كفحص دائم للكلمات الخاصة (المفتاحية)»[9] وفق تعريف كونديرا لها[10]، وهي ثيمة أعلنها صاحب الرواية نفسه فيما ينقل العظم حين يقول «إن الرواية تتساءل عما إذا كان البشر قادرين على الحياة من دون إله»[11]، من هذا المنطلق فموت جبريل الذي ظل يهذي طوال الرواية متماشيًا تمامًا مع خاتمة صلاح الدين الذي أطل من شرفته في آخر مشهد لينظر لبحر العرب متمنيًا بلدوزر يهد هذا المكان كله ويقتلعه من جذوره[12]، فصلاح الدين الذي يعيش الرواية بطولها بين جدل المنفى والعودة «ككلمات مفتاحية لفهم موقفه الوجودي»، بين بلد حديث يضطهده لأنه ملون وبين بلد أصلي يشيع فيه الجهل والهذيان، يستعد لمعانقة بلده وللإجابة بـ «ها أنا ذا» على رفيقته الهندية زينات وكيل «فقط» بعد موت جبريل، فجبريل ليس شخصية يخفي وراءها المؤلف هذياناته في حيلة قديمة، شخصية لا علاقة لها بصلاح الدين حتى أنها قد تستقل كرواية جويسية أو فوكنرية كما يرى العيد، بل هي شخصية ترتبط بالموقف الوجودي لصلاح الدين عبر مفاهيم العودة والمنفى والهذيان والإله والشيطان والولادة الجديدة  ككلمات كاشفة عن الموقف الوجودي للبطل.

إن جبريل شامشا هو تجسيد كل ميراث النبوة – والذي يشكل جزءًا أساسيًا من الهند الإسلامية والهندوسية التي ينتمي لها ويرتحل منها ويعود إليها صلاح الدين – بعد أن تكشف عن هرج هذيان[13] وتمشهد كزيف وبهرج[14]، لذا فموته ليس وكما يقول العيد موت شخص يهذي عن المقدس حكم عليه خالقه نفسه بالموت[15]، بل موته هو موت المقدس ذاته كمحض هذيان! موت هذا الذي يقف سدًا بين رشدي وبلده وبين بلده وبريطانيا الحلم!

على هذا الأساس فإننا نجد من الصعوبة الكبيرة  وفيما يتعلق بالمستوى الثاني لنقاشنا للرواية، المستوى القيمي/ أخلاقية الرواية، أن نعتبر حضور الملمحة المحمدية في رواية رشدي حضورًا مجانيًا يمكن مقاربته عبر السؤال الخارجي عن الوظيفة الاجتماعية والفكرية لعمل رشدي كما يفعل العيد، بل الأقرب أن هذا الحضور له صلة عميقة بشخصية صلاح الدين، فنحن لا نستطيع أن نفهم موقف صلاح الدين من النبوة والحلم والرؤى، ميراث النبوة بتعبير الإيراني داريوش شايغان، إلا عبر هذه الهذيانات الجبريلية التي تضيء تمامًا موقف صلاح، فهي تكشف عن أن صلاح الدين لا يرفض هذا الميراث فحسب بل بالأحرى يحتقره كمرض وهذيان وجنون! لذا فهو لا يتمنى إصلاحه أو تنويره بل فحسب انتظار موته ذاتيًا  ثم النهوض على جثته، أن يتخذه دينًا ينقِذ عبر الترك نفسه كما يقول فتحي بن سلامة في تحليل التماهي النهائي من صلاح الدين بـمحمد اليتيم[16]، إن صلاح الدين – وكما يظهر في نهاية الرواية – وكي يتصالح مع ميراث أبيه بوضوح يتجلى في «ها أنا ذا سآتي معك» فلابد أن يكون هذا الميراث بلا جبريل، بلا أحلام ورؤى، بلا هذيانات.

وهذا يذهب بنا للمستوى الثالث في تقييم الرواية وهو موقعها من التنوير والنهضة، يقيم العظم جداله عن تنويرية الرواية على أساس كونها هرطقة ضرورية من أجل نسبنة الموروث الحضاري الإسلامي ويقارن صنيع رشدي برابيليه وجويس تجاه موروثهم المسيحي، في حين يصر العيد على كون تنويرية الرواية تقوم على كونها فضاء يسمح بتعدد الأصوات، بحيث يحضر صوت التراث في الرواية بكل حقة في التعبير عن ذاته في مواجهة بقية الأصوات وهو ما لم تقم به رواية رشدي غير التنويرية وفقا لهذا التوصيف.

إذا عدنا مرة أخرى لكونديرا ولمفاهيمه التي استعنا بها هنا لإثراء هذا الجدل، فإن فكرته حول كشف الرواية عن تعقد الكائن وتعقد الوجود وصلة هذا بالتنوير يفيدنا هنا كثيرا [17]، فنجد أن أمر لا تنويرية هذه الرواية لا يقتصر على كوننا لا نجد فيها بقية الأصوات فلا نجد أمامنا سوى القضاء/ الفتوى التنويرية فتوى آية الله رشدي!! بموت جبريل النهائي فحسب، بل كذلك على طريقة عرضها لشخصيات الملحمة المحمدية وعلى رأسهم النبي محمد وجبريل الملاك، فهذه الشخصيات لم تجد من الكاتب أي عناء في تركيب صورهم ولو قليلاً كما يفترض بالملحمة التي يتكشف فيها الوضع الوجودي للبطل صلاح الدين شمشا، بدلًا عن هذا فنحن نجد أمامنا شخصيات مسطحة وساذجة وهزلية وأحادية تتحرك لتنطق بروايات الهامش الذي يستثمرها المؤلف لمقاومة المدونات التقليدية، حتى أنك في بعض لحظات القراءة تنسى أنك تقرأ رواية حديثة متعددة الأصوات وكاشفة عن التعقد وتشعر كأنك أمام تلخيص ساذج لمرويات تاريخ الطبري! أما كل ما قاله العظم عن الخفة والمرح والسخرية التي تنطوي عليها هذه الأجزاء من رواية رشدي والخاصة بالملحمة المحمدية حتى إنه يقارنها برابلييه فليست في ظننا سوى مبالغة في غاية الغرابة!

