الرئيسية / صفحات الرأي / مراجعة متأخّرة لفيلم وثائقي في عرضه الثالث/ سامر فرنجيّة

مراجعة متأخّرة لفيلم وثائقي في عرضه الثالث/ سامر فرنجيّة

 

 

تنتج الأعمال الفنية معاني جديدة عندما تدخل سياقات مختلفة، وفق والتر بنيامين، حيث تفرز بعضاً من «حقائقها» الكامنة، والتي قد يحرّكها حدث ما أو مجرّد مرور الزمن. فتتحوّل الأعمال، أو بكلام أدّق، تتراكم رواسب المعاني بالعمل، ليصبح وثيقة لتاريخ متحوّل. ينطبق هذا التوصيف لعلاقة العمل الفني بتاريخه على الوثائقي «الرجل ذو النعل الذهبي» (١٩٩٩) للمخرج الراحل عمر أميرلاي، والذي بعد ثمانية عشر عاماً على ظهوره، باتت تتكدّس على سطحه معالم المراحل العديدة التي قطعها، ليصبح وثيقة عن حاضرنا أكثر مما هو تأريخ لمرحلة ولّت.

أراد أميرلاي لفيلمه أن يكون عن علاقة المثقف بالسلطة، فواجه به رفيق الحريري وهو، كما وصفه المخرج، «المخلص» الخارج من كواليس الحرب الأهلية اللبنانية، والذي ترفض «نعاله أن تعرف غبار الشارع». لكن سرعان ما سقط أميرلاي بـ«الفخ» الذي نبّهه منه أصدقاؤه المثقفون، فتقاعس النقد، ليخلفه سرد شخصي عن العلاقة بينهما، أي المثقف المهووس بمسؤولية النقد والسلطة المهووسة بصورتها. هذه النتيجة لم تكن شعبية آنذاك، حيث كانت شخصية الحريري المحور الأساسي في السياسة اللبنانية، ومحرّك أسئلتها، من الإعمار إلى الذاكرة. فأثار الوثائقي جدالاً عن العلاقة بالحريري، وهو في لحظة تحوّله من رمز للسلطة إلى أحد أقطاب المعارضة الصاعدة آنذاك.

بيد أنّ هذا التحوّل لم يكتمل باغتيال الحريري بعد بضع سنوات على تصوير الوثائقي، كما جاء في النبوءة الختامية للوثائقي نفسه عن احتمال تحوّل الحريري «شخصية درامية هائلة». فالنعال التي لم تُرد أن تعرف غبار الشارع باتت من هذا الغبار، وأصبح مشروعها الاقتصادي ثانوياً ومعه النقد الذي هب بوجهه. لقد تحوّل الوثائقي من تساؤل عن علاقة الثقافة بالسلطة إلى إحدى المواد الدعائية التي صنعت صورة الحريري «الشخص» بعد اغتياله، هذا «الشخص» الذي انتصر على المثقف في حواره، والذي قتله عدوهما المشترك. في «حياته الأخرى»، تحوّلت أسئلة الوثائقي لتصبح وثيقة عن تركيب هذه الصورة، معلنةً أن نقد المثقفين بات خارج الموضوع.

حياة «الرجل ذو النعل الذهبي» الجديدة لم تستنفد «حيواته» المستقبلية. فالدراما الذي شكّل الحريري بطلها انتهت، ولم يبق منها إلا ركام يحدّد معالم الحاضر. بيد أن «الرجل ذو النعل الذهبي» لم يشخ بل تحوّل مجدّداً ليصبح وثيقة لتأريخ هذا الركام، وهو الذي يبدأ من علاقة الإعمار بالدمار. فمن طور الدمار، تبدو صور الوثائقي كأنّها تؤرخ لمرور الزمن. فقد عادت النفايات التي حاول الإعمار طمسها كما عاد وسط المدينة إلى دوره كمدينة أشباح، مسيّجة اليوم بشرطة المجلس بدل ميليشيات الماضي (أو كاستكمال لها). أما القصور الفاحشة، فباتت فارغة، في أحدها يعيش نجل الحريري، وحيداً يبحث عمن يتحالف معه في الانتــــخابات المقــــبلة. فالزعامة السنية لم تعش أكثر من بضع دقائق بعد الاغتيال، ولم يبق من «صورة» الحريري إلا موضوع لشرائط دعائية رديئة، تسوّقها بقايا إمبراطورية إعلامية.

