الرئيسية / صفحات الحوار / مصطفى خليفة: “القوقعة” شاهد عيان على سجون نظام الأسد

مصطفى خليفة: “القوقعة” شاهد عيان على سجون نظام الأسد

 

 

ميسون شقير

مصطفى خليفة ليس مجرد كاتب، إنه تجربة إنسانية صادمة، وتاريخ طاعن بالقهر، و”القوقعة” ليست مجرد رواية، فهي قوقعة حقيقية سجنتنا ضمنها، ولم تجعلنا قادرين على مغادرتها، قوقعة الإحساس الهائل بالظلم والوجع والذل والقرف، قوقعة المرارة التي لن تفارق حلوقنا وتصل إلى أرواحنا، قوقعة بلاد كاملة تعيش وتموت تحت التعذيب وتحت علاقات اجتماعية مريضة، وهيمنة دينية قاتلة. هي رواية الفقد بكل أشكاله، وأهمها فقد سجين الرأي لذاته التي كانها قبل الاعتقال والتي لن يتمكن من العودة إليها حتى لو خرج من السجن.

و”القوقعة” هي الرواية التي كانت الأكثر مبيعا في معرض الكتاب في دبي، وهي الرواية التي تحولت إلى أكثر الروايات السورية المقروءة، وخاصة بعد أن أصبح موت السوري تحت التعذيب هو الحالة اللحظية منذ ما يزيد على السبع سنوات.

ترجمت “القوقعة” لعدة لغات، وهنا في توقيع ترجمتها للغة الإسبانية، في البيت العربي في مدريد، كان لنا هذا الحوار مع مصطفى خليفة:

(*) هناك من يقول إن روايات السجن السياسي التي توغل في وصف التعذيب، هي إحدى الأدوات التي تساعد النظام الديكتاتوري القاتل بنشر الرعب الذي يريده، وبالتالي تساهم في طول مرحلة وجوده، وآخر يقول إن الثورة السورية تشكلت في “قوقعة” مصطفى خليفة، ما رأيك ككاتب وكقارئ سوري؟

ـ تجنبًا لسوء الفهم، لا نستطيع أن نقول إن روايات السجن السياسي هي إحدى “أدوات” النظام، لكن يمكن القول إن النظام قد يستفيد موضوعيًا من هذه الروايات كي يرفع من جدار الخوف في وجدان الناس. وقد عشت هذا الهاجس لمدة عامين تقريبًا بعد نشر “القوقعة”. وهذا الموضوع جد دقيق، فالخيارات صعبة للجميع بمن فيهم الديكتاتور، فواجبك كمناضل أن تنقل للعالم ما يجري من فظاعات، وخوفك أن يستفيد الديكتاتور من هذا، وحيرة الديكتاتور بين أن يسمح لهذا النوع من الكتابة بالانتشار لأنه يفزع الناس، أو يمنعه لأنه يفضح ممارساته وكذبه وادعاءاته.

أما القول إن الثورة السورية نشأت في “القوقعة”، فأعتقد أنه كلام غير دقيق إلا في حالة واحدة، إذا كان المقصود هو ما ذهب إليه الأديب اللبناني إلياس خوري، عندما وصف النظام الأسدي بنظام القوقعة، فهو النظام الذي وضع سورية كلها في قوقعة، وأعتقد أن الثورة السورية هي فعل موضوعي توافرت له شروطه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي هي أكبر وأجلّ من أن تنشأ في رحم كتاب أو رواية.

