الرئيسية / صفحات مميزة / مساهمة في تحليل بنية وتجليات الصراع السوري: معتز حيسو

مساهمة في تحليل بنية وتجليات الصراع السوري: معتز حيسو

 

    معتز حيسو

    بنية الصراع:

    تتحدد الرؤية التحليلية من الأزمة السورية على قاعدة الموقف السياسي من النظام السياسي المسيطر، ومن المعارضة السياسية بشقيها السلمي والمسلح، وهذا يدلل بدوره على التموضعات السياسية من مجريات الأزمة. بمعنى آخر،إن الموقف السياسي من الأزمة السورية يتحدد من خلال جملة من المعطيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، التي تشكّل بدورها البنية العامة،في سياق تقاطعها مع المعطيات الإقليمية والدولية المؤثرة والفاعلة في سياق الترابط والتشابك والتوسط. وهذا يدلل على أن تحديد الإصطفافات السياسية من(الثورة السورية) يستند على تحديد التموضعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخلياً وإقليمياً ودولياً. لذا، من السذاجة بمكان، حصر الأزمة السورية بمستوى واحد. فما يجري في سورية، نتاج أزمة عامة ومركبة، تقاطعت فيها على قاعدة الترابط والتشابك والتوسط،المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وساهم في تعميقها، تداخل التناقضات والتوازنات والمصالح الإقليمية والدولية على خطوط الصراع في سياق دعمها لأسباب مختلفة أطراف الصراع، بغض النظر عن مصالح الشعب السوري. وهذا يوضح نسبياً كيفية وآلية توظيف واستغلال الحراك الشعبي السلمي وتحويله إلى حرب بالوكالة، تساهم فيها أطراف داخلية وخارجية متناقضة الأهداف والمصالح، مما يدلل على أن مصالح هذه الأطراف الإستراتيجية والحيوية تتناقض في لحظة معينة مع مصالح الشعب السوري الطامح للحرية والكرامة.

