الرئيسية / صفحات سورية / مقالات لكتاب سوريين تناولت الملف الكردي في الازمة السورية

مقالات لكتاب سوريين تناولت الملف الكردي في الازمة السورية

 

الأكراد يريدون «وحدة جغرافية» … وفيديرالية/ إبراهيم حميدي

فيينا، إسطنبول- رويترز، أ ف ب – تقدم أكراد سورية خطوة إضافية نحو تحقيق طموحاتهم السياسية، واعتبروا المناطق الكردية في شمال البلاد وشمالها الشرقي «وحدة جغرافية وسياسية» ضمن «دولة فيديرالية» وأن الإدارات الذاتية «نموذج لمستقبل سورية الديموقراطية واللامركزية»، في وقت أعلن المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا أن الرئيس بشار الأسد «جزء من الحل» لوقف العنف.

وكان ممثلو «حركة المجتمع الديموقراطي» و «المجلس الوطني الكردي» عقدوا أمس اجتماعاً في القامشلي للاتفاق على «المرجعية السياسية» والتنسيق بين «الاتحاد الديموقراطي الكردي» الذي يعتبره البعض قريباً من «حزب العمال الكردستاني» برئاسة عبدالله أوجلان من جهة و «المجلس الوطني» برئاسة عبدالحكيم بشار الممثل في «الائتلاف الوطني السوري» المعارض والقريب من رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني من جهة ثانية.

وأسفر اجتماع أمس عن تبني «الرؤية السياسية الكردية، من أن سورية دولة اتحادية تعددية ديموقراطية برلمانية متعددة القوميات، ما يستوجب إعادة بناء الدولة وفق النظام الاتحادي الفيديرالي واعتبار الأكراد قومية ذات وحدة جغرافية سياسية متكاملة»، إضافة إلى «تعزيز العلاقات الكردستانية» بين الأكراد في العراق وتركيا وإيران وسورية، و «عقد المؤتمر القومي الكردي».

وكان لافتاً أن «المرصد السوري لحقوق الإنسان» نشر أمس خريطة لـ «كردستان سورية» قدمها ممثل «الحزب الديموقراطي» نوري بريمو إلى الاجتماع، تضمنت ربطاً بين أقاليم الإدارات الذاتية الكردية الثلاث من الجزيرة في شمال شرقي سورية وقرب كردستان العراق الى عين العرب (كوباني) وعفرين في شمال سورية قرب حدود تركيا، بالتزامن مع مطالب بتوفير «ممر آمن» بين الجزيرة وعين العرب وبدء الأكراد أمس بحفر خنادق أشبه بالحدود حول مدينة عين العرب والدعوة إلى إقامة قاعدة لـ «البيشمركة» فيها.

لكن رئيس «الحزب الديموقراطي التقدمي الكردي» عبدالحميد درويش، قال لـ «الحياة» إن أي «مطالب انفصالية هي خيانة للشعب الكردي»، فيما أكد شيرزاد يزيدي ممثل الإدارة الذاتية في كردستان العراق لـ «الحياة»، إن الإدارة «خريطة طريق لإنقاذ سورية والوصول الى دولة ديموقراطية اتحادية ولامركزية بدل خياري النظام الشمولي وتنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)».

في فيينا، قال دي ميستورا أن الأسد «جزء من الحل الرامي إلى تخفيف العنف»، في توضيح لتصريح سابق ذكر فيه أن «الأسد هو جزء من الحل» للأزمة السورية بأكملها. وأكدت لـ «الحياة» جولييت توما الناطقة باسمه، أن «بيان جنيف للعام 2012 نقطة الاستناد الأساسية للوصول الى حل سياسي طويل الأمد للأزمة السورية». وأضافت: «على الرئيس الأسد والسلطات المساهَمة في الوصول الى حل يضع حداً للعنف والمأساة الإنسانية في سورية».

وتابعت توما: «يقوم المبعوث الدولي حالياً بتركيز جهوده على الوصول إلى تجميد للقتال الدائر في حلب وخفض نسبة العنف. ويُعتبر الأسد، الذي يمثل طرفاً من أطراف النزاع، حيوياً لتجميد القتال على الأرض في حلب»، مؤكدة «وجوب المحافظة على المؤسسات التي تقوم بتقديم الخدمات إلى الشعب في سورية».

