الرئيسية / صفحات مميزة / مقالات تناولت الخطاب الأخير لباراك أوباما عن حالة الاتحاد

مقالات تناولت الخطاب الأخير لباراك أوباما عن حالة الاتحاد

أوباما والإسلام في خطبة الوداع: حصيلة السبع العجاف/ صبحي حديدي

في 24 شباط (فبراير) 2009، خلال خطبة باراك أوباما الأولى أمام الاجتماع المشترك للكونغرس (التي لم تكن، فنياً عن حال الاتحاد، بالنظر إلى أنّه كان قد تقلّد المنصب لتوّه)؛ لم يأتِ أوباما على ذكر الإسلام أو المسلمين، وذكر «إسرائيل وجيرانها» بصدد «السعي إلى التقدّم نحو سلام آمن ودائم». بعد سبع سنوات، قبل أيام، ألقى أوباما خطبة (عن حال الاتحاد هذه المرّة)، توقف فيها عند نزعة الترهيب من الإسلام لدى بعض الساسة الأمريكيين (وليس دونالد ترامب وحده، للتذكير)؛ كما عفّ عن ذكر إسرائيل، مقابل إشارة إلى الاتفاق حول البرنامج النووي الإيراني.

هذه الملاحظة، الأولى، قد تبدو شكلية من حيث المبدأ، ولا تمسّ ثوابت البيت الأبيض بصدد إسرائيل والعالم العربي والإسلام والمسلمين؛ إلا إذا وُضعت في سياقات أعرض تخصّ ولايتَيْ أوباما، وطبيعة المغيرات التي شهدتها، وما الذي حرّك التغيير أو استلزم الثوابت. ومن جانب آخر، صحيح أنّ هذه الخطب تتوخى المشهد الداخلي الأمريكي في المقام الأوّل، ولا تقارب السياسة الخارجية والعالم ما وراء الأطلسي إلا لماماً؛ فإنها، مع ذلك، تظلّ جردة حساب عن قوّة الاتحاد ومنعته إزاء الأخطار المختلفة، وخاصة حين يكون الرئيس في ختام ولايته الثانية، عند موعده الأخير مع الشعب الأمريكي والسجلّ التاريخي.

كثيرة هي المنعطفات الكبرى التي تحكمت في متغيرات وثوابت إدارة أوباما، وهي ليست ضئيلة الأثر في النطاقَين الداخلي الأمريكي والعالمي الكوني، من جهة؛ كما أنّ أوباما لا يغادر رئاستَيه وقد أغلق أياً منها تماماً، أو كانت له شخصياً فاعلية عالية في معالجتها. الحقائق تمنحه أثراً ملموساً، والبعض يراه تاريخياً، في عكس الركود الاقتصادي الأمريكي، ونقله إلى وضعية ازدهار مضطرد تجلى على نحو خاص في هبوط معدلات البطالة؛ فضلاً عن إصلاح نظام التأمين الصحي، وقوانين الهجرة، وقانون العقوبات، وتنظيم حيازة السلاح… ثمة، مع ذلك، مظانّ كثيرة تُفرغ هذه الإصلاحات من بعض فضائلها، وأحياناً تقلب أغراضها رأساً على عقب؛ كما حين يتفاخر أوباما بأنّ معدّلات ضحايا الأسلحة الفردية قد هبطت (لكنّ أعداد ضحايا استخدام الشرطة للسلاح ضدّ المواطنين قد ارتفعت إلى 986 شخصاً خلال العام المنصرم، حسب إحصائيات الـ»واشنطن بوست»).

غير أنّ خطبة الوداع هذه لم تخلُ من تفاخر شخصي، حول منجزات أخرى على صعيد السياسة الخارجية، في مجالات صارت أثيرة ـ والكثير منها مكروراً، مستعاداً ـ لدى رؤساء أمريكا منذ11/9: عظمة أمريكا، عسكرياً واقتصادياً وتكنولوجياً، حماية الشعب الأمريكي، كأولوية قصوى؛ الحرب على الإرهاب، التي تتشابه في المحتوى وإنْ اختلفت الوسائل؛ مفهوم القيادة الأمريكية للعالم، وتنتهي إلى دور الشرطي الكوني مهما أنكرها هذا الرئيس أو اعتنقها ذاك؛ وأخيراً، وليس آخراً: «داعش»، بوصفها الملفّ الأسخن الذي صار واجهة معظم ملفات انتفاضات «الربيع العربي». وما خلا صياغات مختلفة هنا وهناك، وهذا أو ذاك من مستويات البراعة الخطابية، لم يكن في خطبة الوداع جديد لامع يُدخل أوّل رئيس أمريكي أسود البشرة إلى حوليات البلاغة الرئاسية الأمريكية!

