الرئيسية / صفحات مميزة / ماذا بعد “عفرين” مقالات محتارة

ماذا بعد “عفرين” مقالات محتارة

 

يحدث في عفرين/ سلامة كيلة

استطاعت القوات التركية، مستخدمةً بعض فصائل من الجيش السوري الحر (بدا وفق بعض الفيديوهات لا يختلف كثيراً عن “داعش”) أن تحتل عفرين، بعد أن سيطرت على أجزاء كبيرة من مناطق الشمال الغربي من سورية. وهذه هي المعركة الثانية التي تخوضها تركيا، بعد أن احتلت جرابلس، وصولاً إلى الباب. وفي المعركتين، قايضت على حساب الشعب والثورة السوريين، أولاً حلب، وثانياً مناطق من جنوب شرق إدلب، وغض النظر عن الغوطة الشرقية، وكانت قابلةً أن يدخل جيش النظام والمليشيا الطائفية الإيرانية إلى عفرين. إنها تخوض معركتها ضد ما تعتبر أنه الخطر الذي يهددها، وهم الأكراد. حيث تتخوف كثيراً من قيام كيان كردي شمال وشرق سورية. وقد خاضت معركتها تحت عنوان الإرهاب، الشماعة التي بات يستخدمها كل الأطراف ضد كل المعارضين والمختلفين. أفهم أن يعتبر الأتراك أن الأكراد انفصاليون، على الرغم من أن ذلك حقهم على أرضهم التاريخية، لكن أن يصبح الأمر موضةً فهو ما يبدو مسرحية هزلية، لكنها على حساب الشعب السوري في كل الأحوال.

موقف كاتب هذه الكلمات من الاتحاد الديمقراطي (الكردي) واضح، ضد سيطرته على الشمال والشرق السوريين، وإعلانه فيدرلية روجافا، ثم فيدرالية الشمال السوري، حيث يقتطع ما أراد من الأرض ليقيم عليها سلطته تحت مسمى فيدرالية، ومن دون غلبة كردية فيها. وهو جزء من حزب العمال الكردستاني، وقيادات من هذا الحزب هي التي تقود الصراع في سورية، وهي التي تسيطر على الفيدرالية، لكن الحزب يخوض معركة خاطئة في تركيا، ويغالي في طموحه “الكردي” بشكلٍ يستثير العرب والقوميات الأخرى. وقد كان دور حزب الاتحاد الديمقراطي سيئاً في ما يخص الثورة السورية، حيث كان أميل إلى التفاهم مع النظام، وتسلّم منه المناطق التي سيطر عليها بداية، وقمع الشباب الكردي الذي خاض التظاهر ضد النظام، واعتقل معارضيه من الأحزاب الكردية. وبالتالي، شكّل سلطة استبدادية تخدم مصالح خاصة ولهذا تحالف مع من يساعده على ذلك، كما فعل بالتحالف مع أميركا التي باتت توظفه لخدمة سياساتها في سورية. وكان في ذلك كله، يسعى إلى كيان خاص، وكان يضرّ بمسار الثورة، ويتناقض معها، في سعيه إلى تحقيق مصالحه الأنانية، وتعصبه.

لكن البديل عن ذلك ليس احتلال تركيا الشمال السوري، خصوصاً أن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يسعى إلى السيطرة على كل الشمال السوري، وصولاً إلى مناطق في شمال العراق. ولتحقيق ذلك، حوّل فصائل مسلحة إلى أدوات في حربه “ضد داعش” (وهو ما فشلت فيه أميركا حينما حاولت توظيف الجيش الحرّ في الحرب “ضد داعش” بدل الحرب ضد النظام)، ثم الآن ضد الأكراد. وهي في كل أماكن سيطرتها ترفع العلم التركي، وتفرض السيطرة التركية، مثل كل دولة محتلة، على الرغم من الخطاب الديماغوجي الذي يطلقه أردوغان بشأن دعم الشعب السوري. تركيا ترفض أن يصبح هناك كيان كردي على حدودها، وسعت إلى منع التواصل بين الجزيرة السورية وعفرين، حيث يسعى حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) إلى السيطرة على الشمال السوري من البحر المتوسط إلى دير الزور، حيث الخريطة التي وضعها “العمال الكردستاني” منذ زمن طويل. لكنها تفرض احتلالاً جديداً، وتوسّع نفوذها في سورية، وتُخضع الفصائل التي تقاتل النظام لسياساتها، بالتالي تحرف صراعها من صراعٍ ضد النظام لصراع يخدم إستراتيجيتها. وقد أدى ذلك الى المقايضة على مناطق كانت هذه الفصائل تدافع عنها (حلب).

لقد بتنا بين طموح “الاتحاد الديمقراطي” للسيطرة على جزء من سورية، بالتحالف مع أميركا، واحتلال تركي يرفض ذلك، لكنه يريد السيطرة كذلك. ولا يتعلق الأمر في المفاضلة بين هذا وذاك، فالخياران يفرضان احتلالاً لأرض سورية: “الاتحاد الديمقراطي” يخضع لاحتلال أميركي في الشمال والشرق السوري، وبات يتحكم بالنفط، وتركيا تفرض احتلالها في الشمال السوري.

سورية تخضع للاحتلالات بأدوات محلية، هكذا ربما هي الصورة.

العربي الجديد

 

 

 

تأملات بشأن ما بعد معركة عفرين/ بكر صدقي

فاجأ السقوط السريع لمدينة عفرين في قبضة الجيش التركي، وأتباعه من الفصائل السورية، جميع المراقبين، بالنظر إلى الادعاءات الكردية التي سبقته بشأن مقاومة شرسة ستواجه القوات المهاجمة. فقد انسحبت «وحدات حماية الشعب» من المدينة بلا قتال، وارتفع العلم التركي فوق مبان رسمية في قلب المدينة، في سابقة هي الأولى في الحروب السورية. لا أحد يعرف، إلى الآن، ما إذا كان قرار الانسحاب في إطار صفقة، أم قراراً أحادياً من قيادات حزب العمال الكردستاني في جبل قنديل.

لكنه كان أمراً لافتاً أن يتزامن دخول القوات التركية المدينة، مع الذكرى السنوية لمعركة جنق قلعة التي انتصرت فيها القوات التركية على البريطانيين، برغم مقتل نحو ربع مليون جندي ينتمون إلى مختلف أنحاء الإمبراطورية العثمانية الآيلة للسقوط حينذاك. فهذا التوقيت مؤشر قوي على صفقة ما حققت لتركيا نصراً عسكرياً سهلاً سيستثمره الرئيس أردوغان في سجله الشخصي، مقابل حفاظ وحدات حماية الشعب على ما تبقى من قواتها، لتنتقل لاحقاً إلى شرقي نهر الفرات.

فقد رافقت معركة «غصن الزيتون» كما أطلقت عليها الحكومة التركية، بروباغندا صاخبة استعادت أمجاد الماضي العثماني، فضلاً عن حملة تخوين استهدفت كل معارضي العملية في الداخل. من غرائب التغطية الإعلامية الموازية للحرب انتاج فيلم عنها بسرعة قياسية أدهشت الرأي العام. فقد ألصقت على جدران المدن ملصقات دعائية لفيلم يتحدث عن سير المعارك، من المفترض أن يبدأ عرضه يوم الجمعة 23 آذار، أي بعد خمسة أيام فقط على انتهاء العمليات القتالية في عفرين.

إلى ذلك امتلأ الإعلام الموالي بكلام كثير عن «الفتح» ووجوب «تجديد الميثاق الملي» الذي يحدد حدود الدولة التركية، مع نسب النصر العسكري إلى القائد أردوغان.

هذه الكثافة الرمزية تضعنا وجهاً لوجه مع السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم: ما المصير المنتظر لمنطقة عفرين بعد احتلالها من قبل تركيا؟ أو بتعبير أوضح: ما هي النوايا التركية بشأن هذه المنطقة الملاصقة للواء إسكندرون الذي تلقته تركيا هدية من الانتداب الفرنسي قبل انسحابه من سوريا؟ فاستحضار مفهوم «الفتح» و«الميثاق الملي» قد ينبئ بنية تركية في إلحاق المنطقة بالدولة التركية.

وفي ضوء هذا التفسير يمكن قراءة تصريح الرئيس التركي، في الأيام الأولى للعملية العسكرية، الذي قال فيه: «سنعيد عفرين إلى أصحابها الحقيقيين» على أنه رغبة في إلحاق المنطقة بتركيا، فقد قال الناطق الرئاسي إبراهيم كالن بدوره: «لن نعيد عفرين إلى نظام الأسد في أي حال من الأحوال». فمن يمكن أردوغان أن يعني بأصحاب المنطقة الحقيقيين غير الدولة التركية نفسها؟

لقد خاض الجيش التركي معركة عفرين مرتاحاً من أي ضغوط دولية لوقفها عند حد معين. حتى حين حاصر المدينة المكتظة بمليون مدني بين أهالي ونازحين، لم يصدر أي ضغط جدي من الدول الفاعلة أو الأمم المتحدة لتقف تركيا عند حدود المدينة ولا تقتحمها. وهذا، على الأرجح، ما دفع بقيادة حزب العمال الكردستاني في جبل قنديل إلى اتخاذ القرار بانسحاب وحدات الحماية من كامل المنطقة بلا قتال. فمن المحتمل أن حزب الاتحاد الديمقراطي الذي رفض عرضاً روسياً بتسليم المنطقة إلى قوات الأسد مقابل تجنيبها الغزو التركي، كان يراهن، حتى اللحظات الأخيرة، على تبدل الموقف الدولي لمصلحته. وحين اتضح أن الدول القادرة على وقف الزحف التركي نحو المدينة غير مبالية بمصيرها، إن لم نقل أنها موافقة ضمناً عليه، اتخذ الحزب الكردي قراره بالانسحاب، مبرراً إياه بـ«الحفاظ على أرواح المدنيين». ونحن نعرف أن القوات المتحاربة، في جميع الحروب، آخر همها حياة المدنيين.

فهل نحن بصدد سيناريو تقسيم لتركة السلالة الأسدية بالمفرق، في حين كثرت التكهنات، سابقاً، بشأن تقسيمها بالجملة؟ أي هل يكون إلحاق تركيا لمنطقة عفرين هو أول خطوة في تقاسم التركة المذكورة؟ علماً بأن محاولات تقسيم سابقة فشلت بسبب غياب الغطاء الدولي. وكانت أولى هذه المحاولات قيام «الدولة الإسلامية» لصاحبها أبو بكر البغدادي، على مساحات واسعة من الأراضي العراقية والسورية، في حزيران 2014. والمحاولة الثانية هي «فيدرالية شمال سوريا» تحت سلطة «قوات سوريا الديمقراطية» مظلة وحدات حماية الشعب وحزب الاتحاد الديموقراطي، وقد خفضت من توقعاتها بعد الدخول المباشر للقوات الأمريكية إلى شرقي نهر الفرات وإقامتها عدداً من القواعد العسكرية الثابتة.

إذا صح سيناريو الإلحاق المفترض هذا، فهو يعني أن عفرين ستكون هدية المحتل الروسي لتركيا، كما كان لواء اسكندرون هدية المحتل الفرنسي، في تكرار لتاريخ بلدنا المنكوب. وفي هذه الحالة نكون شهوداً على مسار منطقي فحواه: حزب كردي ـ تركي سيطر على منطقة كردية ـ سورية، واقتادها كالشاة إلى مذبح دولته (تركيا) التي يحاربها منذ أكثر من ثلاثة عقود!

بالمقابل تكون الحكومة التركية التي طالما اشتكت من كردها «الانفصاليين» و«إرهابهم» قد زادت من نسبة السكان الكرد داخل حدودها. مع العلم أن حزب العمال الكردستاني طالما جند شباناً من كرد سوريا (وبخاصة عفرين) يعدون بالآلاف، في حربه ضد الدولة التركية. إلا إذا كانت موجة النزوح الكبيرة التي رافقت نهاية العمليات العسكرية التركية في عفرين، نزوحاً نهائياً بإرادة تركية وغض نظر دولي، على غرار حروب التغيير الديموغرافي التي يخوضها النظام الكيماوي في أكثر من منطقة، بدون أي اعتراض من المجتمع الدولي. على مبدأ «ما حدا أحسن من حدا» وفقاً للتعبير السوري الشائع.

وثمة نتيجة جانبية لهذا السيناريو الذي نتمنى أن يبقى في إطار افتراضي، هو أن تركيا تكون قد أراحت أصحاب الحمية القومية العربية، أو الوطنية السورية المستجدة، من عبء «النزعة الانفصالية الكردية» ولو بشكل جزئي.

٭ كاتب سوري

القدس العربي

 

 

 

 

ما بعد الغوطة وعفرين/ عمر قدور

تكرر مراراً في الآونة الأخيرة الحديث عن صفقة مفادها “الغوطة مقابل عفرين”، وقبلها تكرر الحديث عن صفقة “إدلب مقابل عفرين”. ولئن كانت الثانية منهما تملك مقومات أقوى، لجهة السيطرة التركية على خطوط إمداد الفصائل في إدلب، وما يعنيه ذلك من امتلاك السيطرة على قرار تلك الفصائل، فإن صفقة مماثلة بين الغوطة وعفرين تبدو مستبعدة بالمعنى المباشر، لأن الفصائل المتواجدة في الغوطة لا تحظى بدعم أو رعاية تركيين، ولا تستطيع أنقرة المقايضة بين المنطقتين، ولا تملك أية ورقة قوة تعرقل من خلالها الهجوم على الغوطة.

