الرئيسية / كتاب الانتفاضة / محمد تركي الربيعو / مقدسات ومحرمات وحروب: رؤية أنثروبولوجية كلاسيكية/ محمد تركي الربيعو

مقدسات ومحرمات وحروب: رؤية أنثروبولوجية كلاسيكية/ محمد تركي الربيعو

 

 

■ كنا قد سعينا في مقالة الأسبوع الماضي «العرب وتاريخ الأنثروبولوجيا: رؤية اختزالية وأسلمة جديدة للحقل»، إلى الإحاطة بالصورة النمطية التي كانت تتشكل في ذهنية جل المثقفين العرب حيال حقل الأنثربولوجيا في فترة التسعينيات، خاصة بعد التعرف على رؤية طلال أسد وجيرار ليكرك، التي نظرت إلى هذا الحقل بوصفه لم يكن سوى أداة في يد الاستعمار لغزو العوالم الأخرى. ولذلك حاولنا الإشارة في سياق هذا الحديث إلى الكتاب الجديد الذي صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، باعتباره يقدم تاريخاً آخر لهذا الحقل، وهو تاريخ كما بدا لنا من خلال الكتاب، ومن خلال مراجع عديدة أخرى يقطع مع الطقس الرتيب الذي عادة ما يستدعي الاستعمار أثناء الحديث عن الرحلات الأثنوغرافية التي قام بها سندباد القرن العشرين (الأنثروبولوجيين)، والأهم من ذلك هو أن هذا الحقل بدا من خلال المرجع السابق، حقلاً حيوياً يشهد طقوس عبور عديدة على مستوى إعادة النظر في أجنداته والجماعات التي يعمل على دراستها (من الجماعات البدائية إلى دراسة المدن الجديدة والأحلام الجمعية داخلها). واستكمالاً لهذا النقاش والتاريخ الآخر للأنثروبولوجيا، سنحاول في هذا المقال إعادة قراءة المناخ الأكاديمي والمعرفي، الذي أحاط بكتاب عالم الأنثربولوجيا الأمريكي مارفن هاريس «مقدسات ومحرمات وحروب: ألغاز الثقافة» والذي تُرجِم مؤخراً للعربية عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ترجمة أحمد م. أحمد.

ولعل التركيز على معرفة الظروف التي أحاطت بالكتاب (الصادر عام 1974) قبل الخوض في متنه، تبقى برأينا أكثر نجاعةً على مستوى التعامل مع هذا النص، الذي بات يعد من الكلاسيكيات في هذا الشأن ـ مع عدم التقليل من أهمية هذه الترجمة ـ كما أنه قد يساعد القارئ العربي على تكوين صورة أفضل عن الخلفيات والجدالات النظرية التي بلورت هذا العمل، وبالتالي وضع العمل في سياق تاريخ الرؤى الأنثربولوجية، عوضاً عن قراءته اليوم في عالمنا العربي (بحكم ترجمته) وكأنه يعبر عن نتاج جديد في هذا الشأن.

الحرب العالمية الثانية والمادية الجديدة:

يبين لنا الأنثربولوجي الأمريكي سيدل سيلفرمان في سلسلة محاضراته عن تاريخ الأنثربولوجيا الأمريكية، أن هذا الحقل ، بعد الحرب العالمية الثانية، كانت يمر بمنعطف جديد داخل جامعة كولومبيا (المكان التقليدي لأبو الأنثربولوجيا الأمريكية فرانز بواز وتلامذته)، التي شهدت مع هؤلاء نقداً واسعاً لفكرة التطورية وللحتمية البيئية في تفسير الاختلاف الثقافي. ولكن كما يشير سلفرمان، كانت الجامعة على موعد مع تغير وجهة النظر هذه، مع قدوم الأنثربولوجي جوليان ستيوارد؛ الذي أخذ يخطو في مسار مغاير للمسار المهيمن السابق. فقد بدأ ستيوارد الكتابة عن العلاقات البيئية الثقافية في أثنوغرافيته عن قبائل هنود الشوشون في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ حاول رصد أشد الإكراهات التي فرضتها البيئة على كفافهم وتنظيمهم الاجتماعي. وربما كرد فعل ضد مقاومة البوازيين لإعطاء أي دور للبيئة، ميز بين عناصر جوهرية وأخرى ثانوية للثقافة، معطياً أولوية للعنصر الجوهري الذي يرى أنه تشكل بفعل البيئة.

هذه «الأنثربولوجيا البيئية»، بدت كبرنامج وفكرة محببة لدى جيل جديد كان يتشكل داخل محور كولومبيا (روبرت مورفي، ومارشال سالينز)، كما يعتبر مارفن هاريس (مؤلف الكتاب الذي نحن بصدد الحديث عنه) من أكثر المتحمسين لهذه الرؤية داخل الفريق الكولومبي.