وفي إسطنبول، بدأ «الائتلاف» اجتماع هيئته العامة. وأعلن أن «الجيش الحر» أسر حوالى «110 من الجنود المقاتلين إلى جانب نظام الأسد خلال المعارك الدائرة في شمال غربي درعا» بين دمشق والأردن. وأوضح عضو «الائتلاف» محمد قداح، أن «الجنود الذين تم أسرهم هم من جنسيات لبنانية وإيرانية وأفغانية».

وأعلنت السلطات التركية أن ثلاثة أشخاص أحدهم شرطي جرحوا في انفجار في سلة للمهملات قرب حاجز لقوات الأمن التركية قرب مدينة سوروتش التركية على حدود سورية.

الحياة

 

 

 

 

 

ما بعد كوباني لا يختلف عما قبلها/ عمر قدور

الضجة التي رافقت تحرير كوباني أقل من نظيرتها التي رافقت بدء عمليات الحلفاء الجوية التي ساندت مقاتلي المدينة. صور المقاتلات الكرديات، كنقيض لملثمي «داعش»، لم تملأ الشاشات مثلما كان الأمر في بدء الحملة. الحق أن الانتصار أتى متأخراً، فلم يكن سريعاً وخاطفاً على نحو الزخم الإعلامي الأول، والحلف ضد «داعش» لم يتقدم على النحو «التلفزيوني» المأمول، التقدم البطيء بطبيعته غير مغر إعلامياً، ولا يتناسب مع ميزان القوى بين الطرفين.

وكما كان متوقعاً، أدت كوباني وظيفتها وانتهى الأمر، لتعود مدينة صغيرة منسية في الشمال السوري، ولتكون في منزلة ملتبسة بين الحرية التامة والتبعية للنظام السوري. فالحزب الذي تسيطر قواته على المدينة لا تُعرف حتى الآن توجهاته المستقبلية، وفي أوج المواجهة مع «داعش» والاستعانة بقوات الحلفاء لم يصدر عنه موقف جذري إزاء نظام الأسد. هذه هي حال المناطق الكردية في سورية عموماً، حيث أعلن الأوجلانيون صيغة من الإدارة الذاتية لم يعترف بها النظام، ولم تباشر قواته العمل ضدها، وهي صيغة بقدر «مرونتها» الظاهرة لا تطرح أفقاً مستقبلياً للقضية الكردية في سورية، وتترك الباب مفتوحاً بانتظار مآلات الوضع السوري برمته، بل إن أغلب الظنون يتجه إلى أن احتمالاتها الراديكالية رهن بانتصار المعارضة لا ببقاء النظام.

التحالف الدولي ضد «داعش» لم يؤدّ دوراً سياسياً إيجابياً في التقريب بين المعارضة العربية والأكراد، فـ «اصطفاء» كوباني من بين المناطق كافة التي يسيطر عليها «داعش» بدا ميزة مجانية حصل عليها حزب الاتحاد الديموقراطي (ب. ي. د) الذي طالما دان زعيمه أداء المعارضة العربية من دون توجيه إدانات مماثلة للنظام. وأكثر من ذلك، دافع في مناسبات عدة عن النظام أمام وسائل الإعلام الأجنبية، متبنياً روايته عن المتطرفين والإرهاب التكفيري الذي يواجهه. أيضاً، انتقاء كوباني لم يقدّم حافزاً للمعارضة كي تطور أداءها بما يلائم حرب التحالف، إذ كان واضحاً منذ البداية أن مناسبة كوباني لن تتكرر، أما المشاركة الرمزية من مقاتلين عرب ينتمون إلى بعض فصائل «الجيش الحر» فأتت توسلاً لدعم التحالف، ولم تؤخذ بجدية من الأخير أو من المقاتلين الأكراد، أي أنها منذ البداية لم تكن حالة يُبنى عليها من أي طرف.