مع ذلك قد يصح الحديث عن مقايضة أكبر من ذلك، إذا كانت تعني الصمت الدولي على اقتحام الغوطة وعفرين في التوقيت ذاته. هذا الصمت يمكن تأويله خارج المفهوم المتداول للمقايضة، إذ يعني صمت القوى الدولية الفاعلة على اقتحام المناطق غير الخاضعة لنفوذها المباشر، فلا الغوطة تتبع لنفوذ دولي أو حتى إقليمي بعد تخلي الرياض عن رعايتها أهم فصيل مسيطر هناك، ولا عفرين ذات أهمية خاصة للنفوذ الروسي الذي بدأ يضعف تأثيره على الميليشيات الكردية مقارنة بالنفوذ الأمريكي، وبالطبع لا يُستبعد أن يكون هناك تواطؤ دولي وإقليمي على تحجيم الميليشيات الكردية بعد احتواء تام لنظيراتها العربية.

وبينما يسود الصمت في المقلب الروسي والإيراني حول الخطوة اللاحقة، وكذلك الصمت الأمريكي، وحده أردوغان يتوعد بالمزيد بعد عفرين. القوات التركية بدأت فعلياً دخول إقليم كردستان العراق والاشتباك مع حزب العمال الذي يتحصن في جبال قنديل، وهو يتوعد الفرع السوري للحزب بقتاله في عين العرب ومنبج وصولاً إلى القامشلي. وإذا أخذنا هذه الطموحات على محمل الجد فهي تعني واحداً من أمرين؛ إما وجود اتفاق تركي/أمريكي للتخلص من حزب العمال نهائياً، أو استعداد أنقرة لمواجهة مع الحليف الأمريكي السابق مدعومةً بتحالفها المستجد مع موسكو، وإلا وجدت نفسها في موقع لا تُحسد عليه ولا يُستبعد فيه اتفاق واشنطن وموسكو على تحجيم التطلعات التركية.

مع صمت موسكو وطهران قصفت قوات الأسد درعا المشمولة باتفاق خفض التصعيد وفق تفاهم أمريكي/روسي، ومن الواضح أن استهداف درعا كان نوعاً من جسّ النبض لا أكثر في غمرة انشغال قوات الأسد بالهجوم على الغوطة. إلا أن ذلك القصف يشي بنوايا التصعيد لاحقاً، في حال لم تكن هناك نية أمريكية للمواجهة، وتُركت درعا لمصير مشابه لمصير عفرين. أهمية جبهة حوران لتنظيم الأسد أنها بعد الغوطة هي الجبهة الأقرب إلى دمشق، ومنها قد يأتي الخطر اللاحق في حال حدوث تغيرات دراماتيكية في السياسة الأمريكية، وهي أيضاً المنطقة التي تلزم الأسد وطهران للمناورة مع تل أبيب والدخول معها في المساومات الخفية المعتادة.

تحذير موسكو من ضربات أمريكية تُوجَّه لقوات الأسد، وربما لقوات إيرانية حليفة، يُشتمّ منه احتمال وقوع مواجهة كبرى، لكن من المرجح حتى الآن ألا تقوم إدارة ترامب بأكثر من توجيه ضربات استعراضية محدودة كما فعلت من قبل بضرب مطار الشعيرات. المحك الحقيقي في المواجهة سيبقى ثقله في الوجود الأمريكي في الشرق والشمال الشرقي، فهذا الوجود هو محط أنظار ثلاثي آستانة، أي موسكو وطهران وأنقرة. وتتفق مصالح هذا الثلاثي على مقاومة الوجود الأمريكي هناك مع اختلاف الأسباب العلنية على الأقل، فموسكو تريد نصراً كاملاً لا تتقاسمه مع واشنطن، بينما تريد طهران بقاء الحدود البرية مفتوحة أمامها من طهران إلى الجنوب اللبناني، في حين تتذرع أنقرة بالخطر الكردي لتخفي شهيتها لاقتناص هذه الفرصة بغية توسيع مجالها الحيوي.

الانتهاء من الحرب على الغوطة وعلى عفرين قد يُدشّن نهاية الحروب الصغيرة في سوريا، باستثناء جيوب ضئيلة هنا وهناك متروكة أصلاً لمصيرها إزاء قوات الأسد، مثل ريف حمص الشمالي. نحن عملياً على مشارف الانتهاء من تقاسم مناطق النفوذ بعد طرد بعض اللاعبين الإقليميين خارج الحلبة، بخاصة اللاعبين العرب، وما يغيب عن هذا التقاسم هو الثبات، جراء وقوعه على خط سياسات وتحالفات متقلبة أو غير موثوقة. فأغلب التحالفات التي نسجها بوتين باحتلاله سوريا قائمة على الانكفاء الأمريكي ليس إلا، والأمريكي نفسه اليوم لم يعد موضع ثقة بسبب سياسة الانكفاء، وقبل ذلك وبعده بسبب عدم الثقة بتوازن هذه الإدارة أو حتى عدم الثقة بأن يكمل ترامب ولايته.

ليس هناك من وجود مستقر لأية قوة في سوريا، وإن كانت القواعد الروسية والقواعد الأمريكية هي الأكثر رسوخاً. فالوجود الروسي غير مستهدف حتى الآن من الغرب، وهذا من أهم مصادر قوته، أما الوجود الأمريكي فينطوي على قوته أو ضعفه ذاتياً لأنه حتى الآن لا ينضوي ضمن استراتيجية أمريكية ثابتة. النفوذان الإيراني والتركي ليسا خارج رضا القوتين الدوليتين أو واحدة منهما، واستهدافهما أو استهداف واحد منهما لن يكون صعباً، لكنه لن يكون نزهة أيضاً بعد المكاسب التي حصلا عليها طوال سبع سنوات. هذه اللوحة تقرّبنا أكثر فأكثر من احتمالات الحرب على مختلف الجبهات، إذا لم تقرّبنا من احتمالات التقسيم أو من ستاتيكو مؤقت في انتظار المواجهة القادمة.

لقد كانت الرؤية التي تروّجها القوى الدولية تنص على استحالة التغيير في سوريا خوفاً من الفوضى، وكانت الذريعة وجود فوضى هائلة من السلاح بما في ذلك ما تملكه تنظيمات جهادية أو متشددة. الآن يمكن القول بانتهاء زمن تلك الفوضى، الناجمة في قسم منها عن تكاثر اللاعبين الخارجيين، إلا أن انتهاء زمنها لا يعني اقتراباً من الحل في سوريا، فالقوى الدولية والإقليمية التي باشرت ضبط القوى المسلحة السورية لم تفعل ذلك كرمى للحل، وإنما بالطبع من أجل مصالحها. هذه القوى أنجزت حتى الآن المهمة الأسهل، وهي إقصاء السوريين عن دائرة تقرير مصيرهم، بل تعدّتها إلى الانتهاء من استخدامهم كواجهة للصراعات الدولية والإقليمية. بقي أن تبرهن تلك القوى على تعقّلها المزعوم، لكننا لا نعثر في حاضرها أو ماضيها على ما يبرر حسن الظن.

المدن

 

 

 

 

 

الأسد وأردوغان «نصران» بطعم الهزيمة/ سميرة المسالمة

في مشهد هو الأكثر تعبيراً عن هزيمة الإنسانية وأخلاقيات الأمم الوضعية، في العصر الحديث، كانت صور آلاف المدنيين من أهالي الغوطة وهم يحملون جراحهم، ويرتحلون إلى قاتلهم، كملجأ أخير لإيداع أطفالهم – أو بعض أطفالهم- ممن بقي منهم على قيد الحياة «وديعة» لديه، تذكّر المستقبل بواحدة من فظائع جرائم المدنية الحديثة وابتكاراتها. ها هو «النصر»، مدن ثكلى، مدمرة، خاوية من أهاليها، خرائب من حجارة تحت كل منها حكاية لأم مفجوعة، وطفلة تصرخ بلا صوت، الدماء تحيط بالمحتفي بنصره، وتكلله بقوس من جثث أطفال الغوطة، على منصة من دمار.

إذاً الغوطة اليوم تضع خواتيم حكاية «النصر»، النصر الذي لا يعرف مضامينه عسكر القتل، ولا يدرك معناه إلا من يفهم ما بين سطور «البقج المصرورة» بأيدي المرحّلين عن ديارهم، وأولئك الأطفال الذين يلتقون بأشعة الشمس لأول مرة بعد طول إقامة في أقبية، هرباً من وحشية «منقذهم»، وغدر جنود الجيش «المحرّر» لمدنهم، إنها مفارقة المفاهيم عن معانيها، ما بين النصر والهزيمة، وصمت الأفواه المحشوة بفوهات بنادق المرتزقة، وعلى هذه المشاهد تعالوا نحتفِ بالنصر ونشارك «الموهومين» باحتفالاتهم، ونتقاسم معهم خيباتنا الإنسانية، لقد انتصرت قوات الأسد وميليشيات إيران وقوات الجو الروسية على 400 ألف سوري أعزل، قتلت منهم خلال أربعة أسابيع ما يزيد عن ألف بمئات من القتلى، وما يقرب من خمسة آلاف جريح، ناهيك عن تدمير البنى التحتية بنسب تفوق 70 في المئة، وأخيراً تهجير نحو خمسين ألف مدني (قابلة للزيادة) من مناطقهم ومنازلهم.

هذا هو «النصر» الذي سبقه «نصر» مماثل لجيش النظام وداعميه في حمص وتدمر وحماة وبعض من إدلب، وهو يتناغم مع «نصر» الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في عفرين، الذي تم بالتوقيت ذاته مع نصر الأسد في الغوطة في 18 آذار (مارس) 2018، مكللاً بمباركة فصائل ومؤسسات سياسية محسوبة على الثورة، حيث يرفع كل «منتصر» علمه إلى جانب علم من اختاره من الدول، ليبارك ذلك الانتصار الممزوج بدم السوريين الأبرياء، ودموع المهجرين من بلداتهم وقراهم تحت اسم «التحرير»، حيث حررت كل من الغوطة وعفرين، في الوقت ذاته، من أهلها، أطفالاً ونساء وشيوخاً، فيرفرف العلم السوري الأحمر إلى جانب العلمين الروسي والإيراني في الغوطة، بينما ترتفع أعلام تركيا في سماء عفرين مهللة للفاتحين مع علم المعارضة السورية «الأخضر»، هو «التحرير» بطعم الاحتلال البديل، المرير، الذي يصبح موغلاً في ظلمه وعنجهيته واستبداده، بحيث تصبح البدائل تساوي بعضها بعضاً، لا فضل لمحتل على آخر إلا بقدر سماحه للضحايا بالموت الأسهل.

وبينما يحتفل محور (روسيا إيران تركيا) بانتصار حلولهم العسكرية على الأرض، وإعادة رسم خارطة النفوذ الدولية على سورية، وفقاً لاتفاقهم الثلاثي المشترك المعقود في آستانة، إثر عملية استرجاع النظام السوري لحلب أواخر 2016، التي تمت بتوافقات روسية- تركية- إيرانية، خرجت بموجبها حلب من حيز أوراق القوة لدى المعارضة السورية، لتكون نقطة التحول في مسار العمل المسلح، من مواجهة النظام إلى مفاوضته، عبر مسار آستانة الذي ابتكرته روسيا لقطع الطريق على مسار جنيف، وترتيب أوراق التفاوض استناداً إلى متغيرات الواقع الميداني الذي أتاحت له المعارك الأخيرة وضع خطوط التماس الملائمة للشركاء الثلاثة التي أصبح النظام السوري عاملاً مشتركاً بينهم سواء أعلنوا ذلك أم أخفوه.

على ما تقدم فإن السوريين مدعوون للمشاركة بالنصرين من دون تمييز، على رغم اختلاف الرايات المرفوعة، فمن يقبل بما اتفقت عليه «آستانة» في عفرين، لن يستطيع رفض ما اتفقت عليه «آستانة» وماهو في سياقها من اتفاقات مع مسلحي المعارضة، سواء جيش الإسلام أو فيلق الرحمن في الغوطة، وما يعنيه ذلك من تسليم -وليس فقط- استسلام، للحل الروسي في سورية، متجاهلين تضحيات السوريين لسبع سنوات من عمر احتجاجهم وثورتهم وتمردهم وصراعهم ضد النظام ومن هم إلى جانبه.

ويبقى تعويل المعارضة على التدخل الأميركي لإنهاء حكم الأسد وتسليمهم السلطة، ضمن ما يمكن وصفه بالتحليق خارج الواقع، وبعيداً عن واقعية الصراع الذي تديره قوى كبرى، بطريقة مباشرة كروسيا، أو غير مباشرة كالولايات المتحدة الأميركية، لكل منهما اصطفافات تقف خلفه وفي مواجهته، وفقاً للمصالح الدولية المتضاربة حيناً، والمتقاطعة أحياناً في ما بينهم، ولكنهم جميعاً وعلى اختلاف تموضعهم من الصراع في سورية وعليها، على ذات المواجهة مع المصلحة السورية في إقامة الدولة الديموقراطية وسيادة الأمان والاطمئنان داخل البلاد وعلى حدودها.

وتعمل المصالح المتضاربة بين إيران وتركيا من جهة، وبين إيران والولايات المتحدة ومعها الغرب، من جهة ثانية، على تقارب المصلحة التركية الأميركية، في حين نفس التناقضات الأميركية التركية المتعلقة بالكرد السوريين، تساعد على التقارب الإيراني التركي من خلال اتفاق آستانة الذي ترعاه روسيا، كما تساهم الخلافات الروسية الأميركية في تقريب موسكو من طهران وأنقرة، بهدف إعادة ترتيب العلاقات مع الإدارة الأميركية ضمن تطلعات هذه الإدارة في إبعاد شبح إيران من المنطقة العربية، ما يعني أن حركة التقلبات في تموضع أطراف الصراع لا تزال مفتوحة على خيارات أكثر تعقيداً، على رغم «الانتصارات الوهمية» التي تحتفي بدمار سورية وتشريد السكان من مناطقهم، وإبراز خطوط التقسيم في شكل أكثر وضوحاً على خريطة العمليات العسكرية التي يديرها شركاء آستانة في مواجهة المجتمع الدولي وقراراته الأممية، التي أصبحت عاجزة حتى على فرض نفسها إعلامياً.