لكن الأكثر طرافة، هو أننا لو عدنا لنصوص السيرة نفسها ولقصة الآيات الشيطانية وغيرها من القصص عن الوحي مثل النصوص الواردة في حادثة الغار ومثل قصة برهان خديجة والواردتين في سيرة ابن هشام سنجد أن حتى الموريات المقبولة والرسمية في قضية النبوة فيها من التوتر والجدل وتعدد الأصوات – صوت التراث نفسه ليس واحدًا إذن – وكشف الأبعاد الشخصية للنبي ما هو أكبر بكثير مما فعلت رواية رشدي الحديثة!! لذا فإننا نستطيع اعتبار تخييل السيرة هو خيال ناجع كثيرًا في مقابل فقر شديد في خيال الروائي البريطاني، فبينما تكشف نصوص السيرة عن تعقد الوحي والنبوة وتركيبية الشخصية المحمدية فإن رواية رشدي لا تطال في عرضها سوى سطح السطح.

 

ولتوضيح هذا علينا قراءة قصة الآيات الشيطانية وقصة برهان خديجة حتى نوضح ما نقصد بنجاعة التخييل وكشف التعقيد الذي يظهر في نص السيرة ويغيب عن رواية رشدي.

 

الآيات الشيطانية بين نجاعة الخيال وفقره

ما تقوله الآيات الشيطانية عن الوحي هو ببساطة أن طريق الوحي غير مأمون، فهي تستعيد هذا الالتباس بين الإله\الشيطان وهو الالتباس الذي كان حاضرًا في الواقع الجاهلي عشية المبعث نتيجة شيوع الكهانة والسحر المرتبطة بالشيطان لجوار التبنؤ المرتبط بالله التباس الكاهن/ النبي هو التباس يستثمره رشدي كما يقول لنا العظم مرارًا، وهذا الالتباس هو  الذي جعل القريشيين يسمون النبي كاهنًا وساحرًا، أي أن ما يسمعه كلامًا شيطانيًا وما يحدثه سحرًا شيطانيًا لا وحيًا أو معجزة إلهية، قام الإسلام بنفي هذا الاختلاط، عبر أرشفة الشيطان ورجمه ومنع التسمع وتقليص تصرف الشيطان في الكون والتأكيد على قوة وأمانة جبريل، وبذا تم رسم صورة الوحي الإسلامي كبيان إلهي محصن ومأمون[18].

وإذا كان الوحي ومن سوره الأولى أكد على غياب هذا الالتباس بالنسبة للنبي محمد، حيث إنه أكد على قوة جبريل وعلى تقليص حدود الجان وعلى نفي التسمع، إلا أن نص السيرة ربما تنبه لكون هذه الطمأنة الإلهية لا تنفي القلق الذي ينتاب النبي تجاه ما يسمع ويعاين، على الأقل في بدايات تلقي الوحي.

ونحن نستطيع أن نجد هذا القلق والحيرة في ماهية من يلقي وحيه الملاك أم الشيطان في الرواية الشهيرة والواردة في سيرة ابن هشام والمعروفة بـبرهان خديجة، والتي قامت فيها خديجة بحسر رأسها وإلقاء خمارها  كي تختبر ماهية المتجلي للنبي هل هو ملاك أم شيطان[19]، ولا يعنينا هل القصة سليمة أم لا، بحذافيرها أم لا، فحتى لو كانت القصة بأكملها تخييلًا، فهي ليست تخييلًا مجانيًا في حقيقة الأمر بل تخييلا يمسرح هذا الشعور الذي يعانيه النبي وهذا الالتباس الذي يطال كل تجربة في مواجهة الآخر تمامًا، أي أنه تخييل يكشف تعقد الكائن عن أن الأشياء أكثر تعقيدًا مما نظن لو استخدمنا تعبيرات كونديرا.

حضور هذه القصة في بعض كتب الحديث وبتحسين بعض المحدثين لها والأهم ورودها في سيرة ابن هشام الأوسع انتشارًا وتأثيرًا، ينفي تمامًا أو على الأقل يحدد فعالية فكرة التشكيل الإيماني التبريري للسيرة ويجعل مقاومة رشدي الأدبية لكشف أدبية السيرة هي مقاومة بلا معنى وصراع في فراغ، هذا لأن هذه القصة تحمل نفس ما تحمله قصة الآيات الشيطانية من معنى عن التباس الوحي وتعقد النبوة وكونها أعقد مما قد يظنها المؤمن كزيارات ممهدة بلا التباس ومع هذا فقد استمرت في الحضور في المدونات السنية الرسمية! بل وتحديدًا في هذا النص – نص ابن هشام – الذي يحدد صاحبه نفي المشين كإحدى استراتيجيات بنائه.

لكن الفارق الوحيد بين هذه القصة وقصة الآيات خصوصا حين تحضر الأخيرة بمفردها كما عند رشدي، هو أن قصة الآيات تشمل بعدًا آخر (سياسي – عقدي)، حيث تروي حدث مساومة محمدية مع القريشيين[20]، لذا فإن اختيار رشدي لهذه الرواية تحديدًا كي تكون عنوانًا لروايته ومركزًا لملحمته المحمدية الجديدة لا يحمل إلا دلالة واحدة – بالإضافة طبعًا لوهم أن نص السيرة الرسمي هو نص لا يحمل تعقيدًا وتركيبًا وهو تصور شديد السطحية بالطبع – هي المبالغة في تسطيح الشخصية المحمدية بجمع كل ما يمكنه إظهاره بنفس الصورة الاستشراقية الأثيرة زير نساء وسياسي انتهازي يستطيع التضحية بمبادئ دينه المركزية إن كان ثمة مبادئ حتى اسمه ليس محمدًا بل ماهوند كما هي التسمية الوسوطية المشينة للنبي كمدع[21]، هذا التسطيح يجعل شخصية النبي محمد تظهر في رواية رشدي بصورة غير متناسقة وبعيدة تمامًا عن أي تركيب، حتى إننا لا نستطيع هنا الحديث عن شخصية روائية بل عن أن نقارن هذه الشخصية بماكبث شكسبير وكرمازوف ديستوفسكي وزوربا كازنتزاكيس وعبد الجواد محفوظ[22] كما  يفعل العظم، بل فحسب عن بؤرة تجميع سطحي لكل الصفات السيئة، هذيانات وسياسة أريبة تحسب المكاسب بالمسطرة وادعاء نبوة لتحقيق رغبات طارئة شخص يهذي وفي ذات الوقت هو عاقل يدعي النبوة من أجل مصالح قومية وشخصية في آن!