    إن تراكم مفاعيل الأزمة السورية، في سياق تقاطعها مع النهوض العربي والمتغيرات السياسية والاقتصادية الدولية. ساهمت بشكل ملحوظ في دفع عجلة النهوض وتسريعه. وإذا كانت مكونات الأزمة السورية المركبة قد نمت في أحشاء المجتمع السوري على مدار عقود، فإن العشر سنوات الأخيرة ساهمت بشكل واضح في وضع المداميك الأساسية للتناقض الأساس الاقتصادي والسياسي بين فئة تحتكر القرار في كافة مستوياته وأشكاله، وبين غالبية اجتماعية مضطهدة ومقموعة. ويتعيّن هذا التحوّل واقعياً على قاعدة احتكار القرار السياسي والسيطرة الاقتصادية على الموارد الوطنية وشفطها من قبل طغمة محددة، مما أسس لنشوء تناقض وتباين واستقطاب اجتماعي و طبقي صارخ يتجلى بتراكم الثروة بجانب، والفقر والبطالة والحرمان والتهميش .. في الجانب الآخر. ويتجلى التناقض الإجتماعي، بين (فئة/ أقلية) اجتماعية ترى في السلطة والدولة ملكية خاصة من خلالها ومن خلال السيطرة عليها يمكنها أن تحافظ على بقاءها واستمرار سلطتها الرمزية، والمادية، وبين غالبية اجتماعية مضطهدة ومفقّرة ومقموعة ترى بأن الدولة بكافة مؤسساتها قد تم اختطافها والهيمنة عليها من قبل طغمة، وليس هذا فحسب، بل أن تركيبة الدولة وبنيتها الأمنية مكّنت الفئة المسيطرة من الهيمنة على كافة المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وقد شكّل الولاء السياسي والانتماء المذهبي والمحسوبيات والفساد مدخلاً لتحقيق المكاسب والنفوذ والسيطرة على مراكز صناعة القرار.. . مما ساهم فعلياً وبشكل واضح ليس فقط في تراجع دور الدولة الاجتماعي، بل وتحويلها إلى مصادر نهب لمراكمة الثروات غير المشروعة على أسس المحاصصة الفئوية القائمة على المحسوبيات في سياق انتهاج وتعميم الفساد بكونه شكّل حتى اللحظة أحد آليات تأبيد السيطرة السياسية والاحتكار الاقتصادي المدعوم بآليات وأشكال السيطرة الأمنية التي زرعت الخوف وعممته اجتماعياً. وهذا بطبيعة الحال ساهم في تخليع قطاعات ومؤسسات الدولة بشكل يعبّر عن توازنات مراكز القوى للفئات والشخصيات المتنفذة والمسيطرة، ويتناسب مع الشكل الاقتصادي القائم على تخليع هيكلية الدولة الاقتصادية، وقد ترافق هذا الواقع مع تخليف الدولة بمؤسساتها وأشكال سيطرتها بفعل الترييف (سيطرة العقل الريفي على المدينة) والتطييف الذي بات مظهراً من مظاهر السيطرة. وإضافة لذلك ، فقد ساهم هذا التحوّل في تعميق حدة التناقض بين المدينة والريف، و في تقويض الدور المديني والسياسي للمدينة. وإن كان المجتمع السوري بغالبية فئاته قد تعرّض منذ مطلع القرن الماضي للعديد من أشكال الاضطهاد والإفقار، لكن هذا الاضطهاد عزز عند بعض الأقليات، وتحديداً ( الطائفة العلوية الكريمة) فهماً مغلوطاً مفاده أن النظام السياسي بشكله وبنيته وتركيبته الراهنة يشكّل لها الحماية والضمانة من الإرتكاس إلى ما كانت عليه فيما مضى،في حال إحداث تغيير ببنية النظام السياسي السائد بفعل الحراك الشعبي. ونؤكد بأن هذا الشكل من التفكير يقوم على فهم مغلوط مفاده أن النظام السياسي الذي وضّب السلطة والدولة بشكلها الراهن قادراً على حماية الأقليات وتحديداً الطائفة العلوية الكريمة كونه يمثلها(( الواقع العياني ينافي هذا الفهم، و يدلل على إن قضية تمثيل النظام للطائفة العلوية الكريمة تحديداً،وباقي الأقليات المذهبية .. لا يعدو كونه تمثيلاً شكلانياً وظاهرياً، لأن بنية النظام وتركيبته الداخلية، تتجاوز الفهم الطائفي أو المذهبي،لكنها بذات اللحظة لا تعبّر عن المصالح الأساسية للمجتمع السوري، ومن الممكن أن لا يتماهى شكل السيطرة مع بنية السلطة. ويعلم الجميع بأن التركيبة البنيوية للسلطة تستند إلى سيطرة فئة محدودة ومحددة يتقاطع فيها من منطلق الاحتكار والهيمنة على مفاصل صناعة القرار، المستوى العائلي والأمني والطائفي والمذهبي والمال السياسي… وتُغلف هذه البنية وتُقدم شكلانياً على أنها نظام سياسي مدني تعددي ديمقراطي يعبّر عن كامل مكونات المجتمع السوري)). لذا فإن الكلام عن أن السلطة السائدة هي سلطة طائفية يعبّر عن إشكالية في التفكير السياسي، لأن هذا النظام الذي اشتغل على تأسيس بنية الدولة وتنميط هيكليتها تراتبياً انطلاقاً من القاع وصولاً إلى قمة الهرم الذي تربع عليه فرد ابتلع الحزب والدولة، وقبض بمشاركة أصحاب المصالح والنفوذ على المفاصل السياسية والاقتصادية والأمنية لدرجة تماهت فيها الدولة مع شخص الرئيس، بل وتم شخصنتها في سياق يناقض مصالح السوريين ولا يعبّر حتى عن مصالح طائفة بحد ذاتها، وإن حقق للبعض منها امتيازات استطاعت من خلالها القبض على بعض المفاصل الأساسية للسلطة والدولة. لكن جوهر بنية السلطة يعبّر عن مصالح قوى سياسية واقتصادية تتجاوز حدود الطائفة،فيما تستند في آليات اشتغالها على دائرة ضيقة ومتضيقة تتحكم في صناعة وصياغة القرارات والسياسات العامة. إن اشتغال النظام السياسي على تمكين رأسمالية الدولة بأشكال مشوهة ومتخلفة، ساهم في أن يتجلى شكل السلطة السياسية ظاهرياً في لحظات معينة بأنها تمثل طائفة بعينها، لكن تركيبتها وبنيتها الداخلية تخالف هذه التجليات. وأي تفكير في أن بنية النظام السياسي بأشكاله الراهنة تمثّل طائفة بعينها،(حتى وإن تجلى هذا في الظاهر)أو إن النظام بتركيبته الحالية يعبّر عن الأقليات، بالرغم من أن أشكال سيطرة النظام السياسية اشتغلت وتشتغل لتأبيد سيطرتها السياسية في بعض اللحظات على توظيف الأصول والإنتماءات الطائفية، لا يعدو أن يكون تفكيراً يرى ظواهر الأشياء لا عمقها. إن التفكير وفق هذه الآليات يعبّر عن إشكالية حقيقية في الوعي يجب تجاوزها، ليس فقط لأنها عاجزة عن فهم الواقع الحقيقي لبنية السلطة والنظام والدولة فقط، بل لأنها تساهم في تعميق المظاهر الطائفية والمذهبية، وهذه إشكالية حقيقية يجب تجاوزها على مستوى الوعي السياسي والاجتماعي. وتستدعي بذات اللحظة التأكيد على أن النظام السياسي الديمقراطي المدني ودولة المواطنة يكفلان حقوق كافة الفئات الاجتماعية، بغض النظر عن العرق والدين والجنس والمذهب والطائفة …