إجمالاً، يبقى نصر التحالف في كوباني هزيلاً، لا لتأخره فحسب وإنما لأنه لن يكون فاتحة لتكرار التجربة في مدن سورية أخرى. المعارضة بشقها العربي مع تنظيمات كردية أخرى خسرت المعركة، لأن الانتصار دان أخيراً لقوة الأمر الواقع متمثلة بقوات الحماية الشعبية التابعة لحزب الاتحاد الديموقراطي. محاولة سلطة كردستان العراق المشاركة، من خلال قوات البيشمركة، لم تحسن موقعها السياسي ضمن الصراع الكردي – الكردي في سورية، ولم تفلح في دفع حزب الاتحاد الديموقراطي أبعد عن النظام. على ذلك، لا أفق للاستفادة من تجربة كردستان العراق، لا على صعيد توحيد الجهد الكردي، ولا على صعيد احتواء المناطق الكردية السورية الجهد المعارض ضد النظام، كما حصل في كثير من المناسبات أثناء حكم البعث العراقي.

على الصعيد الكردي، المعلومات المتواترة بين النشطاء الأكراد لا تبشّر بتغير في أداء حزب الاتحاد الديموقراطي ووحدات الحماية الشعبية التابعة له، لجهة استفراده بالسيطرة، وصولاً إلى قمع الأحزاب الكردية الأخرى وأنصارها، الأمر الذي حدث مرات كثيرة من قبل وفي الكثير من المناطق الكردية. إلا أن أغرب الدعوات أتت من مثقفين أكراد من أجل الحفاظ على دمار كوباني كشاهد على إجرام «داعش»، أسوة باستغلال نظام البعث دمار القنيطرة كدليل على ما كان يسمى وحشية العدو الصهيوني. لكن هذه الدعوة تُضمر أمراً واقعاً، هو استبعاد عودة النازحين من أهالي كوباني إليها حالياً، ومن المعلوم أن عودة النازحين تكون أبطأ عادة من النزوح نفسه، ما لم تتوافر الإرادة السياسية للسلطة مقرونة بالقدرة على إعادة الإعمار وتوفير سبل العيش. من هذه الناحية، ربما يختلف ما قبل كوباني عما بعدها، إذ نكون أمام حالة مشابهة لحال الكثير من المناطق التي دمرها النظام.

بعيداً من أزمات التحالف، وربما تهافته، كان ما قبل كوباني سيختلف عما بعدها لو توافرت النوايا عند أطراف عدة معنية بها. المعارضة السورية «العربية» تتحمل قسطاً كبيراً من المسؤولية، وهنا يحضر الثقل التركي الضاغط عليها. فهي منقسمة بين معارضة تناصب حكومة أردوغان العداء، بسبب معاداتها المعارضة التي تتخذ من تركيا مقراً لها وأيضاً بسبب اختلافها مع موقف أردوغان «الراديكالي» من النظام السوري. القسم الثاني من المعارضة لا يخفى تأثره بالموقف التركي، بخاصة لجهة المخاوف التركية من المسألة الكردية، وذلك من أكبر العقبات التي تحول بينه وبين أكبر تنظيم مسيطر على الساحة الكردية.

أيضاً، من الجهة الكردية، يكاد يكون العداء التاريخي لتركيا أكبر من العداء للبعث السوري، على قاعدة عدم تبلور قضية كردية سورية مستقلة عن المركزين العراقي والتركي، بل إن العداء للبعث السوري كان في كثير من الأحيان تفصيلاً ضمن العداء الأكبر للبعث العراقي. يُذكر أن آلاف الشابات والشباب من الأكراد السوريين عاشوا التجربة الميدانية في تركيا والعراق، على خلفية انتمائهم لحزب العمال الكردستاني، فتنقلوا بين معاقله في جبال قنديل العراقية وساحات المعارك في كردستان التركية، واستشهد عدد كبير منهم، قبل إعلان أوجلان الهدنة. هذه الحساسية الكردية لم تكن معروفة، أو مفهومة، على نطاق واسع من المعارضة السورية، ومن التقى منها مع الأكراد على العداء لأردوغان ليس أفضل تفهماً للمسألة الكردية ككل.