لافتة، إلى هذا، تلك الفقرة التي نددت بالرُهاب من الإسلام والمسلمين، والتي يمكن أن تدخل التاريخ بوصفها الأطول في هذا الموضوع، بل وفي الدفاع عن الإسلام والمسلمين؛ وذلك على امتداد سجلّ الخطب الرئاسية الأمريكية، منذ أن ألقى جورج واشنطن خطبته الأولى سنة 1790. قال أوباما: «.. لهذا نحن نحتاج إلى رفض أية سياسة تستهدف الناس بسبب من عرق أو دين. هذه ليست مسألة انضباط سياسي. إنها مسألة إدراك ما يجعلنا أقوياء. العالم يحترمنا ليس بسبب ترسانتنا وحدها، بل يحترمنا لتنوّعنا وانفتاحنا وطريقة احترامنا لكل العقائد. قداسته، البابا فرنسيس، أخبر هذا المجمع، من المنبر الذي أقف عليه الليلة، أنّ ‘محاكاة الطغاة والمجرمين في الكراهية والعنف هي الطريقة الأفضل للحلول محلهم’. حين يهين الساسة المسلمين، وحين تُنتهك حرمة مسجد، أو يُهان طفل، هذا لا يجعلنا أكثر أماناً. وهذا ليس باطن الأمر. إنه خطأ فقط. إنه ينتقص منّا في أعين العالم. إنه يجعل تحقيق أهدافنا أصعب. وإنه يخون هويتنا كبلد».

وهذه فقرة تعيدنا إلى ربيع 2009، حين ألقى أوباما خطبته الأولى في بلد مسلم، أمام البرلمان التركي؛ فشدّد على البُعد الثقافي (الديني والحضاري والتاريخي، في معانٍ أخرى) وراء خطوته تلك، بصفة خاصة، ثمّ أبرز الخلفية الستراتيجية والجيو ـ سياسية لعلاقة الغرب بالعالم المسلم، وبالإسلام عموماً. يومها قال، في محور أوّل يخصّ الغرب عموماً: «ما يربط تركيا بأوروبا هو أكثر من مجرّد جسر على البوسفور. تجمع بينكم قرون من التاريخ المشترك، والثقافة، والتجارة. وأوروبا لا تضعف، بل تكسب، من تعددية العرق والتراث والعقيدة. وعضوية تركيا سوف توسّع وتقوّي الأساس الأوروبي من جديد». وقال، في محور ثانٍ يذكّر بأنّ أمريكا ليست في حرب مع الإسلام،: «سوف نصغي بانتباه، وسوف نجسر سوء التفاهم، وسنسعى إلى أرضية مشتركة. وسوف نلتزم بالاحترام، حتى عندما لا نتفق. ولسوف نعبّر عن تقديرنا العميق للعقيدة الإسلامية، التي فعلت الكثير في صياغة العالم على مرّ القرون، بما في ذلك داخل بلدي. لقد اغتنت الولايات المتحدة بالأمريكيين المسلمين. والعديد من الأمريكيين الآخرين ضمّوا مسلمين في عائلاتهم، أو سبق لهم العيش في بلد ذي أغلبية مسلمة، وأعرف هذا لأنني واحد منهم».