    إن بنية السلطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وآليات اشتغالها أنتجت وتنتج موضوعياً على قاعدة الانتماء لذات البنية الاجتماعية المحدِّدة لنمط التفكير العام للكل الاجتماعي،ليس فقط حلفائها السياسيين، بل ونقيضها الطبقي (سياسياً، اقتصادياً، اجتماعياً) وأبعد من ذلك فإن أشكال سيطرتها وآلياتها الدفاعية عن مصالح الطغمة المهيمنة انعكست بفعل التماهي والتقاطع في آليات السيطرة والاشتغال الذي يحكم العلاقات في ذات البنية الاجتماعية، التي تتجلى فيها بوضوح أشكال وآليات اشتغال الطرف المسيطر، على آليات اشتغال المعارضات السياسية، وإن كان بأشكال وتجليات محدودة نسبياً.لكن يبقى للطرف المسيطر والمهيمن الدور الأبرز في تحديد شكل هذه العلاقة وأشكال تجلياتها. دون أن نُغيّب العوامل الإقليمية والدولية،والأبعاد والمستويات الذاتية لكل طرف.

    وانطلاقاً مما ذكرنا، فإن بنية الدولة التي تأسست في سياق استقرار وتطوير رأسمالية الدولة التي وإن تناقضت مصالح طغمها المالية والسياسية مع غالبية الفئات الاجتماعية، لكن من جانب آخر حققت استقراراً في مستويات المعيشية من خلال المحافظة على مسؤوليات الدولة الاجتماعية، لكن بنية السلطة المسيطرة، أبقت المواطن على حدود الفقر، في سياق سياسات اقتصادية لم تستطع تحقيق التنمية الاقتصادية والبشرية التي كانت من أهداف (حزب البعث العربي الاشتراكي) ومن الواضح بأن هذا العجز ترافق مع سياسة التهميش والإقصاء للأطراف السياسية المعارضة، الذي تجلى من خلال احتكار القرار السياسي. لكن هذا يجب ألا ينسينا أهمية دور القطاع العام والمؤسسات التعليمية والصحية والخدمية والبنى التحتية التي لا مست هموم المواطن وحققت له هامشاً من الاستقرار والتوازن والمكاسب على مدار العقود المنصرمة، مما ساهم في تشكيل الحاضن الاجتماعي الذي ساند وما يزال النظام السياسي. ونذّكر بأن الطبقة الوسيطة وإن تعثرت في لحظات معينة، لكنها حافظت على دورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي نسبياً حتى مطلع الألفية الثالثة، لتنهار تدريجياً في سياق زيادة معدلات الاحتكار والهيمنة على الموارد الوطنية من قبل دائرة ضيقة ساهمت بفعل ميولها الاقتصادية التحررية في زيادة حدة التناقض الاجتماعي، وانقسام المجتمع حديّاً إلى فئة فائقة الثراء تتحكم بالموارد الوطنية والقرار السياسي والاقتصادي، وغالبية اجتماعية مفقّرة ومهمّشة. ويجب التذكير بأن هذا السياق من التطور تساوق وتزامن مع قمع الحريات السياسية بفعل الاشتغال على تكريس بنية الدولة الأمنية النابذة للحريات الأساسية والحياة السياسية الديمقراطية بشكل عام.