هذه التجميعة الرشدية غير الأصيلة تفشل فشلاً عظيمًا في إظهار تعقد الوجود وتسطح باسم المرح التنويري شخصية لم يخف الإيمان نفسه تركيبيتها، مما يجعلنا نتساءل أي بعد تنويري لهذه الرواية، بل أي تنوير هذا الذي سيقوم لا على إضاءة الوجود وكشف تعقيد الكائن بل على التسطيح المطلق لكل شيء!

كرنفال التنوير

يشير العظم إشارة لافتة لبعد من أبعاد رواية رشدي هو كرنفاليتها، والكرنفالية تعني عند العظم تلك اللحظة من الزمان والمكان التي يجوز فيها الكلام بحرية مطلقة عن كل شيء مهما كان، فرواية رشدي كرنفال ساخر ومعارض وكرنفاليتها تتبدي في عناصر التمثيل والتهريج والأقنعة والتخفي والأحلام والبذاءة والضحك والمرح والعربدة[23]، نحن نريد تطوير هذا الوصف الذي يقدمه العظم لرواية رشدي عبر استحضار دلالة الكرنفال في علوم الأديان، وهذا اتساقًا مع كون إحدى الكلمات المفتاحية لرواية رشدي هي تناسخ الأرواح والولادات الجديدة، فالكرنفال/ العيد كما يصفه كايو هو طقس انتهاك غرضه تأوين الفترة السديمية الخلاقة من أجل التحضير لولادة جديدة[24]، ونحن نستطيع اعتبار رواية رشدي -ومن منظور العظم لها كرواية تنويرية – هي طقس انتهاك غرضه التحضير لولادة الجديدة if the old refused to die, the new could not be born [25]، لكننا لو دققنا ووفقا لما عرضناه منذ سطور قليلة عن غياب كشف التعقيد عن هذه الرواية ، فإننا لا نستطيع اعتبارها كرنفالاً تنويرياً بأي حال، هذا لأن الانتهاك الذي يفضي لعالم جديد يكون عبر استعادة عالم البدايات بغموضه وتعقيده وسديمه، وهو ما لا يفعله رشدي حين تقتصر هذيانات جبريل عنده على التجميع السطحي لشخصيته وشخصية محمد دون قدرة على الغوص أعمق والتقاط التعقيد ومعايشته، لذا فرواية رشدي أبعد عن الكرنفال/العيد وأقرب لرقصة شائهة على السطح!

وآيات رشدي الشيطانية أو كرنفاله الذي ليس سوى رقص فوق السطح يلخص كثيرًا من مسارات التنوير العربي والإسلامي في صلته بالدين، حيث إنه ينطوي على سطحية لا يحسد عليها تجعله يرقص على سطح الظواهر دون قدرة على الغوص فيها، وربما دون رغبة حتى، لكن سماجة هذا التنوير لا تقف عند حد الرقص فوق ظواهر تحتاج لفهم، بل إنها تتجاوز كل مدى حين تريد منا أن نحيي تلك الرقصة الكسولة على أنها طريقا للتنوير!

طارق حجي، موقع إضاءات، 13 فبراير 2017

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

[1] ما بعد ذهنية التحريم، ص407

[2] ما بعد ذهنية التحريم، ص402

[3] نفسه،ص400

[4] كونديرا، فن الرواية، ص13

[5] نفسه، ص21

[6] نستطيع التفريق في سير الأنبياء بين نوعين من الحرج، حرج موضوعي وحرج طارئ، نقصد بالحرج الموضوعي هذا الحرج الذي يظل حرجًا للمؤمنين في كل عصر، أما الحرج الطارئ فنقصد به الحرج القائم على تغير السياقات الاجتماعية والسياسية ومنظومة القيم وأطر المعرفة والتي تجعل فعلاً ما يبدو حرجًا رغم عدم كونه في سياق حدوثه وتدوينه الأول يمثل أي حرج، والحرج بالمعنى الأول وحده هو الهام لما تناوله طوال هذه المقالات، لأن حضوره ورغم كونه حرجًا منذ لحظة تدوينه يحدد كثيرًا فعالية الطرح الخاص بالتشكيل الإيماني لسير الأنبياء ويؤكد على عكسها من كون الشهادة والتوثيق بعد من أبعادها الخارجية والداخلية تحتم حضور حتى الحرج في هذه السير

[7] فتحي بن سلامة، الإسلام والتحليل النفسي، ص56

[8] ذهنية التحريم، ص271

[9] فن الرواية، ص88

[10] في الوصايا المغدورة يشير كونديرا لكون الخط الرئيس ومركز الثقل للرواية هو قصة جبريل وصلاح الدين وأن قصة الإسلام الملمحة المحمدية وقصة عائشة وحجاجها هما خطان تابعان، ويشير لأهمية هذين الخطين في فهم هوية الفرد وهوية الشخص كمشكلات رئيسة للرواية، ص27، لكن كونديرا لا يوضح لنا صلة جبريل وصلاح الدين ببعضهما سوى أنهما هنديان تتساكن في روحهما حضارتان هندية وأوروبية، وظننا أن هذه الصلة لا تتكشف لنا إلا عبر إدخال أبعاد المنفى والعودة والوحي والدين والإله كمشكلات رئيسة للرواية كما نحاول أن نفعل هنا.

