الرئيسية / صفحات العالم / مقالات لكتاب عرب تناولت مؤتمر “جنيف 2”

مقالات لكتاب عرب تناولت مؤتمر “جنيف 2”

لعبة الأسد: لا حل سياسياً ممكناً بدوره!/ محمد مشموشي

لم يخرج من «جنيف 2» إلا ما يؤكد أن وفد النظام السوري عمل لكي يدفع المؤتمر الى نتيجة واحدة: إعطاء الانطباع للسوريين، ولراعيي المؤتمر في موسكو وواشنطن تحديداً، بأن الحل السياسي للأزمة السورية متعذّر، تماماً كما كان الحل العسكري طيلة الأعوام الثلاثة الماضية. والبديل، من وجهة نظره وفي خطته هذه، هو استمرار التفاوض، ليس للتفاوض فقط كما يقول الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة في تقويمه مسار المفاوضات، بل محاولة تعديل ميزان القوى على الأرض كما تعمل قوات النظام وقوات حلفائه الاقليمـيين جاهدة الآن في أكثر من منطقة، أو أقله مواصلة الحرب الأهلية الى أمد غير منظور، ظناً منه أن تكون له وللحلفاء القدرة على حسم الموقف لمصلحتهم في نهاية الأمر.

كانت الذريعة التي اختبأ خلفها وفد النظام منذ البداية ما سمّاه تراتبية ورود البنود في بيان «جنيف 1»، وإصراره على البحث فيها بالتسلسل بدءاً من البند الأول، وصولاً، كما صرح أعضاؤه دائماً، الى البند الرقم 8 الذي ينص على تشكيل هيئة حكم انتقالي بصلاحيات كاملة. ولأن الوفد يدرك استحالة الاتفاق على أي من هذه البنود في ظل الوضع السياسي والأمني الراهن، وفي طليعتها وقف النار وتبادل الأسرى وإطلاق السجناء والمعتقلين وفتح ممرات انسانية لتزويد الناس المحاصرين بالغذاء والدواء، فقد تمسك بموقفه هذا حتى بعد أن اقترح المبعوث العربي- الأممي الأخضر الابراهيمي دمج الأمرين معاً: تشكيل الهيئة الانتقالية، والبحث في ما يسميه وفد النظام مكافحة الارهاب.

واللعبة واضحة، بل مكشوفة تماماً. اذ بينما كانت تجري فصولها سياسياً على طاولة المفاوضات في المدينة السويسرية، كانت ترافقها حملة عسكرية بالدبابات والمدفعية والطائرات المقاتلة والبراميل المتفجرة على المدن والبلدات السورية، أملاً بتغيير موازين القوى على الأرض. وفي الوقت الذي كان وفد النظام يجلس وجهاً لوجه مع وفد المعارضة، كان أسياده في دمشق يصدرون قراراً يعتبرون فيه الائتلاف وأعضاء وفده «ارهابيين»، بما يعنيه ذلك من ملاحقتهم قانونياً في الداخل والخارج من جهة أولى، ومصادرة ممتلكاتهم وبيوتهم في سورية من جهة ثانية.

وبينما كان الابراهيمي يعلن بأوضح العبارات أن شيئاً لم يتحقق في الجولتين ويعتذر من الشعب السوري لأنه لم يتمكن من أن ينجز بعض ما يبتغيه هذا الشعب، ويستحقه في مأساته المستمرة منذ ثلاث سنوات، كان رئيس وفد النظام وليد المعلم يتحدث عن «تقدم» في المفاوضات، ويدّعي، إمعاناً في اللعبة إياها، أن الجولة الثالثة منها ستشهد على ذلك.

في الوقت ذاته، وبكلمات المعلم اياها، كان الإعلام الرسمي للنظام يتحدث عن «تقدم» قواته على جبهات القتال، إن في بعض أحياء دمشق وريفها أو في ريف حمص (يبرود في منطقة القلمون) أو غيرها من المناطق السورية.

لكن اللعبة، كما يبدو جلياً، لا تقف عند هذا الحد. وهذا تحديداً ما قاله وزير الخارجية الأميركي جون كيري عندما تحدث عن الدور الروسي «غير المساعد» في المفاوضات في جنيف كما على الأرض في سورية، من خلال تشجيع قوات النظام ومدّها بما تحتاج اليه من أسلحة ومعدّات، وما عبّر عنه وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس عندما دعا موسكو الى الضغط على حليفها في دمشق لإبداء حد من التعقل في عملية التفاوض مع المعارضة. ولم يكن موقف روسيا في مجلس الأمن، حيث أحبطت إصدار قرار حول الممرات الإنسانية لإغاثة المحتاجين وهددت مجدداً باستخدام الفيتو في حال عرضه على التصويت، إلا دليلاً آخر على مشاركتها المباشرة في لعبة النظام هذه.

وهو أيضاً، وبصورة أوضح، ما قاله قبل أيام كل من قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني قاسم سليماني والأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله، عندما كرر الأول مقولة «الحرب الكونية» المستمرة على سورية منذ ثلاث سنوات و «أن سورية هي ميدان مواجهة ايراني»، كما عندما خاطب الثاني ما يسمّيه البيئة الحاضنة لحزبه في لبنان بقوله إن الانتصار في سورية (انتصار قواته فيها وانتصار النظام) لا بد آت وإن تأخر قليلاً.

لا يقوم النظام السوري، مدعوماً من حلفائه في روسيا وإيران ولبنان والعراق، بما يختلف عن ذلك في شيء تحت غطاء المفاوضات في جنيف: إفشال العملية السياسية بين المتفاوضين من جهة، ومحاولة تغيير ميزان القوى العسكري بين المتقاتلين على الأرض من جهة ثانية.

ولا يخرج عن هذا السياق، أياً تكن الأعذار، تباطؤ النظام غير المفهوم وغير المبرر في تسليم مخزونات الأسلحة الكيماوية التي كان يفترض إخراجها من سورية على الطريق الى تدميرها قبل نهاية العام الماضي.

الى أين من هنا؟

محصلة اللعبة، من وجهة نظر النظام، دفع دول العالم الى الاقتناع باستحالة الحل السياسي كما كانت الحال بالنسبة الى استحالة الحل العسكري التي أدت في نهاية المطاف الى «جنيف 1» ثم الى «جنيف 2».

وفي ظنه، كما تصرف دائماً منذ بدء الثورة ضده في آذار (مارس) 2011، أن هذا العالم الذي لا يريد التدخل لإسقاطه والذي بات يخشى فعلاً احتمالات انعكاس الارهاب المنظم في سورية على دوله، قد يقتنع بأن بقاء هذا النظام أفضل لدول العالم ولسورية من الدخول في متاهات النظام البديل.