    لكن بداية الألفية الثالثة سجلت تحولاً دراماتيكياً متسارعاً في الإجهاز على ما تم تحقيقه في سياق (التحول الاشتراكي/ رأسمالية الدولة/ الاشتراكية المحققة/). وتمحورت جملة التحولات الجديدة في سياق لبرلة الاقتصاد: تحرير الاقتصاد(التجارة الداخلية والخارجية، حركة رأس المال، الصناعة، الزراعة، الأسواق، الأسعار،إطلاق حرية الاستثمار دون النظر لضرورة وضع خطط التنموية (اقتصادية وبشرية) تتناسب مع الحاجات الاجتماعية وبنية الاقتصاد الكلي/حالته،شكله،مستوى تطوره/ ومدى تضرره من السياسات الانفتاحية التحررية، وعدم وضع ضوابط وآليات تحمي الاقتصاد السوري الحقيقي/ الزراعي الصناعي/ من المنافسة غير المتكافئة نتيجة الغزو السلعي والاستثماري الذي يمتلك قدرة تنافسية عالية أدت إلى انهيار الصناعات الصغيرة والمتوسطة، وإلى زيادة في أعداد العاطلين عن العمل وارتفاع نسب الفقر …) وتجلى هذا التحول رغم تعدد مراكز القوى والنفوذ على قاعدة توظيف المال السياسي،وتراجع دور الدولة الاجتماعي، واحتكار القرار السياسي بالقوة الأمنية، من قبل فئة تمتلك المال والسياسة والقوة، في سياق يتقاطع مع تمكين بعض المظاهر المذهبية. وقد ساهم التحوّل المتداخل والمتراكب بين المستويين السياسي والاقتصادي في تقييد وكبح الممارسة السياسية والفكر السياسي الديمقراطي والعلماني المُعارض بأشكال ومستويات مختلفة ومتباينة. وقد تزامنت هذه التجليات مع غض النظر من قبل بعض الجهات الرسمية عن زيادة مظاهر الأصولية والسلفية والتكفيرية بكافة تنويعاتها الأيديولوجية، والتي شكلت لاحقاً الحواضن الموضوعية للتيارات الجهادية. وتساوقت هذا السياسات مع ظهور بعض التشوهات في الفكر السياسي للتيارات المعارضة نتيجة للتماهي مع أشكال التفكير والممارسة السياسية للسلطة المسيطرة. هذا العوامل والأسباب المتقاطعة والمتزامنة والمتساوقة والمتراكبة، مع زيادة حدة التناقض الطبقي التي وصلت فيه معدلات الفقر والبطالة والإفساد درجات مخيفية كانت المؤشر الحقيقي لدخول سورية في أزمتها الراهنة. والأساس في هذا هو التحول في السياسات الاقتصادية التي أعادت تحديد بنية الدولة على أسس جديدة، ومن منظور طبقي جديد أعاد صياغة تحالفات طبقية تعتمد فيه الفئة المسيطرة في تأبيد هيمنتها السياسية والاقتصادية على قوى اجتماعية هشة وهامشية( تجّار، مستثمرين، مقاولين، رجال مال..) تتناقض مصالحها بنيوياً مع مصالح غالبية الفئات الاجتماعية المفقرة والمهمّشة على قاعدة الاحتكار والهيمنة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لفئة محددة لا تعبّر عن المصالح الاجتماعية الحقيقية، بل تتناقض مصالحها وأهدافها وميولها مع أي خطة تنموية اقتصادية وبشرية يمكن أن تحقق مصالح الفئات الاجتماعية المفقّرة والمهمّشة. إن التحول الاقتصادي الذي تم الإشتغال عليه في سياق سياسات اقتصادية تقوم على تحرير الاقتصاد، عمّق تخلي الدولة عن دورها الاجتماعي الضامن لمصالح ومكاسب الفئات الاجتماعية الأساسية التي كانت تشكّل الحاضنة الاجتماعية للنظام السياسي في شكله الذي تجلى ظاهرياً في السابق على أنه نظام يعبّر عن مصالح العمال والفلاحين وصغار الكسبة… وساهم هذا التحوّل في تصدّع وتخلّع وانهيار وتساقط كتل بشرية كانت في السابق تشكّل الحاضن الأساس للنظام والمدافع عنه. لكن دون أن تجد من يتلقفها ويتلقاها من قوى وأحزاب سياسية معارضة، لأن سياسية الاحتكار السياسي والقمع لم تشوه فقط هذه المعارضات، بل أن القمع والبنية الأمنية للدولة جفف منابع العمل السياسي، وقضى على أي مناخ سياسي يمكن أن تُمارس فيه سياسية مدنية علمانية وديمقراطية. أي أن مصالح الفئة التي تحكّمت في القرار السياسي والاقتصادي، تتناقض موضوعياً وعضوياً وبنيوياً مع أي خطة تنموية تنعكس مفاعيلها وآثارها الإيجابية على المواطن السوري، وبهذا التحول تم الإجهاز على معظم المكاسب التي تحققت للمواطن السوري على مدار عقود، إضافة إلى الاستمرار في القمع السياسي. وبطبيعة الحال فإن هذا التحول لم يساهم فقط في زيادة معدلات الإفقار والإفساد والقمع، بل ساهم في إهدار كامل الحقوق الإنسانية. وكأن تحطيم الإنسان ومنظومته العقلية والقيمية كانت الهدف الأساس للفئة المسيطرة، وإضافة لذلك فقد أدى هذا التحول إلى القضاء على الطبقة الوسطى التي كانت على الدوام الضامن للنهوض والتجديد والتغيير بكافة أشكاله ومستوياته الاقتصادية والسياسية وحتى الاجتماعية، وأيضاً كانت تشكّل ضمانة للمجتمع من الانحدار إلى التخلف السياسي والاجتماعي والاقتصادي .. إن التحول الجديد بكافة أشكاله ومستوياته أدخل البلاد في تناقض سياسي واقتصادي واجتماعي تعمّق بفعل التناقض الناجم عن التحولات التي ذكرناها، والتي ساهمت موضوعياً بما نلحظه من تناقضات تهدد بنية المجتمع السوري، ووحدة كيانية الدولة السورية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً .

    أدوات وتجليات الصراع: من الموضوعية بمكان، أن يكون شكل الصراع وأدواته متماهياً وإن بنسب مختلفة ومتباينة، مع العوامل والأسباب المكوّنة للبنية الاجتماعية العامة للحراك الشعبي( السياسية، الفكرية، الثقافية، الاقتصادية، الاجتماعية). وبذات اللحظة فإن أشكال تجليات الصراع وأدواته وآلياته، تعبّر عن الذهنية السياسية لأطراف النزاع، وتعطي انطباعاً عاماً عن شكل النظام السياسي البديل. وبطبيعة الحال فإن للعوامل الإقليمية والدولية، تأثيراتها الموضوعية السلبية منها، والإيجابية، ذلك بحكم اختلاف وتباين وتناقض المصالح والإستراتيجيات. ويزداد دور العوامل الخارجية وتأثيرها بحكم الأهمية الجيو سياسية لسورية. ومن هذا المنظور، لا يمكننا الفصل بين المستويين الداخلي والخارجي. وتحديداً في سياق أزمة تتقاطع و تتناقض فيها وعليها دول كبرى ترى أن الأزمة السورية تمثّل إشكالية كبرى، لأن شكل إخراجها، سينعكس على التوازنات الدولية، بحكم الجغرافية السياسية لسورية التي تتقاطع فيها وعليها المصالح الحيوية والمشاريع الإستراتيجية للدول الكبرى، وليس فقط بعض الدول الإقليمية التي لا تعدو أن تكون أدوات في هذا الصراع، وفي أحسن الحالات لا تشكّل هذه الأطراف في لحظة الصراع الدائر، سوى حلقة من حلقاته. بمعنى آخر أن أطراف وأدوات وحلقات الصراع محكومة بلحظة صراع مشاريع دولية كبرى تمر بالضرورة في هذه اللحظة من البوابة السورية،على قاعدة تحوّيل سورية لموضوع اشتغال الدول الكبرى. وهذا ما أضفى على الحراك الشعبي السلمي/ والمسلح لاحقاً وإن بمستويات وأشكال نسبية، مزيداً من التعقيد والصعوبة، وبذات اللحظة يُكسبه أهمية فائقة لحجم التغيير وعمقه وأشكاله الذي سينعكس على كافة المستويات الداخلية الإقليمية والدولية. ومن هذا المنظور يجب أن ندرك إشكالية تقاطع وتزامن العوامل البنيوية الذاتية للأزمة السورية، مع المستوى الإقليمي والدولي،وآليات تجلياته وانعكاسه على الحراك الشعبي السوري، الذي دخل والمجتمع في استعصاء قلّ نظيره.