المشكلة في أطراف المعارضة السورية كلها أنها لم تؤصّل فهماً استراتيجياً واضحاً للمسألة الكردية، والمشكلة الإجرائية التي برزت مع الثورة أنها لم تتمكن من لعب دور الوسيط بين الأكراد والحكومة التركية، بدل موقعي العداء التام لها أو ما يشبه الرضوخ لموقف الأخيرة من الملف الكردي. بالتأكيد، الطرف الكردي السوري ينبغي عليه تحمل مسؤولياته تجاه الجار الأبدي، تركيا، وبمعزل عن التجربة الأوجلانية، لكن أية معارضة سورية ديموقراطية ينبغي عليها التحلي بالشجاعة، إذ لا تستقيم لها المطالبة بحق تقرير المصير لعموم السوريين، بينما تحجبه صراحة أو مواربة عن الأكراد.

* كاتب سوري

 

 

 

 

تركيا «المريضة» بالأكراد/ رستم محمود

لم تمضِ ساعات قليلة على إعلان قوات حماية الشعب الكردية تحرير كامل مدينة كوباني من قبضة تنظيم «داعش» الإرهابي، حتى سارعت السلطات التركية إلى رفع علم تركي ضخم للغاية، على التلة التركية المقابلة للمدينة. وبدأ الكثير من رجال الدولة التركية التعبير عن رفضهم لتأسيس أية منطقة سياسية كردية في تلك البلدة الصغيرة!!.

يبدو ذلك مثيراً وكوميدياً في آن. فما الذي يخيف تركيا، هذه الدولة الاستراتيجية بموقعها ودورها في عموم منطقة الشرق الأوسط، بجيشها الضخم القوي في حلف الناتو، واقتصادها المتنوع الذي يحتل مرتبة متقدمة على مستوى العالم، بحداثة مؤسساتها الدولتية وبعشرات الملايين من سكانها، بجغرافيتها الاستثنائية وتاريخيها الإمبراطوري الممتد لعشرات القرون، ما الذي يُرعب هذا الكيان الضخم بكل شيء من هذه البلدة الصغيرة والمحطمة على أطراف حدودها القصية!!.

صحيح أن قادة القرار الاستراتيجي التركي أكثر من يدركون بأن بلدة كوباني هذه، بنموذجها الذي قدمته، وبما استحوذته من تعاطف عالمي، قد تشكل أكبر «سرطنة» قومية يمكن أن تطاول أكرادها الذين في الداخل. فما أن تحررت كوباني من قبضة تنظيم «داعش»، حتى ملأت الاحتفالات شوارع المدن والبلدات الكردية في تركيا، ورفعت بلدية ديار بكر لافتتين ضخمتين للتهنئة بتحرر البلدة الكردية السورية، على أعلى البناية المركزية التابعة لها. لكن يجدر السؤال هنا، أوليست الخشية من ظهور نوازع القومية الكردية، واعتبار أية مشاعر قومية لأكراد الداخل التركي تجاه نظرائهم من أكراد بلدان أخرى خطراً على الأمن القومي للدولة التركية، أوليس ذلك بالضبط هو جوهر العقيدة الأتاتوركية القومية التركية، حيث يريد النظام السياسي الحاكم الجديد التخلص منها، وبناء عقيدة دولتية حديثة، قائمة على قيم المواطنة المتساوية، حيث اعتبار تقسيم البلاد والسلام الاجتماعي الخطين الأحمرين الوحيدين على الأمن الوطني!!. وحيث على هذا الأساس بنى الحزب الحاكم عقيدته السياسية الداخلية، وبها باشر البدء بعملية السلام مع حزب العمال الكردستاني.

لكن يبدو جلياً ان مؤثرات أخرى، غير تلك التي يظهرها ويبثها الحزب الحاكم، ما زالت شديدة التأثير والفاعلية في الواقع التركي، مؤثرات وآليات لا يستطيع أي حزب أو مؤسسة تجاوزها بسهولة وإرادة ذاتية .

تأتي مؤثرات «التربية» القومية الأتاتوركية في صدارة ذلك، تلك التي ما زالت كثيفة الحضور والفاعلية في المؤسسات التربوية والإعلامية والعسكرية والدستورية والبيروقراطية، منذ قرابة قرن وحتى الوقت الراهن، هذه المؤسسات شديدة المركزية والتوجيه من قبل النخبة التي توارثت على مدى أجيال قيم ومفاهيم هذه الثقافة الأتاتوركية القومية، حتى أنها باتت فاعلاً ومؤسساً عقائدياً ورمزياً في الذات الجمعية لأجيال كثيرة من الأتراك، وباتت مفاهيمها ومنطقها بمثابة بداهات عقلية ومنطقية في الذهن العام.