الحياة

“جنيف2”.. فشل أم أُفشِل؟/ محمد خروب

حال غير مسبوقة من الارتباك (إقرأ الهيجان) استبدّت بعواصم الغرب الاستعماري، ارادت من خلالها الطمس على دورها في ايصال الجولة «الثانية» من جنيف2 الى حال الانهيار، بعد ان ألزمت وفد إئتلاف الجربا على البقاء في «المربع» الذي رسمته له، وهو التمسك بنقطة واحدة لا يغادرها ولا يسمع غيرها وليس له من تفويض سوى تكرار الاسطوانة المشروخة التي تقول بأن تشكيل «الحكومة الانتقالية» هي النقطة الوحيدة على جدول اعمال جلسات جنيف2، في جولته الثانية، تماماً كما كانت بعد الجولة الاولى التي اعقبت افتتاح «المكلمة» الخطابية في الثاني والعشرين من كانون الثاني الماضي.

ليس غريباً إذاً وبالتأكيد ليس مفاجئاً، أن يخرج وزيرا خارجية فرنسا وبريطانيا على العالم ليُحمّلا النظام السوري مسؤولية الفشل، فليس هناك شماعة يمكن تعليق هذا الفشل عليها سوى دمشق، ولن تكون هناك فرصة مماثلة لذرف دموع التماسيح على المدنيين السوريين وتدشين حملة تضليل اعلامي عنوانها إغاثة المحاصرين والجرحى والجوعى، بغية تمرير قرار من مجلس الأمن لفرض ممرات انسانية، تلبس مسوح العون الانساني والاغاثي، فيما تحفل صيغة القرار بكثير من الالغام والمطبّات والعبارات الملتبسة، ليصار الى (تفسيرها) لاحقاً وعند أي مفرق حاسم لشن عملية عسكرية كما كانت الحال في قرار مجلس الأمن رقم 1973 الذي كان هو الآخر مفخخاً او تم القفز على مضمونه فرنسيا وبريطانيا في البداية ثم بقيادة «خلفية» أميركية في فصله الثاني، ثم أوكلت المهمة الى حلف شمال الاطلسي لغزو ليبيا واسقاط نظام القذافي، بعد ان كان القرار في نصّه الصريح والواضح يجيز للأمم المتحدة (…) فرض حظر جوّي لحماية المدنيين الليبيين من غارات سلاح الجو التابع للقذافي. عندها «استلّ» المستعمرون الغربيون تفسيراً مغايراً ومضوا قُدُماً نحو مخطط اسقاط القذافي الذي كان جاهزاً مسبقاً وكانت فرنسا ساركوزي الاكثر حماسة وتنفيذاً يقف في مقدمة اهدافها الطمس على كثير من الملفات (اقرأ الفضائح) التي كان القذافي وبعض اولاده على استعداد لكشفها امام العالم.

ما علينا

ليست حكاية الممرات الانسانية وحدها ما اوصل جنيف 2 الى الفشل، بل رأينا ان جدول الاعمال لإئتلاف الجربا منذ الجلسة الاولى (من الجولة الاولى) ينص على رفع الحصار عن حمص تحديدا، وادخال المساعدات لها، اما «التدبير» الذي تم بين محافظ حمص والامم المتحدة فلم يرضوا به، فسقط «قميص» حمص، لكن الجربا لم يلبث ان زرع «لغماً» آخر، تمثل في دعوته الى ان يرأس فاروق الشرع الوفد الرسمي «لأننا نرى عنده مصداقية» على ما قال، ولم يأخذ احد هذا «الاقتراح» بجدية، وكان اشارة اخرى على ان ليس لدى الرجل الذي فُرض رئيساً على ائتلاف تم تجميعه على عجل – ما يقدمه من افكار او جدية في المقاربة والطرح، ولهذا تم استبعاده «فعلياً» من الجلسات.

ثم

وحيث لم يجد الجربا شيئاً يفعله، فقد جرّب حظه مرة اخرى وأراد البقاء في «الصورة» فيمم وجهه شطر ريف ادلب، «متفقداً» وحداته العسكرية، ومطمئنا كجنرال وخبير عسكري همام، وما ان لعلع صوت الرصاص حتى اصابه الفزع، وولى هاربا، رغم ان كان ينظر الى سهول منبسطة، من خندق عميق نسبياً، استقر فيه، ورهط الذين رافقوه وكانوا فتية وهواة ارادوا التقاط الصوّر.. ليس الا.

لا تتوقف «مهازل» الإئتلاف ومراهقته السياسية، عن الظهور والانكشاف، ليس اخرها المشادة العنيفة التي حصلت بين احمد الجربا ورئيس الحكومة الانتقالية احمد طعمة وقال الاثنان في بعضهما ما لم يقله مالك في الخمر، بل ان طُعمة سمع كلاماً لاذعاً مفاده ان عليه ان لا يتدخل في مسار المفاوضات مع النظام لأنه (طعمه) رئيس سلطة تنفيذية (…) فقط وعليه ان يهتم بذلك، قال له فخامة الرئيس.

هل قلنا فخامة؟

نعم فوزير الدفاع في حكومة احمد طعمة، أسعد مصطفى رفع كتاب استقالته الى «فخامة» الرئيس الجربا، في نص وبروتوكول «دولتي» يكاد القارئ ان يُصدّق بان ثمة حكومة انتقالية موجودة في مدينة غازي عنتاب التركية.

اين من هنا؟

المفاوضات باتت امام استعصاء واضح، اختلاف على تحديد الاولويات، مكافحة الارهاب يسبق تشكيل حكومة انتقالية ام العكس؟ واضح ان واشنطن كما باريس ولندن وانقرة وبعض العرب، يرون في الاخيرة (الحكومة) الخطوة الأهم، فيما ترى دمشق ان قراءة وتنفيذ وثيقة جنيف1 (بنداً بنداً) هي الطريق الوحيد للخروج بحل سياسي للأزمة.

هل تراجع الحل السياسي؟

ثمة طبول تُقرع من بعيد، واحتمالات اقترابها تبدو قائمة، بعد أن عادت واشنطن الى اسطوانة الخيارات التي لم تغادر.. الطاولة.