[11] ذهنية التحريم،ص224

[12] ص474، نعتمد هنا النسخة الإنجليزية التي طبعتها بينجين جروب في 1989

[13] من أعمق مواضع رد العظم على العيد هي محاولته الإجابة عن من هو جبريل فاريشتا بطل الرواية وظل صلاح الدين، وظننا ووفقًا لكثير مما يستدل به العظم نفسه، فإن جبريل هو تجسيد لكل ميراث النبوة، من هنا تركيبيته بين الشيطان والملاك وبين أوجه كثيرة للملائكة وتناص كثير من أقواله مع أسفار توراتية، لكنه تحديدًا تجسيد لكونها هزلاً وهذيانًا وهذا يتضح تمامًا في كون جبريل شامشا هو أيضًا نجم سينمائي يجسد أفلامًا لاهوتية، ما بعد ذهنية التحريم، من ص143 وإلى ص153، فهذا البعد الأخير في شخصية شامشا ليس تعبيرًا عن التعامل السيئ والتجاري من الإعلام ووسائل الدعايا مع ميراث النبوة كما يفترض كونديرا في الوصايا ص32 بل هو ما تكشفت عنه النبوة في عصرنا الحديث كمحض وهم، وهذا لأن كونديرا حين يجعل قيام جبريل فاريشتا بدور كبير الملائكة في فيلم هو مجرد إشارة للتعامل السينمائي والدعائي السيء مع النصوص المقدسة فهو يتجاهل بعد التقمص شديد الأهمية في بناء الرواية كله، فتمقص فاريشتا لكبير الملائكة يوحد بينهما ويكشف أبعاد الملاك كما يكشف القناع، فتضيع المسافة بين الممثل والدور، بين الحقيقة والتمثيل، ويغدو الكل لا حقيقة

[14] الإسلام والتحليل النفسي، ص56

[15] ما بعد ذهنية التحريم، ص398

[16] فتحي بن سلامة، الإسلام والتحليل النفسي، ص55

[17] يشير كونديرا في الوصايا المغدورة لحضور هذا الكشف عن التعقد في الرواية، في إثارتها  قضية حدود الخير والشر وغيومتها حتى على مؤسسي الأديان ذاتهم.ص28، ونحن قد نتفق مع هذه الرؤية وإن كنا لا نراها مضطردة في مجمل الرواية، خصوصا تصوره للنبوة والوحي البعيد عن إدراك أي تعقيد كما سنوضح.

[18] انظر (الشيطان شهيدًا) الجزء الثالث

[19] سيرة ابن هشام، باب مبعث النبي، والحديث أخرجه البيهقي في الدلائل وأبو نعيم في دلائل النبوة، وحسنه الهيثمي في مجمع الزوائد وضعفه الالباني

[20] لا تصمد قصة المساومة التي قام به النبي محمد مع القريشيين عبر قبول عبادة آلهتهم الثلاثة الكبرى مع الله أمام الفحص التاريخي، ونظن أن أقوى نقد قدم للقصة هو نقد التونسي هشام جعيط لقيامه على إعادة تركيب الأحداث وفق منطق مقبول تاريخيًا، وقد تناولناه مسبقًا بالشرح وعبر إضائته بمفاهيم اسمان عن الدين المضاد في مقال بعنوان جعيط ناقدًا للاستشراق

[21] يقرأ العظم الجزء الخاص ببيت حجاب والذي أثار الجدل بل الحنق الأكبر، على أنه محاولة من بعل الشاعر الجاهلي الانتقام الرمزي من محمد عبر فضح حريم بعل المسميات على أسماء زوجات محمد، وظننا أن العظم بقراءة كهذه يهدر دلالة القناع والتنكر والتقمص الذي تحدث عنه طويلا وطويلاً كشيء ربما يستحق الثمين في ذاته! بدلا عن هذا فنحن نريد أن نذهب بهذه الدلالة لمداها ووفقا لما تقوله الرواية بالفعل عن إن كل واحدة من نساء بيت حجاب ظنت بالفعل أنها زوجة النبي التي تقوم بتمثيل دورها لعبا وأصبحت تتصرف على أساسه، حين نقوم بهذا سنجد أن التقنع هنا يصل حد التقمص الحقيقي الذي يؤدي للكشف عن شخصية المتقمَص، ولأن المتقمَص هنا زوجات النبي متخفين وراء الحجاب، يصبح تقمص وتنكر بعل والذي يتمقص دور محمد أيضًا وعاهراته هم تقنية روائية غرضها أن تتسل عبر التقمص لما وراء الحجاب وتكشف عن شخصيات زوجات النبي وعلاقة النبي بهم، وعبر هذه التقنية يكمل رشدي كتابة ملمحته المحمدية وفقا لأردأ تصورات الاستشراق بل والتصورات الأوروبية الأكثر شعبوية على الإطلاق.

[22] ما بعد ذهنية التحريم، ص55

[23] ذهنية التحريم،ص 245

[24] روجيه كايو، الإنسان والمقدس، ص154

 

[25] هذا المقطع غير موجود في الترجمة العربية الموجودة على الإنترنت، وهي ترجمة لا يظهر فيها جهة نشر أو اسم مترجم، وربما هي نفس الترجمة التي تحدث عنها العظم في رده على العماد مصطفى طلاس في تمهيده لما بعد ذهنية التحريم، لتشابه المقاطع فيها مع المقاطع التي ذكرها العظم، وهي وفقًا له ترجمة تمت في دمشق، وربما هي نفس الترجمة التي قال عنها طلاس أنها أنجزت ووجدت ضعيفة فلم تنشر  .

 

لتحميل الرواية من الرابط التالي

 

آيات شيطانية لسلمان رشدي

 

 

العار/سلمان رشدي

نبذة عن الكتاب:

تدور رواية العار على السقوط المفاجئ لأستاذ جامعي من عليائه وفقدانه لوظيفته خزيا بسبب علاقته الشائنة بإحدى تلاميذه. ونتيجة لحالة الإحباط التي أصيب بها هذا الأستاذ استقال من منصبه، وذهب للعيش مع ابنته في جنوب إفريقيا. وهناك هاجمهما ثلاثة رجال، أشعلوا فيه النيران ثم اغتصبوا ابنته.

وأحداث الرواية تدور في ظل خلفية التغيرات الكبيرة التي شهدتها جنوب إفريقيا بعد مرحلة الفصل العنصري. وقد امتدح النقاد الرواية قائلين بأنها عمل سيتردد صداه في الذاكرة طويلا بعد الانتهاء من قراءته.

قراءة في رواية العار:

ما من شيء يبدو معقولا سوى النهايات.

 

بهذه العبارة يُغلـِّقُ سلمان رشدي جميع الحيوات لشخوصه الصاعدة إلى مقامات السادة على سلالمٍ من جثث ومن ثم الحفاوة بنبيذ فاخر من دمها المُعتق في أقنية النهاية لكن بعد حين.