جزء غير يسير من سيمياء تلك «التربية» القومية يبتغي تثبيت الصفاء القومي لتركيا، كياناً ومواطنين، وبذا يغدو مناهضاً لأية مشاعر أو تعابير أو ممارسات ذات صبغة قومية كردية، ويعتبرها مجتمعة، أيا كان مستواها وهويتها، مضادة لذلك الصفاء القومي المبتغى. فكل الكيانات المركبة والملونة تخدش الشخصية القومية في الذات التركية، فكيف بتلك التي يمكن أن تؤسس على حدودها، وفي كيانات بها تراكيب اجتماعية مطابقة لما في الداخل التركي.

العامل الأخر شديد الأهمية في الذات التركية، يتعلق بمركزية مؤسسة الجيش في الدولة والحياة العامة، بغض النظر عن الصلاحيات والحضور في المتن العام، حيث شذب الحزب الحاكم الحالي الكثير من ذلك، فالجيش في الدولة التركية – وكذلك في الوعي العام للأغلبية المطلقة من المواطنين- هو الوكيل الحصري والوحيد لحفظ الدولة والمجتمع، وما تاريخ دولة تركيا الحديثة سوى سيرة الجيش الذي أسس الكيان وحافظ على المؤسسات وقيم الجمهورية والديمقراطية والعلمنة، وكان على الدوام الجهة التي تحافظ على الدستور، والأهم أن الجيش كان الجهة الوحيدة التي ضبطت وقمعت جميع الحركات التي ناهضت مركزية الكيان التركي، سواء كانت حركات تمرد قومية كردية أو سياسية إسلامية أو شعبية يسارية أو حربية خارجية.

بناء على ذلك، فإن نموذج كوباني يكسر من هيبة تلك المؤسسة بشكل غير مباشر، فيثبت أمكان تنظيم محلي سياسي على تشكيل قوة عسكرية صغيرة الحجم، تسعى هذه القوة العسكرية لتحقيق مكاسب عسكرية واضحة المعالم ضد قوة عسكرية أكبر منها حجماً وقدرة. يقدم ذلك تخيلاً حول إمكان أن يقوم حزب العمال الكردستاني، الحزب الأم الذي حارب في بلدة كوباني، بعمل شبيه بتجربة كوباني في الداخل التركي، وأن لا يستطيع الجيش التركي مناهضته، مثلما فشلت قوة أكبر حجماً من القوة العسكرية الكردية في كوباني من السيطرة على المدينة.

العامل الأخير يتعلق بما تستبطنه تركيا من وعي «أبوي» تجاه أكرادها وأكراد الإقليم عموماً. فما زالت تركيا تقرأ نفسها كقوة مركزية امبراطورية، يشكل الكرد أحد مكوناتها الهامشيين، الذين يمكن الدولة التركية أن تقدم لهم بعض «العطايا الأبوية» فيما لو انضبطوا بسلة من القيم والمعايير والمتطلبات التي يجب ان تفرض عليهم من قبل الدولة التركية.

هذا الوعي شكّل مصدر الدعاية والخطاب التركي تجاه الكرد العراقيين منذ عام 1992، وموجهاً للطريقة التي كان يتم بها استدعاء رئيس حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي السوري صالح مسلم وتوجيه تعليمات سياسية وإدارية وعسكرية له، وحتى عملية السلام التي يريد أن يخوضها مع حزب العمال الكردستاني في الراهن، التي يسمّيها عملية «السلام والأخوة»، حيث عادة ما يشير السياسيون الأتراك إلى أن صدر الدولة يجب أن يتسع للمتمردين ويسمح لهم بالعودة إلى ممارسة الحياة الطبيعية، بمسحة شديدة الفوقية والمركزية.

ضمن هذا السياق يبدو مفزعاً لنفس تلك النُخب الحاكمة أن يتمكن الكرد من إحراز عتبة عسكرية واضحة المعالم، يستطيعون عبرها تقديم نموذج للتفاوض والمساواة وتبادل الإغراء والتهديد، من موقع الندية والتساوي في التداول حول الشأن المطروح، سواء مع دولهم أو مع الدولة التركية.