والفقرة، إياها، تعيد الأذهان إلى مناسبة أخرى وضعت أوباما على محكّ استشراف علاقة الولايات المتحدة بالعالم الإسلامي، أي خطبة الرئيس الأمريكي في جامعة القاهرة، بعد قرابة شهرين من مخاطبة البرلمان التركي. يومها بدأ أوباما من دَيْن مسلم في عنق الأمريكيين: أنّ أوّل اعتراف رسمي بحكومة الولايات المتحدة الأمريكية لم يصدر عن حكومة أوروبية مسيحية، أو شرقية غير مسلمة، بل كان السبق فيه قد انعقد لحكومة المغرب، المسلمة! كذلك شاء أوباما تأطير هذا الملفّ على نحو أكثر راهنية، وارتباطاً بالحاضر، فاعتبر أنّ علاقة أمريكا بالإسلام ليست مجرّد مظاهر ثقافية ـ دينية، لغوية أو رمضانية أو بروتوكولية، لأنّ الإسلام جزء من أمريكا، بدلالة وجود سبعة ملايين مسلم، وأكثر من 1200 مسجد هنا وهناك في مختلف الولايات.

وفي جانب كبير من فقرات خطابه، بدا أوباما شديد الحرص على إعطاء صورة مخالفة، أو عكسية نقائضية أحياناً، للخطاب الرسمي الذي اعتمدته الإدارة السابقة، تجاه مسألة العلاقات الأمريكية مع العالم المسلم عموماً، ومسائل الشرق الأوسط بصفة خاصة. طيّ هذا الخيار كمنت رغبة خفية في توبيخ سلفه جورج بوش الابن، ونائبه ديك شيني، ووزير دفاعه دونالد رمسفيلد، وعقائد المحافظين الجدد، أو حتى صمويل هنتنغتون وأطروحته حول صدام الحضارات، من جهة أولى؛ وفي الإيحاء، من جهة ثانية، بأنّ هذه الإدارة تختلف، أو سوف تخالف، ذلك الماضي الحزين، لاستشراف مستقبل أكثر سعادة، أو أقلّ حزناً.

فما الحصيلة، في نظر المسلمين، بين أوباما 2009 و2016؛ بمعزل عن الأقوال والفقرات الطوال، وعلى أرض الواقع والأفعال؟ سبع عجاف، بل كارثيات، كما ستقول الغالبية الساحقة من أبناء البلدان الإسلامية، أغلب الظنّ؛ أياً كانت أديانهم وطوائفهم ومذاهبهم، وبصرف النظر عن نكباتهم. ولا عجب في هذه الخلاصة، إذْ كيف أمكن أن تكون سوى ذلك!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

القدس العربي

 

 

 

 

فليرحل غير مأسوف عليه/ مروان قبلان

ألقى الرئيس الأميركي باراك أوباما، الثلاثاء الماضي، خطابه الأخير عن حال الاتحاد، وحظي الخطاب باهتمام إعلامي كبير، إذ استخدمه الرجل فرصة ليعدد إنجازاته، وكانت كثيرة على الصعيد الداخلي (صحة، تعليم، فرص عمل أكثر، نمو اقتصادي أفضل، اعتماد أقل على واردات النفط من الخارج وغيرها). أما في حقل السياسة الخارجية، فلم يجد أوباما، إذا أغفلنا مسألة استئناف العلاقات الدبلوماسية مع كوبا، إلا إنجازاً يتيماً أطنب في تأكيد أهميته، وهو نجاحه في “نزع أسنان” إيران النووية.

والحق أن انتخاب هذا الرئيس الليبرالي المفوّه، أسمر البشرة، “عدو” الحروب، وحامل لواء الدفاع عن حقوق الإنسان وقيم العدالة الاجتماعية، شكل صدمة إيجابية، سرى صداها في أنحاء العالم، والمنطقة العربية ضمناً. وقد جاء الرجل إلى البيت الأبيض، والأمل يحدو الجميع في أن سياساته سوف تشكل قطعاً مع سياسات سلفه الذي أنهك المنطقة العربية بأجندته الخارجية المتطرفة، وهزّ أركان النظام الإقليمي بغزوه العراق وتحطيمه، وأعلن حرباً عالمية على الإرهاب، كانت في حقيقتها حرباً على العرب والمسلمين، وساند إسرائيل حتى خشي بعض الإسرائيليين من فرط حبه لهم. لكن الرئيس، الذي نفذ أجندة المحافظين الجدد الذين سيطروا على مفاصل إدارته الأولى، بأمانة ودقة، لم يتمكّن لا من بناء ديموقراطية في العراق، كما زعم، ولا من الحد من انتشار التطرف الذي طارده في العالم، ولا في تنفيذ خريطة الطريق التي وعد أنها ستفضي إلى حل الدولتين في فلسطين في يونيو/حزيران 2005.