في بداياته، قام هاريس بإجراء دراسة عن المجتمعات التقليدية في البرازيل. وفي منتصف الخمسينيات من القرن الماضي أمضى سنة في موزامبيق، وعندما عاد قام بتحويل نفسه إلى أنثروبولوجي مادي متشدد. وشرع في إنجاز سلسلة من المشروعات الطموحة لإعادة تشكيل الاختصاص من منظور حتمية تكنولوجية ـ اقتصادية ـ بيئية ـ ديموغرافية. هذا الطرح المادي، الذي يسعى إلى تفسير الثقافة والأساطير أو الطقوس الدينية من منظور بيئي/عقلاني هو الذي حكم مجمل عمله المُترجم حالياً للعربية. فقد حاول أن يقوم بقراءة مادية مباشرة مثلاً للألغاز الثقافية، وفق تعبيره، التي تقف وراء تحريم تناول لحم بعض الحيوانات (الخنزير لدى اليهود والمسلمين) أو (البقر لدى الهندوس).

في موضوع لحم الخنزير، يتساءل هاريس عن الأسباب اللاهوتية التي دفعت باليهود والمسلمين إلى تحريم تناوله. وبدلاً من حجج اللاهوتيين اليوم حيال هذه المسألة، يرى هاريس أنه علينا أن نأخذ بالحسبان الظروف البيئية التي أحاطت بمواقف التحريم هذه. فالعبرانيون الغابرون ـ أولاد إبراهيم في نهاية الألفية الثانية قبل الميلاد ـ بدو رحل، يعيشون تقريباً بشكل كامل على قطعان الأغنام والماعز والأبقار. وكسائر الشعوب الرعوية حافظوا على علاقات مقربة مع المزارعين المستقرين، الذين شغلوا الواحات والأنهار الكبيرة. وبين وقت وآخر كانت هذه العلاقات تنضج وتتطور لتتخذ نمط حياة أقرب إلى الزراعة والاستقرار.

وضمن النمط الشامل لهذا الكل الذي تمتزج فيه الزراعة بالرعي، شكل الحظر الإلهي للخنزير استراتيجية بيئية سليمة، إذ لم يستطع بنو إسرائيل المستقرون تربية الخنازير في مواطنهم القاحلة، في حين كانت الخنازير تشكل تهديداً أكثر منه استثمارا بالنسبة إلى السكان شبه المستقرين ومزارعي القرى. ويعود السبب الرئيس في ذلك ـ وفق هاريس ـ إلى أن مناطق البداوة في العالم تنسجم مع السهول والتلال غير الحرجية، التي تعتبر أكثر جدباً من أن تصلح للزراعة التي تعتمد في ريها على الأمطار، كما لا يمكن ريها يدوياً بسهولة، لذلك تكون الحيوانات الداجنة الأفضل تكيفاً مع هذه المناطق هي المجترات، الأبقار والأغنام والماعز. فللمجترات أجربة في مقدمة معداتها تمكنها من هضم العشب والأوراق وباقي الأغذية المحتوية بشكل رئيس على السيللولوز (سكر) بكفاءة أعلى من بقايا الثدييات الأخرى.

في المقابل يعتبر الخنزير كائن أحراج وضفاف أنهار مظللة في المقام الأول. وعلى الرغم من أنه حيوان لفلاف آكل النبات والحيوان إلا أن معظم ما يكسبه من وزن يأتي من الغذاء منخفض السيللولوز كالفواكه والدرنيات، خصوصاً الحبوب، مما يجعله المنافس المباشر للإنسان.

واستكمالاً لرؤيته المادية، يرى هاريس أنه في أوساط الجماعات البشرية الزراعية والرعوية القديمة في الشرق الأوسط، كانت قيمة الحيوانات الأليفة تقدر بصفتها مصادر للحليب والأجبان والجلود والسماد والجر بغرض الحراثة. وقدمت الماعز والاغنام والأبقار قسماً وافراً من هذه المواد، مع إضافة غذائية من اللحوم خالية الدهون بين الفينة والأخرى. بناء على ذلك، كان لا بد من أن يكون لحم الخنزير منذ البداية طعاما ًكمالياً، له مكانته بسبب خصائصه اللينة والدهنية.

المكان الخطأ

من هنا كان الشرق الأوسط، وفق هاريس، هو المكان الخطأ لتربية الخنازير (حيث ولادة اليهودية والإسلام)، ولذلك أدت هذه الظروف البيئية إلى أن يُحظر استهلاك لحم الخنزير بشكل كلي، وأن يركز اليهود والمسلمون على تربية الماعز والأغنام والأبقار.