حمل ثقيل على الورق

(*) لماذا كتب مصطفى خليفة قوقعته هذه التي سجننا جميعا فيها؟ هل هو انتقام من الذل والقهر، أم هو انتقام من السجان، أم هي حالة تخلص من وجع لا يمكن أن يستمر داخلك؟ أم أنه حالة إعادة واستحضار للوجع نفسه؟

– هي كل هذا. لقد كانت تجربة سجن تدمر تجربة مذهلة القسوة، وصادمة القهر، كنا نرى أساليب تعذيب لم تكن تخطر على بال أحد، كنا أنا وصديقي المعتقل نراقب بذهول حركات أحد الجلادين، نراقب ما يرتسم على وجهه من حقد وفي الوقت نفسه من انتشاء أثناء تعذيب السجين، ثم التفت صديقي المعتقل نحوي وقال لي: طوال عمرنا ونحن نناضل في سبيل الشعب السوري، فهل من الممكن أن يكون هذا الجلاد السوري هو أحد الذين كنا نناضل في سبيلهم؟.. لقد كانت كمية المعاناة والذل تجعلنا نقترب من حد الإصابة بالفصام، ويبدو أن كل ممارسات النظام السوري في خارج وفي داخل السجن، تعتمد على مبدأ واحد هو مبدأ إذلال الإنسان بكل معنى الكلمة، وتحطيمه من الخارج ومن الداخل، وجعله يرى نفسه مجرد حشرة لا أكثر ولا أقل. إن هذا الكم من الإذلال الذي تجرعناه على مدى 15 سنة كان لا بد من أن ينفجر، ومن حسن حظي أن انفجاري كان عن طريق الرواية، نعم هي محاولة لتفريغ ما في داخلي. وهي محاولة لتعرية هذا الوحش أيضا.

هل تعرفون أن هذا الاذلال انفجر عند بعض الناس بالانتحار، نعم بالانتحار، وقد حاولت أن أقدم هذا من خلال شخصية وسيم في الرواية، لكن وسيم هو ليس مجرد شخص من أشخاص الرواية، بل هو شخص حقيقي أنا عايشته، كان معي، تماسك 15 سنة داخل السجن، وبعد خروجه بعدة أيام انتحر، ذلك أن انفجاره الداخلي أدى إلى فعل احتجاجي من هذا النوع، ولو كان وسيم شخصية انتحارية لانتحر أيام السجن تحت وطأة التعذيب والمعاناة، وهناك فعل انفجار آخر هو حالات الجنون التي أصابت الكثيرين في سجون الرأي.

أنا لم أخطط لكتابة رواية، لكن فجأة أحسست أنه لا بد من أن أكتب، بدأت بالتذكر، ثم كتبت رؤوس أقلام وبعدها انهالت علي الذاكرة وبدأت التفاصيل تعيد نفسها، وهكذا كتبتها طيلة حوالي سنة متواصلة، ولم أتوقف إلى أن انتهيت من كتابة المسودة، وفورا أعطيتها لصديقة لتراجعها لغويًا، ولتبدي ملاحظاتها، حتى أني لم أراجعها أبدا. لقد كان تذكر الأحداث مؤلمًا جدا، لأني اضطررت لأن أعيشها مرة ثانية، كما أن تذكر الألم ليس فعلًا إراديًا، لكنه في الوقت ذاته كان مريحا، لأن حملا ثقيلا كان قد صار على الورق.

(*) فقد الحرية، فقد الأمل، فقد كل من تحب، فقد إنسانيتك، فقد كرامتك، فقد الثقة بكل العالم، فقد الأحلام، فقد الحب، فقد القدرة على الحب، فقد المرأة، فقد الضوء – كل هذا الفقد الذي يعمره السجن السياسي فيك، والذي يرويه التعذيب والمرض والوسخ والرعب، ليصبح وحشا يتعملق في روح السجين، هل تعتقد أن الخروج من السجن يمكن أن يقتل يوما هذا الوحش فيك؟