جاء أوباما إذاً لتصحيح ما عدّه أخطاء كارثية، ارتكبتها إدارة سلفه، فوعد، من بين أشياء أخرى كثيرة، بالانسحاب من العراق، وأنهى استخدام “كليشة” الحرب على الإرهاب، وتعهد باحترام حقوق الإنسان حول العالم، وإغلاق معسكر غوانتانامو، وحاول إعادة بناء الجسور مع العالم الإسلامي فزار القاهرة، وألقى كلمة في جامعتها في يونيو/حزيران 2009، عبّر فيها عن رغبته في طي صفحة التوتر الذي ميز العلاقة مع سلفه، كما قام بزيارة تاريخية لاسطنبول التي شكلت محطته الخارجية الأولى خارج العالم الغربي، حاول فيها استعادة ثقة حليف استراتيجي، عمدت إدارة بوش إلى معاقبته، لرفضه السماح باستخدام أراضيه في غزو العراق. وعيّن أوباما الجنرال جيمس جونز (عدته إسرائيل خصمها الأبرز في واشنطن) مستشاراً للأمن القومي، بعد أن أصدر تقريراً دان فيه إسرائيل، عندما ترأس في عهد بوش الابن لجنة للتحقيق في نشاطات الاستيطان في الأراضي العربية المحتلة.

لكن الشرق الأوسط لم يكن ليترك أوباما، من دون أن يخضع وعوده ومواقفه الكلامية لاختبار جدّي، وكان الربيع العربي ذلك الاختبار. تفاجأ الرئيس أوباما وأركان إدارته، كما كثيرون، باندلاع الثورات العربية، وارتبكوا أمامها أيما ارتباك، كيف يكون هذا وخبراء الغرب من المستشرقين وأشباههم ما فتئوا يؤكدون منذ القرن التاسع عشر (إرنست رينان) وحتى اليوم (برنارد لويس واتباعه) أن المنطقة العربية عصية على الثورة والديموقراطية لأسبابٍ مرتبطة بعوامل بنيوية، كالثقافة، والدين والمعتقد والبنية الفكرية. وكان الرئيس أوباما مقتنعاً، كما تبيّن، بهذه المقولات حول عبثية محاولة دمقرطة المنطقة، وما زيارته إلى القاهرة عام 2009 سوى سلوك اعتذاري عن محاولات سلفه فرض الديموقراطية على مجتمعاتٍ، ليس فيها ديموقراطيون، ولا ثقافة ديمقراطية. لذلك، عندما أطل أوباما من جامعة القاهرة، كان، في حقيقة الأمر، يعتذر من الاستبداد العربي، الذي تبين له أنه “محق” في مقولته إن الشعوب العربية تمثل حالة استثنائية، لا تنفع معها الحرية والديموقراطية.

من هنا، ارتبك أوباما وفريقه عندما انطلق قطار التغيير في تونس، لكن الارتباك الأكبر حصل

“ارتبك أوباما وفريقه عندما انطلق قطار التغيير في تونس، لكن الارتباك الأكبر حصل عندما وصل القطار إلى محطة القاهرة” عندما وصل القطار إلى محطة القاهرة. عندها، انقسمت الإدارة على نفسها بين من يجادل بضرورة تأييد التغيير، حتى لا يتكرّر درس الثورة الإيرانية، عندما خسرت واشنطن، لتأخرها في التخلي عن الشاه، حليفاً بحجم إيران، وبين من يجادل بإمكانية احتواء الموقف ببعض الإصلاحات. في النهاية، انتصرت الفكرة الداعية إلى مراقبة الوضع عن كثب، والتصرف بناء على التطورات الجارية، وهو ما حصل، عندما تبينت استحالة إنقاذ حسني مبارك. كذلك فعلت إدارة أوباما مع انطلاق الثورة المضادة، راقبت الأوضاع على الأرض، وتصرفت بناء عليه، فواشنطن، في النهاية، مع من يحكم، بغض النظر عن طريقة وصوله إلى الحكم. وبغض النظر عن كل التفاصيل، شكل موقف أوباما الانتهازي في مصر، وصمته على انقلاب 3 يوليو/تموز 2013، ضربة قاصمة للحلم الديمقراطي العربي.

