الرئيسية / كتاب الانتفاضة / عمار المأمون / ما أهملته الفلسفة يمكن أن تكشفه اللغة/ عمار المأمون

ما أهملته الفلسفة يمكن أن تكشفه اللغة/ عمار المأمون

 

 

عُرف الأميركي دانيال هيلر روزين، أستاذ الأدب المقارن في جامعة برينستون، بأنه أحد أشهر مترجمي عالم السياسة الإيطالي جورجيو أغمبين إلى الإنكليزية، أما كتبه فتتناول الموضوعات اللغوية في الأدب والتاريخ وعلاقتها مع الظاهرة الثقافية، ككتابه عن الأُحجيات واللغات السرية ودلالاتها ومعانيها، كذلك كتابه “اللمسة الداخلية” الذي يناقش مفهوم “أن تكون حيّا”، والتغيرات التي طرأت على مفهوم “الحياة” عبر تاريخ الفلسفة.

صدر للكاتب والمترجم الأميركي دانيال هيلر روزين مؤخرا كتاب “طُرق اللا أحد- مقالة عن لا نهائية التسمية”، وهو كتابه السادس عن دار زون للنشر، ويناقش فيه مفهوم النفي فلسفيا وعلاقته مع علم المنطق، جاعلا من النفي عتبة نحو الغياب، وكأن كل ما بعده ينتمي للعدم أو إلى موضوعات لا متناهية لم تتطرق لها الفلسفة لحد الآن.

اللعب مع النفي

يحضر النفي في الكتاب بوصفه موضوعة وليدة اللغة التي تشكل المنطق وقوانينه، إذ يقرأ روزين تاريخ الفلسفة من زاوية لغوية دقيقة، وهي بادئة “non”، والتي لا وجود لها في اللغة العربية، وهذا ما يتطرق له الكاتب لاحقا، متتبعا كيف تحولت هذا البادئة بين اللغات المختلفة، ثم آليات تناقلها وترجمتها، وتداولها بين الحضارات المختلفة، ثم المعايير التي خضعت لها ضمن تاريخ الفلسفة الغربية ذاته.

يبدأ الكتاب من الأوديسة، حيث قام أوديسيوس بخداع السايكلبوس، مدّعيا أن اسمه “لا أحد”، نافيا عن نفسه التسمية، وحين فقد السايكلبوس عينه بسبب أوديسيوس، بدأ يصرخ “قتلني لا أحد”. هذه اللعبة اللغوية، تفتح الباب على نفي الموضوع ولانهائية تسمياته، فمن هو لا أحد، وما هي احتمالات حضوره، وخصوصا أن هذه البادئة تختلف بين اللغات وبالتالي تختلف آلية استحضار النفي منطقيا.

التاريخ العربي مثلا يحوي مفارقة لغوية مشابهة لتلك السابقة، يحضر فيها النفي بوصفه وسيلة للتعين وغيابه في ذات الوقت، وذلك في قصة منسوبة للمتنبي، وادعائه النبوة، إذ قال بأن اسمه “لا” في دلالة لغوية على الحديث النبوي، “لا نبي من بعدي”.

هذه الحكايات المتنوعة عن النفي بوصفه جهدا لغويا ذا أثر واقعي وثقافي، تحيلنا إلى التصنيفات الفرعية التي تفترضها هذه البادئة، وخصوصا أنها تعكس معنى الكلمة، وأحيانا تنفي أصل وجود الموضوع الذي تقترن به، كما في اللغة العربية، واستخدام “لا” النافية للجنس، التي لا تنفي فقط التصنيف، بل الجوهر ذاته، سواء كان حاضرا في لحظة ما ومكان ما، أو غائبا عن كل ما هو “موجود”.

يستعيد الكتاب لاحقا أرسطو ونصوصه، واللاتعيين الذي وقع فيه الأخير، حين سُئل عن “لا أحد”، وكيف كان هذا المفهوم المنفي عصيّا على التعريف بالنسبة إليه، فهل هو مرتبط بـ”أحد” كرجل أم بكل الموجودات، إذ نقرأ عن أهمية هذا الشكل اللغوي بوصفه شرطا ضروريا للوجود وخاصية لصيقة بما هو كائن، فكل موجود قابل للنفي، وكأن احتمال اللاوجود، شرط للوجود ذاته، وهذا ما يحيلنا إلى الميتافيزيقيا، وعلاقة الموجودات “هنا” مع تلك التي “هناك” ضمن مساحات منفية عن الواقع حيث احتمالات اللاموجود وتصانيفه لتغدو المفارقات بين الموجود والمنفي أساس تاريخ الفلسفة الأوروبية.