وبينما ينتصر الأسد على معارضيه في الغوطة، تنتصر المعارضة على نفسها في عفرين، وتزيد من خطوط تقسيم النفوذ الدولية المبنية على المصالح الجغرافية والاقتصادية والعسكرية بالتقسيم القومي العربي- الكردي، الذي تجنبه السوريون بشعارات ثورتهم عندما أربكوا النظام بهتافات من نوع «واحد، واحد، واحد، الشعب السوري واحد»، وعندما اختتم الأهالي مظاهراتهم بمناسبة العام السابع على ثورتهم بشعار مؤلم وساخر «ما عاد بدنا حرية بدنا الوحدة الوطنية»، لمواجهة حملات التهجير القسري، التي تقوم بها قوات النظام في الغوطة برعاية إيران، بينما تقوم بها تركيا في عفرين، بغطاء الفصائل المسلحة المحسوبة على المعارضة، سواء قصدت بحربها تهجير الكرد، أم هدفت إلى ردع حلمهم الانفصالي كما تدّعي.

وبين الانتصارين، ما على الشعب إلا أن يحدد خياراته إلى أي منهما سيميل؟ حيث لا قاسم يجمعهما إلا الضحايا السوريين، الذين دفعوا ثمن هذا الانتصار من أرواح أولادهم، وخراب مدنهم، وخيبة أملهم وآمالهم من المعارضة وبها، ومن «أصدقاء الشعب السوري» والمجتمع الدولي، ومن المراهنين عليهم من «قيادات المعارضة» حتى اليوم، الذين يخاطبون المحاصرين من خلف نظارة سوداء مطالبين بصمودهم تحت القصف والمدافع والغازات السامة، بينما لا تكف قيادات المعارضة عن تقديم التنازل تلو الآخر، وهم في بلاد الاغتراب والأمان والقرار، هذه هي المفارقة التي تجعلنا نسأل: أي من «الانتصارين»في الغوطة أم عفرين، أكثر ضرراً على مستقبل سورية ووحدتها شعباً وأرضاً؟

* كاتبة سورية

الحياة

 

 

 

 

تركيا ومعركة عفرين/ رضوان زيادة

انتهت تقريباً معركة السيطرة التركية على مدينة عفرين السورية ذات الغالبية الكردية بتمكن القوات التركية بالتعاون مع فصائل عسكرية سورية من دخول مركز المدينة، وهي العملية التي أطلقت عليها تركيا أسم «غصن الزيتون» لكن يبدو أن تقدم القوات التركية مدعومة من فصائل «الجيش السوري الحر» هو تقدم ثابت وغير قابل للتراجع بهدف السيطرة على مناطق أخرى تقع تحت سيطرة قوات ميليشيات وحدات الحماية الكردية PYD، تراجعت في اتجاه مركز المدينة في البداية ثم انسحبت منها انسحاباً كاملاً، والاعتماد على شن عمليات مفاجئة ضد القوات التركية بهدف تأخير تقدمها.

تبدو التكلفة العسكرية والسياسية بالنسبة إلى تركيا مرتفعة، فعملية «غصن الزيتون» أصعب عسكرية من العمليات السابقة التي قامت بها تركيا داخل الأراضي السورية من مثل معركة السيطرة على جرابلس أو عملية «درع الفرات» التي سيطرت من خلالها على مدينة الباب والتي اعتمدت فيها القوات التركية على مساندة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة جواً وعلى قوات الجيش السوري الحر براً لطرد تنظيم «داعش» من تلك المناطق.

لكن عملية غصن الزيتون هنا مختلفة إذ تقف الولايات المتحدة على الحياد أو بالأصح الحياد السلبي حيث وجه مسؤولون في إدارة ترامب انتقادات خفية وغير صريحة للعملية التركية وطالبوا الحكومة التركية بخفضها للحد الأدنى بهدف التركيز على محاربة داعش.

تعكس «غصن الزيتون» عملياً اتخاذ قرار نهائي وحاسم على مستوى الحكومة التركية بإنهاء وجود قوات الحماية الكردية على الحدود التركية الجنوبــية مع سورية والقيام بذلك عسكريا ومهما كلف الأمر سياسياً، فتركيا لم تعد تــثـق بالوعـود الأميركية وأصبح لديها شكوك كبيـرة في صدقيـة الإدارة الأميركيـة وحقيقة ما ترغب القيام به في سورية، وبالتالي تكون تركيا قد حسمت ترددها على مدى الأعوام الثلاث الماضية مستندة على وعود أميركية بسحب السلاح من هذه الميليشات بمجرد انتهاء العمليات ضد داعش أو تزويد الحكومة التركية بمعلومـات تفصيلية عن شحنات الأسلحة وغير ذلك مما كان قادراً على تخدير الحكومة التركية على مدى السنوات الماضية، لكن يبدو أن أزمة الثقة بين الطرفين انتهت وأن العلاقات التركية – الأميركية مرشحة للتوتر بشكل أكبر مع طلب الرئيس أردوغان من الحكومة الأميركية سحـب قواتــها من منبج التي أعلنت الحكومة التركية أنها ستكون الوجهة الثانية بعد انتهاء العمليات العسكرية في عفرين.

كما أن تركيا تبدو جادة اليوم أكثر من أي وقت مضى في إعادة تأهيل هذه المجموعات المختلفة تحت مسمى الجيش السوري الحر والاعتماد عليها في عملية غصن الزيتون، ولذلك جمعت الفصائل المختلفة المكونة من فيلق الشام» و «نور الدين زنكي» وغيرها بهدف دفعها إلى المشاركة في العملية ولإعطاء دور سوري أكبر من العملية، ولذلك تبدو خسائر الجيش السوري الحر أكبر من خسائر القوات التركية كون الجيش الحر أخذ دوراً رئيساً في التقدم على محاور مختلفة من ناحية جنديرس جنوب غربي منطقة عفرين ومن محور قسطل جندور وجبل برصايا غربي مدينة إعزاز، كل ذلك معزز بالطيران الحربي التركي الذي استهدف مواقع للوحدات الكردية في قرى بمحيط عفرين، مع قصف من راجمات الصواريخ المتمركزة في محيط أطمة، شمال إدلب، وتركز على تلة قسطل وقرى كفرصفرة، وحمام، وديوا، في محور جنديرس من الجهة الجنوبية الغربية لناحية عفرين.

أما بالنسبة إلى التكلفة الإنسانية فكانت مرتفعة للغاية بسبب لجوء عدد كبير من النازحين السوريين ولجوؤهم إلى منطقة عفرين التي حافظت على استقرار نسبي منذ عام 2013 هو ما دفع الكثير من العائلات المدنية للهروب من ريفي حلب وإدلب واللجوء إلى عفرين خوفاً من تساقط البراميل المتفجرة العشوائية التي خص بها نظام الأسد مناطق المعارضة الخاضعة لسيطرة الجيش السوري الحر منذ عام 2013 في حين اتسمت المناطق التي تحت سيطرة وحدات الحماية الكردية بهدوء نسبي، ولذلك فبعد عملية غصن الزيتون من المتوقع تهجير عدد كبير من هذا العائلات التي استوطنت في عفرين وفي الوقت ذاته فإن الصراع على المدينة ذات الغالبية الكردية ربما يأخذ بعداً عصائبياً ويشجع بعض العائلات الكردية للالتحاق بمليشيات وحدات الحماية، ولذلك على تركيا أن تتوقع أن توجهها نحو منبج لن يكون بالسهولة ذاتها، إذ ربما تستمر عملياتها العسكرية لأشهر أو أسابيع وليس أيام كما كانت الخطة ألأولية.

في شكل عام يمكن القول أن عملية غصن الزيتون ربما تفتح الباب لعملية إعادة هيكلة كاملة للجيش الحر بحيث يلعب كقوات استقرار أو حفظ سلام في المناطق التي تخضع لسيطرة المعارضة المسلحة إذا دفعت المعارضة السياسية ممثلة بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية بورقة توحيد وتنظيم الجيش الحر كأولوية للاستقرار في خطة ما بعد القضاء على «داعش» أو المنظمات الإرهابية الأخرى كوحدات الحماية الكردية كما تصنفها تركيا كمنظمة إرهابية.

لكن ذلك يتطلب الكثير من الجهود الدولية والإقليمية والمساهمات المالية التي ترتكز على القبول بالجيش الحر، بوصفه قوة الاستقرار المحلية في مناطق الشمال السوري التي خرجت عن سيطرة نظام الأسد ومرت بسنوات من الألم وغياب الخدمات الأساسية بسبب القصف العشوائي المستمر من النظام، وبسبب عدم قدرة الأطراف الدولية أو الإقليمية على حماية هذه المناطق الممتدة على الشريط الحدودي التركي– السوري.

* كاتب سوري

الحياة

 

 

 

 

 

الغوطة وعفرين والذكرى السابعة/ حازم صاغية

قضت الثورة السوريّة ضحيّة أعداء أقوياء كثيرين:

– العنف الوحشيّ لنظام بشّار الأسد وحلفائه الروس والإيرانيّين وميليشياتهم اللبنانيّة والعراقيّة والأفغانيّة… وحدها صور الغوطة (حتّى لو نسينا كلّ ما سبقها) تقطع بذلك.

– خليط الوضعين الإقليميّ والدوليّ الذي تراوح بين الانتهازيّة والعزوف والتوريط والتواطؤ، وأخيراً الاحتلال المباشر على أيدي الأتراك. وحده غزو عفرين الأخير (حتّى لو نسينا كلّ ما سبقه) يقطع بذلك.

– سوء حظّ الثورة الذي جعلها تدفع أكلاف غيرها، أي ربطها بتلك الخلفيّة التي تمتدّ ممّا آل إليه العراق بعد حرب 2003 وصولاً إلى ليبيا والتدخّل الأطلسيّ الجزئيّ فيها.

لكنّ العدوّ الأشرس والأعنف، والذي شكّل البيئة الحاضنة لعمل الأعداء الآخرين، هو المجتمع السوريّ نفسه بوصفه مجتمع الهويّات الكثيرة– هويّات الحدّ الأقصى المتناحرة في ما بينها: مرّةً بصمت ومرّةً بضجيج. مرّةً بأسمائها المباشرة ومرّةً من خلال يافطات أيديولوجيّة– عروبيّة وإسلاميّة وكرديّة– عابرة للحدود.

كلّ شيء كان يصنع هذه الهويّات النافية لسواها بجهد لا يكلّ. النظام كان الصانع الأوّل الذي يفاقمها ويكرّسها ويتيح لها النموّ المحتقن في الخفاء. الأحقاد الموروثة عن نظام القرابة الموسّع. الثقافة الأهليّة بالدينيّ فيها وغير الدينيّ. الأيديولوجيّات النضاليّة الحديثة التي كانت تعيد إنتاجها بأسماء وشعارات أخرى.

لهذا الواقع المسكون بالعطل العميق، تصدّى شبّان الثورة في عاميها الأوّلين. نساء»التنسيقيّات» ورجالها. شجعان وأحرار كسميرة الخليل ورزان زيتونة ورفاقهما ورفيقاتهما الكثيرين. سعوا وراء هويّة وطنيّة تنهض على الحرّيّة وتغتني بهويّاتها الصغرى. حاولوا بأفكارهم وحاولوا بحياتهم نفسها. هؤلاء ما كان يمكن إلاّ أن يكونوا الطرف الأضعف وسط تلك الهويّات.

فمن أين تأتي قوّة الوعي البديل الآخر؟ النظام ضدّها. القرابة ضدّها. الثقافة السائدة ضدّها. التأويل الدينيّ الرائج ضدّها. مستودعات الكراهية بين الجماعات ضدّها.

هذا ليس وعياً تطهّريّاً أو اختزاليّاً في ما خصّ الهويّة: صراع الهويّات ليس بالضرورة، ودائماً، عادماً لكلّ حقّ. حرب الهوتو والتوتسي في رواندا وبوروندي، وحرب الصرب والمسلمين في البوسنة، كانتا حربي هويّة. مع ذلك، يمكن أن نتبيّن فيهما درجة من الحقّ هنا ودرجة من الباطل هناك.

لكنّ حرب الهويّة لا تعصم صاحب الحقّ عن أن يعمى عن حقّ غيره، وأن يصير بالتالي جلاّداً. ومع مرور الزمن وتعاظم التجاهل الدوليّ، يروح جلاّد الحرب الأهليّة وضحيّتها يتبادلان الأدوار، فوق جثث المدنيّين الأبرياء التي تتراكم.

إنّ التحرّر، من دون كسر خناق الهويّات، وهم. وكسر الهويّات مستحيل في لحظة اشتباكها واندفاعها في الالتحام والعداء. فإمّا العمل لفصل هذه الهويّات واحدتها عن الأخرى، وإمّا التعويل على عشرات السنين من مكافحة الهويّات بحيث يأتي موتها، إذا أتى!، معادلاً لحرّيّة سوريّة.