في سورية، لم يكن أوباما أبداً في وارد تأييد الثورة، ولم يتخذ موقفاً ذا شأن حتى أغسطس/ آب 2011، عندما طالب بشار الأسد بالتنحي، قبل أن يبدأ بالتراجع تدريجياً عن ذلك. أصر على مشاهدة المأساة السورية تتوالى فصولاً خمس سنوات متتالية، رفض في أثنائها فعل أي شيء، مخالفاً بذلك رأي أكثر مساعديه ومستشاريه.

ضحّى أوباما بمئات الألوف من السوريين، فقط ليقف أمام الكونغرس، كما فعل الثلاثاء الماضي، ليباهي بإنجازه العظيم حول اتفاق نووي، استدعى التوصل إليه عدم إزعاج آلة القتل الإيرانية، وهي تلوغ في دماء الشعب السوري، كما استدعى أن يعمي أوباما بصره وبصيرته عن كل سياسات نوري المالكي الطائفية والإقصائية، موافقاً إيران على اختياره لولاية جديدة، على الرغم من أنه خسر انتخابات عام 2010، ومتجاهلاً اعتراضات كل الجيران. لقد أسهم أوباما بسياساته هذه في إنتاج “داعش” التي جاء ظهورها رداً على سياسات التغول الإيراني في الجسد العربي، والسياسات الطائفية لأتباعها في المنطقة.

أخيراً، إذا كان الرئيس بوش ارتكب جريمة كبرى بغزوه العراق وتدميره، فقد ارتكب أوباما جرائم كبرى عديدة: أولها، انسحابه من العراق بطريقة الهارب من الجذام، وتقديمه البلد لإيران على طبق من فضة. وثانيها، أنه قضى على سورية، بإصراره على عدم فعل شيء لوقف حمام الدماء فيها، إرضاء لإيران. وثالثها، أنه تفرج على إسرائيل، وهي تهدم قطاع غزة فوق رؤوس سكانه، مرتين في عامي 2012 و2014، وتخلى عن حلم الديمقراطية العربية في أكثر اللحظات حرجاً، تاركاً إياه يتحطم على يد العسكر. وهو يضغط الآن على السعودية للتسليم لإيران في اليمن. ويريد منا فوق ذلك كله أن نقاتل إلى جانبه، لدحر خصومه وخصوم إيران لأنهم إرهابيون، وإذا لم نفعل، فالتهمة جاهزة “متعاطفون مع الإرهاب”. إن حجم الدمار الذي سببه هذا الرئيس “الليبرالي”، الهادئ، المسالم يتجاوز بمراحل الأذى الذي تسبب به سلفه المحافظ الأخرق، عاشق القوة والحرب، فليرحل إذاً غير مأسوف عليه وعلى ليبراليته وخداعه الذي انطلى علينا.

العربي الجديد

 

 

 

ماذا حققت قيادة أميركا للعالم «من الخلف»؟/ راغدة درغام

أتى الخطاب الأخير للرئيس الأميركي الـ44، باراك حسين أوباما، حول حالة الاتحاد أمام الكونغرس، باهتاً بلا ذلك البريق الذي رافق انتخابه ودخوله إلى البيت الأبيض قبل 7 سنوات وسط تطلعات ودهشة واحتفاء عالمي. أوباما اليوم يبدو منقبضاً يعترف بأن أميركا باتت أكثر حقداً وتشكيكاً وانقساماً في عهده، ويعرب عن أسفه لعدم تمكنه من لمّ الشمل. إنما أوباما ليس آسفاً على كثير من الأمور بل هو متصلّب في إصراره على أن آراءه وسياساته صائبة، وهو مقتنع بأن تركته للتاريخ ستصنّفه رؤيوياً أنقذ الولايات المتحدة من العجرفة والحروب. هذا في نظره. في نظر الذين يلومونه على تقزيم قيادة الولايات المتحدة، وإضعاف نفوذها، فهو مثال الغرور والعناد ساهم جذرياً في تعميق الانقسام الأميركي. التاريخ سيحكم. وأوباما عازم على أن تتوّج إيران تركته عبر طي صفحة العداء معها – معترفاً بذلك بشرعية نظام الملالي والثورة الإيرانية بعد مرور 36 سنة وعبر الاتفاق النووي الذي أقر بحق طهران امتلاك القدرات النووية وأجّل إمكانية تطوير تلك القدرات كسلاح نووي لفترة 10 سنوات مقابل رفع العقوبات الاقتصادية عنها والقبول بدورها الإقليمي المميز والقيادي. تركة أوباما للتاريخ شيء، وما يتركه وراءه عندما تنتهي ولايته بعد سنة شيء آخر.