نقرأ أيضا عن المنطق بوصفه منتجا لغويا صرفا، وعن العلاقة بين قوانين النحو والفلسفة، فاللغة هي التي تشكل قواعد التفكير وتكسبها تماسكها، لتحضر بادئة النفي، بوصفها وسيلة لخلق تناقض منطقي عبر إيجاد حالة أو وضعية غير قابلة للتعريف، لكنها ذات معنى، وهذا ما يجعل اللغة أكثر اتساعا من المنطق ذاته، بل وقادرة على خلخلته، وخصوصا مع مقاربة الأفعال الكلامية، تلك التي ترى في اللغة، نظام موجودات قادر على إحداث تأثير في العالم، لنطرح هنا التساؤل، ما الذي يمكن للا أحد أن يفعله على أرض الواقع، وما مدى جدية هذا النفي، الذي يراوح استخدامه بين النصوص الرسمية وتلك غير الجدية حسب  التعبير الألسني، وكأن النفي، مفتاح نحو اللانهاية، واختبار لحدود المنطق المقنن الإنساني.

الفلسفة العربية والنفي

اللغة عالم مفتوح يتجاوز المنطق الإنسانياللغة عالم مفتوح يتجاوز المنطق الإنساني

يحمل الفصل الخامس من الكتاب عنوان “خلل مستورد”، وفيه نقرأ عن جهود الفلاسفة العرب في ترجمة أرسطو، والمعضلات اللغوية التي واجهوها في ترجمة هذه البادئة وسياقاتها، كترجمة ضمير الكون في اللغة الإنكليزية “is” والذي يربط بين النفي وما بعده كعبارة “non man is here”، والتي يقابلها في العربية “لا أحد هنا”، ويشير إلى الإضافات التي قام بها المترجمون، لتدارك هذا الاختلاف، كاستخدام كلمات كـ”كائن” أو “موجود”، لتصبح العبارة “لا أحد موجود هنا”.

يحيلنا الكاتب بعدها إلى ترجمة الفارابي لأرسطو، الذي يشرح “لا أحد” بوصفها تقليدا يونانيا، للإشارة إلى مجموعة من الموضوعات المتنوعة، سواء كانت موجودة أو غير موجودة، وسواء كانت تعني رجلا أو حيوانا، أو حتى فكرة. ويشير إلى أن الفارابي حافظ على لانهاية معانيها، مؤكدا وحدتها العضوية ككلمة ذات معنى، في حين أن كل جزء منها لا يحمل معنى في ذاته، مبتعدا عن مفهوم البادئة، وهذا ما يناقضه لاحقا ابن سينا، الذي يرى في كل واحدة من هذه البوادئ واللواحق اللغوية، معنى مستقلا، منفصلا عن الموضوع الذي ترتبط به.

يناقش الكتاب في الفصل الأخير مفهوم النفي، بوصفه جوهر الجهود العقلانية للوصول إلى النشاط الأصيل للمنطق، معتبرا إياه محركا لكافة التصنيفات والقواعد اللغوية المرتبطة به، مستعيدا هيغل وكانط وشيلر وغيرهم، والجهود الفلسفية للوصول إلى العلاقة بين الموجود واللاموجود، بوصف هذه العلاقة لغوية في جوهرها، كونها ليست سوى صراع على التسمية لخلق المعالات اللغوية المحددة للنشاط العقلي. ويرى أن الفلسفة الغربية أهملت هذا الجانب، والاحتمالات المرتبطة بالنفي، والعوالم التي يحيل إليها، لنطرح حينها السؤال، هل يحافظ “الفرد” ضمن هذا النفي على ذاته كـ”فرد”، أي هل تبقى قوانين المنطق والعقل على حالها إن لم يكن مركزها الإنسان العاقل.

كاتب سوري

العرب

 

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بيوتر بافلنسكي و«اللعب» مع السلطة/ عمار المأمون

  «بيوتر بافلنسكي ليس مجرماً خطيراً، وأفعاله لا تصل إلى حدّ ما قام به سيلفادور ...