الحياة

 

 

 

ما بعد عفرين: المكاسب والتبعات

سيطرت القوات التركية والجيش الحر على مدينة عفرين فحققت إنجازًا عسكريًّا مهمًّا، سيعزِّز وضعهما سواء العسكري في المواجهات المحتملة القادمة أو السياسي في مفاوضات التسوية النهائية للحرب السورية.

 

متحدِّثًا في احتفال لإحياء ذكرى الانتصار العثماني في معركة غاليبولي، 18 مارس/آذار 2018، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن الجيش السوري الحر والقوات التركية دخلت مركز مدينة عفرين في وقت مبكر من صباح ذلك اليوم. بالسيطرة على المدينة، التي تمثل قلب المنطقة المستهدفة من عملية غصن الزيتون، والمركز الرئيس لحزب الاتحاد الديمقراطي، الكردي السوري، وأذرعه المسلحة في غرب الفرات، تكون تركيا قد حققت إنجازًا عسكريًّا كبيرًا. كانت عملية غصن الزيتون قد أُطلقت في 20 يناير/كانون الثاني 2018، وفي ظروف جوية بالغة الصعوبة، وأحاطت بها ظروف سياسية تعكس مستوى التعقيد الذي وصلت إليه الأزمة السورية.

خلال الشهرين الماضيين، أصبحت غصن الزيتون هدفًا لسلسلة من الشائعات، التي أطلقتها أوساط كردية قومية ودوائر مرتبطة بالنظام السوري، ولتقارير غربية، رسمية وغير رسمية، على السواء. وُصِف الأداء العسكري للجيش التركي، مثلًا، بعدم الكفاءة، بالرغم من أن قيادة الأركان التركية أكدت مرارًا على أن العملية تسير ببطء لتجنب إيقاع خسائر في أوساط المدنيين. وكلما أحرز الأتراك وحلفاؤهم في الجيش السوري الحر تقدمًا في ساحة المعارك، انتشرت شائعات، سرعان ما ثبت زيفها، حول خسائر كبيرة في صفوف المدنيين والمنشآت المدنية. حتى الناطقون الرسميون الأميركيون لم يترددوا في الإسهام في الحملة ضد حليفهم التركي، معربين بين وقت وآخر عن القلق من عواقب العملية على المدنيين. ولم تتبدد شائعة أن عملية غصن الزيتون ليست أكثر من صفقة بين أنقرة ونظام الأسد إلا بعد أن التحقت ميليشيات شيعية موالية للنظام السوري بصفوف المسلحين الأكراد في عفرين، وقصف الجيش التركي لهم.

الواقع أن غصن الزيتون حققت أهدافها في وقت أقصر بكثير مما توقع المراقبون، وأقصر بصورة ملموسة من الوقت الذي استهلكته عملية درع الفرات المشابهة في 2016-2017، وبأقل خسائر ممكنة، سواء في صفوف الأهالي، في مدنهم وقراهم، أو في صفوف القوات التركية وقوات الجيش الحر. ولأن أغلب عناصر حزب الاتحاد الديمقراطي فرَّت من عفرين مبكرًا، فقد تمت السيطرة على المدينة المكتظة بالسكان بدون إيقاع ضرر بالمنشآت أو السكان. من جهتها، لم تعلن قيادة الجيش السوري الحر حجم الخسائر في وحداتها المشاركة في عملية غصن الزيتون، ولكن الجيش التركي خسر 46 من جنوده منذ بداية العملية وحتى دخول مدينة عفرين.

بيد أن ما سيتلو غصن الزيتون لا يقل تعقيدًا عن العملية ذاتها. كيف ستتصرف تركيا في هذه الجغرافيا الصعبة من سوريا، سواء من جهة العلاقة بنظام الأسد، أو العلاقة مع سكان المنطقة؟ وأي مسار ستأخذه الخلافات التركية-الأميركية في سوريا بعد عفرين، سيما بعد الخسارة الفادحة التي لحقت بقوات حزب الاتحاد الديمقراطي، المتحالفة مع الأميركيين، والمدعومة من القيادة المركزية الأميركية؟

تفاهمات سياسية غير دائمة

لم يكن من السهل تنفيذ عملية غصن الزيتون بدون تفاهم تركي-روسي. وكان قيام روسيا، قبل ساعات من تقدم القوات التركية عبر الحدود مع سوريا، بسحب شرطتها العسكرية المتواجدة في عفرين، وسماح الروس، الذين يتحكمون في الأجواء السورية، لتركيا باستخدام سلاحها الجوي في العملية، مؤشرًا واضحًا على هذا التفاهم. ويبدو أن إيران والنظام السوري قبلا بالعملية التركية على مضض، ربما بفعل الضغوط الروسية. استمر الإعلام الإيراني والإعلام السوري الرسمي في وصف العملية بغير الشرعية وبالاحتلال. وما إن أبدت قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي رغبة في التفاوض مع النظام حول مصير المنطقة، في محاولة لاستخدام شرعية الدولة السورية لمواجهة التدخل التركي، حتى سارع النظام للاستجابة.

في منتصف فبراير/شباط 2018، روَّجت الأوساط الكردية السورية تقارير حول اتفاق لتسليم عفرين كلية لقوات النظام، ولكن تَكَشَّف لاحقًا أن الحديث عن اتفاق كان مبالغًا فيه. مثل هذا الاتفاق كان يعني استعداد قوات النظام للصدام مع القوات التركية، وهو الأمر الذي تدرك دمشق أن لا قدرة لها عليه. ولكن ما تحقق بالفعل كان شيئًا مختلفًا قليلًا. فمنذ 19 فبراير/شباط تدفقت مجموعات ميليشياوية مسلحة من بلدتي نبل والزهراء الشيعيتين، واللتان يتمتع فيهما حزب الله والحرس الثوري الإيراني بنفوذ كبير، إلى عفرين لمساندة وحدات حماية الشعب الكردية، الذراع المسلحة لحزب الاتحاد الديمقراطي. ولم تترد القوات التركية في قصف تلك المجموعات وإيقاع خسائر فادحة في صفوفها.

خلال الأيام القليلة التي سبقت دخول القوات التركية والجيش السوري الحر إلى عفرين، فرَّ من تبقى من الميليشيات الشيعية، كما أغلب المسلحين الأكراد، من المدينة. ولكنَّ تحرُّك هذه الميليشيات لدعم وحدات حماية الشعب، بصورة معلنة ومكشوفة، يُظهر هشاشة التوافقات السياسية في الساحة السورية، متعددة الأطراف والمصالح.

بدأ التوافق التركي-الروسي-الإيراني حول سوريا في التبلور بعد فشل المحاولة الانقلابية في تركيا في صيف 2016، وقد تجلَّى هذا التوافق في التوصل إلى اتفاقات منع التصعيد في مناطق الاشتباك المختلفة، وفي عملية درع الفرات التركية، التي استهدفت بصورة أساسية مناطق سيطرة تنظيم الدولة في شمال غربي سوريا. وربما كان تأييد تركيا لمؤتمر الحوار الوطني السوري في منتجع سوتشي الروسي، في 30 يناير/كانون الثاني 2018، الذي حاولت موسكو من خلاله تسلم زمام المبادرة في إيجاد حل نهائي للأزمة السورية، وتجنُّب أنقرة استخدام لغة حادة في الاحتجاج على عمليات النظام في الغوطة الشرقية، تعبيرًا عن الطبيعة التبادلية لذلك التوافق.

بمعنى آخر، إن كلًّا من الدولتين يعترف بمصالح الآخر في سوريا، وإن هذا الاعتراف يقتضي تبادل اتفاقات جزئية محدودة، مكانًا وزمانًا، لتحقيق هذه المصالح. تحتاج تركيا في هذه المرحلة من الأزمة منع بروز كيان كردي مسلح في الجانب الآخر من الحدود مع سوريا، يسيطر عليه حزب الاتحاد الديمقراطي، الذراع السورية لحزب العمال الكردستاني. أما روسيا فترغب في ألا تعمل أنقرة على تأييد وتشجيع نشاطات مسلحة ضد وجودها في سوريا من مجموعات المعارضة السورية المسلحة القريبة من تركيا، كما تحرص على توسيع الهوة بين سياسات أنقرة وواشنطن في سوريا.

بيد أن ليس هناك من ضمانة لاستمرار هذا التوافق، لا في سياقه التركي-الروسي، ولا من ناحية تأثيره على موقفي نظام الأسد وإيران. إن نجحت تركيا في التوصل إلى اتفاق حول منبج مع الأميركيين، يقضي بخروج وحدات حماية الشعب من المدينة وريفها، سيصبح كل الشمال السوري غرب الفرات منطقة نفوذ تركية، تحيط بمدينة حلب من ثلاث جهات. فإلى أي حد يمكن للنظام وحلفائه الإيرانيين القبول بهذا الوضع؟ وإلى أي مدى زمني؟ وهذا ما يطرح السؤال حول الكيفية التي تخطط بها تركيا لإدارة منطقة عفرين.

تصرفت أنقرة في منطقة درع الفرات، التي تضم مدينتي الباب وجرابلس، بصورة توحي بنية التواجد الطويل، وإن غير المباشر. فقد بذلت وكالات الدولة والمؤسسات الخيرية التركية جهودًا كبيرة وسريعة لإعمار المدينتين، وتزويدهما بالماء والكهرباء، والنهوض باقتصادهما. كما عملت تركيا على تدريب أعداد كافية من المتطوعين السوريين من صفوف المعارضة لتأسيس جهاز شرطة، يعمل للحفاظ على الأمن في المنطقة. في الوقت نفسه، شجَّعت أنقرة أبناء المدينتين على تشكيل مجلسين محليين لإدارتهما. وبالرغم من أن الوجود العسكري التركي ووجود وحدات الجيش السوري الحر استمر في كافة منطقة درع الفرات، وإن بصورة محدودة، فقد ساعدت جهود النهوض بالمدينتين وجوارهما على عودة عشرات الألوف من اللاجئين السوريين إلى المنطقة.

ويبدو أن تركيا ستتعامل مع منطقة عفرين بصورة مشابهة؛ فقد أُعلن في أنقرة بالفعل عن دعوة وجهاء من أبناء المنطقة للاجتماع والتوافق على تشكيل مجلس محلي لإدارتها. في الوقت نفسه، انطلقت جهود تأمين مدينة عفرين من الألغام والمتفجرات المفخخة، التي نصبتها عناصر وحدات حماية الشعب الكردية قبل فرارها. ويُتوقع أن تتعهد وكالات الحكومة التركية المختلفة جهودًا لتأهيل مدن المنطقة وبلداتها، مباشرة بعد انتهاء العمليات العسكرية.

في الجانب المقابل، ليست نوايا النظام السوري وحلفائه الإيرانيين واضحة تمامًا؛ فمن المستبعد، على الأقل في المديين القصير والمتوسط، أن تسعى قوات النظام أو الميليشيات الإيرانية إلى الصدام مع القوات التركية. مثل هذا الخيار سيكون خاسرًا بالتأكيد. ولكن، إن قرر الأسد أن لا مفر من محاولة وضع نهاية للنفوذ التركي في شمال سوريا، فربما يعمل على التوصل إلى تفاهم مع حزب الاتحاد الديمقراطي وقوات حماية الشعب، وتشجيعها على خوض ما يشبه حرب العصابات في منطقة النفوذ التركي. هذا الخيار، بالطبع، سيضع المسلحين الأكراد في مواجهة مباشرة ليس مع القوات التركية، وحسب، بل ومع الجيش السوري الحر المدعوم تركيًّا. ولأن وحدات حماية الشعب لم تزل تعمل بدعم وتأييد أميركيين، وتسيطر على مناطق شاسعة من سوريا شرقي الفرات، فإن تفاهمًا مع النظام ضد تركيا يفترض التفاهم أيضًا على فك الارتباط الكردي-الأميركي؛ وهذا أمر مستبعد في الوقت الراهن، نظرًا لحاجة الأكراد الملحَّة للأميركيين، وإعلان واشنطن رغبتها في التواجد في سوريا لفترة طويلة.

من جهة أخرى، تكشف عمليات النظام الدموية في الغوطة الشرقية، وتأييد روسيا الضمني لهذه العمليات، عن هشاشة اتفاقيات عدم التصعيد. وليس من المستبعد إن حقق النظام أهدافه في غوطة دمشق، أن يبدأ تحركًا ضد جماعات المعارضة المسلحة في إدلب، بحجة وجود مسلحي النصرة أو أية حجة أخرى، ولكن تقدم قوات النظام إلى إدلب سيحتاج دعمًا جويًّا روسيًّا بالتأكيد، ومشاركة كثيفة من الميليشيات الشيعية. إن بدأ النظام تحركًا بمساندةٍ روسية في إدلب، المجاورة لمنطقة عفرين، فكيف ستتصرف تركيا: هل ستسمح بالقضاء على جماعات المعارضة في إدلب، أو ستستقبل عناصر تلك الجماعات في مناطق النفوذ التركي؟ وهل ستسمح لعناصر الجيش السوري الحر الموالية لتركيا بالتحرك لدعم أشقائهم في إدلب؟ إن فعلت، فكيف سيكون رد الفعل الروسي؟

بصورة عامة، ما يَرْجُح في ظل الظروف الحالية أن تركيا ستستمر في سيطرتها على الشمال السوري لبعض الوقت، ربما حتى يتم التوصل إلى حل شامل للأزمة السورية، حتى وإن تعرضت هذه السيطرة لبعض الإزعاج من المجموعات الكردية المسلحة ومن مسلحي تنظيم الدولة. ولن يتعرض الوجود التركي في شمال سوريا إلى أي تهديد جدي إلا إذا انفرط عقد التوافق التركي-الروسي.