أي عالم ساهم الرئيس الديموقراطي باراك أوباما في نسجه؟ وهل ترك لخليفته مهمة أصعب أو أسهل مما ورثه عن جورج دبليو بوش الجمهوري؟ ثم هل يصنع رئيس لولاية أو اثنتين السياسة الخارجية الأميركية أم أنه حلقة من حلقات صنع هذه السياسة التي توضع تقليدياً لعشرين سنة إلى الأمام على الأقل؟

الذين يقدّرون أوباما ويعتبرونه رئيساً جيداً وسيسجل التاريخ انه منقذ أميركا يشيرون إلى سلسلة إنجازات من ضمنها، أولاً، أنه أحسن قراءة مزاج الرأي العام الأميركي ولبّى طلباته وأبرزها الانسحاب من الحروب التي خاضها الرئيس بوش انتقاماً من الإرهاب الذي ضرب الولايات المتحدة في 11 سبتمبر 2001. الأكثرية الأميركية ارتدت على انتقامات بوش في حربي أفغانستان والعراق لا سيما بعدما تبيّن أن اتهام العراق بامتلاك أسلحة دمار شامل أتى بناءً على أدلة مزورة. وقررت الأكثرية أنها لا تريد التورط في الانتقام ولا أن تخوض حروب الآخرين. هكذا قرأ أوباما المزاج الأميركي فانسحب من أفغانستان والعراق، بغض النظر إن كان الانسحاب متسرعاً، وقاوم دخول حلبة الحروب المباشرة أينما كان.

ثانياً، يشير المعجبون بباراك أوباما إلى انه تمكن من حماية الولايات المتحدة من عملية إرهابية كبيرة – حتى وإن اعترفوا بفضل بوش في ذلك على مضض. يرفعون إنجاز قتل زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن دليلاً على إنجاز ضخم وتحدياً لمن يتهم أوباما بالوهن أو الجبن أو الضعف. يشيرون إلى أن أوباما، كما بوش، تبنى عقيدة «لنحاربهم هناك كي لا نحاربهم في المدن الأميركية».

ثالثاً، يبارك المعجبون بالرئيس الـ44 عقيدة «القيادة من الخلف» التي تبناها أوباما والتي يرون فيها وسيلة لإبعاد الولايات المتحدة عن التورط في حروب باسم القيادة الأميركية التقليدية كدولة عظمى. يعتقدون أن تلك العقيدة رمت الثقل على الآخرين بدلاً من الأكتاف الأميركية وأنها، بذلك، صدّرت كلفة القيادة الاقتصادية والسياسية والميدانية إلى مَن يرغب بأن يسدّدها بدلاً من الأميركيين. في رأيهم، استطاعت الولايات المتحدة أن تمارس القيادة لا كلفة – وهذا إنجاز كبير.

رابعاً، بناءً على الانسحاب من مغامرة القيادة الهجومية، يرى داعمو أوباما أن ذلك ساعد في تحسين الاقتصاد ومكّن أوباما من التركيز على الاقتصاد الداخلي ومسائل محلية بالغة الأهمية مثل انخفاض نسبة البطالة. ومن وجهة نظرهم، أن التأمين الصحي المسمى «أوباما كاير» إنجاز.