في رائعته «سلطان الفيلة» يسرد الروائي التركي- الكردي يشار كمال حكاية الفيلة الذين يغزون بلاد النمل، ويدمرون بفوقية، وبفارق قوة ضخم للغاية، مملكة النمل كلها، لكنهم لا يستطيعون، لذلك السبب بالذات، من دخول جحور النمل متناهية الصغر والعمق، حيث يبدأ هؤلاء بحفر أنفاق تحت أقدام الفيلة بإصرار وتفان لا يوصف، حتى تبدأ الفيلة بالسقوط في حُفر لا يستطيعون الفكاك منها أبدا، غير مصدقين بأن هذه الكائنات الصغيرة تستطيع أن تبادلهم فعل القوة، حيث أن القوة في وعي الفيلة هي مجرد ضخامة حجم الأجساد فحسب، فتسقط جراء استهانتها بالقوة المستبطنة للنمل.

* كاتب سوري

الحياة

 

 

 

من دولة الهوية البسيطة إلى دولة الهوية المركبة/ مصطفى العمّو

تمرّ سوريا في مرحلة عبور دموية شرسة، هيّأت مناخاً سياسيّاً واقعيّاً للتفكير والحوار حول مشروع الانتقال من دولة الهوية البسيطة الواحدة، والسهلة، إلى دولة الهوية المُركّبة والمُعقّدة، لأنّ هذا المشروع هو الحلّ البراغماتي الوحيد، وأيّ بديل للدولة المُركّبة هو التقسيم.

سقوط الاستبداد حتميّ تاريخيّاً، وهو يعيش مرحلة الشيخوخة الطبيعية، ورحيله بعد أن أصبح عائقاً أمام ديناميكيّة تغيّر المجتمع وتمدنه وتركيبة الدولة وبنائها، التوقيت يختلف، ولكن الموت أو الرحيل حتميّ، فجمهوريّة البعث في سوريا تفسّخت، والفكر الشموليّ المركزيّ تعفّن، ونفوذ اقلية من الأقليّة العلويّة في السلطة انتهت صلاحيتها السياسية والاخلاقية، وهذا النفوذ في طريقه إلى التآكل والتصدّع والتفتت والهدم. ولا أظنّ أنّ بإمكان أيّة هوية سياسية أو إثنية أو دينية بناء منظومة مركزية استبدادية جديدة في سوريا خلفا للاستبداد، أو الذي يجب ان يرحل.

إذا نجحت الكتل السياسية الوضعية أو الدينية المؤمنة ببناء منظومة شمولية جديدة بالعنف، ستكون منظومة معوقة مؤقتة وقابلة للاختناق لأنها سوف تفتقر إلى الأوكسجين، أي (الإجماع السوري)، وحظوظها في البقاء طويلا قليلة، والسبب يعود إلى تعدّد الهويات السورية، وديناميكية الثقافة الديموقراطية التي أثبتت حتى الآن أنّها نجحت في إدارة المجتمعات من دون اصطدامات بين الهويات الإثنية والدينية والهويات السياسية المتعددة، وهذا من خلال تحييد السلطة والتسلط دستوريا وقانونيا وقضائيا.

تتجه سوريا الى حرب الهويات الشاملة أو الجزئية، خصوصاً في مناطق التّماس بين الهويات، وبالتحديد الحدود الجغرافية المحتملة أن تكون حدود اطمئنان للهويات المتعددة ضمن اطار سياسي جديد، أو تجاوز شكل الماضي للدولة والدستور، وبناء عقد اجتماعي جديد توافقي مرحلي مؤقت بين الهويات السورية من انتاج العقل الجمعي المتعدد للقيام بتحضير المجتمع، ذهنيّا، وثقافيا، واقتصاديا وسياسيا إلى مرحلة التحوّل الديموقراطي الحقيقي.