الخلافات التركية–الأميركية

أخذت الخلافات بين واشنطن وأنقرة في التصاعد منذ بداية فترة حكم أوباما الثانية، وقد احتلت سوريا موقعًا بارزًا في تلك الخلافات. نظرت أنقرة إلى تردد واشنطن في العمل على حماية الشعب السوري في السنوات الأولى للثورة بامتعاض وقلق، وصل ذروته بعد إحجام الولايات المتحدة عن موازنة التدخل الروسي المباشر في خريف 2015. في الوقت نفسه، عارضت تركيا التقارب المتسارع بين قوات حماية الشعب الكردية والقوات الأميركية في شرق سوريا، سيما بعد دحر تنظيم الدولة من مدينة عين العرب “كوباني”. واعتبرت تركيا أن واشنطن مارست خداعًا مكشوفًا بعدما طلب أوباما من نظيره التركي السماح لقوات حماية الشعب بتحرير منبج من تنظيم الدولة، متعهدًا بانسحاب الوحدات الكردية المسلحة بعد تحرير المدينة وجوارها. ولكن واشنطن أخلفت وعدها واستمرت في دعم السيطرة الكردية على منبج، التي هي مدينة عربية أصلًا.

ما إن تولى ترامب مقاليد الرئاسة حتى أثارت تركيا مسائل الخلاف في الملف السوري من جديد، سيما أن سيطرة وحدات حماية الشعب على مناطق عربية سورية اتسعت لتطول الرقة، إضافة إلى منبج. وقد انطلقت عملية غصن الزيتون بعد أيام قليلة فقط من إعلان واشنطن عزم القيادة المركزية الأميركية تدريب وتسليح آلاف من عناصر وحدات حماية الشعب، للقيام بدور حرس الحدود ومنع تنظيم الدولة من العودة إلى المناطق التي أُخرج منها في شرق سوريا وشمالها. والواضح أن عملية غصن الزيتون بدأت بدون تنسيق مسبق مع الأميركيين، وأن واشنطن فوجئت بحجم العملية التركية.

ليس للولايات المتحدة نشاط عسكري في عفرين، ولا تعتبر المنطقة ضمن أهداف التواجد الأميركي في سوريا. ولكن واشنطن لم تزل تعمل في سوريا على أساس أن وحدات حماية الشعب الكردية أداة يمكن الاعتماد عليها والثقة فيها لخوض الحرب ضد تنظيم الدولة، من جهة، ومنع إيران من تأمين ممر آمن عبر شمال العراق وشرق سوريا، وصولًا إلى المتوسط، من جهة أخرى. وقد نظرت وزارة الدفاع الأميركية إلى التدخل التركي في عفرين باعتباره إضعافًا لوحدات حماية الشعب وتشتيتًا لجهود مكافحة تنظيم الدولة. لم تعارض واشنطن الخطوة التركية صراحة، سيما أنها لم تُستشر مسبقًا حول انطلاق العملية، ولكن الناطقين الرسميين الأميركيين لم يترددوا في التشكيك بأهداف العملية والإعراب عن التعاطف مع المسلحين الأكراد. وعندما صدر قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار في سوريا، على خلفية الهجمات الوحشية التي شنَّها النظام في الغوطة، فسَّر مسؤولون أميركيون القرار بأنه ينطبق كذلك على العمليات التركية في عفرين؛ الأمر الذي رفضته أنقرة كلية.

ما لم يُخْفِه المسؤولون الأتراك، منذ انطلقت عملية غصن الزيتون، أن هدف تركيا لا يقتصر على إخراج المسلحين الأكراد من منطقة عفرين، وحسب، وإنما إخراجهم من منبج أيضًا، حتى إن اضطرت القوات التركية إلى الصدام مع القوات الأميركية، إن واجهت عناصر منها في منبج. في النهاية، وعلى خلفية تفاقم الخلافات وتصاعد حدة تصريحات مسؤولي الدولتين، قام وزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، بزيارة أنقرة في منتصف فبراير/شباط 2018، حيث تم الاتفاق على تشكيل مجموعة عمل أميركية-تركية لبحث مسائل الخلاف في سوريا وإيجاد حل لها.

التقت مجموعة العمل، التي ضمت مسؤولين من الدوائر العسكرية والدبلوماسية والاستخبارات في الدولتين، يومي 8-9 مارس/آذار 2018 في واشنطن. ما تسرب في نهاية اجتماعات اللجنة أن الجانب التركي رفض بحث عملية عفرين، وأن الجانبين اتفقا في النهاية على خروج تدريجي لوحدات حماية الشعب من منبج، على أن يختار أهالي المنطقة مجلسًا محليًّا لإدارتها وأن تقوم قوات أميركية وتركية بحفظ الأمن فيها. ولم يتضح إن كان الأتراك تعهدوا في المقابل بعدم القيام بعمليات عسكرية ضد وحدات حماية الشعب في شرق الفرات؛ الأمر الذي هدد به الرئيس أردوغان في أكثر من مناسبة.

أُقيل تيلرسون من منصبه في منتصف مارس/آذار 2018 وأُعلن عن تعيين مايك بومبيو، رئيس وكالة الاستخبارات المركزية، في مكانه. ونظرًا لغموض الفترة الانتقالية بين ذهاب وزير وتولي آخر، أُجِّل الاجتماع بين تيلرسون ووزير الخارجية التركي، الذي كان مقررًا في 21 مارس/آذار 2018، وكان يفترض أن يتم خلاله التصديق على اتفاق منبج الذي توصلت إليه مجموعة العمل. وبالنظر إلى الاختلافات الملموسة بين نهجي تيلرسون وبومبيو، فقد أصبح مصير الاتفاق معلقًا.

إن أَقَرَّ بومبيو الاتفاق، فربما يكون ذلك فاتحة تفاهمات أميركية-تركية أخرى في سوريا، وهو ما سيعمل على إثارة الشكوك في مناخ التوافق التركي-الروسي. ولكن، إن رفض بومبيو الاتفاق، ستنتقل الخلافات الأميركية-التركية إلى مستوى أكثر تعقيدًا، سيما إن مضت وزارة الدفاع الأميركية في مشروع تدريب وتسليح آلاف إضافية من وحدات حماية الشعب. وسيكون على أنقرة تدبر خطوتها التالية وما إن كانت ستحسم مسألة منبج عسكريًّا، بغض النظر عن موافقة واشنطن أو لا، ووجود خبراء عسكريين أميركيين في المدينة من عدمه.

الإنجاز والتحديات

باستثناء جيوب صغيرة شمال غربي مدينة عفرين، يُتوقع أن تقوم قوات الجيش التركي والجيش السوري الحر بالسيطرة عليها سريعًا، فإن عملية غصن الزيتون قد حققت أهدافها بالفعل. ولكن المقصود هنا هو الأهداف العسكرية وحسب. فقد أظهرت القوات التركية وقوات الجيش الحر مستوى أداء عسكري مميزًا، بلا شك، طوال شهري العملية. ولكن المخرجات السياسية لما بعد عفرين لا تزال محل تساؤل؛ فالأرجح أن التوصل إلى ترتيبات أهلية محلية لإدارة عفرين لن يكون صعبًا، كما أن لدى تركيا الخبرة والإمكانات للمساعدة على إعادة تأهيل المنطقة، أمنيًّا واقتصاديًّا. ثمة مخاطر من لجوء وحدات حماية الشعب الكردية إلى حرب عصابات ضد القوات التركية والجيش السوري الحر، ولكن تلك المخاطر تظل ضئيلة ما دام النظام السوري أو الإيرانيون والروس لا يدعمون هذا الخيار، وانعدام حاضنة شعبية له في مناطق النفوذ التركي.

بيد أن مصير منطقة عملية غصن الزيتون، في المدى البعيد، كما مصير منطقة عملية درع الفرات من قبلها، ليس واضحًا؛ فتركيا تتصرف في جرابلس والباب وعفرين بطريقة توحي بربط هذه المناطق بتركيا لفترة طويلة قادمة، سواء على المستوى الأمني أو الخدماتي أو الاقتصادي. وهذا ما سيضع تركيا، من جهة، ونظام الأسد وحلفاءه، من جهة أخرى، أمام مواجهة محتملة، إنْ حاول النظام فرض سيادته على الشمال السوري قبل التوصل إلى اتفاق شامل للأزمة السورية، أو دَفَعَ بقواته للقضاء على جماعات المعارضة المسلحة في إدلب المجاورة. وليس ثمة شك في أن الموقف الروسي سيكون عاملًا بالغ الأهمية في تحديد الطريقة التي سيتصرف بها نظام الأسد تجاه إدلب والشمال السوري ككل.

ما يظل غامضًا بعد عفرين هو مصير منبج وكيفية تطور العلاقات التركية-الأميركية في سوريا. إن حُلَّت مسألة منبج باتفاق بين أنقرة وواشنطن، فقد يكون هذا الاتفاق مقدمة لتحسن علاقات الحليفين والمضي نحو حل مسائل الخلاف الأخرى بينهما في سوريا. أما إن لم يكن الاتفاق ممكنًا، فالأرجح أن تركيا ستحاول فرض سيطرتها على منبج بالقوة، مهما كانت العواقب. وليس من المستبعد أن تبدأ تركيا عمليات عسكرية في شرق الفرات، ولكن ليس بالضرورة بتوظيف ذات الوسائل العملياتية التي وظفتها في درع الفرات وغصن الزيتون.

ثمة مسائل خلاف أخرى لا تقل أهمية في ملف العلاقات التركية-الأميركية، بما في ذلك مسألة شراء تركيا منظومة صواريخ إس 400 الروسية، ومصير فتح الله غولن، الذي تتهمه تركيا بتنظيم محاولة انقلاب صيف 2016. ولكن تطورًا إيجابيًّا نوعيًّا في موقفي الدولتين في سوريا سيمثل خطوة ملموسة باتجاه تطبيع العلاقات بينهما، وهو ما سيُنظر إليه بقدر كبير من عدم الاطمئنان في موسكو.

مهما كان الأمر، فإن الإنجازات التي حققتها تركيا في عملية غصن الزيتون تجعل موطئ قدمها في سوريا أكبر وأكثر رسوخًا ويمنحها أوراقًا أثقل وزنًا عندما يبدأ التفاوض الجاد حول مصير سوريا.

 

 

 

 

في احتلال عفرين/ مصطفى زين

لعبت الظروف العربية والدولية لمصلحة أردوغان فاحتل عفرين وبدأ التطهير العرقي في المنطقة، تماماً مثلما كان يفعل السلاطين «الخلفاء». كان حلمه قبل سبع سنوات أن ينصب حاكماً موالياً له في سورية. لم يترك وسيلة إلا استخدمها لتحقيق هذا الحلم. سلح عشرات آلاف المرتزقة من مختلف أنحاء العالم. أمَن لهم كل ما يحتاجونه من سلاح ومعدات ومعسكرات تدريب. باسمهم عقد تحالفات إقليمية ودولية لمساندتهم. نظم لهم مؤتمرات في أنطاليا وإسطنبول وأنقرة. رعا تحركاتهم السياسية في أوروبا وأميركا. تزعم مئة دولة باسم «أصدقاء سورية. استغل مسألة النازحين وفقرهم وحاجتهم إلى مأوى ليبتز الاتحاد الأوروبي ببلايين الدولارات، مهدداً بفتح الحدود كي يتدفقوا إلى القارة القديمة المصابة بـ «الإسلاموفوبيا». راهن على الإخوان المسلمين، وهو منهم، لقيادة «الصحوة الإسلامية» في العالم العربي، بدءاً من دمشق، فمنها انطلق كل الفاتحين لتأسيس امبراطورياتهم في الشرق. ومنها انطلق السلطان سليم والسلاطين الآخرون ليصلوا إلى أوروبا.

اختلف الزمان ووزعت جغرافيا السلطنة ونشأت على أنقاضها دول وممالك، واندثرت الإمبراطوريات. لكن دمشق ما زالت تشكل واسطة العقد في المشرق الذي يتعرض لغزوات واحتلالات لم تتوقف منذ تفكيك السلطنة مطلع القرن الماضي، وما قبله. ولنتذكر الحروب الصليبية والاحتلال الفرنسي، بالتفاهم مع بريطانيا. وطبعاً لا ننسى احتلال فلسطين وإنشاء دولة إسرائيل لتكون أهم قاعدة لتقاسم المشرق وإخضاعه.

في الراهن، وبعد احتلال عفرين، ينتظر أردوغان التفاهم مع ترامب لتقاسم النفوذ في سورية، بعدما تخلت روسيا عن تعهدها حماية المنطقة، وانشغلت دمشق في جبهتها الجنوبية. ويطرح التفاهم على أساس تخلي واشنطن عن الأكراد وإتاحة الفرصة أمام الرئيس التركي كي «ينظف» منطقة الحدود منهم، مقابل تعاونه في تنفيذ المخطط الأميركي القديم المتجدد في قطع طريق طهران- دمشق- بيروت وتغيير النظام السوري، في إطار استراتيجية أوسع لتنفيذ «صفقة القرن».

هذا السيناريو الذي أعلنته الولايات المتحدة، وتعمل على تنفيذه، يحتاج إلى تحييد روسيا والقضاء على «إنجازاتها» في سورية، كما يحتاج إلى معارك كثيرة. معارك قد تتحول إلى حروب داخلية تطاول أكثر من دولة في الإقليم. فأكراد تركيا (يقدر عددهم بعشرين مليون) لن يقفوا متفرجين طويلاً على مأساة عفرين وجوارها. وتحركهم في الداخل سيأخذ طابعاً عنيفاً، لأن الطرف الآخر في المعادلة جرت تعبئته ضدهم منذ سنوات، فضلاً عن خوضهم حرب عصابات منذ ثمانينات القرن الماضي للحصول على بعض حقوقهم. في معنى آخر لن تعود علمانية أنقرة تفيدها، بعدما دمرها أردوغان وبدأ «الإخوان» يقودون الرأي العام، وقد استولوا على الصحافة والإعلام. وأصبحوا في مواقع المسؤولية في مؤسسات الدولة والأمن والجيش الذي كان حامي العلمانية ذات يوم.