الراي الكويتية

إعلاميو النظام السوري في جنيف/ عبد الوهاب بدرخان

في مقر الأمم المتحدة في جنيف، كشفت القاعة الرقم 3 حيث تُعقد المؤتمرات الصحافية واحداً من أسوأ العروض لآخر ما أنتجه إعلام النظام السوري من موظفين لا يستحقون إطلاقاً صفة الإعلاميين. الأكثر فظاعة أنهم لا يعلمون إلى أي حد هم سيّئون، ولا علاقة لذلك بقناعاتهم السياسية -إذا جازت تسميتها كذلك- بل بسلوكهم «اللامهني». يمكن إلقاء اللوم عليهم أو اعتبارهم غير ملومين، فمن الواضح أن أحداً لم يعلمهم الأصول، وإذا فعل فإنه لقّنهم ما في الكتب، وهذا لم يساعدهم أبداً على مواجهة الحقيقة والتعامل مع الواقع. فحين اصطدم واحدهم بإعلام الأجهزة، إعلام التوجيهات والتعليمات والضباط الملقّنين، وجد أنه مدعو لأن يكون مخبراً أكثر منه صحافياً ووجب عليه أن يقرر هل يستطيع المتابعة أم لا. فلا أحد في العمل يتوقع منهم الأمانة والنزاهة في نقل المعلومات، ولا أحد يطالبهم بالأخلاقيات الإعلامية في التعاطي مع الأخبار وأشخاصها.

في الجولة الأولى، بلغ الوضع حدّاً لا يطاق، قال لي الصحافي المخضرم، إذ إن وفد إعلام النظام كان أشبه بفرقة مجنّدين يتوزّعون في مختلف أنحاء القاعة أو يحاصرون الناطقين المتحدّثين في الهواء الطلق من كل الجهات. وليس في ذلك توق إلى معرفة أكبر كمّ ممكن من المعلومات، بل تنفيذ لتعليمات بأن يصادروا أي مؤتمر صحافي لمنع مندوبي الفضائيات الجادة أو الصحف الرصينة من طرح الأسئلة الصحيحة التي تجعل من «جنيف 2» حدثاً إعلامياً بمقدار ما هو سياسي. طُلب من مرافقي وفد النظام هؤلاء أن يمارسوا أقصى الوقاحة والاستفزاز لأعضاء الائتلاف المعارض ومندوبي وسائل الإعلام المتعاطفة مع المعارضة. فالأخضر الإبراهيمي سئم من ملاحقته بأسئلة لا علاقة لها أصلاً بالموضوع المطروح، أو بأسئلة سماها «ملغومة» أو «موجّهة» هدفها إيقاعه في ما لا يريد أن يقول، أو في نقدٍ ما لوفد المعارضة.

تكاثرت الشكاوى من أشباه الإعلاميين هؤلاء، وكانوا سوريين ولبنانيين، ما استدعى إشعار أمن الأمم المتحدة، بل إن الدائرة المختصّة اضطرّت لتشديد شروطها المسبقة لمنح بطاقات الاعتماد بغية التأكد ممن هو إعلامي ومن هو منتحل صفة، وكذلك التعرّف إلى وجود مؤسسات فعلية أو وهمية يمثلها، فالعديد من «الشبيحة» جيء بهم للجولة الأولى باسم مؤسسات لبنانية. وعلى رغم أن الوفد تقلّص في الجولة الثانية، إلا أن خطط التشويش ظلّت على حالها. صادفت أحدهم بعيداً عن مكان تجمع الصحافيين، ولوهلة نظر إليّ بشزر، وبعدئذ فاجأني بالاقتراب والسلام وحرص على إخباري أين وماذا يعمل، ثم قال من دون مقدّمات: ما تراه منّا هو جزء من مهمتنا هنا، وعندما انتدبنا لجنيف قيل لنا أن ننفذ التعليمات. أخبرني من يضع الأسئلة وكيف ومن يتولّى توزيعها. قال إنه يحاول جهده في كل مناسبة كي يتم اختياره لتوجيه أحد الأسئلة المُعدّة تجنباً للاتهام بالتقصير. قال أخيراً إنه ليس ضد النظام ولكنه لو أتيح له أن يرحل لفعل بلا تردد ومن دون أن يعني ذلك «انشقاقاً»، لكنه «مثل جميع السوريين» تعب مما حصل ويتعبه أكثر خوفه من المستقبل وعليه، خصوصاً بعد «كل هذا الدم والدمار والاستباحة الكاملة للحقوق والحرمات والكرامات».

خلال المؤتمرات الصحافية للمعارضة، يبقى أفراد «العصابة الإعلامية» في تسامر وتضاحك وتبادل للتعليقات المتهكّمة والبذيئة، أما إذا كان رجلهم هو المتكلم فيصبحون متأهبين لإمطاره بالأسئلة التي يعرف مغزاها وقد تنبهه أحياناً إلى «تعليمات» محددة طُلب منه ومنهم التركيز عليها، كما في اليوم الأول عندما وضع وفد النظام «مجزرة معان» على الطاولة طالباً من المعارضة والأمم المتحدة إدانتها. وفي المبدأ تجب إدانة أي قتل فردي أو جماعي، حتى لو كان سجل النظام حافلاً بالتجاهل لضحايا المجازر التي ارتكبها. وما شهدته بلدة معان كان معركة بين مقاتلين وليس هجوماً متعمّداً لقتل مدنيين، فالبلدة المعزولة في ريف حماه أخليت تقريباً من سكانها العلويين منذ فترة بعيدة.

سألت محدّثي الإعلامي لماذا يتصرّفون على هذا النحو، لأنهم بمنعهم الصحافيين الآخرين من أداء عملهم أصبحوا حالة هزلية شاذة في المؤتمرات. أجاب أن «الجماعة لا يريدون أن تطرح على مندوبهم أسئلة قد تتعلق بتنحّي الرئيس أو بالحكم الانتقالي». على افتراض أن هذا الأسلوب يحقق هذا الهدف، يصعب تفسير الضحكات التي يتبادلها إعلاميو النظام كلما ذُكرت «البراميل المتفجّرة» وضحاياها، فهل هذا واردٌ أيضاً في «التعليمات» أم أنهم فقدوا إنسانيتهم وأصبحوا متماهين فعلاً مع العقل الأمني الذي يدير أعمال القتل بالطريقة التي يدير بها إعلامييه؟

الاتحاد

هل حل مشكلة سوريا في الحكومة الوسٍعَة؟/ خيرالله خيرالله

ما الذي يمكن أن يتغيّر في جنيف بعد الجولة الاخيرة من المفاوضات بين النظام وممثلي الشعب السوري؟ لن يتغيّر شيء. ليس هناك ما يمكن أن يغيّر موقف النظام السوري الذي أخذ المفاوضات الى طريق مسدود. يبدو الانسداد عائدا الى سبب في غاية البساطة. يتمثّل هذا السبب في أن النظام قادر على متابعة المجزرة التي يرتكبها في حقّ السوريين من دون عقاب. فعندما يتحدّث نائب وزير الخارجية في النظام السوري، وهو شخص يخجل المرء من ذكر اسمه، عن مفهومه لبيان جنيف-1 الصادر في منتصف العام2012، معتبرا أن المطلوب أوّلا البحث في موضوع الارهاب، فهو يوجّه رسالة. فحوى الرسالة أنّ النظام السوري لا يبحث عن تسوية سياسية تؤدي الى خروج سوريا من مأزقها.