خامساً، تحتفي القاعدة المؤمنة بعقيدة أوباما بإدارته للعلاقة مع الصين بعيداً عن المواجهة وعزمه على بناء علاقات تهادنية مع الدول التي لها تاريخ مواجهة مع الولايات المتحدة. وهم يرون أن سياسة «التحوّل شرقاً» بعيداً عن الشرق الأوسط سياسة حكيمة ومجدية. ففي رأيهم، حان الوقت للتخلص من علاقات تاريخية مع دول الشرق الأوسط، لا سيما النفطية، وذلك لأن لا حاجة لنفطها بعد اكتشاف ضخامة النفط الأميركي وبعد انخفاض أسعار النفط لدرجة سقوطه عن 30 دولاراً للبرميل.

سادساً، المعجبون بسياسة أوباما ينظرون إلى العلاقة مع روسيا فقط من منظور درجة التشاور والتنسيق، إما لمعالجة الخلافات الجذرية أو لبناء شبه تحالف أميركي – روسي لمعالجة الأزمات كتلك التي في سورية. يُعجَبون أيضاً بقرار إدارة أوباما الأزمات مع روسيا نفسها كما في موضوع جورجيا مثلاً، وحتى في أعقاب استيلاء روسيا على القرم وفي الوقت الذي تُفرَض فيه عقوبات غربية على روسيا. فلغة حلف شمال الأطلسي (ناتو) تغيّرت في عهد باراك أوباما.

سابعاً، يوافق الداعمون لأوباما على سياساته نحو سورية بما فيها التراجع عن الخط الأحمر الكيماوي والخط الأحمر الآخر، أي رحيل الرئيس بشار الأسد عن السلطة. يدعمونه في رفض التورط قبل خمس سنوات عندما انطلقت التظاهرات المطالبة بالإصلاح، أو الآن بعدما ساهم امتناع إدارة أوباما عن الانخراط في صنع كارثة إنسانية حصيلتها 300 ألف قتيل و9 ملايين مشرد ولاجئ وتحوّل سورية إلى المغناطيس الذي يجذب الإرهاب إليها. لا يوافق الداعمون على تحميل إدارة أوباما مسؤولية المساهمة عبر اللاانخراط، ويرفعون الأيدي استسلاماً للقدر عندما يُواجَهون بمقولة القيادة الأخلاقية الأميركية. فهم مرتاحون إلى أوباما في اعتباره أن لا عيب في التراجع عن الخطوط الحمر.

ثامناً، لا مانع لدى أوباما أو لدى مؤيديه من مباركة تحالف روسي – إيراني مع نظام الأسد و «حزب الله» الذي تصنّفه واشنطن إرهابياً طالما أن الولايات المتحدة ليست متورطة في المستنقع السوري بعض النظر عن التغيير الجذري في موازين القوى الدولية والإقليمية. بل أن بعض ذلك التغيير مطلوب، بحسب المؤمنين بعقيدة أوباما.

تاسعاً، لم يواكب الذين يدعمون سياسات أوباما ما حدث بعد خطابه الشهير في القاهرة الذي دشّن فيه سياسات جريئة على نسق العزم على حل النزاع العربي – الإسرائيلي والمشكلة الفلسطينية. لم يرافقوا ذلك الاندفاع لأخذ النموذج التركي للحكم الإسلامي مثالاً صالحاً لتطبيقه في مصر. مثلاً، احتفوا بالتخلص من الرئيس المصري حسني مبارك وهرولوا إلى تبني «الإخوان المسلمين» كنموذج «الاعتدال» كما تراه تركيا. اعتبروا إسقاط مبارك إنجازاً لأوباما، على نسق القيادة من الخلف. وكذلك الأمر عند إسقاط معمر القذافي في ليبيا، مع أن ذلك كان قيادة من الأمام عبر وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون والسفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة، مستشارة الأمن القومي حالياً، سوزان رايس. المهم، أن إسقاط الرجلين في رأي مساندي أوباما هو إنجاز له، حدث في عهده.

عاشراً، الانفتاح على كوبا إنجاز. القضاء على مرض «ايبولا» إنجاز. الاتفاقية الدولية في شأن التغيير الماضي إنجاز. هكذا يعدد داعمو أوباما إنجازاته.