المسألة الكردية، بالنسبة إلى الولايات المتحدة وتركيا تشكل أساس التفاهم على تقاسم النفوذ في سورية. وهناك طرف يدعو إلى الإفادة من التجربة العراقية لإيجاد حل وسط يرضي الطرفين. فإقليم كردستان المنفصل عملياً عن بغداد على علاقة جيدة مع واشنطن وأنقرة، ولا شيء يمنع أكراد الشمال السوري من تأسيس كيان مماثل خاص بهم، إذ أعلنوا إدارتهم المحلية فيه، بالتعاون مع الأميركيين. وقد يشكل إنشاء هذا الكيان حلاً موقتاً للخلاف بين الدولتين. لكن نتائجه ستكون كارثية على الأمد البعيد بالنسبة إلى أنقرة ودمشق معاً. فالإقليم الموعود سيكون اللبنة الأولى لتقسيم سورية، ومعها تركيا والمشرق، وبداية لانهيار أحلام أردوغان.

احتلال عفرين والسعي إلى التقسيم وصفة سحرية لتجديد الحروب في سورية وعليها.

الحياة

 

 

 

 

الشروط التركية للاتفاق مع أمريكا حول منبج/ محمد زاهد جول

في اللحظات الأخيرة لإنهاء عملية «غصن الزيتون» في عفرين زاد الحديث عن الاتفاق التركي الأمريكي حول منبج، فالرئيس التركي منذ الأيام الأولى لبدء عملية «غصن الزيتون» قبل شهرين بتاريخ 20 كانون الثاني/يناير 2018 أعلن أن العملية العسكرية التركية مع الجيش السوري الحر لن تتوقف عند حدود تحرير عفرين، بل ستتواصل لتحرير منبج ومدن أخرى شرق الفرات أيضاً، في القامشلي ورأس العرب وحتى الحدود العراقية. فتركيا لا تخفي أهدافها وغاياتها ولا خططها العسكرية، ولا تخفي شروطها لوقف عملياتها العسكرية في سوريا، فمنذ أغسطس/آب 2016 دخلت في عملية «درع الفرات» وقالت إن أهدافها أن تصل إلى عفرين وما بعدها. وها هي قد وصلت إلى عفرين، وما بعدها ليس البقاء في عفرين ولا تثبيت وجود عسكري لها، وإنما تطهيرها من أيدي الارهابيين الذين دخلوها قبل أربع سنوات بحجج واهية، فسيطروا عليها بقوة الجيش الأمريكي، وقاموا بطرد أهلها منها بمساعدة أمريكية أيضاً؛ فالمهمة التركية الأولى هي تمكين الجيش السوري الحر والمجالس الإدارية المحلية على إدارة شؤون عفرين والمنطقة، وإعدادها وإعمارها لإعادة سكانها الفارين منها من داخل سوريا ومن تركيا أيضاً، فالوجود العسكري التركي في عفرين وغيرها سيكون مؤقتًا واضطراريا فقط.

والعقبة التي تقف أمام تحرك الجيش التركي والجيش السوري الحر لتحرير باقي المناطق التي يتواجد فيها الإرهابيون، من وجهة نظر تركيا، من حزب الاتحاد الديمقراطي وقوات حماية الشعب هي العقبات الأمريكية حسب خطط وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) لمستقبل تواجدها العسكري فيها، وكذلك لمشروعها السياسي لتقسيم سوريا في الحل السياسي الجاري التحضير له بين الدول الخمس اللاعبة في سوريا وهي أمريكا وروسيا وإيران وإسرائيل وحكومة الأسد. فأمريكا مضطرة بعد تحرير عفرين إلى التوصل إلى تفاهمات أو اتفاقيات مع تركيا، تؤمن الأمن القومي التركي أولاً، ولا تعيق مشاريعها في سوريا، وبالتأكيد فإن أمريكا على درجة عالية – وإن لم تكن كاملة – على تفاهمات مع روسيا في سوريا، وبدرجة أقل على تفاهمات مع إيران، وبدرجة أكبر مع حكومة الأسد، وبدرجة أكبر منها مع الحكومة الإسرائيلية، وهي بالتالي مع جدية المواقف التركية مطالبة أن تصل إلى اتفاق مع تركيا لكي لا يقع الصدام بينهما. فمن المفترض أن تكون تركيا من الدول المحسوبة على أمريكا في سوريا من وجهة نظر غربية والعضوية المشتركة في حلف الناتو أيضاً، ولكن أخطاء أمريكا مع تركيا هي سبب الاختلاف بينهما الآن، فعدم أخذ أمريكا مخاطر الأمن القومي التركي بعين الاعتبار لا يمكن السكوت عليه من تركيا، والمسؤولون الأتراك أسمعوا نظرائهم الأمريكيين الخطوط الحمراء للأمن القومي التركي في السابق، وتحديداً رفضهم تسليح حزب الاتحاد الديمقراطي (ب ي د)، وعدم تمكينه من السيطرة على المدن السورية المحاذية للحدود التركية، مهما كانت الأسباب، بما فيها حجة طرد «تنظيم الدولة» (داعش) من هذه المدن. لقد كان الرد التركي بإمكانية طرد «داعش» بالتعاون بين تركيا والجيش السوري الحر والدعم الأمريكي، ولكن البنتاغون رفض الرؤية التركية وعمل على تمكين حزب الاتحاد الديمقراطي (ب ي د) لطرد «داعش» وطرد السكان الأصليين لهذه المدن. إن طرد السكان الأصليين بمساعدة أمريكا أكد المخاوف التركية والعربية والروسية والإيرانية بأن أهداف البنتاغون إيجاد كيان انفصالي باسم الأكراد شمال سوريا، ليخدم هدفين لأمريكا سياسي وعسكري، فالهدف الأمريكي السياسي تقسيم سوريا، وإقامة دولة فيدرالية باسم الأكراد، والهدف الأمريكي العسكري إقامة قواعد عسكرية كبرى لأمريكا في هذه الدويلة الانفصالية.

لقد تعاونت إيران من خلال حرسها الثوري مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (ب ي د) وعملت على تسليحه لخدمة أهدافها في سوريا، وكذلك عملت روسيا على دعم (ب ي د) سياسيا وفتحت له مكتبًا سياسيا في موسكو، وحاولت الاستفادة منه في تثبيت نفوذها في سوريا، ولكن أمريكا كانت صاحبة النصيب الأوفر بتجنيد حزب الاتحاد الديمقراطي وميليشياته لتحقيق أهدافها في سوريا، وهذا ما جعل روسيا وإيران تتراجعان عن دعمه أولاً، وتتفهمان للموقف التركي المؤقت في سوريا، والسكوت عليه إن لم يكونوا مساندين له، فتوسيع النفوذ الأمريكي في سوريا على أيدي الأحزاب الكردية لا يرضي روسيا ولا إيران، وبالأخص إقامة قواعد عسكرية كبرى لأمريكا في سوريا، فهذا سوف يضر بالنفوذ الروسي والإيراني معاً، وأمريكا لم تكن تستطيع خداع الأحزاب الكردية للعمل في مشروعها إلا بوعودها الوهمية بإقامة كيان سياسي لهم شمال سوريا، سواء كان فيدراليا داخل سوريا، أو دولة مستقلة لاحقاً، وقد ساعدت أمريكا على تطهير ديمغرافي من السكان العرب السوريين من المدن التي يسطر عليها (ب ي د) بحجة طرد «داعش». ومن الأدلة على ذلك أن أمريكا لا تزال ترفض إعادة السكان الأصليين إلى مدنهم السورية بعد طرد «داعش»، كما تعارض دخول القوات التركية والجيش السوري الحر إلى منبج، بينما تركيا تعلن موقفها وشروطها للتفاهمات مع أمريكا حول منبج وما بعدها.

إن تركيا في عمليتي «درع الفرات» و»غصن الزيتون» وإن كانت تدافع عن نفسها وشعبها وحقوقها الأمنية بالدرجة الأولى إلا أنها وجدت نفسها مضطرة للعمل ضد المشروع الأمريكي شمال سوريا، فلا يحق لأمريكا أن تتحرك في سوريا بما يضر بالأمن القومي التركي، وتحرك الجيش التركي في شمال سوريا وتقديم الدعم العسكري للجيش السوري الحر لا يهدف للاصطدام مع أمريكا، وإنما منع الأحزاب الكردية الإرهابية إقامة كيان انفصالي على حدودها أولاً، وتمكين الشعب السوري من البقاء في مدنه وحكمه لها ثانيا، فالأخطاء الأمريكية لو قامت بها روسيا لقاومته تركيا، وكذلك لو قامت به إيران لقاومته تركيا أيضاً، فالصدام مع أمريكا غير مقصود بعينه، وإنما الهدف منع إقامة كيان إرهابي جنوب تركيا، فإما أن يتم ذلك بالشروط السياسية التي توافق عليها تركيا مع أمريكا، أو أن تضطر تركيا لمواصلة عملية غصن الزيتون في منبج وما بعدها، وأمريكا لن تستطيع المواجهة العسكرية مع تركيا، ولا تستطيع أن تفرض رؤيتها للحل السياسي في سوريا بدون أخذ الموقف التركي بعين الاعتبار، هذا ما ينبغي أن تفهمه أمريكا أو تتفهمه، وأن تعمل على وضع اتفاق مع تركيا حوله.

إن شروط تركيا للتعاون مع أمريكا ممكنة في منبج، وقابلة للتحقق، فالشرط الأول أن تخرج قوات حزب الاتحاد الديمقراطي (ب ي د) من منبج، وأن يكون لتركيا تواجد عسكري يضمن أمن منبج وحكمها من سكانها الأصليين ثانياً، ولتحقيق ذلك لا تمانع تركيا أن يكون هناك تواجد أمريكي في منبج لاعتبارات استراتيجية، ولكن أن يبقى ذلك لحين تأمين مجالس محلية لحكم منبج من أهلها. فإذا وافقت أمريكا على ذلك وتحقق ذلك عمليا في منبج وغيرها فإن تركيا لن تضطر للدفاع عن نفسها بالقوة العسكرية، ولكن عدم موافقة أمريكا على ذلك، أو إصرار البنتاغون على التمسك بخططه الخاطئة فإن ذلك مدعاة إلى خلافات أوسع بين تركيا وأمريكا لن تكون بأي حال من الأحوال لصالح العلاقات الاستراتيجية التركية والأمريكية.

وما يمكن أن يبشر بخير هو قناعة الإدارة الأمريكية بأن خطط الجنرالات الأمريكيين لا يمكن أن تفرض واقعا ديمغرافيا جديدا في شمال سوريا، فتفاهمات وزير الخارجية التركية جاويش أغلو مع وزير الخارجية الأمريكي السابق تيلرسون في نهاية الشهر الماضي أقرّت بأحقية السكان الأصليين بحكم مدنهم وقراهم، ورفض التغيير الديمغرافي القسري، فتركيا من ناحيتها تريد تسليم عفرين ومنبج لمجالس حكم محلية من سكانها الأصليين كما فعلت بعد عملية درع الفرات، وهو ما تطالب به في منبج قبل التحرك العسكري، فنسبة الكرد في منبج لا تزيد عن 3%، بينما تزيد نسبة العرب السنة عن 90%، فإذا كانت أمريكا قائدة العالم الحر وحقوق الإنسان، فلا ينبغي لها أن تستغل الأزمة في سوريا لصناعة تركيبة سكانية مغايرة للوضع الأصلي للشعب السوري، ولا إقامة قواعد عسكرية على أراضيه دون موافقته ومخالفة للقانون الدولي.

كاتب تركي

القدس العربي

 

 

 

 

ما بعد عفرين.. طموحات تركيا في الشرق الأوسط/ زاندر شنايدر

ترجمة وتحرير أسامة محمد – الخليج الجديد

لقد كان السؤال المركزي في غزو تركيا لعفرين هو ما إذا كانت العملية عملية محدودة ستتوقف في شمال غرب سوريا، أو ستكون بمثابة المرحلة الأولى للتعمق التركي في الشرق الأوسط.

وبالنظر إلى أن تركيا عازمة على إزالة التهديد حول حدودها، وأن القوات الكردية تمتد إلى ما هو أبعد من جيب عفرين الشمالي الغربي، فليس هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن تركيا ستتوقف بعد إخضاع عفرين.

لكن هناك تهديد آخر يجبر تركيا على اتخاذ إجراء عسكري وهو: إيران التي تعد أكبر الخصوم التاريخيين لتركيا، وقد خرجت إيران من الصراع في سوريا في موقف قوي نسبيا، وقد كان أحد جوانب نجاحها هو دعم نظام «بشار الأسد» في التمسك بالسلطة واستعادة جزء كبير من الأراضي التي خسرها في الحرب الأهلية.

وترى تركيا سوريا الموالية لإيران، التي يقودها «الأسد» على حدودها تهديدا مباشرا، وهذا هو السبب في أنها وقفت على الجانب الآخر في وقت سابق من الحرب عندما عبر متشددو «الدولة الإسلامية» الحدود من تركيا لمحاربة «الأسد».

وردا على الوجود القوي لإيران في سوريا، تريد تركيا أن تضغط على إيران أكثر بكثير في مناطق أقرب إلى حدود إيران، وتحديدا في العراق.