ـ كل هذه الفقدانات، وعلى أهميتها، ليست هي سر الموضوع، إنما في هذه العلاقة بين الجلاد والضحية. لا يكمن الألم في خصوصيتنا السورية في هذه الفقدانات فقط، إنما في خصوصية جلاد”نا”، هذا الجلاد الذي يبدو وكأنه لم يجبل من تراب وماء، ولكن جُبل من النذالة والخسة، فهو لا يكتفي بعزل السجين عن العالم الخارجي لكي يبعده عن مجالات تأثيره، وهذا هدف السجن السياسي في كل العالم، بل يظل يلاحقه بشكل دائم سعيًا لتحطيمه من الداخل، وإذا كان جورج أورويل قد صور في رائعته “1984” نجاح الجلاد في دفع ضحيته إلى حبه، فإن جلاد”نا” لا يريد من ضحاياه أن يحبوه، فالحب مرفوض، جلادنا يريد من الضحية أن يفقد احترامه لنفسه، أن يكره نفسه، ومن يكره نفسه لا يستطيع أن يحب امرأة، ولا طفلا، ولا وطنا. وفي داخله لا تنمو أشياء، بل تتحطم أشياء.

(*) في “القوقعة” كنت تتلصّص من ثقب في الجدار على الحياة في ساحة السجن وهي تعيش دقائقها القليلة في الضوء، هل ترى أننا الآن يمكن أن نجد شيئا نتلصص عليه في الحياة في سورية من ثقوب قلوبنا البعيدة عنها؟

– نحن الآن موزعون، وتحت كل نجم واحد منّا، نجلس على شرفات متناثرة على مساحة العالم… ونراقب، ليس فقط بقلوب مثقوبة نازفة، لكن بأجساد أنهكتها واستنزفتها الثقوب، ونفوس مثقلة بداء يسمى “الاكتئاب السوري” ومشهد لامعقول لوطن أنهكه الموت والدمار والإجرام… والاحتلالات، وهذا ليس تلصصًا وإنما شاهد عيان وتوثيق بصري قلّ نظيره، بانتظار فسحة حياة.

(*) هل الحرية التي نجدها الآن في تغريبتنا الإجبارية في هذه البلاد الغريبة عن لهاثنا ولغتنا وآثار أقدامنا، هي سجن آخر للروح، سجن الغربة ذو السماء المفتوحة؟

ـ لقد غادرت سورية في عام 2006، وكنت قبل ذلك ممنوعًا من السفر، وبعد اللجوء إلى أمور لا أستسيغها، حصلت في النهاية على إذن بالسماح بالسفر لمرة واحدة، وهكذا خرجت ولم أعد، لأنني كنت قد وصلت هناك إلى مرحلة لم أعد أستطيع التأقلم أكثر مع الوضع، وكنت أرفض الذهاب إلى أوروبا، فقبل أن آتي إلى الإمارات توافرت لي فرصة الخروج إلى أوروبا، إلا أنني رفضت لأني كنت أعرف أنها ستكون سجنا آخر، وفضلت المجيء إلى الإمارات. نحن السوريون نمتلك مشاعر عميقة جدا تجاه مفهوم العروبة حتى لو كنا ماركسيين أم قوميين أم إسلاميين أم حياديين، ونشعر بأن الوطن العربي كله وطننا، ولهذا لم أشعر بالغربة بالإمارات، بل على العكس، لدرجة أنني طلبت من زوجتي إن مت هنا أن تدفنني في هذه الأرض، ولا تعيدني إلى سورية، لكن ما حصل هو أنه جاء هنا من يهددني، وخاصة بعد ثورة الشعب السوري، وبعد انتشار القوقعة، لذا كان يجب أن آتي إلى فرنسا، وهنا بالرغم من هذا التقدم الحقيقي في حقوق الإنسان، إلا أن الغربة هنا أصعب وأعمق، وأقسى، ولكني حاولت قهرها بكتابة روايتي الجديدة.