بيد أن غياب الحريري ليس التحوّل الوحيد. فالمخرج توفي قبل بضعة أيام من «الطوفان» الذي قضى على بلاد البعث. وفي يوم من أيام العنف العادي، سقط أحد نقاد الحريري ضحية آلة القتل التي خرجت منتصرة وباتت المنظومة الحاكمة في البلدين اللذين يشكلان ملعب هذا الوثائقي. فالطرف الآخر للمعادلة الأصلية للوثائقي، أي علاقة المثقف بالسلطة، بات خارج اللعبة، غير قادر على مواجهة طوفان العنف الذي طمس الكلمات والنقد. دفنت مقولة «قول الحقيقة للسلطة» تحت ركام السيارات المفخخة ومن بعدها البراميل المتفجرة، لتنتهي جدلية السلطة والمعارضة التي وثّقها أميرلاي، مع اغتيال طرفي هذه الجدلية. فالزمن الذي كان يسمح لمثقف بمحاورة سلطة يعارضها، وإن بحرج، بات من الماضي، واستبدل اليوم بانبطاح المثقفين أمام زعيمهم، بلا حرج. فلم يعد هناك مكان لهذه التساؤلات حين غدت السلطة مجرّد مرادف لقدرة متزايدة على القتل الهمجي.

عن مسافة 18 سنة، يظهر معنا «آخر» لهذا الوثائقي، انتزعته الظروف المتحوّلة. لم يعد «الرجل ذو النعل الذهبي» يطرح سؤال علاقة المثقف بالسلطة، بل بات موضوعه عن العلاقة بذاتها، عن إمكان وجود علاقة بين طرفي الصراع، علاقة لا تجعل النقد مجرّد مقدّمة للقتل أو تبريراً له.

لقد عاش الحريري ونقاده في عالم انتهى وتلاه آخر لا مكان لهما أو لعلاقتهما به. وربّما كان هذا ما التقطه أميرلاي من خلال «فشله» في مواجهة الحريري، حيث أضفى تقاعسه عن لعب دور المثقف الملتزم على وثائقه بعداً تنبؤياً سمح لمعالم المستقبل المقبل بالتسلل من ثقوب الدقائق الـ٥٥ من الوثائقي.

«الرجل ذو النعل الذهبي» اليوم ليس تحدياً للمثقفين وعلاقتهم بالسلطة، بل سؤال لنا ولعلاقتنا بهذه المرحلة. فإذا استثنيا أصحاب النقد «البارد» الذين لا يرون إلا طوائف وبورجوازيين وفاسدين يجب إلغاؤهم، لا يمكن مقاومة «الميلانكوليا» التي تفرض نفسها لدى إعادة مشاهدة الوثائقي، وهي حنين الى زمن كان فيه للنقد معنى، وللمعارضة خصم رحب، وللسلطة مشروع أوسع من القتل اليومي. فبعد 18 سنة، يعود الوثائقي ليلون مرحلة ما بعد الحرب بالحنين ذاته الذي بات من ملامح عملية تأريخ لبنان. العودة إلى الحريري من حاضرنا كالعودة إلى تجربة فؤاد شهاب من حاضر الحرب الأهلية أو العودة إلى مرحلة الانتداب من شرفة صراع الخمسينات: محطات حنين، مخطئة ربّما في تقييمها الماضي لكّنها تلتقط عواطف الحاضر.

في حياته الثالثة، لم يعد يطرح «الرجل ذو النعل الذهبي» علينا سؤال علاقة المثقف بالسلطة، بل ربّما بات يعبّر عن أهمية «العلاقة» التي تربط الناقد بالمنقود. ربّما هو الحنين إلى مرحلة أمكن فيها النقد «بلا مسؤولية»، أي الذي لا ينتهي بالقتل، وهو دعوة إلى البحث في علاقة الخصومة بالصداقة والمستقبل بالميلانكوليا والعداء بالإعجاب، أي الاعتراف بأن مسؤولية النقد لا تقع فقط على الناقد، بل أيضا على المنقود. فليس كل سلطة قادرة على التعاطي بالنقد. هناك سلطات لا تترك إلا العداء المطلق خياراً. ربّما كان هذا ما انتزعه الواقع الجديد من «الرجل ذو النعل الذهبي»، وهو قد ينتزع معاني أكثر في المستقبل.

الحياة

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...