    إن طبيعة وبنية وتركيبة وأهداف وأدوات وآليات الحراك السوري، يعبّر موضوعياً عن تناقض طبقي تجلى بكافة أبعاده ومستوياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية بأشكال حراك سياسي سلمي يعبّر عن طبيعة وبنية وتركيبة الشعب السوري التواق للحرية والكرامة. إلا أن بنية النظام السياسي وتركيبته الطبقية والاجتماعية والأمنية، نجحت في تحويل شكل هذا التناقض إلى صراع مسلح، لأن السلطة المسيطرة ترى وفق منظورها السياسي الأمني أنها قادرة على قمع النهوض الشعبي السلمي في حال إدخاله حقل الصراع المسلح، وهذا ما اشتغلت عليه وحققته الجهات صاحبة القرار الأمني والعسكري من خلال الترويج لوجود ( مندسين، عصابات مسلحة…) في وقت كان الحراك الشعبي سلمياً بامتياز. وتجلت هذه الآليات في سياق تم فيه ليس فقط فرملة الحراك السلمي بل شيطنته،استناداً لوضع النهوض الشعبي في سياق وإطار المؤامرة الكونية على سورية. وهذا لا يلغي بطبيعة الحال دور بعض الأطراف التي كانت ترى بأن إدخال الحراك الشعبي السلمي، أو تحويله كلياً أو جزئياً إلى حقل النزاع المسلح، سيكون الخيار الوحيد لإسقاط السلطة السياسية الحاكمة. لكن الخطر الأكبر والأعم في الاعتماد الخيار المسلح، هو كونه يشكّل المدخل لحرب تستنزف الشعب السوري، وتهدّم كيانية الدولة، في سياق ما تخطط له مراكز صياغة القرار الدولي للشرق الأوسط الجديد من منظور إعادة توضيب المنطقة، وتحديداً بعد النهوض العربي، وفي حال عدم نجاح ما تخطط له هذه الدوائر فإن (الفوضى الخلاقة) يبقى الخيار الأخير. إن هذه العوامل والتجليات ساهمت في تبرير قمع الحراك تحت مسميات المؤامرة والحرب الكونية التي تُشن على( سورية)، هذا إضافة إلى بنية السلطة السياسية الأحادية الرافضة والقامعة لأي معارضة ديمقراطية مستقلة،إلا من تكيّف منها مع النظام، أو تم صناعته في مطابخه السياسية والأمنية. وهذا ما ساهم في تعقيد الحراك السلمي وأشكلته سياسياً على المستوى الشعبي مما أدخاله في عطالة آنية، وسرّع في نقل الثورة السورية السلمية إلى صراع مسلح تحوّل في سياق تزايد حدة العنف والعنف المضاد إلى حرب قذرة تطحن الشعب السوري، ولا تعبّر بالمطلق عن أهدافه الحقيقية. أي تحوّلت إلى حرب يحترق في أتونها شعب فُرض على بعض من أطرافه و فئاته أن يشارك في حرب بالوكالة.

    وإذا كانت أسباب الحراك السوري تتموضع في حقل الصراع الطبقي( السياسي الاقتصادي الاجتماعي) نتيجة لبنية السلطة السياسية والاقتصادية الأحادية الاحتكارية،فإن إشكالية تحويل الحراك السلمي إلى أشكال مسلحة، بفعل شكل مواجهة الحراك وبفعل التداخل الإقليمي والدولي، زاد من تعقيد بنية وأشكال تجليات الحراك السلمي،وأخرج من ساحة الفعل السياسي الميداني من يرفض المشاركة في العنف المتبادل، مما أدخل الحالة السورية في نفق يصعب الخروج منه سياسياً حتى الآن. ذلك لتعدد أطراف الصراع ميدانياً، والداعمين له بأشكال مختلفة ومتباينة، إضافة إلى تزايد حدة العنف والقمع والدمار الذي يساهم في إعاقة الانتقال إلى الديمقراطية. إن هذا التحول ساهم في فتح سورية على صراع دموي يزيد من تعقيده وحدّته مشاركة أطراف سلفية تكفيرية وجهادية عربية وغير عربية عززت بفعل آليات اشتغالها الاستقطاب الطائفي والمذهبي وفتحت الباب لتوسيع دائرة الصراع وتحويله إلى صراع سني شيعي لا ينحصر في سورية فقط، بل يتطاول تأثيره إلى خارج الحدود السورية نتيجة لتعدد مفاعيله وأدواته الإقليمية، التي تشتغل على إضفاء الشكل الديني ( الطائفي المذهبي السلفي) على بنية وأشكال الحراك السوري الذي كان يريد من خلاله الشعب السوري تحقيق تغييراً ديمقراطياً وطنياً سلمياً، ويأتي هذا في سياق دفع المنطقة العربية إلى صراع ديني (سني، شيعي ) يساهم في تعميق التناقضات العربية البينية، وزيادة تفتيت مكوناتها الاجتماعية، في ذات اللحظة التي يشتغل فيها أصحاب القرار الدوليين على احتواء وتحويل النهوض العربي عن أهدافه الحقيقية لجعله يصب في طاحونة الدول الرأسمالية الغربية وحليفتها إسرائيل. وهذا يهدد مستقبل سورية السياسي بإعادة إنتاج نظام أحادي تسلطي قمعي نافي وطارد لأي شكل من أشكال الديمقراطية السياسية والاجتماعية، في سياق تحويل سورية لدولة فاشلة تماثل أو تماهي بعض النماذج التالية:( أفغنة، صوملة،عرقنة، بلقنة، لبننة، ليبنة..) تتفشى فيها كافة التناقضات الما قبل وطنية. إن شكل التغيير السياسي ذو الطابع العنفي في ظل التعقيدات التي تكتنف اللوحة السورية، يهدد بتفتيت المجتمع السوري وإعادة هيكلته على أسس مكوناته الأساسية الأولية، وهذا يدلل ويؤكد اشتغال بعض الأطراف لتكريس ديمقراطية مكونات شكلانيه طائفية، مذهبية، عشائرية، إثنية… تنذر بمخاطر تحويل سورية لكانتونات طائفية وإثنية وقومية وعشائرية وعرقية. وهذا يشكّل التهديد الأكبر للديمقراطية التي يطمح إليها الشعب السوري والتي يرى فيها ضماناً للحريات السياسية وحقوق المواطنة وحرية التعبير ..(وحرية الاعتقاد الديني و ممارسة الشعائر الدينية، بعيداً عن ربطها بالسياسة)( تمكين الحريات الأساسية العامة والشخصية)، والتوزيع العادل للثروة وسيادة القانون الذي يضمن المساواة بين كافة أفراد الشعب السوري في سياق المحافظة على وحدة سورية أرضاً وشعباً.

