الرئيسية / كتاب الانتفاضة / حواس محمود / مبادرة بشأن أكراد سوريا/حواس محمود

مبادرة بشأن أكراد سوريا/حواس محمود

 

حرم كرد سوريا من جامعات خاصة بهم كنتيجة موضوعية لحرمانهم من حقوقهم السياسية والثقافية والاقتصادية عبر حكومات سورية متعاقبة، لكن الكرد أرسلوا أبناءهم إلى المدارس والجامعات السورية منذ أكثر من نصف قرن، فتخرج العديد منهم من الجامعات كوادر وخبراء وأكاديميين، ومنهم من نال تعليمه الجامعي في الجامعات الأوروبية والغربية عموماً وكذلك في الجامعات التابعة للدول الإشتراكية – سابقاً – من خلال المنح الدراسية التي كانت تمنح للأحزاب الكردية في الستينات وحتى ثمانينات القرن الماضي.

هذا الحرمان ذو الجذر السياسي البحت لكرد سوريا من افتتاح جامعات خاصة بهم وبلغتهم الأم واختيار الفروع المناسبة لهم أثر على العمل التثقيفي التوعوي التنويري، وبالتالي كانت النتيجة أن الأحزاب الكردية قادت مسيرة الدفاع عن حقوق الشعب الكردي خلال مراحل سياسية مختلفة في سوريا.

وهنا غاب تشكيل المثقف الذي يملك رصيداً أكاديمياً متميزاً، وبالتالي جاء تكوين المثقف الكردي بصورة غير زخموية وإنما بصورة عصامية فردية، لم تتشكل شريحة المثقفين كنتيجة لتعليم جامعي ينتج مثقفاً متخصصاً خبيراً، يستطيع أن يوظف طاقاته بفعالية كبيرة في خدمة الشعب الكردي في سوريا، كان المثقف الكردي حالة فردية استطاع أن يستفيد من الدراسة الجامعية في الجامعات السورية والأوروبية وغيرها، ومحاولة تنوير الواقع الكردي بصورة فردية، لذلك غابت الشريحة المثقفة بالصورة الجمعوية – غاب المثقف الجمعي – وهذا ما أثر على تطور الوعي السياسي الكردي وأخذ طابعاً رغائبياً وعاطفياً وارتجالياً وتجريبياً، لم يستند الوعي السياسي الحزبي الكردي إلى مؤسسات فكرية ومراكز أبحاث ودراسة السياسات المستقبلية، لذا كان الحزب السياسي هو مصدر الوعي للشعب الكردي، وكانت القيادات الحزبية – وما زالت – لا تمتلك المهارة السياسية القادرة على قراءة المحيط السياسي والظرف الذاتي الكردي بصورة موضوعية قادرة على رسم خارطة طريق التوعية وبالتالي التحرر من القهر والظلم والاضطهاد.

ومع اندلاع الثورة السورية عجزت الأحزاب الكردية عن مواكبة الحالة السورية وزخمها الثوروي، ولم تتجاوب مع الحراك الشبابي الكردي المتضامن مع هذه الثورة، فدخلت في حوارات في ما بينها وما زالت تتنازعها الاختلافات التي لا تأخذ كثيراً الطابع الفكري وإنما طابع المصلحة الخاصة لزعيم الحزب أو القيادة الحزبية، وإن كانت هناك خلافات فكرية فهي قد تم طمسها تحت حجج وذرائع عدم إيلاء المعارضة السورية السياسية للحقوق الكردية، وهي قد تسترت بهذه الحجج نفسها في الابتعاد عن الحراك الشبابي الكردي والشعبي السوري العام.

وهنا وبعد مرور أكثر من عامين ونصف من الثورة السورية المباركة اقتضت الحاجة إلى بث التنوير والتوعية في جسد الحالة الكردية لمخاطبة الغالبية الصامتة الكردية غير المؤطرة بأحزاب وتنظيمات لتشكيل رأي عام كردي كاسح قوي يستطيع رسم المسار الموضوعي للشعب الكردي باتجاه تحقيق المصلحة القومية والمشاركة مع المكونات السورية الأخرى بالتعايش والتآخي والحياة المشتركة على صعيد سوريا عموماً، وبعيداً جداً وبالتخلص من ألاعيب النظام وخزعبلاته التي تدعي أنه حامي حمى الأقليات في سوريا، لأن الكرد هم الأكثر تعرضاً لظلم وقهر النظام طيلة فترة زمنية تزيد على الأربعين عاماً من عمر الاستبداد في سوريا.

وهذا ما جسدته مبادرتنا التي سميناها (المبادرة الثقافية لكرد سوريا)، والتي تلخصت بضرورة تأطير الطاقات الفكرية والبحثية والثقافية والفنية والإعلامية الكردية في إطار جامع فضفاض لتأسيس وعي كردي جديد ورأي عام يلبي طموحات الكرد في حقوقهم المشروعة في مناطقهم بسوريا ويحقق في الآن نفسه معادلة التشارك السياسي والثقافي والحضاري مع الحالة السورية العامة في سرّائها وضرّائها.