وتستخدم تركيا وجود حزب العمال الكردستاني في مقاطعة سنجار في العراق كمبرر للتدخل في العراق، ولكن إيران تمكنت من زيادة درجة تأثيرها في العراق بشكل كبير في السنوات الأربع الماضية، وهو اتجاه مثير للقلق بالنسبة لتركيا.

وفي الوقت الذي يهدد فيه الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» بشن غزو مفاجئ لسنجار، بدأت تركيا بالفعل في إنشاء قوة عسكرية أكبر في العراق، مع تقارير عن قيام جنود أتراك بالقفز بالمظلات إلى قرية سوران وتعزيز وجودها في سيداكان.

ويؤدي الوجود التركي في العراق ثلاثة وظائف؛ أولاً: يهدد إيران تماماً كما تهدد إيران تركيا في سوريا، دون المخاطرة بالمواجهة المباشرة.

ثانيا: يهدف التواجد إلى مواجهة تهديد الميليشيات الموالية لإيران في العراق بقوة نيران إضافية.

وأخيرا: يضع القوات التركية على جانبي شمال سوريا التي يسيطر عليها الأكراد، بما يمكن تركيا من شن هجوم ثنائي الجانب ضد باقي الأراضي التي تحتفظ بها ميليشيا حماية الشعب الكردية السورية على طول الحدود الجنوبية لتركيا.

تقليص نافذة الفرص

في سوريا، وبمساعدة مالية وعسكرية من إيران ودعم جوي من روسيا، تمكن «الأسد» من تحويل مسار الأمور، ويبدو في الوقت الحالي أنه الجانب الفائز من الحرب، وإذا كان على تركيا أن تمنع تطور سوريا موالية لإيران، فإنها تحتاج إلى العمل، لكن مع استمرار «الأسد» في استعادة السيطرة على الأراضي في جميع أنحاء البلاد، تغلق نافذة فرص تركيا.

ويعد الجدول الزمني المتقلص لتركيا هو السبب في أن «أردوغان» يجب أن يؤخذ على محمل الجد عندما يهدد بالهجوم على منبج، التي تقع إلى الشرق من الأراضي السورية التي تسيطر عليها تركيا، وسنجار في العراق.

وعلى الرغم من بعض المقاومة الرمزية من قوات وحدات حماية الشعب، لكن عفرين سقطت في أيدي تركيا، وقد استخدمت تركيا كلا من جيشها ووكلائها السوريين في غزوها لعفرين التي فر معظم سكانها، ما مهد الطريق أمام الإستراتيجية التركية لإعادة إعمار مناطقها الحدودية في سوريا من جيرانها السنة، الأصدقاء لتركيا.

ويمنح تمكن تركيا من عفرين مع الأراضي المكتسبة في غزوها عام 2016 لشمال سوريا والأراضي التي يحتفظ بها وكلاء تركيا في إدلب، يمنحها سيطرة شبه كبيرة على شمال غرب سوريا دون أي عدو يهدد ظهرها، ويمكن للأسد نشر قوات في الشمال لمنع تقدم تركيا، ولكن هذا يتطلب تقسيم قواته بينما يستمر في الصراع مع المعارضين في المدن الرئيسية في وسط وجنوب سوريا، مثل دمشق وحمص.

ومع انتصار تركيا في عفرين، فإن الطريق إلى منبج والتحكم الأكبر في حدودها مع سوريا مفتوح أمام تركيا، ما عدا، بالطبع المشكلة الرئيسية؛ وهي: الوجود الأمريكي في شمال سوريا وتحالف واشنطن مع الميليشيات الكردية.

طريق مسدود

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة قامت بالفعل بالتغاضي عن غزو تركيا لعفرين، لكنها أوضحت أنها لن تسحب دعمها للأكراد المقيمين في منبج، ولكن تركيا لا ترى فرقاً بين القوات الكردية في عفرين وبين تلك الموجودة في منبج.

ومن جانبها، لا تزال الولايات المتحدة تشعر بالقلق إزاء «الدولة الإسلامية» تمكنت من احتوائها جزئياً من خلال تعاونها العسكري مع وحدات حماية الشعب، وهذا ليس تهديدًا خاملًا ففي حين تم تحويل القوات الكردية من عمليات ضد تنظيم «الدولة» إلى عفرين لمحاربة تركيا، بدأ التنظيم في الظهور مرة أخرى واكتسب السيطرة على الأراضي مرة أخرى.

وهذا هو المأزق الأساسي في العلاقات الأمريكية التركية حيث تحتاج الولايات المتحدة إلى قوة برية لمحاربة تنظيم «الدولة»، وحتى الآن كانت المجموعات التي تتكون في الأساس من الميليشيات الكردية السورية هي الوحيدة المستعدة للالتحاق بأوامر الولايات المتحدة، ومع ذلك، فإن الميليشيات السورية الكردية نفسها تعتبرها تركيا تهديدا يجب عليها القضاء عليه.

يمكن أن يحدث أحد أمرين؛ إما أن تتوصل تركيا والولايات المتحدة إلى اتفاق بشأن منبج والأكراد، أو لا تتوصلان، وإذا فعلتا ذلك، سيكون هناك نوع من الانسحاب الأمريكي من الأراضي الكردية السورية، وستدخل تركيا المقاطعات التي كانت تحتلها الولايات المتحدة وحلفاؤها في السابق، بمباركة من الولايات المتحدة، في مقابل الموافقة على التعاون مع الولايات المتحدة في حربها ضد تنظيم «الدولة»، وبعبارة أخرى، سيتم بيع الأكراد مرة أخرى من قبل حليف سابق.

ومثل هذا الترتيب من شأنه أن يفرض تحدياته الخاصة على الولايات المتحدة، وعلى عكس الأكراد، ستكون تركيا مستعدة للتعاون مع الولايات المتحدة فقط عندما تحقق مصالحها الخاصة في هذه العملية.

أما النتيجة المحتملة الأخرى، وهي أن تركيا والولايات المتحدة لن تتوصلا إلى اتفاق يؤدي إلى انسحاب القوات الأمريكية من شمال سوريا، حيث سيقيد ذلك الخيار العسكري التركي هناك بشدة، ورغم أن الجيش التركي قوي بما يكفي لهزيمة الميليشيات الكردية في عفرين، لكنه ليس جاهزا للمجابهة مع الولايات المتحدة، وفي هذه الحالة، ستضطر تركيا إلى السعي إلى التوصل إلى حل على المدى القريب مع روسيا وإيران يسمح لها بتطويق الرواق الكردي الذي يمتد شمال سوريا والعراق، حتى لو لم يكن ذلك من خلال التطبيق المباشر للقوة، وستستمر الحرب بالوكالة، لكن هدف تركيا سيظل هو نفسه: فصل الولايات المتحدة عن الأكراد السوريين وفرض السيطرة التركية على المنطقة، أو على الأقل جعل الأمور هناك تسير لصالح تركيا.

ستكون تركيا مستاءة للغاية بشأن هذا الاحتمال، خاصة إذا استمرت إيران في تحسين موقعها في سوريا، ولكن ربما لن تقطع العلاقات مع الولايات المتحدة على الفور.

وبعد كل شيء، على الرغم من قدرتها على الوصول إلى حلول تكتيكية واقعية مع روسيا، فإن تركيا قوية طالما شكلت تهديدا تاريخيا لروسيا وستواصل القيام بذلك، ما يجعل روسيا خصما على المدى الطويل لتركيا.

وقد كانت هذه هي الحسابات الاستراتيجية للتعاون التركي الأمريكي في الحرب الباردة، حيث إن القوة التركية لا تكفي وحدها لمواجهة روسيا، وبعبارة أخرى، إذا لم تستطع تركيا الاعتماد على الولايات المتحدة، فما الذي يمكنها من أن تعتمد على روسيا، الأمر الذي سيجبر تركيا على الموازنة بين الاثنين بحذر، ومع ذلك، ستواصل تسريع تطوير صناعة الأسلحة المحلية بحيث لا تعتمد على حماية الغرب لها أمام روسيا.

يشكل غزو تركيا لعفرين نقطة تحول في الحرب السورية وتداعياتها على الشرق الأوسط، والآن بعد أن غزت تركيا عفرين، وصلت العلاقات الأمريكية التركية إلى لحظة حرجة وسواء وجدت الولايات المتحدة وتركيا طريقة للتعاون في شمال سوريا أو لم تجدا فسوف يتغير وفقا لذلك ميزان القوى الإقليمي، وطريقة عمل القوى الأساسية روسيا وإيران والولايات المتحدة وتركيا.

تقوم تركيا والولايات المتحدة بصياغة استراتيجيتهما الشرق أوسطية، بالإضافة إلى استراتيجياتهما فيما يتعلق ببعضهما البعض، وتلعب العلاقات التركية الأمريكية، ودور كل منهما في شمال سوريا دورا في ذلك، وبالتالي فإن الآثار العالمية ستمتد إلى ما وراء المنطقة نفسها.

جيوبوليتيكال فيوتشرز

 

 

 

 

حسابات الربح والخسارة بعد معركة عفرين/ وائل عصام

بعد سيطرة تركيا على عفرين أعلن الساسة الأتراك أن عملياتهم العسكرية انتهت ولن يتقدموا بالتالي إلى مدينة تل رفعت العربية المحتلة من القوات الكردية، مما شكل خيبة أمل لدى قسم كبير من أبناء الفصائل المعارضة في تلك المنطقة، الذين كانوا يأملون باستعادة مدينتهم العربية بدعم تركي، كما في عفرين.

ما حصل في تل رفعت يعيد التذكير بأزمة المعارضة السورية وارتهان فصائلها لغير أولوياتها، وينطبق الأمر ذاته على عفرين، فعند بدء العمليات العسكرية للسيطرة على عفرين كان واضحا ومعلنا، ومن خلال قراءة توازنات القوى في سوريا وعلاقات أطراف النزاع، بأن هذه العملية تتم وفق منظور استراتيجي يصب في مصلحة طرفين، وهما تركيا، التي ستتخلص من خصومها الأكراد على حدودها، والطرف الثاني هو النظام وحلفاؤه روسيا وإيران، الذين يريدون الاستفادة من أي قوة عسكرية تحقق لهم تحطيم مشروع الحكم الذاتي الكردي المهدد للهيمنة الإقليمية لحلفهم في شمالي العراق وسوريا، بتحالفات الأكراد الغربية، والمستقوية بحليف أمريكي ينازع النفوذ الروسي كقوة دولية في سوريا. أما الطرف الثالث، المعارضة السورية فهي لم تحقق أيا من أهدافها ولم تتمكن من تحرير مناطقها العربية السنية المحتلة من القوى الكردية أو النظام.

واستنادا لحقيقة أن الروس هم من أعطى الضوء الأخضر بعملية عفرين، وحقيقة أن استراتيجية الروس الفعلية في سوريا، ترتكز على إعادة الأراضي السورية لسيطرة النظام، فقد توقعنا حينها أن تركيا قد لا تصل إلى السيطرة على عفرين، قبل أن تؤول للنظام، على اعتبار أن الأكراد سيفضلون دخول قوات دمشق، وهو ما يتفق أيضا مع رغبة الطرف الإيراني ذي النفوذ الكبير، بأن لا يتمدد الحضور التركي في سوريا والعراق، ليتجاوز الحد الموافق للمصالح المتطابقة بين انقرة وطهران ودمشق، وهو تهشيم الطموح الكردي شمالي سوريا والعراق، ولكن بسيطرة تركيا على عفرين، تبين أن استبعاد سيطرة تركيا على عفرين، كان تقييما خاطئا على المستوى التكتيكي. لكن على المستوى الاستراتيجي فإنه لا يزال صحيحا بتقديري، اذ أن التوازنات السياسية والحسابات ترجح أن الأتراك سينسحبون من عفرين لتعود إلى سيطرة النظام بعد الانتهاء من معارك الغوطة الشرقية وادلب، وسيتم هذا بتنسيق مع روسيا. وهكذا فإن قائمة المستفيدين من عملية عفرين، لن تضم لا حاليا ولا لاحقا، بأي حال من الأحوال فصائل الثورة السورية، بل إنهم الطرف الوحيد الذي يخسر كل معاركه في الغوطة الشرقية وادلب، على التوالي، دون أن يكون لداعميه أي قدرة على وقف نزفه المتواصل، بل إن كل اتفاقيات خفض التصعيد ونقاط المراقبة، لم تحقق أي مردود إيجابي، ورغم ذلك تجد أن الفصائل المعارضة المحاصرة اليوم في حرستا والغوطة، والتي أبعدت من حلب، تشارك بمعارك لا ناقة لها فيها ولا جمل، وفق منظور مصلحتها الصلبة  في الصراع السوري ضد نظام الأسد.

إن الدول الراعية للتسوية في سوريا، إيران ورسيا وتركيا، متفقة صراحة وعلنا، أقوالا وأفعالا على إعادة تأهيل النظام ودعمه في استعادة كل أراضيه، وإنْ كانت تركيا الوحيدة من بين هذه الدول التي لا تشترك بجهد حربي لدعم النظام، ولا بجهد حربي ضده، إلا أنها صرحت على لسان كبار مسؤوليها أكثر من مرة، أنها ترحب باستعادة قوات النظام للسيطرة على كل أراضيه. وبالأخذ بهذا الموقف الرمادي من النظام مع موقف انقرة الرافض تماما للسيطرة الكردية على حدودها الجنوبية، فإن المحصلة كما يبدو ستنتهي لتغليب الإرادة الروسية والإيرانية وعدم الممانعة التركية، في عودة النظام للمناطق التي سيطرت عليها تركيا شمال سوريا، منطقتي درع الفرات وعفرين. ولا يبدو أن شيئا يمنع تحقيق ذلك، سوى الانشغال العسكري واللوجستي للدول الراعية للنظام في معركتي الغوطة وادلب.