    ومما زاد من تعقيد الأزمة السورية وإدخالها في طور العطالة والاستعصاء، هو تحوّل المعارضات السورية إلى عامل إعاقة للحراك الشعبي. وذلك بفعل تناقضاتها الذاتية التي تحكم شكل ومستوى علاقاتها البينية، والتي تتقاطع مع تعدد وتناقض المرجعيات التي تؤثر على آليات تفكيرها واشتغالها. وإذا كانت طبيعة الحياة تفترض التنوع والاختلاف، وهذا يعبّر عن جوهر الديمقراطية السياسية, وإذا كانت الطبيعة ترفض الفراغ، فإن تراجع دور المعارضة السياسية الديمقراطية عن ساحة الفعل السياسي يفترض بداهة زيادة دور القوى المصابة بالعماء السياسي. ومن البداهة بمكان أن لا يستند التمييز بين المعارضة السياسية الخارجية والداخلية إلى التموضع الجغرافي،بل ينطلق من أهداف وآليات ووسائل وبنية وشكل العلاقة بين الداخل والخارج، إضافة إلى أن التمييز بينهما يحدده مصدر المرجعية والمشروعية السياسية. فمعارضة تستمد مشروعيتها من أطراف دولية تتناقض سياساتها ومصالحها مع أهداف حراك الشعبي يضعها في خانة المعارضة الخارجية. لذا فإن التمسك بأهداف الشعب الثائر من أجل الديمقراطية والعدالة، كذلك تمسّك المعارضة بالتغيير الوطني الديمقراطي من منظور الحفاظ على السمة الوطنية للحراك الشعبي السلمي، يحدد طبيعة وبنية وشكل المعارضة. فمرجعية المعارضة وأهدافها وآليات عملها تساهم بشكل أساسي في تحديد تموضعها السياسي( داخلية، خارجية). ولأن توحيد كافة أطراف المعارضة أو تأطيرها في إطار سياسي واحد ينافي ويناقض أسس الديمقراطية، وبذات اللحظة لا يمكن تحقيقيه بحكم التناقض العميق في منهجية وآليات والأسس الفكرية والنظرية والسياسية بين مكوناتها، فإن الأجدى سياسياً هو التنسيق المشترك في سياق تشكيل ائتلاف مُعارض يتبنى مهمة الانتقال الديمقراطي في إطار مشروع سياسي يعبّر عن مصالح الشعب السوري، و الأهداف التي حملها الحراك الشعبي السلمي،ويضمن التمايز والتباين والاختلاف وحرية التعبير بين كافة أطرافه حتى تحقيق التغيير السياسي الذي سيشكّل عتبة التحول الديمقراطي. حينها بالتأكيد سوف تتشكّل تحالفات وتكتلات سياسية تفترضها لحظة سياسية مغايرة لما هو سائد حالياً،وبالتأكيد سوف تكون هذه التشكيلات تعبيراً عن التنويعات السياسية والنظرية والأيديولوجية والطبقية والاجتماعية للمجتمع السوري، ومن المفترض أن تشكّل تلك اللحظة المدخل لبناء تجربة سياسية ديمقراطية يشارك فيها كامل المجتمع السوري بكافة تلويناته السياسية والمدنية… وحينها لن ينحصر الخلاف على المستوى السياسي، بل سيتعداه إلى كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والأيديولوجية، ومن المتوقع في حال سيطرة الجهات الإسلامية والليبرالية على المرحلة الانتقالية، أن يكون الصراع السياسي بين هذه الأطراف وكافة القوى السياسية المدنية والعلمانية واليسارية الديمقراطية، وعلى كافة المستويات.