كلّ ما يريده نائب وزير الخارجية، وهو سنّي من درعا يستخدمه النظام من منطلق طائفي لا أكثر، هو كسب الوقت.

كسب الوقت من أجل ماذا؟ هل يعتقد النظام السوري أنه سيكون قادرا على حكم سوريا في المستقبل وكأنّ شيئا لم يكن؟ وكأنّ مقتل ما يزيد على مئتي ألف سوري لا يعني شيئا؟ وكأنّ تدمير منازل السوريين على رؤوس السوريين في كلّ المدن والقرى، بما في ذلك حمص وحماة وحلب ودمشق وادلب ودير الزور ودرعا نفسها، التي لا يستطيع نائب وزير الخارجية العودة اليها، مجرّد «حادث عابر«؟

هل يمكن تسوية النتائج المترتبة على «الحادث العابر« بتشكيل «حكومة موسّعة« يسيرها بشّار الاسد وذلك كجائزة ترضية للسوريين الساعين الى حقيبة وزارية من هنا وأخرى من هناك…

من هذا المنطلق، لا حاجة الى الاستناد الى ما ورد في بيان جنيف-1 ولا الى مفاوضات جنيف-2 ولا حتى الى جنيف-100 من أجل انقاذ سوريا. لا ينقذ سوريا من نظام طائفي يصرّ على تدميرها الاّ تغيير في موازين القوى على الأرض. كلّ ما عدا ذلك دوران في حلقة مقفلة واضاعة للوقت. من اختبر النظام السوري عن قرب في لبنان يدرك جيّدا أن هذا النظام لا يفهم سوى لغة واحدة. اسم هذه اللغة هو القوّة. في غياب تغيير في موازين القوى، سيكون النظام مستعدا للذهاب الى ما لا نهاية في المفاوضات الهادفة الى اغراق الآخرين في التفاصيل بدل الذهاب فورا الى لبّ المشكلة.

يسعى النظام السوري الى الحديث عن «حكومة موسّعة«. يحاول تسويق هذه الفكرة بديلا من «هيئة الحكم الانتقالية التي تتمتع بكلّ الصلاحيات« حسب ما ورد في بيان جنيف-1 الذي انعقد على أساسه جنيف-2. هل مشكلة سوريا في توسيع الحكومة الحالية أم في نظام دموي، تتحكّم به عائلة تنتمي الى أقلّية طائفية، نظام لا شرعية له من أي نوع كان؟ انّه نظام حرم السوريين طوال ما يزيد على اربعة عقود من أي نوع من الحرّية والكرامة. أغرق سوريا بالدمّ. انّه نظام السلاح الكيميائي والبراميل المتفجّرة الذي تاجر، ولا يزال، بلبنان واللبنانيين وفلسطين والفلسطينيين وبكلّ ما تقع يده عليه.

لم يكن لدى هذا النظام أي همّ في يوم من الايّام سوى السلطة ولا شيء آخر غير السلطة. من أجل السلطة، كان حافظ الاسد على استعداد لقتل عشرات آلاف السوريين واللبنانيين والفلسطينيين. كان مستعدّا حتى للتفرّج على قتل العراقيين خلال الحرب التي خاضها العراق مع ايران والتي ذهب فيها النظام السوري الى النهاية في دعم النظام الايراني من منطلق مذهبي أوّلا واخيرا. هذا لا يعني أن صدّام حسين كان محقّا في خوض تلك الحرب، بل كان على النظام السوري التزام الحياد، أقلّه احتراما للجنود العراقيين الذين استشهدوا دفاعا عن سوريا في حرب تشرين الاوّل- اكتوبر 1973.

سيظلّ النظام السوري يماطل ويماطل. سوريا آخر همّ لديه. ماطل في الانسحاب عسكريا من لبنان منذ خريف العام 1989، تاريخ توقيع اتفاق الطائف حتى ربيع العام 2005 بعدما اغتيل الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. رفض باكرا التزام الطائف الذي كان يعني أول ما يعني انسحابه تدريجا من لبنان. لم ينسحب الّا عندما اكتشف أن نصف الشعب اللبناني نزل الى الشارع في الرابع عشر من آذار/ مارس 2005 واتهمه مباشرة باغتيال رفيق الحريري. أدرك أنه لم يعد أمامه سوى الانسحاب. لم تمرّ اسابيع قليلة الا وكان الجيش السوري خارج الاراضي اللبنانية بعد احتلال للبنان استمر ثلاثة عقود.

أجبر اللبنانيون الجيش السوري على الانسحاب. أجبره على ذلك أهل السنّة أولا وكان الى جانبهم المسيحيون والدروز وعدد كبير من أبناء الطائفة الشيعية الكريمة.

من دون ضغط مباشر وحقيقي على النظام السوري، ستتابع أبواق النظام في جنيف لعبة اللف والدوران التي تستهدف تجاوز الواقع المتمثّل في أن لا قيمة لأيّ مفاوضات يديرها المبعوث العربي والدولي الاخضر الابراهيمي من دون البحث الجدي في كيفية رحيل النظام. هل من يريد أن يضغط بشكل فعّال، أقلّه من أجل منع النظام من اللجوء الى البراميل المتفجّرة…أم أنّ كل ما تريده الادارة الاميركية الحالية التأكد من أن سوريا التي عرفناها لن تقوم لها قيامة بعد الآن؟

من يحتاج الى أمثلة أخرى، غير لبنان، على أن القوة وحدها، أو مجرّد التهديد بها، تجعل النظام السوري يفاوض يستطيع أن يطرح على نفسه هذين السؤالين: السؤال الاوّل هل كان النظام سلّم تركيا الزعيم الكردي عبدالله أوجلان أواخر العام 1999، لولا التهديد العسكري باجتياح الجيش التركي الاراضي السورية…والخروج من الجولان؟

أمّا السؤال الثاني والاخير فهو الآتي: هل كان النظام سلّم أسلحته الكيميائية الصيف الماضي لولا التهديد الجدّي الاميركي بضربة؟ فور زوال شبح الضربة، باشر النظام المماطلة…عاد الى التمسّك باسلحته الكيميائية.

هذا التصرّف يعطي فكرة أكثر من واضحة عن نظام لا يعرف الّا أن يأخذ…يأخذ حتى أرواح السوريين من اجل أن يضمن بقاء سوريا مزرعة للعائلة لا أكثر!