الدستور البلجيكي – كما هو معلوم – هو أكثر الدساتير حداثة في العالم الديموقراطي كحل لدولة متعددة الإثنيّات. هذا الدستور، ممكن أن يكون حلا ديموقراطياً سياسياً في ما يتعلق بالعلاقة بين الهويات العرقية أو الدينية والمذهبية، ووضع حلول للقضايا الرمزية اسم الدولة والعلم والنشيد الوطني. فالأغلبية الفلامانية في بلجيكا لا يحق لها دستوريا تغيير أيّة مادة في الدستور، أو تغيير القوانين من دون موافقة الأقلية الوالونية، أو من دون اتفاقات سياسية معها، فالنموذج الفيدرالي البلجيكي، في بنيته استراتيجيّة وقائيّة من تقسيم الدولة، ومناعة من الاصطدامات بين الهويات الإثنية.

إنّ تحييد سلطة الأغلبية الإثنية على الهوية العربية السورية، موقوف على القبول بفكرة موت الدولة القومية ودولة الهوية البسيطة الواحدة، إذا كانت الدولة حريصة على وحدة الوطن وحياة المواطن. وعلى تيّارات الاسلام السياسي أيضاً أن لا تفكر بفرض الهوية الدينية البسيطة على دولة متعددة الهويات الدينية والمذهبية اذا كان لديها الاستعداد أن تكون جزءاً من العملية الديموقراطية. لذا فالمراهنة على العنف كوسيلة لفرض الهوية البسيطة الجديدة هو مشروع قسري جديد، يمكن أن ينجح مؤقتاً، غير أنه لا يمكن إلّا أن يكون تحضيراً لحرب مقبلة. فمشروع المواطنة المطروح من قبل المعارضة السياسية السورية هو مشروع تجريدي وافتراضي أقرب إلى المثالية وما زال المجتمع السوري غير ناضج ذهنياً وبنيوياً، أي ما قبل التمدن العاطفي الوطني، وهو على الأغلب كان خطابا لطمأنة الأقليات، أو أبعد من هذا، هو الحفاظ على الهوية البسيطة ووهم الخوف من تقسيم سوريا، وهو وهم الأغلبية لتشريع السلوكيات السياسية السلبية من الخطاب الأحدي إلى العنف الأحدي فقط لفرض الهوية الواحدة السهلة.

إنّ تقسيم سوريا هو آخر ما يجب التفكير به، إذ لا يمكن تقسيم سوريا من دون تقسيم خارطة الشرق الاوسط بأكمله، ولا يوجد دولة إقليمية لها مصلحة في تقسيم سوريا لا الدول العربية ولا حتى إيران ولا تركيا ولا المجتمع الدولي ككل.

إن الثورة السورية فرضت أرضية للنقاش حول تركيبة الدولة، وهو واجب تاريخي تجاه شهداء الثورة وضمان للأجيال المقبلة بدستور يمنع من اعادة الاستبداد، وإغلاق أبواب المجازر. والمناعة تكمن في دستور الدولة المركبة لكون السوريين ذوي هويات مركبة.

سوريا بحاجة إلى رجال سياسة كبار وطنيين عظام ومبدعين في القانون وعباقرة في الإجتهاد الاسلامي لطرح مشروع دستور الدولة المركبة على أساس المناطق الجغرافية والإثنية والمذهبية. وهنا تكمن الوحدة الحقيقية لسوريا أرضاً وشعباً، والمناعة من التقسيم وصعود اي استبداد قومي أو ديني أو مذهبي، إنه اطمئنان ليس فقط للأقليات، وإنّما اطمئنان للأقليات داخل الأقليات أيضاً، وهذا سوف يشجع النخبة الديموقراطية والمدنية المنتجة صعود واجهة هوياتها الإثنية والدينية والمذهبية بدلا من العقائديين الذين لا يملكون سوى مشاريع أحدية الجانب ضد مصلحة الشعب السوري وأمنه واستقراره.

إنّ مشروع الدولة المركبة هو مشروع وطني عميق، والجيل السياسي القديم افتقر إلى الشجاعة والذهنية الوطنية العميقة تحت مسمى، بداية، تقسيم سوريا، وهذا ناتج عن الإيمان العميق بالشمولية والمركزية والهوية الواحدة للدولة في دولة متعددة الهويات. هذا التفكير هو التهديد الحقيقي لتقسيم سوريا لأنه يراهن على العنف في باطنه لا على الحوار.

( كاتب سوري)

المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...