كاتب فلسطيني

القدس العربي

 

 

 

عفرين وكركوك والتقاطعات الخارجية/ محمود علوش

نجحت القوات التركية وفصائل المعارضة السورية الموالية لها في حسم معركة عفرين لصالحها، بعد السيطرة على مركز المدينة ومناطق واسعة منها في نحو شهرين. وترجع هذه السرعة إلى ثلاثة عوامل: التنظيم اللافت لفصائل المعارضة المنضوية في عملية غصن الزيتون، بفضل الرعاية التركية، والتي حسّنت كثيراً من أداء هذه الفصائل وجعلت منها جيشاً شبه نظامي يقود المعركة بحرفية عالية. وقد استفاد الأتراك من تجربة عملية درع الفرات، والانتصار في عفرين تتويج للخبرة التي اكتسبتها أنقرة وحلفاؤها في هذه العملية. رفع الغطاء الأميركي عن الوحدات الكردية في عفرين، نتيجة الأمر الواقع الذي فرضه الأتراك على الأميركيين. تقاطع مصالح أكبر قوتين إقليميتين معنيتين بالملف الكردي، تركيا وإيران. وقد شوهدت نتائج هذا التقاطع في العملية العراقية المدعومة إيرانيا ضد البشمركة في كركوك بعد الاستفتاء الكردي. منحت أنقرة حينها دعما للعملية، انطلاقا من مصالحها في إحباط مشروع الانفصال، مع أن هذا الدعم أضر بحليفها حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وساعد الاتحاد الوطني الكردستاني المقرّب من إيران على تحقيق مكاسب سياسية في إقليم كردستان العراق

حسابات الإيرانيين في الشمال السوري معقدة، فهم لا يؤيدون مشروع الوحدات الكردية، لكنهم، في الوقت نفسه، قلقون من توسع النفوذ التركي في الشمال. حاولوا، في بداية العملية التركية، عرقلتها بالدفع بفصائل موالية لهم إلى دخول عفرين لمساندة الوحدات، لكنهم أجبروا بضغط روسي على التراجع. يُسجّل للأتراك أنّهم نجحوا في إقناع موسكو وطهران بتغطية الهجوم سياسياً، وحسموا المعركة بأقل الخسائر العسكرية والبشرية في صفوف المدنيين، ومن دون دمار واسع.

تعيد تجربة الوحدات الكردية في عفرين إلى الأذهان تجربة قوات البشمركة في كركوك، فهما متشابهتان كثيرا من ناحية العوامل الخارجية. في الحالتين، رفعت واشنطن الغطاء عن الفصائل الكردية، وهو ما سرّع بهزيمتهما، فضلا عن التقاطع التركي الإيراني. يتضح من التجربتين أنه متى غاب الدعم الأميركي وتوفر التقاطع الإقليمي انهارت القوة الكردية، والعكس صحيح. على الكرد استخلاص العبرة جيداً وإعادة بوصلتهم إلى الطريق الصحيح، وإلاّ فإن مسلسل الانتكاسات ذات التأثيرين، القريب والبعيد المدى، لن يتوقف.

أبلت القوات الكردية في سورية والعراق بلاءً حسناً في المواجهة مع “داعش”. برّر

“على الكرد استخلاص العبرة جيداً وإعادة بوصلتهم إلى الطريق الصحيح”

الأميركيون دعمهم الوحدات الكردية في شمال سورية تحديداً بأنها ذات تنظيم جيد وكفاءة عسكرية عالية، وأنها قوة لا يُمكن قهرها، على عكس باقي الفصائل السورية المعارضة التي دعمتها واشنطن فترة، وسرعان ما أوقفت هذا الدّعم، بعدما تبيّن أن هذه الفصائل غير قادرة على مواجهة جبهة النصرة. لكن الوحدات لم تصمد أكثر من شهرين في عفرين، ما يعني أن الكفاءة العسكرية هنا ليست ذاتية بقدر ما هي مرتبطة بالدعم الأميركي.

أمر آخر لا بد من قراءته بتمعّن في تجربتي عفرين وكركوك، وهو نجاح القوتين الإقليميتين الكبريين في المنطقة، تركيا وإيران، في فرض مصالحهما على الأطراف الدّولية أيّاً كانت. فما كانت الولايات المتّحدة لتتخلى عن حلفائها الأكراد، لولا تقاطع المصالح التركية – الإيرانية في سورية والعراق. وفي الواقع، ليس الأكراد وحدهم المطالبين بإعادة حساباتهم، بل أميركا أيضاً. وقد أنفق الجيش الأميركي مئات مليارات الدولارات في الحرب على “داعش”، ولم يكن صرف هذه الأموال فقط بهدف هزيمة التنظيم، بل أيضاً لاستثمارها في المشروع الأميركي في المنطقة.

صرفت واشنطن الأموال، وشكّلت تحالفاً عسكرياً دولياً ضخماً قبل ثلاث سنوات، لكنّ من استفاد على الأرض هو الطرف الآخر المناهض لها، تركيا، إيران، وروسيا. هذا ينم عن تخبّط أميركي غير مفهوم في الشرق الأوسط منذ غزو العراق في العام 2003. أسقط الأميركيون نظام صدّام حسين الذي كان الخصم اللدود لطهران، لكنّ النتيجة اليوم أن الإيرانيين هيمنوا على العراق، وباتت كلمتهم هي العليا في بغداد. وفي سورية، تدخّلت أميركا لهزيمة “داعش”، والنتيجة أن نظام الأسد وحليفيه الروسي والإيراني استعادوا زمام المبادرة. تلقفت تركيا التخبط الأميركي جيداً، وقرّرت متأخّرة تغيير وجهتها نحو موسكو وطهران، على قاعدة أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي.

تغيرت الظروف الداخلية والخارجية كثيراً اليوم، ولم تعد أميركا قادرة على فرض مشروعها على الأطراف الإقليمية، من دون مراعاة مصالح هذه الأطراف. ماذا سيحل بالوحدات الكردية في شرق الفرات، إذا قرّر الأميركيون الانسحاب من سورية؟ هناك رئيس مزاجي في البيت الأبيض، ويُمكن أن يتّخذ قرارات مفاجئة في أية لحظة.

العربي الجديد

 

 

 

العلم التركي يرفرف في عفرين/ جلبير الأشقر

في الخطاب الحماسي الذي أعلن فيه استيلاء الجيش التركي على مدينة عفرين السورية يوم الأحد الماضي، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن «أعلام تركيا والجيش السوري الحر ترفرف هناك حالياً» (نقلاً عن حساب الرئاسة التركية على تويتر). ومن الملفت للانتباه أن الرئيس التركي وصف علم النجوم الثلاث، الذي كان علم سوريا الرسمي إلى أن غيّره حافظ الأسد عام 1980 وقد استعادته المعارضة السورية علماً للثورة، من الملفت للانتباه إذاً أن أردوغان وصفه لا بعلم سوريا الحرة، ولا حتى بعلم الثورة السورية، بل بعلم «الجيش السوري الحر».

والحال أن الرئيس التركي تخلّى عن الثورة السورية قبل عامين في منعطف خطير أدّى به إلى الانبطاح أمام فلاديمير بوتين، بعد شهور من التحدّي، والانضمام إلى الثلاثي الذي غدت موسكو تديره مذّاك في سوريا والذي تشكّل إيران طرفه الآخر. ذلك أن أردوغان، ولأسباب انتخابية شرحناها أكثر من مرة على هذه الصفحات، قرّر الانتقال من صانع للسلام في تركيا وبعد سنوات عديدة من هدنةٍ مع الحركة الكردية نعمت بها بلاده، قرّر الانتقال إلى موقع التعصّب القومي التركي. فأعاد شنّ الحرب على الحركة الكردية في تركيا وهو يدخل في تحالف مع «حزب الحركة القومية»، حزب أقصى اليمين التركي. وقد وصلت دغدغة أردوغان لمشاعر اليمين التركي المتطرّف إلى حد رفع أصبعيه في إشارة الذئب الخاصة بجماعة «الذئاب الرمادية»، وهي جماعة فاشستية بمثابة ذراع ضاربة لدى «حزب الحركة القومية». كان ذلك خلال خطاب ألقاه الرئيس التركي يوم العاشر من الشهر الجاري، وقد أثارت حركته تلك ضجة كبيرة.

ومنذ انعطافه القومي المتعصّب، باتت استراتيجية أردوغان في سوريا مرتكزة ليس على دعم المعارضة السورية في كفاحها ضد نظام آل الأسد، بل على محاربة الحركة الكردية السورية التي يقودها «حزب الاتحاد الديمقراطي» وثيق الارتباط بشقيقه الأكبر في تركيا، «حزب العمال الكردستاني». ويعلم الجميع كيف انتهز الحزب الكردي السوري فرصة الحرب في سوريا كي يؤسس أقاليم إدارة ذاتية تحت هيمنته في مناطق الانتشار الكردي في شمال سوريا، وهي محاذية للحدود مع تركيا بحكم تواصلها التاريخي مع أراضي كردستان الواقعة تحت سيطرة الدولة التركية. وفي معركته الجارية، يسخّر الجيش التركي جماعات من المرتزقة العرب والتركمان يعملون تحت تسمية «الجيش السوري الحر»، وقد تميّز أنفارهم مؤخراً بأعمال النهب المخزية التي قاموا بها في عفرين والتي رأى أعلام من المعارضة، كالرئيسين السابقين للمعارضة السياسية السورية خالد خوجة وعبد الباسط سيدا والناطق باسم «جيش الإسلام» محمد علّوش، أنه لا بدّ من إدانتها علانية.

والحقيقة أن الفصيل السوري المرتزق لدى تركيا بات وصمة عار على سمعة الثورة السورية وعلَمها، ناهيكم من تسمية «الجيش السوري الحر». فإنه أداة طيّعة لاحتلالٍ للأراضي السورية يرفع خلاله المحتلّون علَم دولتهم فوق مقرّ السلطة المحلّية، وقد يكون التصرّف الأول من نوعه منذ الاحتلال الصهيوني للجولان قبل أكثر من نصف قرن. فلا إيران ولا روسيا ولا أمريكا رفعت أعلامها فوق المباني الرسمية السورية مثلما فعلت القوات التركية عند احتلالها لمدينة عفرين. والعبرة جليّة تماماً، لاسيما وأن منطقة عفرين محاذية للواء إسكندرون الذي اقتطعه الاستعمار الفرنسي من سوريا وأهداه لمصطفى كمال، مؤسس الجمهورية التركية، في سنة 1939.

هذا وقد أعلن أردوغان يوم الإثنين الماضي، في خطاب آخر من خطاباته القومية الحماسية التي باتت شبه يومية، أنه مزمع على السيطرة على مجمل الشريط الحدودي حتى القامشلي، وقد بات اليوم يسيطر على كامل شطره الغربي من حدود لواء إسكندرون السابق إلى حدود منطقة منبج. ويزيد من خطورة الاحتلال التركي للأراضي السورية عاملان بارزان، أولهما أن الأراضي السورية التي تحتلها تركيا محاذية لأراضيها مثلما هو الجولان للأراضي التي استولت عليها الدولة الصهيونية عند نشأتها، وخلافاً لحالة الاحتلالات الثلاثة الأخرى، الإيراني والروسي والأمريكي.

وهذا يعني أن احتمال استمرار الاحتلال التركي في الأمد الطويل، بشكل مباشر أو نصف مباشر (على غرار تجربة «جيش لبنان الجنوبي» الذي قاده عميل إسرائيل أنطوان لحد) مقلقٌ للغاية. والعامل الثاني أن تركيا تُبدي نيّتها «تعريب» (و«تتريك») مناطق الشريط الحدودي على نسق «التعريب» الذي نفّذه جناحا «حزب البعث» في مناطق سوريا والعراق الكردية. وبذلك تحقق الدولة التركية هدفين بعملية واحدة: تتخلّص من اللاجئين السوريين المتواجدين في الأراضي التركية وتقضي على الكثافة الكردية على حدودها.

أخيراً لا بدّ في صدد الحديث عن عفرين من أن نحيّي قرار «حزب الاتحاد الديمقراطي» سحب «وحدات حماية الشعب» التابعة له من مدينة عفرين، بعد إجلاء قسم كبير من المدنيين، وذلك تفادياً لأن يحلّ بالمدينة ما يحلّ الآن بالغوطة الشرقية من مجزرة ودمار يجري ارتكابهما تحت إشراف الشريكين الإيراني والروسي لتركيا في تقاسم سوريا. فهو قرار حكيم، ويتلاءم مع درس بديهي لفنّ القتال يقضي بالانسحاب والانتقال إلى «حرب العصابات» عند مواجهة تفاوت كبير بالإمكانيات العسكرية مع المعتدي. هذا لا يعني بتاتاً السكوت عن الإجراءات التسلّطية التي مارسها «حزب الاتحاد الديمقراطي» في مناطق سيطرته، لكنّ الإنصاف واجبٌ والحقّ يُقال، فليس من فصيل بين كبرى فصائل المعارضة المسلحة السورية تميّز بالديمقراطية واحترام حقوق الأقليات، ومن المؤكد أن الحزب الكردي ليس أسوأها.

٭ كاتب وأكاديمي من لبنان

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

دولة إبادة، وليس نظام دكتاتوري/ ياسين الحاج صالح

  في القول إن نظام الأسديين في سورية دكتاتوري خطأٌ كبير، بل هو أمّ أخطاء ...