المستقبل

انجازات “جنيف 2″/ عبدالله إسكندر

انتهت الجولة الثانية من مؤتمر «جنيف 2»، بتحقيق «نقطة مهمة جداً» بالنسبة الى النظام السوري، على ما أعلن وزير خارجيته وليد المعلم. هذا «الانجاز» لا يتعلق بمجريات المفاوضات في جنيف، اذ ان الخلاصة كما عبر عنها الموفد الدولي الاخضر الابراهيمي هي عدم التقدم اي خطوة في اتجاه تحقيق المؤتمر، والسبب في ذلك يعود الى رفض النظام البحث في هيئة الحكم الانتقالي، كما قال الاخضر الابراهيمي. ان عدم تحقيق اي تقدم في جنيف هو في ذاته «الانجاز» بالنسبة الى النظام السوري.

في غضون إفشال اي تقدم في جنيف، عمد النظام الى شن اوسع عملية قتل مجاني للمواقع المحاصرة في المدن السورية على نحو أنزل معدلاً من القتلى المدنيين يفوق ما سُجل قبل بدء «جنيف 2»، في الوقت الذي كان يعد للمعركة الفاصلة في يبرود.

وأدت حملة البراميل المتفجرة بعضاً من نتائجها، خصوصاً لجهة عدم قدرة المدنيين على احتمال فقدان كل مقومات الحياة، فاضطروا الى تقديم تنازلات صورية ومصالحات بشروط النظام الذي استغل البؤس الذي انزله بمواطنيه من اجل الاستمرار في الحل العسكري، كما حصل في مخيم اليرموك وبعض بلدات ريف دمشق وحمص.

وفي الغضون كان النظام يعد، مع القوى العسكرية المتحالفة معه خصوصاً «حزب الله»، لما يعتبره معركة فاصلة من القلمون الى ريف حمص وإبقاء السيطرة على الطريق بين دمشق والساحل، من جهة. ومن جهة اخرى، تصفية وجود المعارضة على الشريط الحدودي مع لبنان لحرمانها من عمق، خصوصاً في الجانب الانساني، ولإبقاء التواصل السهل بين القوات السورية النظامية وقوات «حزب الله».

وقد وجدت هذه الاستعدادات الميدانية تغطية سياسية استثنائية من الحليف الروسي الذي منع مرة اخرى البحث في اي قرار في مجلس الامن يتعلق بسورية، مهدداً بحق النقض ضد كل الصيغ التي طرحت، بما فيها تلك المتعلقة بالمأساة الانسانية في سورية. وقد برر الوزير الروسي سيرغي لافروف هذه الممانعة الروسية بأنها من اجل الحؤول دون احتمال توجيه اي تهديد بعقوبات للنظام السوري، رغم كمية البراميل المتفجرة التي يلقيها على شعبه. ولمنع اي مسعى لبحث في بدائل للنظام، خصوصاً هيئة الحكم الانتقالي، كما نص اعلان «جنيف 1».

هذا الدعم الروسي اللامحدود جاء مترافقاً مع تشديد ايراني جديد على التمسك بالنظام السوري، ممثلاً بالرئيس بشار الاسد، ومع تأكيد جديد على ان سورية خط مواجهة ايراني، كما صرح الجنرال قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» الايراني المسؤول عن التدخل العسكري في منطقة الخليج والشرق الاوسط.

هكذا استطاع النظام السوري خلال جولتي «جنيف 2» ان يحقق بعضاً من اهدافه الميدانية، رغم الاثمان الكثيرة التي فرضها على السكان المدنيين. وهو يأمل حالياً ان يحسم معركة القلمون، بما يعطيه تفوقاً ميدانياً في مواجهة المعارضة. وفي الوقت نفسه، تأكد ان طبيعة تحالفه مع كل من روسيا وايران، والدعم اللامحدود، العسكري والسياسي، والذي يحصل عليه منهما لم يتأثر بما تردد عن ترتيبات وتوافقات اميركية – روسية، في اطار ميزان المصالح والنفوذ، او اميركية – ايرانية، في اطار الاتفاق على الملف النووي.

الحياة

وفاة جنيف- 2!/ د. أحمد عبد الملك

نعى الإبراهيمي المبعوث الأممي المشترك إلى الشعب السوري محادثات جنيف-2 التي انتهت جولتها دون التوصل إلى نتائج مرضية توقف المجازر التي تُرتكب على التراب السوري، ما يعيق وصول المؤن والمساعدات إلى مئات الآلاف من السوريين في البلدات المُحاصرة. وبدا الإبراهيمي واضحاً عندما قدّم اعتذاراً واضحاً للشعب السوري بقوله: «أنا آسف جداً جداً وأعتذر للشعب السوري..عن آماله التي كانت كبيرة للغاية هنا، آماله في أن شيئاً سيحدث هنا»

وألمح الإبراهيمي إلى وجود نسخة ثالثة من مسلسل جنيف، ولسوف تخصص لموضوع العنف والإرهاب، وتشكيل هيئة حكم انتقالية والمؤسسات الوطنية، والمصالح الوطنية.

ورغم أن الاختلاف الذي عصف بـجنيف-2 مازال دون حل، وتم ترحيله إلى جنيف- 3 وهو إصرار النظام السوري على مناقشة قضية مكافحة الإرهاب أولاً، ورفضه التحول إلى مناقشة أي موضوع آخر حتى يتم الاتفاق على هذا الموضوع!

ويبدو من تلميح الإبراهيمي أن النظام يرفض تشكيل هيئة حكم انتقالية تتمتع بقوة تنفيذية كاملة، بينما يصرّ وفد المعارضة السورية على مناقشة هذا الموضوع أولاً، أن رأسيّ الطرفين قد اصدما بجدار صلب.

في الولايات المتحدة، حيث يجول أوباما تبدو القضية لديه «باردة» جداً، حيث صرّح بأنه يدرس سبلاً جديدة للضغط على النظام السوري ، لكنه لا يتوقع حلاً للصراع في أي وقت قريب؟! وهذا التصريح «الفاتر» يعطينا الانطباع عن كيفية نظر الإدارة الأميركية للصراع الدائر في سوريا، دونما اعتبار للضحايا الذين يسقطون يومياً، ودونما اعتبار لحالة المُشردين في المنافي والعراء! كما عبّر عن ذلك رئيس الصليب الأحمر الدولي بأنه توجد مناطق مُحاصرة إلى جانب حمص يعيش فيها أكثر من مليون شخص في ظروف بالغة الخطورة. وعشية «تأبين» جنيف- 2 أعلن الأمين العام لجامعة الدول العربية أنه سيتم التوجه إلى الأمم المتحدة أو مجلس الأمن وإلى لقاء (5+1) ولقد تأكد للعربي من خلال محادثة له مع الإبراهيمي أن خلافات شديدة خيمت على محادثات جنيف-2 حول أولويات القضايا المطروحة للنقاش.