الثورة السورية حطمت جدار الخوف المرعب

(*) ما هو أهم ما قدمته الثورة السورية برأيك برغم كل هذا الحجم الهائل من الموت؟

– بالرغم من كل الخذلان والقهر، فقد حطمت الثورة السورية، ثورة الشباب، أصعب ما يمكن تحطيمه، وهو جدار الخوف المرعب، قد لا تكون حطمته 100% لكنها حطمته بنسبة معقولة. الثورة السورية مؤلمة بسبب قتل شبابنا وأطفالنا، بسب تهجهير أهلنا، وتدمير مدننا، بسبب موت الآلاف تحت التعذيب، لكن مع هذا، فيها العديد من الصور المشرقة والرائعة، فأنا لا أنسى التواجد النسائي الضخم في حمص بساحة الساعة، ولا يمكن أن أنسى يوما الملاحم التي قدمت من خلال لهفة الشباب على بعضهم حين يصاب أحدهم، حيث يعرضون أنفسهم للخطر لإسعافه، وشهود العيان الذين كانوا ينقلون الأخبار وهم يعرفون أن الأمن السوري قادر على تتبع المكالمات، لكنهم يخاطرون بكل شيء من أجل نقل الخبر، وأنا أرى أن أي واحد منهم هو أفضل بألف مرة من وزير الإعلام نفسه، وقد أبكتني أغنية سميح شقير “يا حيف”، لكني لم أتوقع أن نرددها آلاف المرات. إن كل ما ذكرته، وما لم أذكره، هو حقائق ستدون يوما وستكتب عنها روايات كثيرة، وهي تعيد تشكيل صورة الإنسان السوري، الإنسان الذي أثق به برغم كل هذا الخراب، برغم كل هذا الخذلان، والذي سأبقى أثق به دائما، لأنه الإنسان الذي خرج للشارع في دولة هي من أشد الدول الأمنية في العالم، ولا يهمني إن كان قد خرج من المسجد، أو من القمر، يهمني أنه خرج سلميا، جريئا بطريقة لم يعرفها شعب في التاريخ الحديث.

تاريخ نظام الأسد تاريخ سجون

(*) “القوقعة” هي تجربتك الحقيقية الطاعنة بالقهر والمرارة، وقد حصل خلط مع الكثير ممن كتبوا عنها حين قرأوها قبل أن يتعرفوا عليك شخصيًا، وأنا واحدة منهم، إذ إني خلطت بينك وبين بطل الرواية، وكتبت مرة أن مصطفى خليفة هو ذاك المسيحي الذي دخل السجن السياسي في سورية، وبقي فيه لمدة خمسة عشر عاما، بتهمة العضوية في الإخوان المسلمين، وكتب لنا هذا العمل المذهل، مع أنك في الحقيقة لست مسيحيا ولم تعتقل بهذه التهمة، لكنك فعلا كنت معتقلا للمدة نفسها عند نظام الأسد. هل تعتقد أن هذا الخلط من الطبيعي حصوله ولماذا؟

– بعد صدور “القوقعة” التقيت العديد من المعتقلين السوريين السابقين الذين مروا بالتجربة نفسها، وكان هناك شبه إجماع: “كأنها تؤرخ لتجربتي!.. أو كأنني من كتبتها”. أريد أن أقول: في أعمال كهذه لا يهم ما هو دين أو قومية من عاش هذه التجربة. يجب أن نفصل بين العمل الروائي وبين الروائي نفسه، وكثيرًا ما أقرأ روايات من دون التوقف طويلًا عند اسم الكاتب، فقد يكون هناك روائي من أسوأ البشر ويكتب رواية في غاية الإبداع، حتى على مستوى الرأي، علينا ألا نربط بين ما يطرحه وبين شخصه وذاته.

وفي هذا الصدد، نستطيع أن نقول بثقة إن أغلبية السوريين عانوا من عذابات وحرمانات السجن، إن لم يكن بذواتهم وأجسادهم، يكون السجين إما أبًا أو أمًا… أخًا أو ولدًا، فكما هو معلوم فإن تاريخ نظام الأسد هو تاريخ سجون، هذا إن لم نتكلم عن السجن الكبير الذي اسمه سورية.

لذلك أعتقد أن المهم هو نجاح أو عدم نجاح العمل في نقل ما كان يجري ولا يزال يجري بصورة أبشع بكثير في سراديب الأسد الجهنمية.

ضفة ثالثة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف عيساوي: “فايسبوك” منبري لتقصي الإلحاد

    حاوره: وليد بركسية “هذه المقابلة ستجعل أي تلفزيون يرفض العمل معي في المستقبل”. ...