رشدي في روايته ‘العار’ يروي القصص التي لا تنتهي، في العالم الذي ينتهي، بيوم حساب. قصص جنرالات وسياسيين وحتى ممقوتين، قصص نساء في بيئة هنّ في هامشها، لكنهن حقيقة يُخيطن أرواح رجالاتهم بحقيقة مخفية تتنافى مع ظواهر أجسادهم. في هذه الرواية يسردُ رشدي التاريخ ويُهمشه، يعتنق حبّ الوطن ويُلبسه المقت، يلعب غربة الحنين بقلبٍ ضاعت أوردة دمه:

‘جميع المهاجرين يتركون ماضيهم خلفهم رغم أن البعض يحاول أن يحزمه ضمن علب وصرر’ص77.

يأخذ من اسم الشاعر الفارسي عمر الخيام اسما لشاكيل، الشطر الأساسي من عاره والهامشي الذي يصبو إلى العلا، الخارج من لدن سرير غير شرعي لأمهات أخوات ثلاث يجهل من هي الطارحة الحقـّة في قصر نيسابور’من بلدة العار’ ك’، يخترق شاكيل قلوع القصر بلهفة الخروج إلى الحرية رغم الرفض الذي يعرفه في عدم تقبله في الخارج، فهو يؤمن: ‘بأن نطير وأن نفر كلاهما من سبيل البحث عن حرية’ ص106.

يتجاوز تزمت الأخوات الثلاث أمهاته بالتمسك بالجذور وبميراث الجد الأول وما خلفه في هذا المنعزل الذي لا يرتبط بالخارج إلا بجسر قابل للوصل والقطع مع العالم بين العامة (الأصليون) والسادة (المستعمرون) وذلك فقط بمدّ القصر بمستلزمات البقاء:

‘الجذور أسطورة من أساطير القدماء صممت بهدف واحد هو إبقاؤنا في أماكننا’ ص106.

وهكذا يخرج إلى فضاء العالم الخارجي ،عمر الخيام شاكيل، ويبدأ بإفراغ نزواته اللا موضوعية وبجموح طموحٍ غير متناسق مع هيئته المقززة في اللهاث وراء الصعود كيفما كان وبأي ثمن بدءاً من نفخهِ لبطن فرح زهر عشتار وليس انتهاءً بخيانة زوجته صفية زنوبيا المستقبلية، فيكون القاسم المشترك لأهم رجلي دولة مستقبليين إسكندر حربا والجنرال رضا حيدر، يجمعهم الصعود إلى القمة لا يهم إن كان ما يتركونه خلفهم بحر دم أو أرض جثث، مثل ذلك الصاروخ في صعوده فاقداً أجزاءً منه ليصل إلى هدفه على حد قول بلقيس زوجة رضا في صعوده للرئاسة:

‘إن الكائنات البشرية الأخرى هي الوقود الذي كان يحرقه أثناء طيرانه نحو نجوم الأكتاف’ ص 266.

أو على حد قول إسكندر حربا للصحفي الإنكليزي حين كان رئيسا للوزراء:

‘ليس باستطاعة أحد أن يطيح بي…. لا القطط السمينة ولا الأمريكيون ولا حتى أنت فمن أنا؟ أنا تجسيد الشعب’ ص235.

يُحاكي رشدي عبر هذه الشخصيات الرئيسية الاستبداد كأورويل في باكستان الـمُسـَّلمةِ لأتباع الله شريحة قضمتها الحشرات من البلاد القديمة بعد التقسيم.

‘هي رواية عن أصل ٍ يجتـّر الدم ليصل، وعن مُهاجرٍ يُعتـِّق الدم ليصل، لكن أيّ وصول هذا ما دامت النهاية هي المعقول الوحيد فيها.

إسكندر حربا العربيد ، السكير، النزق…. مع شريكه شاكيل والمنقلبِ فيما بعد إلى ما يشبه السياسي الحاذق، الأمين، الوطني الخالص، حين زرعت فيه بذرة أن يكون شخصا يخرج من ذاته:.

‘بعض الرجال عظماء إلى درجة لا يمكن أن تصنعهم إلا أنفسهم ‘ص230

لكن أين يختفي ذلك الماضي الملـّوث ما دامت الروح نفسها:

‘فالناس الذين ينكرون ماضيهم يصبحون عاجزين عن التفكير بأنه حقيقي’ ص 184

يبقى هذا الماضي مترجماً على الشالات الثماني عشر لراني حربا، الزوجة المعبِّرة عن سيرة إسكندر الحقيقية في باطنها والنافية لظاهرها أمام الشعب، فالكائنات البشرية لديها موهبة خارقة في إقناع نفسها بصحة ونبالة جوانب من ذاتها هي بالحقيقة زائفة، وخسيسة، وضيعة. قد يصبر عليك الزمن مدة لكن لا يدعك بدون نهاية لمقدمات عملك وينتهي إسكندر حربا مُعلقاً على حبل مشنقة.

الوجه العسكري لرواية العار رضا حيدر (غوتزر العجوز) صاحب البطولات في معارك عدة، قاهر قطاع الطرق والمهربين في الجبال المستحيلة ، اللابس عباءة الدين الحرباوية، يخوض حرباً لا يهم مع من، ما يهم ما يحلم بالوصول إليه:

‘الباكستان تلك التي تخوض الحرب المرّة تلو المرّة مع نفسها يمكن وصفها بأنها فشل العقول الحالمة’ ص108.

يصل إلى رئاسة الجمهورية وتنخر في شجرة طموحه ابنته صفية زنوبيا زوجة شاكيل الحاملة لحبٍّ كبير، وفي غيابه تغرق في غضب مدمر يصل إلى حد تدمير رضا لينتهي به الهروب في باصٍ عتيق من الدرجة الثالثة مع الدجاج والحيوانات في طريقه إلى بلدة ‘ك’ لابساً ثياب نساءٍ مع شاكيل وبلقيس الأمر الذي أهان شاكيل ‘لم يمسك بهم أحد فلا أحد يتوقع أن يجد رئيس جمهورية فاراً في ثياب امرأة في باص عتيق من الدرجة الثالثة لكن ثمة أيام وليال تمرّ بلا رقاد، ثمة خوف ويأس’ ص 340.

هذه كانت حالة رضا في فراره بعد أن كان فيما سبق قد مرّ في نفس السكة في عربة من طراز جديد في مهمته إلى الجبال المستحيلة.