وكان الوفدان ( النظام والمعارضة) قد تبادلا الاتهامات بـ (تفشيل) جنيف- 2، ففي حين قال عضو الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية إن النظام يضيّع الوقت بقصد إفشال المفاوضات، وأن الروس لم يضغطوا على النظام السوري، قال مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إن وفد المعارضة يود التعامل مع بند نبذ العنف ومكافحة – ما أسماه – الإرهاب، بشكل سطحي. كما أعرب نائب وزير الخارجية السوري عن أسفه لأن الجولة لم تحقق أي تقدم، واتهم بدوره المعارضة بطرح أجندة مختلفة وغير واقعية، في الوقت الذي أكد استعداده لمناقشة قضية الحكومة الانتقالية بعد التوصل إلى حل لمكافحة – ما أسماه – الإرهاب. وكان وزير الخارجية الروسي اتهم المعارضة وبعض الدول المشاركة في مفاوضات جنيف- 2 بالتركيز على تغيّر النظام، وعدم الرغبة في مواصلة التفاوض!

هنالك أكثر من 130 ألف سوري قضوا في المعارك الدائرة منذ ثلاثة أعوام، في حين تتم محاصرة مئات الآلاف داخل المدن والبلدات السورية، بينما يتواجد أكثر من 4 ملايين لاجئ ومُشرد في العراء، يعانون ويلات البرد القارص ونقص الغذاء وبقية المستلزمات الإنسانية الأساسية. والنظام والمعارضة ما زالا تتجاذبهما الأيادي الطويلة، والنظرات إلى «ثمار» المستقبل، دونما أي اعتبار للحاضر الذي يبدو قاتماً ومؤلماً، وحتماً سيبذر الكثير من بذور الكراهية والعنف في المجتمع السوري.

لقد‏ حان الوقت لموقف أممي واضح يوقف العنف في هذا البلد، وينقذ ما يمكن إنقاذه ، ويحاكم المسؤولين عن هذا القتل والدمار الذي لحق بالبلاد ، ويهيئ الطريق نحو حياة ديموقراطية مستقرة وآمنة في سوريا ، حتى لو ذهب ألفُ نظام ، أو رُميت ملفات التاريخ في سلة المهملات!

الاتحاد

قمة الرياض بديلاً عن جنيف 2/ حسين عبد الحسين

عندما يزور الرئيس الأميركي، باراك أوباما، الرياض منتصف الشهر المقبل، لن يقدم التسوية السياسية في سوريا كحل وحيد للأزمة فيها، فمؤتمر “جنيف 2ط الذي خصص لهذه التسوية، والذي شاركت فيه السعودية والفصائل السورية القريبة منها، انهار بسبب “عنجهية” نظام بشار الأسد، حسب مجلس الوزراء السعودي، وبسبب استمرار روسيا بتقديم الدعم للأسد حتى “يضاعف من رهانه” ويستمر في الحملة العسكرية التي يشنها ضد معارضيه والمدنيين، حسب وزير الخارجية الأميركية جون كيري.

 وبين انهيار التسوية واللقاء المزمع عقده بين أوباما والعاهل السعودي عبدالله بن عبدالعزيز، للمرة الأولى منذ العام 2010، تستعد كل من واشنطن والرياض لتقديم بدائل للحل السياسي المنهار، والتوصل إلى اتفاق حول الخطوات المقبلة.

 الولايات المتحدة ما تزال ترفض أي تدخل عسكري مباشر لها في سوريا. كذلك، تعارض واشنطن تسليح الثوار، أو توسيع برنامج تدريبها الخجول، والذي يخرّج 250 مقاتلاً سوريا شهرياً بعد أن يتم تدريبهم في الأردن.

 في  الوقت نفسه، تعتقد الإدارة الأميركية أن لديها خيارات أخرى يمكنها تقديمها للثوار، مثل زيادة في الدعم اللوجستي، وتزويد الثوار بمعلومات استخباراتية وبصور جوية حول أماكن انتشار مقاتلي الأسد وحزب الله. كذلك، تعتقد واشنطن أن بإمكانها تقديم وسائل مواصلات واتصالات.

 لكن السعودية لا تعتقد أن من شأن هذه الخيارات أن تشكل بديلاً جدياً لانهيار التسوية السياسية، وأن خطوات من هذا النوع من شأنها إضاعة الوقت. بدلاً من ذلك، تقترح الرياض تزويد الثوار السوريين المقربين منها، والتي تتحمل مسؤولية انضباطهم، بأسلحة نوعية، ولا سيما الصواريخ المحمولة على الكتف، والتي يمكنها إسقاط مروحيات الأسد وبعض مقاتلاته، وبذلك إنهاء غارات البراميل المتفجرة التي تروع المدنيين السوريين وتقتل أعداداً كبيرة منهم.

 حتى الأمس القريب، كان التباين بين أميركا والسعودية حول كيفية التعاطي مع الأزمة السورية واضحاً، وهو، بالإضافة إلى الاختلاف حول كيفية مقاربة ملفات النووي الإيراني والعراق ومصر وشؤوناً أخرى، أدى إلى جفاء وشبه توتر في العلاقة.

 لكن تطوراً حدث وأجبر واشنطن على العودة إلى السعوديين في محاولة للدفاع عن بعض المصالح الأميركية. هذا التطور يتمثل بالزيادة المفاجئة للقلق الأميركي من ازدياد سطوة وقوة الفصائل الإسلامية المتطرفة، التي تسيطر على بعض المناطق في سوريا، في وقت تشير المعلومات المتواترة في العاصمة الأميركية إلى أن ما يقارب 2500 من المقاتلين الأجانب، والذين يقدر إجمالي عددهم بعشرة آلاف، يحملون الجنسية السعودية.

 ولأن واشنطن والعواصم الغربية تسعى منذ فترة إلى مراقبة المواطنين الغربيين ممن يشاركون في القتال في سوريا ويمكن عودتهم إلى أوطانهم يوماً، لتنفيذ عمليات عنف فيها، ازداد الاهتمام الغربي عموماً والأميركي خصوصاً بالحرب السورية، ما أجبر واشنطن على محاولة التواصل مع الأصدقاء والحلفاء في هذا السياق.

