الرئيسية / صفحات مميزة / معركة القصير وعلاقات الجماعات والأفراد: محمد زهير كردية

معركة القصير وعلاقات الجماعات والأفراد: محمد زهير كردية

محمد زهير كردية *

حرب تموز (يوليو) 2006 التي خاضها حزب الله اللبناني مع العدو الإسرائيلي إثر عملية أسماها «الوعد الصادق»، نجم عنها، في ما نجم، تهجير أكثر من نصف مليون نازح، نالت سورية النصيب الأكبر منهم، حيث تمت استضافتهم لدى الشعب السوري، بعيداً من المخيمات التي أنشأها النظام لهم. غالبية السوريين كانت تعتبر أن هذه الحرب حربها أيضاً، وأن انتصار الحزب على إسرائيل انتصار لها.

اليوم وبعد مرور أكثر من عامين على الثورة السورية، والتي راح ضحيتها آلاف الأبرياء والجرحى، وهُجّرت عشرات الآلاف من النساء والأطفال والعجزة، ونال لبنان أيضاً عدداً ليس بالقليل من المهجرين، يأتينا حزب الله الذي يحمل شهادة الوطنية والعروبة والقومية والدين، ليقوم بإلغاء كل الصفات والشهادات التي أعطيت له في حرب تموز، وليتفوق بشهادة جديدة تجعل منه الخبر الأول على ألسنة الناس، وشاشات التلفزة، وأوراق الصحف، وصفحات التواصل الاجتماعي.

لا يكتفي هذا الحزب بمشاركته النظام السوري مجازره ذات التطهير الطائفي والإبادات الجماعية في غالبية المدن السورية، بل يقوم بملاحقة الناشطين واللاجئين والمهجرين السوريين في لبنان، الذين هربوا من بطشه وبطش النظام الراعي له في سورية.

منذ بضعة أيام، كنتُ في أحد مقاهي بيروت مع بعض الأصدقاء، وكما هي العادة، كان عليّ أن أعود بالميكروباص، ذلك لأن غالبية السوريين المقيمين في لبنان (وأنا منهم)، لا يستطيعون أن يشتروا سيارة خاصة أو أن يوقفوا سيارة أجرة لتوصلهم حيث يريدون الذهاب، بسبب غلاء الأسعار وانعدام الدخل تماماً وندرة الوظائف، فـ «الفان» هو الحل الأمثل لنا نحن السوريين. وعندما أوقفت «الفان» ليقلني إلى مكان سكني، سألني السائق من دون أن أتفوه بأي كلمة: هل أنت سوري، هذا السؤال صار روتيناً يومياً تطرحه غالبية اللبنانيين. أجبت: نعم أنا سوري، قال: من أين؟ قلت: من حماة، قال: من أين من حماة؟ قلت: من مدينة السلمية، قال: أنتم السوريون جميعكم خونة وأنذال وذليلون، تأتون إلى هنا لتشحذوا قوت يومكم، وتمارسوا كل أنواع السرقة والذلّ، ومنكم أيضاً مَن يكون همه الوحيد ارتياد الخمارات ومعاشرة النساء، وتتركون بلدكم ووطنكم وقائدكم الرجل الطيب والشاب المندفع، يقاتل الإرهابيين والعصابات المسلحة، ونحن نقدم يومياً الشهداء والجرحى لأجله ولأجل سورية. قلت: هل أنت من عناصر حزب الله؟ قال: أنا وجميع أفراد عائلتي في حزب الله، وسنقاتل مع الرئيس بشار الأسد حتى آخر قطرة من دمائنا، ولن نسمح لمجموعة من الحثالة أن يهنأوا في ديارنا ونحن نقدم الغالي والنفيس في سورية. ثم بصق على وجهي وأغلق نافذته وذهب مسرعاً.

وقفت دقائق عدّة أفكر وأتأمل في ما قاله هذا السائق، وإلى أين كان ممكناً أن يصل بنا الحوار لو أننا أكملناه، والى أين وصلت درجات الانحطاط الخلقي والعقائدي لدى هذه الشريحة، وكيف تحول الإنسان إلى مجرد سلعة. لملمت أفكاري وتكلمت مع أحد الأصدقاء السوريين الذي يعمل سائق سيارة ليقلني إلى مكان سكني…

هناك حوادث عدة جرت في لبنان مع السوريين المقيمين، وغالبيتها بفعل أشخاص من حزب الله. هكذا، يكافئ حزب الله ومناصروه الأشخاص الذين احتضنوهم وأسكنوهم بيوتهم، وأطعموهم من طعامهم، وقدموا لهم كل ما استطاعوا…

بحجة حماية المقدسات وجعل سورية كربلاء ثانية، وربما تهيئةً لقدوم المهدي المنتظر، أو ربما نتيجة لشهادة الحزب الجديدة، أزهقَت الدماء في كل مكان على تراب سورية، ووزعت الحلويات والبقلاوة، فرحاً بتلك الدماء التي أزهقت، وعانى السوريون ولا زالوا يعانون أشكال الذّل والعذاب كافة!

* كاتب سوري

الحياة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...