يبقى الوجه المرتزق بعد السياسي حربا والعسكري رضا، عمر الخيام شاكيل صديق حربا في عربدته وزوج ابنة رضا صفية زنوبيا هو من يعتبره رشدي بطلاً هامشياً لكنه البطل المؤطر لتفاصيل الصعود ومن ثم النهاية لنفسه أولاً ومن ثم الآخرين حين يصبح الخزيُّ جزءا أساسيا من شخصيته، عش مع الخزي فترة كافية يصبح جزءًا من الأثاث…. ناسياً ما هي الحقيقة التي جاء بها لهذه الدنيا وما أستقبل به في العالم الخارجي عن قصر أمهاته الثلاث:

‘صورنا القديمة (الحقائب الكرتونية) ربّما تحوي عدد كببر منها بضعة تذكارات فقدت معناها فقد انفصلنا عما هو أكثر من الأرض لقد انفصلنا، ونحن نطير عالياً عن التاريخ، عن الذاكرة، عن الزمان’ ص107.

ما يجمع بين شخصيات رشدي في روايته ‘العار’ هي الفردانية المغسولة من إنسانيتها، والأنانية المفرطة في سبيل غايتها، والقداسة المهيبة في عبادة ذاتها:

‘فنحن من أولئك الرجال الذين يضحون بأعز ما يحبونه على مذبح كبريائهم الذي لا يقبل التلوث…ففي الشرف والعار جذور العنف’ ص146على لسان رضا.

‘إننا نقضم أنفسنا نلتهم أطفالنا، نشدّ إلى الأسفل كل من تسلق إلى الأعلى، لكنني أصرُّ على أننا سنبقى وسنستمر’ ص235 على لسان حربا.

في المقابل يدرك رشدي بأن’طبيعة الطغيان هي ذاتها التي تنهيه’ ص330

لأن الناس مهما مرّ بها الزمن لا بدّ أن تدرك وتتدارك ما فاتها، وما مرّت بها من حياة أقل ما يقال عنها أنها ليست حياة ،حتى تتضخم في صدورها، حينئذ يكون الوقت المناسب لاستشفاف النهاية

‘مارس الإذلال على الناس زمناً كافياً تجد أنه ينفجر من صدورهم وحشية وعنفاً ‘ ص148

لن تكسر إرادة الشعوب، نهبُ الجسد كما نهبُ البيوت، أو حتى تعليقهم من خصيهم كما فعل إسكندر ورضا ،فالنهاية المنتظرة دوماً تكون بما يناسب شرور الطغاة ولا يفيد الفرار لأنه ليس هناك بلاد أفقر من بلاد الفرار.

 

غمكين مراد (صفحته على فيس بوك، 3 يناير 2014)

 

لتحميل الرواية من الرابط التالي

 

العار/سلمان رشدي

 

 

أطفال منتصف الليل/ سلمان رشدي

نبذة عن الكتاب:

تعتبر رواية أطفال منتصف الليل ملحمة الهند الحديثة ، تُغطي الرواية وعلى مدى صفحاتها ال 670 صفحة حقبة تاريخية طويلة تبدأ بعام 1915 وحتى عام 1977، تطغى عليها الواقعية السحرية، لاسيما وأن الهند تعتبر بيئة خصبة لنمو الخرافات، السحر ، الشعوذة والخزعبلات العديدة، كيف لا وهي التي تحتضن في أرضها أكثر من مليار إنسان، تختلف ثقافاتهم ، دياناتهم ولغاتهم.

تمزج الرواية ما بين السيرة الذاتية والسرد التاريخ ، يتراوح السرد فيها ما بين التقديم والـتأخير، يغلب عليه ضميرالأنا المتكلم السارد “سليم سيناء” وهو يروي مذكراته وسيرة عائلته على بادما- راعيته -والتي تصبح زوجته في آخر الرواية بناءً على رغبتها الخاصة، رغم معرفتها بعجزه الجنسيّ.

يولد سليم سيناء ، في ليلة الخامس عشر من آب لعام 1947، وهي ليلة استقلال الهند، هكذا لصدفة قدرية يقترن تاريخه الشخصي بتاريخ الأمة بكاملها، ليختزل سلمان رشدي الهند كلها في عائلة أحمد سيناء وصهره آدم عزيز. بعبقريته استطاع سلمان رشدي توظيف حكاية الأسرة وعلى مدى 5 أجيال لتكون عدسة نرى الهند من خلال انعكاساتها عليهم.

كُتبت الرواية على شكل ثلاث كتب، لتُجسد ثلاث مراحل تاريخية مهمة وفاصلة في تاريخ الهند، الكتاب الأول والذي يُغطى الحقبة الأطول والأعقد حيث يبدأ من عام 1915 أي فترة الانتداب البريطاني وحتى عام 1948 متضمنةً استقلال الهند وفترة حربها الأولى مع الباكستان، يتخللها حكايات جده آدم عزيز وجدته نسيم، مرورا بحكايات باقي أفراد الأسرة وحكاية أمه –ممتاز- مع زوجها الأول نادر خان وقبل أن يتحول اسمها إلى أمينة سيناء. خلال سرد التاريخ العائلي لا ينسى سلمان رشدي التطرق لواقع الهند والصراعات ما بين الهندوس والمسلمين والتركيز على الحدث الأهم وهو إعلان استقلال الهند وولادة سليم سيناء وبقية أطفال منتصف الليل، والذين سيمثلون أرضية فنتازية خصبة للرواية بسبب المعجزات أو لنقل الهبات التي منحوها لولادتهم في تلك الليلة الفارقة.

أما عن حكاية مولده والتي تشكل العقدة الأولى في الرواية ، فسليم سيناء الابن هو ليس ابنا حقيقيا لوالديه، سليم الذي يتعايش مع هوية غير هويته، يشبه مخاض أمة الهند بهويةٍ مزورة لا تشبهها هكذا ستبقى منفصمة تصارع حروبها وانقساماتها العديدة والتي تستمر حتى النهاية، فماري بيرييرا الممرضة المسيحية، تقرر أن تتلاعب بالقدر عبر تبديل المولودين شيفا وسليم، لتمنح كل واحدٍ منهما قدر الآخر، هنا تظهر لدينا الثيمة الأخرى للرواية والتي تستمتر حتى آخر صفحاتها وهي ثيمة القدر فهل هي جبرية حتمية أم أنها اختيارية متغيرة.