 أولى الخطوات الأميركية تمثلت في عقد لقاءات مع الحلفاء الأوروبيين لتبادل المعلومات والأفكار. الخطوة الثانية تمثلت بعقد لقاء، الأسبوع الماضي في العاصمة الأميركية، لمسؤولين أمنيين من دول منطقة الشرق الأوسط من أصدقاء أميركا، وشارك من الجانب السعودي وزير الداخلية الأمير محمد بن نايف.

 واللافت اليوم أنه، فيما كانت أميركا تميل في الماضي للاعتقاد بأنه يمكنها التعاون مع إيران والأسد من أجل لجم المجموعات الإسلامية المتطرفة، صارت التقارير المتواتر اليوم تشير إلى مسؤولية إيران والأسد في تغذية بعض النشاط المتطرفة، من أجل تبرير العنف الذي يمارسه الأسد وحلفائه بحق معارضيه.

 هكذا، شعرت واشنطن أنها بحاجة إلى ترميم تحالف حقيقي في وجه المجموعات الإسلامية المتطرفة، وهنا وجدت ضالتها في السعودية، التي أصدرت سلسلة قرارات مؤخراً فرضت بموجبها عقوبات مشددة على أي سعوديين يشاركون في القتال في سوريا.

 لكن، في الوقت الذي تعتقد واشنطن أن السعودية يمكنها أن تقدم تعاوناً غير مسبوق ضد الإرهاب، تتوقع واشنطن أن تطلب السعودية في المقابل، وفي إطار مكافحة الإرهاب نفسه، إنهاء أسبابه، والتي يتصدرها استمرار بقاء الأسد في منصبه، ومساهمة إيران في دفع بعض المجموعات المتطرفة إلى الواجهة.

 ولأن السعودية تقدم معلومات يمكن الركون إليها لتبديد مخاوف أميركا من المجموعات المتطرفة في سوريا، ستجد واشنطن نفسها مجبرة للركون إلى معلومات سعودية حول المجموعات الأخرى، وخصوصاً السورية المعتدلة، مثل “الجيش السوري الحر” وغيرها، والتي راحت مؤخراً تنظم صفوفها وتظهر انضباطاً على الأرض وارتباطا بالقيادة السياسية للمعارضين السوريين وحلفائهم الإقليميين والدوليين.

 هكذا، تعد الرياض واشنطن بفصل الصالح عن الطالح بين المقاتلين في سوريا، وتزويد المجموعة الأولى بسلاح نوعي وتدريب يمكنه قلب تقدم قوات الأسد وحلفائه، وفي الوقت نفسه مطاردة الإرهابيين داخل سوريا والقبض عليهم وعلى شبكاتهم خارجها وحول العالم، وهذا عرض تجد واشنطن نفسها مجبرة على قبوله.

بعد سوريا، سيكون هناك حديث أميركي – سعودي عن إيران، ولكن التباين مازال واضحاً بين الطرفين. واشنطن تصر على جدوى الحوار مع طهران، فيما الرياض تعتقد بضرورة الاستمرار في الضغط على الإيرانيين الذين يعدون، منذ زمن، ولا يفون.

إذاً، هل يمكن لأميركا والسعودية التقارب في سوريا والاستمرار في الاختلاف حول إيران؟ هذا ما تعمل الحكومتان على تسويته في الأسابيع القليلة المتبقية قبل لقاء القمة المنتظر في الرياض.

المدن

جولة في الجبهات تسبق جولة تفاوضٍ ثالثة/ عبدالوهاب بدرخان

ما الذي يجمع بين روبرت فورد وبشار الجعفري؟ انهما يدافعان عن سياسة لم يعد ممكناً الدفاع عنها. أما الفوارق بينهما فكثيرة جداً، إذ إن فورد مستاء ويعتزم مغادرة منصبه، في حين يبدو الجعفري متمتعاً بتمثيل نظام القتل. والمسألة عند فورد ليست مجرد تعاطف مع الشعب السوري، لكنه لمس من موقعه أخطاء واشنطن ونتائجها المباشرة وغير المباشرة ووجد نفسه مضطراً للتنكّر بأكثر من وجه، إمّا للتكيّف معها أو لتبرير ما لا يبرّر. فـ «الغموض البنّاء» الذي اعتمده البيت الأبيض، ظلّ غموضاً فحسب، بل غدا قاتلاً إنْ لم يكن مساهماً في استشراء الارهاب في سورية.

ومنذ بداية مؤتمر «جنيف 2»، أيقن الجعفري أن اللعبة تغيّرت، لأن التفاوض مع «الائتلاف» المعارض شيء وتكليف وفد النظام بخوض ثرثرة تفاوضية عقيمة شيء آخر. والمسألة عنده عاطفية جداً، فهو من صلب النظام، لكن صانعي القرار في دمشق لا يعترفون بمعايير التعاطي مع المجتمع الدولي. فالتلفيق كان متاحاً ما دام الصراع مع أوهام «المؤامرة الكونية». أما التفاوض مع وفد الشعب، فلا بدّ من أن يخضع لمعيار لا يفقهه النظام ولا يحبذه: الحقائق.

قبل أن يبدأ، كان «جنيف 2» ولا يزال اطاراً لكشف الوجوه والأدوار. فالنظام السوري صار معروفاً الى أبعد حدّ وشكّلت له المفاوضات فرصة لطي صفحة الوحشية، فرفسها ليؤكد أن كل ما يمكن توقعه منه هو المزيد من التوحّش. أما «الائتلاف» الذي أثبت تلهّفه الى حل سياسي يوقف النزيف فاستطاع، على رغم كل ما تعانيه المعارضة من فوضى وتفتت، أن يعبّر عن حقيقة موقف غالبية الشعب التي أتعبتها الحرب، بمن فيها من ثوار مقاتلين أو معارضين صامتين أو حتى مؤيدين للنظام.

فالجميع يريد نهاية لهذه المحنة، لكن ليس أي نهاية، وبالطبع ليست النهاية التي تبقي النظام كأن شيئاً لم يكن. جاء وفد النظام الى جنيف ولديه استراتيجية واضحة لمهمة واحدة: إفشال المفاوضات. لماذا؟ لأن السير بلعبة «جنيف 2» مجرد مسايرة تكتيكية للحليف الروسي، الذي تفاهم الايرانيون معه على أن الخطط العسكرية سـتــبقى نافذة الى أن يتمّ «الحسم»، وعندئذ إمّا أن يـصار الى التفاوض في ضوء موازين القـوى على الأرض، أو يضطر الطرف الآخر للانـسـحاب من المـفاوضـات.

أما وفد «الائتلاف»، فجاء للبحث في شراكة «الحكم الانتقالي»، ولا يعني ذلك سذاجة من جانب المعارضة، فهي مثل الأمم المتحدة ومبعوثها تلقّت من الاميركيين والروس تأكيدات بأن موضوع التفاوض هو هذا، بدليل ما سبق وما تلى «تفاهمات كيري – لافروف» في 07/05/2013 في موسكو، وأيضاً القرار 2118، وكذلك الرسالة التي وجـّهـها بان كي مـون للـدعوة الى الـمؤتـمر.