ولكن ماذا عن هذه القراءة اليوم؟

لا شك في أن الدروب المادية التي يعتمدها هاريس قد تكون أكثر إقناعاً وتشويقاً للقارئ المعاصر، وهو قارئ ـ مهما اختلفت أشكال تدينه ـ غالبا ًما يتعامل مع النص الديني من منظور عقلاني، وكثيراً ما يعتمد على الحجج العلمية (خاصة السلفيين) لتفسير نصوصه أو بناء قناعاته الدينية. وهو ما بات ينطبق حتى على مستوى الفقهاء الذين شعروا بـ»حصار» الحداثة، فأخذوا يسعون إلى تقديم الرسالة السماوية من منظور عقلاني. ولذلك نجدهم في موضوع تحريم لحم الخنزير يسكتون عن الأسباب الدينية/الأسطورية التي حرمت أكله، ويلجأون إلى الحجج العلمية المختلفة لشرعنة هذا التحريم، مع أن هذه الحجج لم تكن معروفة في تلك الفترة التي حُرم فيها لحم الخنزير.

لكن في المقابل، إلى أي حد يمكن القول إن هذه الرؤية دقيقة على مستوى المستجدات النظرية، التي شهدها حقل الأنثروبولوجيا الدينية، خاصةً أن هذه القراءات باتت ترى أن تحليل النصوص الدينية أو البعد الأسطوري داخل هذه النصوص (موضوع تحريم لحم الخنزير في الإسلام) يتطلب المرور، بدون توقف، من التاريخي والاجتماعي نحو البنى الدينية الأكثر عمقاً للتفكير (بدون الوقوع في شراك البنيوية أيضاً)، بحيث نغدو أصحاب آلة ذات أنغام جد متنوعة، ولا نكتفي بتحديد علاقة مناسبة على آلة وتر وحيدة. مع هاريس نجد أن البحث في البنى الدينية هو الغائب/الواجب الحضور عن تحليله بسبب منهجيته المادية، وبالتالي لا مفر من العودة إلى دراسة البنى الدينية ضمن الملاحظات السابقة. وربما كمثال عن هذه العودة نحو البنى الدينية في موضوع تحريم لحم الخنزير، يمكن الإشارة إلى دراسة الأنثروبولوجي وأستاذ الفلسفة الراحل حسن قبيسي «دراسة ناسوتية في السنة النبوية» المنشورة في كتابه المنسي «المتن والهامشي: تمارين على الكتابة الناسوتية» (ولعل هذا النسيان ينطبق للأسف على حسن قبيسي وكامل نتاجه الأنثروبولوجي). صحيح أن قبيسي بقي مخلصاً لرؤية شتراوس البنيوية، مع ذلك فقد تبين له من خلال قراءة الكثير من التفسيرات الإسلامية لموضوع التحريم، أن جل الفقهاء المسلمين في فترة ما قبل الحداثة لم يكونوا ساعين إلى البحث عن تعليلات عقلانية لتفسير سبب هذا التحريم، فابن كثير لا يجد ما يقوله في هذا الشأن عند تفسيره للآية المتعلقة بالتحريم، بل يكتفي بالإشارة إلى أنه إنما حُرم لأنه مسخ، فقد كان كائناً بشرياً ثم مسخه الله. وهو تفسير يؤكد عليه أيضاً صاحب «علل الشرائع» (الشيخ الصدوق القمي).

قد لا تكون هذه الرؤية التي تحافظ على التفسير الأسطوري مغرية للكائن الحداثوي العربي، وهو كائن عقلاني في مقاربته للنصوص الدينية (سواء أكان محافظاً أم علمانياً)، مع ذلك فإننا نشاطر قبيسي والأنثروبولوجيا الدينية الجديدة استنتاجهما بأن النصوص الدينية هي نصوص أسطورية، والأسطورة هنا لا تأتي بمعنى الخـــــرافة أو نتاج عقل بدائي، بل هي يقين وحقيقة غير قابلة للنقاش لمن يؤمن بها، وبالتالي لا يمكن النظر لهذه التحريمات ومقاربتها فقط بوصفها نصـــــوصاً تاريخية أو وليدة بيئة معينة، كما ظن هاريس وأصـــــدقاؤه في سبعينيات القرن العشرين، بل هي نصوص قد لا يدركها البحث العقلاني المادي، وعدم إدراكها لا يعبر عن إشكالية هذه النصوص، بل عن إشكالية البحث في عوالمها اللاعقلانية بأدوات وتفسيرات مادية كسولة (وهذا الجانب اللاعقلاني هو بعد أساسي في أي دين).

٭ كاتب سوري

القدس العربي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كتاب ياسين الحاج صالح: “الثورة المستحيلة”: تعاطف غربي مع الشيطان وعشيرته في سوريا

    في كتابه المترجم للإنكليزية “الثورة المستحيلة – فهم المأساة السورية” (الثورة، والحرب الأهلية، ...