الذين يحمّلون أوباما مسؤولية سياسية وقيادية وأخلاقية يشيرون، أولاً، إلى وهم داعميه بأنه داعية سلام يداه نظيفتان من الدماء. يشيرون إلى حروب الطائرات بلا طيار (drones) التي لبّت، عملياً، رغبات الأميركيين. فطالما ليست هناك جثث أميركية عائدة على متن الطائرات، وطالما لا مشاهد تلفزيونية لأفعال أميركية خلّفت القتلى والدماء، فليكن. إنما واقع الأمر هو أن سياسة أوباما خلّفت وراءها الضحايا والدماء عبر حروب الـ «درونز» فارتاح الضمير الأميركي لمجرد أنه لم يطّلع ولم يشاهد. إنما هذا ليس المصدر الأساسي لمنتقدي أوباما الذي، في رأيهم، لبّى الانعزالية الأميركية الجديدة عبر لعب الأدوار الخفية.

أولى محطات الانتقاد هي أن أوباما هو الرئيس الذي مزّق التآلف الأميركي. فإذا كان بوش أطلق الانقسامات، فإن أوباما متّنها.

احتجاج المعارضين هو على استضعاف باراك أوباما للولايات المتحدة وتحويلها من دولة عظمى إلى نمر من ورق. هذا، في رأيهم، جعل روسيا تتحدث عن أميركا بأنها «العجوز» التي لا حيوية ولا نشاط فيها. والتي بالتأكيد ستتراجع.

المعارضون يرون في «القيادة من الخلف» تفويضاً لأمثال روسيا وإيران، في جورجيا وفي سورية واليمن والعراق ولبنان، على حساب المصالح والقيم الأميركية. يقولون إن القائد الحقيقي ليس مجرد قارئ يحسن استنباض مزاج الناس، وإنما هو رؤيوي يحسن حماية المرتبة المميزة التي جعلت الولايات المتحدة تستفرد بمركز العظمة ولا تتخلى عن زمام القيادة.

يقول المعارضون لسياسات أوباما إن كلفة الانعزالية وسمعة الضعف والتخلي عن الحلفاء ستكون باهظة للولايات المتحدة مهما بدت الانعزالية واللامبالاة مريحة الآن. رأيهم نحو روسيا وإيران و «حزب الله» وبشار الأسد وكذلك الصين هو أن تلك سياسات أوباما ستثبت أنه ساهم في إنماء التطرف السنّي والشيعي، وأنه مكّن الميليشيات من أخذ زمام الأمور بأيديها بدلاً من الحكومات، وأنه أعطى إيران مفاتيح التسلط إقليمياً والتعالي على الولايات المتحدة، ورسّخ سمعة التخلي عن الأصدقاء والحلفاء وخيانتهم، ونصب روسيا زعيماً في الشرق الأوسط بشراكة مع إيران واستثمار التنافس والتصادم مع تركيا.

رأيهم أن ثقافة الانتقام من تنصيب إيران كولي الأمر في عالم إسلامي بأكثرية سنّية ستسفر عن تقاعس الشريك السنّي الضروري في الحرب على «داعش» و «القاعدة» وكافة المنظمات الإرهابية.

تركة أوباما، بحسب الناقدين له، هي أنه في عهده، قُتِلَ مئات الآلاف من الضحايا المدنيين في مغامرة إسقاط القذافي ومغامرة بقاء الأسد. النأي بالنفس عن الإقرار بهذه الحصيلة لا يعفي من المسؤولية الأخلاقية ولا يليق بدولة عظمى تدعي التمسك بالقيم العليا.

الرئيس أوباما ما زال في صدد صنع تركته التاريخية لأنه وضعها في أيدي غيره وليس في يديه. الانتخابات الإيرانية في الشهر المقبل محطة اختبار. مسيرة الحرب السورية محطة اختبار. عمليات «داعش» في سورية والعراق إن امتدت إلى المدن الأميركية ستلغي جزءاً من التركة التي يتمناها أوباما. لعل التركة الثابتة هي أن الرئيس الـ44 رأى في العظمة ثقلاً لا تحتاجه ولا تريده الولايات المتحدة، فقرر «القيادة من الخلف» باعتبارها في صلب المصلحة الأميركية. هل كان هذا قراراً تفرد به، أو أنه محطة من محطات السياسة الأميركية البعيدة المدى؟ التاريخ لديه الجواب.

الحياة

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...