سليم سيناء يولد قبيحا بأنفٍ كبير، وجهه الذي يتكشف له مع الوقت أنه انعكاسا لخارطة بلاده الكبيرة، أستاذ الجغرافية الطبيعية الذي يقرأ في ملامحه خارطة الهند، ليشير إلى كل جزءٍ فيه راسما الخارطة على حدوده، ليقاطعه أحد التلاميذ فيسأله، أستاذ ماذا عن البقع، فيجيبهم أنها الباكستان ، تذكروا دائما أن الباكستان لطخةٌ في وجه الهند. لتتضح الثيمة الثالثة في الرواية وهي الصراع بين الهند والباكستان وإن صح التعبير صراع الأديان.

أما الكتاب الثاني الذي يبدأ في عام 1948 وينتهي عام 1966 ، ليتضمن حدثا عائليا جديدا ومهما وهو ولادة شقيقته القردة النحاسية والتي تتحول عبر مسار الرواية إلى جميلة المغنية، ليعكس مسارا جديدا في تاريخ الهند وتاريخ العائلة التي تهاجر إلى كراتشي في الباكستان، الكتاب الثاني والذي يحمل في طياته مأساة سليم سيناء واكتشافه لأطفال منتصف الليل وموهبته الخارقة في قراءة أحلام وأفكار الآخرين هكذا ليغلب عليها الطابع الفنتازي، خسارة سليم سيناء لموهبته في قراءة أفكار الآخرين ، ليكتشف سرّا آخر وهو حاسة الشم الرهيبة التي يتمتع بها والتي يستطيع من خلالها أن يشتم رائحة العواطف والأفكار والرغبات ليسلط سلمان رشدي من خلالها الضوء على طبقية الهند ومآسي الفقراء والصراعات الدينية،  عدا عن أزمة الهند ومناوشاتها المستمرة مع الباكستان لتقع الحرب الثانية ما بينهما، والتي تنتهي بخسارة سليم لعائلته كلها عدا جميلة التي يفقد أثرها والتي تكون أيقونة للوطنية، جميلة التي يقع في عشقها لتشكل العقدة الثانية في الرواية، والحب الحرام والذي هو ليس حراما في أصله، لاسيما أن سليم ليس شقيقها الحقيقي، فخلال فصول الكتاب الثاني، تكشف ماري التي صارت مربيته عن سرها الكبير بل خطيئتها التي لا تُغتفر هي التي تلاعبت بقدر شخصين اثنين شيفا وسليم.

الكتاب الثالث والأخير يبدأ عام 1970 بتحول جذري في شخصية سليم سيناء هو الذي يفقد ذاكرته وعائلته على حدٍ سواء، ليصير بوذا حسب ما لقبه الآخرين، بوذا الذي يتمتع بحاسة شمٍ خرافية قادرة على تتبع الأثر، استطاعت أن تمنحه فرصةً ليخدم في الحرب ، ولكنه خدم مع الطرف الخطأ دون علمٍ منه، في هذا الفصل يلتقي بوذا – سليم- ب بارفاتي الساحرة ، إحدى أطفال منتصف الليل، هي التي تتعرف عليه، ليستعيد من خلالها ذاكرته تدريجيا، تحاول بارفاتي الساحرة أن تستدرجه إليها بكل حيل السحر والهبات التي تمتلكها غير أنه يبقى عاجزا عن حبها ومنحها ما تريد لاسيما حين يسيطر عليه شبح جميله أخته.

تتشكل في الفصل الثالث العقدة الأكبر من خلال علاقة بارفاتي الساحرة مع نده شيفا ، هي التي تستحضر شيفا إلى حي السحرة من خلال تعويذة سحريّة وطقس فانتازي، تحبل منه، وتتأزم العلاقة بينهما لتعود من جديد إلى سليم وفي أحشائها جنين من شيفا، هكذا لنعود إلى ثيمة القدر من جديد ما بين التلاعب والجبر. وكأن الحياة مسرحا هزليا بل وعبثيا جدا. فسليم سيكون أب لطفل ليس من صلبه لكنه الحفيد الحقيقي لوالده أحمد سيناء. يطلق على ابنه -الذي يولد في ليلةٍ تاريخية ومفصلية من تاريخ الهند وهي ليلة الخامس والعشرين من حزيران لعام 1975 في منتصف الليل- اسم آدم سيناء، ليكون استكمالا لتاريخ العائلة الذي ارتبط بالهند. يتخلل الفصل الثالث الكثير من الأزمات السياسية أهمها حالة الطوارئ التي يتم اطلاقها للمرة الاولى في الهند، فساد المجلس الوزاري متمثلا برئيسة الوزراء السيدة أنديرا غاندي والتي يطلق عليها لقب الأرملة واستطاع سلمان رشدي توظيف شخصها بسماتها الفيريائية كفرق شعرها الشهير ما بين الأسود والأبيض لتكون رمزية قوية لجانبين يتصارعان في داخلها جانب الشر والخير ولتحمل أيضا في طياتها عصرا جديدا في الهند لاسيما بعد الانقسام الذي شهدته البلاد.

تنتهي الرواية نهاية تراجيدية بعد أن يتم القبض على معظم أطفال منتصف الليل وإلقائهم في نزل الأرامل ، لتحمل في طياتها عصرا حربيا ديكتاتوريا، يؤدي إلى تكميم الأفواه وتقييد الحريّات ، تموت بارفاتي فيما يختفي شيفا بعد أن تألق نجمه فترة الفساد، ويبقى سليم سيناء يلاحق خيوط ذكرياته راعيا ابنه الذي ليس من صلبه آدم سيناء، يقوده القدر وعبر صدفة في مدينة نيودلهي اضطراريا إلى مدينة  بومباي مسقط رأسه، ليعود من جديد الى الأرض التي شهدت مؤتمر اطفال منتصف الليل لأول مرة ، هذا المكان الذي تحول الى نادي ليلي يقدمون فيه بعض المشروبات والطعام يتعرف من خلاله الى صلصلة طعام يشتم فيها رائحة قديمة يطلب معرفة مصدرها لتفتح له آخر بوابات حياته، يحمل ابنه ويتجه إلى صانعة تلك الصلصة والتي تكون مربيته التي استبدلته عند الميلاد ماري بيريرا هي نفسها السيدة براغانزا صاحبة أفضل خلطة صلصة في البلاد. لتأتي الرمزية الأخيرة في الرواية وهي الرمزية الأهم مذاق التاريخ ونكهته اللاذعة ومرارة الحقيقة. ومستقبل مجهول تشوبه الانقسامات.