    إن انعكاس التناقضات الإقليمية والدولية على آليات وطبيعة التغيير في سورية، فرض على بعض الأطراف أشكال وأدوات وآليات من التغيير يرفضها المجتمع السوري وقواه السياسية الوطنية الديمقراطية. كذلك سيطرة الأشكال العنفية على المشهد العام ساهم في إخراج غالبية السوريين من الحراك السياسي والنهوض الشعبي السلمي. وتقاطع هذا التحول مع الشكل القمعي الذي اعتمدته السلطة في مواجهة الحراك السياسي الديمقراطي السلمي لدفعه لحقل الصراع المسلح الذي يشكّل من منظور السلطة السياسية مقتل الحراك الشعبي، ويضمن للسلطة السياسية والأمنية والعسكرية سحق الحراك السلمي في سياق القضاء على الأطراف التي حملت السلاح. إن تحوّل وتغيّر أشكال وأدوات الصراع يدفع المجتمع السوري وقواه السياسية إلى مواقع وأشكال ومآلات لم يكن يرغب فيها السوريين، بل و يرفضونها. وهذا يستوجب من القوى السياسية وكافة المكونات الاجتماعية، التمسك بالطابع الوطني الديمقراطي السلمي للتغيير، ورفض التدخل العسكري الخارجي والإملاءات والمشاريع المعدّة من الخارج كونها تتناقض بداهة مع أهداف التغيير الديمقراطي الذي يشتغل على إنجازها المجتمع السوري، دون تجاهل أهمية دور المجتمع الدولي وواجباته الأخلاقية والإنسانية، وهذا يحصّن المجتمع السوري من التفتيت والدولة من الانهيار والتفكك إلى كيانات تعيد المجتمع السوري لأحط مراحله تخلفاً، ويستدعي بذات اللحظة التمسك بأدوات التغيير السياسي الوطني الديمقراطي السلمي، لأنه يشكّل الضمانة الوحيدة لسورية والسوريين. إضافة لذلك يجب أن يتساوق الحراك السلمي مع رفض الأشكال السلفية التكفيرية والجهادية التي تستخدم القوة والعنف الطائفي الذي بات يسيطر على أشكال التغيير في سورية. إن التحوّل في المشهد السوري يعبّر حالياً عن التناقض الدولي والإقليمي الذي يفرض نفسه بأشكال عنفية متخلفة على الحراك السوري وعلى اللوحة السياسية المستقبلية لسورية. وهذا يدخل الحراك السوري كذلك المجتمع بكافة فئاته وشرائحه ومكوناته في أزمة من الصعوبة بمكان الخروج منها .

    إن بنية السلطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وآليات اشتغالها أنتجت وتنتج موضوعياً على قاعدة الانتماء لذات البنية الاجتماعية المحدِّدة لنمط التفكير العام للكل الاجتماعي،ليس فقط حلفائها السياسيين، بل ونقيضها الطبقي (سياسياً، اقتصادياً، اجتماعياً) وأبعد من ذلك فإن أشكال سيطرتها وآلياتها الدفاعية عن مصالح الطغمة المهيمنة انعكست بفعل التماهي والتقاطع في آليات السيطرة والاشتغال الذي يحكم العلاقات في ذات البنية الاجتماعية، التي تتجلى فيها بوضوح أشكال وآليات اشتغال الطرف المسيطر، على آليات اشتغال المعارضات السياسية، وإن كان بأشكال وتجليات محدودة نسبياً.لكن يبقى للطرف المسيطر والمهيمن الدور الأبرز في تحديد شكل هذه العلاقة وأشكال تجلياتها. دون أن نُغيّب العوامل الإقليمية والدولية،والأبعاد والمستويات الذاتية لكل طرف.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...