أصبح معروفاً الآن أن روسيا كانت تراوغ، منذ خدعة سيرغي لافروف لهيلاري كلينتون عشية «جنيف 1» وصدور بيانه (المعدّل) في 30 حزيران (يونيو) 2012 حتى اللحظة التي أدرك فيها الاخضر الابراهيمي أن وفد النظام لم يأتِ للتفاوض. وبالتالي، فإن ثمة في «تفاهمات كيري – لافروف» ما لا يعرفه أو أنها فجأةً لم تعد فاعلة. كان الابراهيمي وضع معظم رهانه على الدعم الروسي القوي لـ «الحل السياسي»، ولعله تأكد أخيراً من أن مراهنته أيضاً على «دعم» ايراني لمثل هذا الحل كانت مجرد سراب. اذاً، فالموقف الحقيقي لموسكو هو ما ظهر في أداء وفد النظام. وعلى سبيل الاستيضاح، كان الاجتماع الثلاثي (ويندي شيرمان وغينادي غاتيلوف والابراهيمي) على هامش «اللامفاوضات». ولمزيد من الوضوح، دخل الاميركيون والروس في اشتباك كلامي مواكب للمبارزة الديبلوماسية في مجلس الأمن. انزعج الروس من مشروع قرار يلزم نظام الأسد بإيصال المساعدات الانسانية في شكل أفضل، فلوّحوا بمشروع مضاد وبآخر يتعلّق بـ «مكافحة الارهاب» من قبيل المؤازرة لوفد النظام الذي قال: «نتفاوض أولاً على مكافحة الارهاب، ثم على كل شيء». أراد الروس دائماً إبعاد الأزمة عن مجلس الأمن، وأصروا على أن «جنيف 2» هو المكان المناسب للبحث في أي ملف، بما في ذلك الاغاثة. قد تكون المواجهة الحاصلة في اوكرانيا سبباً لانعكاس انفعال روسيا على مفاوضات جنيف، لكن الواقع أظهر أن موقفها تماهى في كل المراحل مع موقف نظام دمشق. ثم إن فشل الجولة الأولى من التفاوض في التعامل مع الوضع الانساني دفع القوى الدولية للعودة الى مجلس الأمن بهدف الضـغـط على دمـشـق وموسـكـو معاً.

عادت اذاً ديبلوماسية «الدب الروسي»، لكن مافيات موسكو لا تهتم بالاتهامات الموجهة اليها، ومن اعتقد سابقاً أنها لا «تبلف»، فقد أخطأ على حسابه، ومن يقول اليوم إن الخديعة الروسية تكلّف الشعب السوري آلاف الضحايا، فإن موسكو لا تبالي طالما أن ايران تدفع نقداً ثمن كل الاحتياجات العسكرية للنظام، أو بالأحرى احتياجاتها لأن رجالها ومقاتلي «حزب الله» والميليشيات العراقية هم الذين يحاربون في القلمون والغوطة وفي نواحي حمص وحلب. لكن الانكشاف الاميركي هو ما بدا الاسبوع الماضي مخزياً ومروّعاً. فـ «جنيف 2» كان ورقة التوت التي تغطي «العجز واللاإرادة السياسية»، وها هي قد طارت. فمن بين الأطراف الدولية، وحدها ادارة باراك اوباما رفضت ادراك أن موسكو تخدعها جهاراً ونهاراً، والأسوأ أن تكون أدركت واستمرّت في اللعبة لانعدام خيارات اخرى.

فالوزير جون كيري الذي أعلن أن الادارة تعتزم مراجعة سياستها وأنها تبحث عن بدائل «قد تجدها وقد لا تجدها»، هو من أسرّ للسيناتور جون ماكين بأن البيت الأبيض «يعطي ديبلوماسيتنا رصاصات مفرّغة لتحارب بها»، وهو أيضاً من يعرف أن أياً من الديبلوماسيين المؤهلين لا يرغب في الحلول محل روبرت فورد المغادر، ليس لصعوبة المهمة، بل لأن السياسة المرسومة تقيّد المكلّف بالمهمة. أما «البدائل»، عدا الحرص على إبقاء اطار جنيف، فلا بدّ من أن تكون لمواجهة خيارات معروفة للروس والايرانيين فضلاً عن نظام الاسد. انهم يريدون حرباً مفتوحة، يرعون ارهابيي «داعش» ويشكون منهم، يشيرون الى الدول الداعمة للمعارضة ويعرفون أن اميركا تمنعها من توفير سلاح نوعي للمقاتلين، يرتكبون الفظائع ويتهمون المعارضة بها الى حد أن بشار الجعفري أورد في احدى الجلسات لائحة بالمجازر التي نفّذتها قوات النظام على أنها من ارتكابات المعارضة. رفضت واشنطن دائماً تسليح المعارضة مباشرةً أو من خلال حلفائها، مستندةً الى أمرين: احتمال وصول السلاح الى أيدي ارهابيين، وتفاهمها مع موسكو على «حل سياسي» يوجب منع المعارضة من أي انتصار عسكري حتى لو كان متاحاً… ونفّذ الاميركيون ما تعهّدوه، فأدّى الى نتائج معاكسة تماماً لما توقعوه، فيما نفّذ الروس ما تعهدوه للنظامين السوري والايراني – وليس للاميركيين – وتوصلوا الى النتائج التي توخّوها.

عندما يصرّ النظام على أن يقتصر التفاوض على «مكافحة الارهاب»، فذلك يعني أمرين: 1) إنه الوحيد المؤهل ببنيته العسكرية والأمنية لهذه المهمة، ولذلك 2) فهو لا يرى مفاوضاً آخر غير الدول الكبرى وبالأخص الولايات المتحدة، وبالتالي فهو غير معني بالتفاوض مع «الائتلاف» المعارض. وإذا كان النظام وضع المفاوضين على «لائحة الارهاب» لتبرير استيلاء «الشبيحة» على أملاكهم، فإن الناطق باسم وفده في جنيف عرّف «الارهابي» بأنه «كل مَن يعتدي على المواطنين وعلى الحكومة». هل يعودون الى جنيف؟ هذا يتوقف على «تفاهمات» اميركية – روسية منقّحة أو جديدة. وفي الانتظار تتجه الأنظار الى الجبهات، اذ ستكون هناك جولة قتالية قبل الجولة الثالثة للتفاوض.

* كاتب وصحافي لبناني

الحياة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...