 

لتحميل الرواية من الرابط التالي

 

أطفال منتصف الليل/ سلمان رشدي

 

 

غضب/ سلمان رشدي

نبذة عن الكتاب:

ترتبط عناصر رواية “غضب” وشخصياتها المتعددة بشخصية بطلها “مليك سولانكا”، المحافظ والغامض “مبتكر الدمى”،”الذي كان يعتبر نفسه نصيرا للمساواة بطبعه، ومدنيا بجذره”، والذي كان غالبا ما يسترسل في مناجاته الداخلية، ويقع “فريسة لهذا الحزن الخفيّ والمعتاد”، لأنه ما”عاد يعرف كيف يتصالح مع واقع يغرق في انخداعه أكثر فأكثر”. حين كان الآخرون يسعون لكشف غموضه، كانت تعاوده لوعة الغضب، وكان يجيب بجلافة:”ما أبحث عنه، هو أن أترك وشأني”.

من هذا الغضب الداخلي المتأجج كمعمل منتج، ستخرج كل تداعيات وأفكار الراوي، وكل أحداث وشخصيات الرواية: “إليانور” مطلقته “التي لم تكن تريد الطلاق”، والتي عشقها من خلال مكالمة جرت صدفة على الهاتف، وأدت إلى “خمسة عشر عاما من العيش المشترك”، وأنتجت “أسمعان” ابنه الأشقر البالغ من العمر ثلاثة أعوام، والذي سيكتشف “أنه كل ما أحب على سطح الأرض”. وصديقه المدعو “غودول” الذي كان يميل إليه “بسبب الصدق والكرم اللذين كان يخفيهما خلف صخبه المزعج”، ومحادثاتهما التي كانت تتم “تحت ضغط ازدواجيتهما الضارية”، سيصاب بالكآبة التي يعبّر عنها قائلا: “أنت تستيقظ ذات يوم وتجد نفسك لم تدخل في صلب حياتك”، والذي سينجو من أربعة محاولات انتحار. و”بيري بانكوس” الأميركية، التي درست نتاج بعض النقاد والأدباء الذين عاشرتهم جسديا”، و”سارا لير” الرسّامة، الزوجة الأولى التي سبقت زوجته إليانور، وقد “تزوجا دون أن يأخذا وقتهما في التفكير وأحسّا في الحال بأنهما وقعا في فخ غلطتهما”. و”جاك رينيهارت” صديقه الذي كان “يحاول الحصول على الطلاق، لكن زوجته تشن عليه حملة معاكسة” و”الذي كان الخمر والطبخ هما أعز شيئين لديه. و”نيلا” التي أحبها والتي “كانت قادرة في أية لحظة على بتر رأس حبّ وهي تتخلى عنه فجأة”، والتي كانت “تود أن تسافر معه إلى الهند” أرض أسلافها.

بين نيويورك التي “غدت موضوع وهدف الشهوة العالمية”، والهند مسقط رأسه، وبين الماضي الذي لم يكن يبدو له “سوى إناء مشروخ. لم يعد يملك إلا هذا الحاضر الذي لا يطاق، والذي اكتشف فيه أنه غير قادر على التكيف معه تماما”، “لكن نوافذ غرفته لم تكن محكمة الإغلاق، إنها لا تستطيع أن تمنع التاريخ من الدخول”، “أجل، كانت بومباي تعاوده عنوة”، سيصب الكاتب كل آرائه واعترافاته وتعليقاته على مجمل مجالات الحياة وعناصرها. يقول في الحب مثلا، “لا بد لكل واحد أن يجهد بطريقته لتفسير هذا المتعسر التفسير”، ويقول للثوريين اليساريين: لا تثقوا بشيء”، “فالحياة كما هي لن تشهد أي تحسّن”، فقط باتت “السرعة التي تسير فيها الحياة المعاصرة، تفوق قدرة القلب على الاستجابة.

 

لتحميل الرواية من الرابط التالي

 

غضب/ سلمان رشدي

 

 

تنهيدة المغربي الأخيرة/ سلمان رشدي

نبذة عن الكتاب:

الرسم الذي وجدوه على منصبها كان يدور حولي، ففي ذلك العمل الأخير “تنهيدة المغربي الأخيرة” أعادت إلى المغربي إنسانيته. فتلك اللوحة لم تكن تهريجا مجردا، ولا لصق نفايات، بل لوحة لابنها الذي ضاع في منطقة انتقالية مثل خيال جوال: صورة لروح في الجحيم. وخلفه أمه التي لم تعد في لوح منفصل، بل اتحدت من جديد مع السلطان المعذب، لا تقرعه ـ ابك مثل النساء ملكا مضاعا ـ بل تنظر، في عينيها الذعر ويدها ممدودة. ذلك أيضا كان اعتذارا جاء بعد فوات الأوان، عملا من أعمال الغفران لم يعد باستطاعتي أن أنتفع به. لقد فقدتها، فيما زادت اللوحة فقط من ألم الفقدان.

يا أمي، يا أم!! الآن أعلم لماذا طردتني، يا أمي الميتة العظيمة، يا والدتي المغفلة، يا والدتي الحمقاء!

 

لتحميل الرواية من الرابط التالي

 

تنهيدة المغربي الأخيرة/ سلمان رشدي

 

عن موقع المكتبة المفتوحة

https://pdf2arab.blogspot.fi

 

 

صفحات سورية ليست مسؤولة عن هذا الملف، وليست الجهة التي قامت برفعه، اننا فقط نوفر معلومات لمتصفحي موقعنا حول أفضل الكتب الموجودة على الأنترنت

كتب عربية، روايات عربية، تنزيل كتب، تحميل كتب، تحميل كتب عربية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حرب الكلب الثانية/ إبراهيم نصر الله

      جائزة البوكر الأخيرة/ أمير تاج السر منذ أيام قليلة أعلن في مدينة ...