ملخص المبادرة يفيد بضرورة الانطلاق من واقع الأزمة الكردية ضمن تلافيف الأزمة السورية العامة، والتي تعطي صورة واضحة عن فشل الأيديولوجيا في خدمة الشعب الكردي وتحقيق طموحاته المشروعة في المناطق الكردية بسورية من خلال أدوات ومؤسسات وتنظيمات مارست وتمارس هذه الأيديولوجيا إلى يومنا الراهن، من دون تغيير نوعي ايجابي في إحداثيات الواقع الكردي في سوريا.

قد يلتبس الأمر على بعضهم ويعتقد بأن هذه المبادرة هي مبادرة بنية وقصد ضيق ومحدود لتشكيل جمعية أو تنظيم أو ما سوى ذلك، لكن من يدقق ما بين سطور المبادرة سيصل إلى قناعة واضحة مفادها أن المبادرة هي النتاج الفكري الايجابي الطبيعي لواقع الأزمة باتجاه فهم الأزمة والانطلاق منها نحو الشارع الكردي وغالبيته الصامتة والى كل الشرائح الاجتماعية في المجتمع الكردي التي تم تهميشها في العملية السياسية التي رافقت حالة الاستبداد المقيم لفترة زمنية تجاوزت الأربعين عاماً، خلال هذه الفترة نضجت عوامل الوعي السياسي والفكري تجاه النظام السياسي وتجاه الأدوات النضالية الكردية من أحزاب وتنظيمات تعرضت للمضايقات الأمنية (ودخل العديد من الأعضاء الحزبيين وأصدقائهم في سجون الاستبداد السورية)، وتعرضت للتدجين وللاحتواء وربما الاختراق الأمني السلطوي لغياب مناخات الحرية والشفافية والديموقراطية. الآن مع تطاول الأزمة السورية ومعها الأزمة الكردية السورية ومع حرمان الشباب الكرد ومعهم كل الطاقات الكردية الواعية من التوظيف الايجابي في خدمة المجتمع وهجرتها خارجياً وغربتها داخلياً وإقصائها من العمل القومي والوطني، تقتضي الضرورة الموضوعية تفعيل هذه الطاقات وتحريكها أولاً بالوعي وبضرورة خدمة القومي الكردي في سوريا- القرار الوطني الكردي المستقل – وبالابتعاد عن الأجندات والمحاور الإقليمية التي تدخل الموضوع الكردي السوري في سوق البازارات الدولية والإقليمية من دون الحصول على استحقاق إيجابي تاريخي ملموس، وذلك بغياب العامل الذاتي القوي القادر على فرض شروطه واستحقاقاته التاريخية على محصلة القوى الدولية والاقليمية.

ما تدعو إليه مبادرتنا – المشار إليها آنفاً – هو ترك الفردية الإعلامية والفايسبوكية التي قد تؤثر إيجاباً، ولكن لا يمكن مقارنة تأثيرها مع تأثير مجموعات الضغط الالكترونية الشاملة، التي ليست بالضرورة أن تكون مؤطرة بإطار يشبه أطر الجمعيات والتنظيمات وحتى التنسيقيات التي شهدناها ونشهدها في عملها الفكري والميداني، إن ما تدعو إليه المبادرة هو توجه كل الطاقات الفكرية القادرة على العمل باتجاه العمل الالكتروني والميداني نحو تشكيل رأي عام كردي جديد يخدم المصلحة القومية لكرد سوريا، واعتبار أن الاستهتار النظري والعملي بحقوق هذا الشعب خط أحمر لا يجب تجاوزه، وذلك من خلال ما يشبه الجيش الإلكتروني الكردي الفكري الثقافي القوي والكاسح وهذا لن يتأتى إلا من خلال كل الطاقات المهمشة كردياً والممتلكة للوعي وأدواته التأثيرية، وبهذا فإن التباساً ذهنياً من المفترض أن يزول بشأن احتمال محاولة بعضهم الغمز من قناتنا أو التشكيك بمبادرتنا، لأنها مبادرة فكرية عامة نهضوية تتجاوز الأطر التقليدية القديمة، ومن دون هذا التفكير الذي يملك أنياباً وأظافر هي التكنولوجيا وشبكات التواصل الاجتماعي والفضائيات من شأنها التأثير وتغيير الرأي العام باتجاه واحد وحيد هو المصلحة القومية الكردية العليا، أقول من دون هذا التفكير لا نجد مخرجاً من الأزمة الكردية الراهنة التي هي أزمة بنيوية عميقة ليس من السهل التصور أنها أزمة عابرة وتزول، إن قوة وحيوية الشعوب هي بقواها وطاقاتها الفكرية الأصيلة والبازغة لا سيما الشبابية منها – وبإرادتها الشامخة نحو التغيير عبر التكيف الموضوعي مع الحالة الراهنة ودراسة تراكمات الماضي واستشراف ورسم ملامح المستقبل.

المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...