الرئيسية / صفحات الثقافة / ملاحظاتٌ حول اليوميّ والشفاهيّ/ علي جازو

ملاحظاتٌ حول اليوميّ والشفاهيّ/ علي جازو

 

 

لا يُعرَفُ على وجه الدقة متى نشأ اليوميّ والشفاهيّ كمصطلحٍ يميز ويفصل شأناً واحداً (اليوم الواحد الكثير في وحدته) إلى شكلين منفصلين: مكتوب منضبط بسياق فوق يومي إذا صح التعبير، وشفاهي ينزل منزلة الثانوي وقليل الشأن. لا شكّ أن تقنية نقدية جاحدة رصدت تحولاً ما، فوجدت في “اليومي” و”الشفاهي” بروزاً يستحق مكانة خاصة بهما وحدهما.

***

قرَّبَ تفضيلُ اليوميّ العياني على المجرّد الخيالي بين الحكاية الشفاهية المنقولة والشعر النثري. اللغة العفوية ذات التحيز التلقائي هي الرابط الذي يشد النص الآن.

هكذا، وجد كتّابٌ كثرٌ حجةً في تبسيط اللغة وسنداً لاستسهال صياغة التعبير. لم يعد الشعر على هذا النحو بحاجة إلى تصعيد خيالي ولا تمتين شكلي ولا تسامٍ تجريدي، ناهيك عن التأنّي في اختيار المفردة، بعدما تحوّل الشعرُ لقيةً على الطريق، ومشهداً أليفاً يمكن تحصينه وحمايته بقصائد “اليوميات” وعوارض “الهوامش”.

***

أخفى شاعر الشارع، طامحاً إلى مرتبة شعبية وفنية في آن، وجهَه خلف قناع “الهامشيّ” المرغوب، بل جعل من الهامش الممدوح هنا السيّد النبيل وأسبغ عليه صفات الأهمية والقوة المتاحة لأي كانٍ.

***

لم يكن المبدأ بحد ذاته خطأ، ولا كان ضد المسعى الجمالي لكل قصيدة، تبقى هي في حد ذاتها كاشفةً عن بنيتها الشكلية الخاصة، ومطوِّعةً غياب الشكل إلى مراتب تجريبية. لكن المبدأ نفسه صار أقرب إلى حجّة رفضٍ مطلقة لأي شعرٍ فرَّ من اليوميّ، أو لم يجد فيه وفرة جذابة. كان القصد الخفي من وراء ذلك، ربما، هجوماً مضمراً على المخيّلة التي نأت بنفسها عن ركام الواقع وضجيج سرعان ما يبدو أن أصواته الكثيرة لا تخرج إلى من فم واحد.

***

التضاد الميكانيكي بين اليومي البسيط ونقيضه المعقد والملغز، أقربُ إلى حيلة منه إلى تناقض عضوي حقيقي. قد يكون المرعبُ عذباً، وقد يجد الحالم في اللغز والتركيب الصعب إغواءً أكثر عمقاً وحميميةً من مفاتن دارجة.

***

لقد جرى تماثلٌ ما بين الشفاهي والبسيط من جهة، وبين الوضوح والمباشرة من جهة أخرى. كلما كنتَ أقرب إلى “الشارع” و”الشعار” كان إيجاد العبارة المناسبة أسهل. التماثل المدَّعى هذا، لم يجد أن أكثر العبارات بداهةً هي أكثرها صعوبة على الفهم.

***

القريب والحميم جميلٌ دون شك، مثله مثل البعيد والغامض. غير أن الجمالي لا يقاس بحقيقة متداولة كهذه فقط. إذا قسنا الأمور على نهج تبسيطي، فإن الكتابة، الشعر خاصة، تتحول إلى صورة ذات بعد واحد، وفي هذا يتحول اليومي والبسيط، على ما لهما من حيويةٍ وغنىً، إلى مثال جامد.

***

يرى مُحبّو نوع كهذا من الكتابة أنها أقرب إلى روح النثر، وأنها لا تغفل أحداثاً لصيقة بحياة الناس، وإن كانت هامشية أو تقيم في الظل، وهم في ذلك إنما يقيمون لها كياناً من ضوء جديد. غير أن هذا السند، يُحمل على معنى مجرد، فاليومي متشعب وذو طبقات تراكمية، ويسع ما يسع، على الرغم من كونه ظاهراً أقرب إلى الحسي والعضوي واللصيق بالمرئي والمعايش لحظة بلحظة.

***

إن طابع الكتابة الآنية يزيل عنها حجتها المجردة، ولا يقف الأمر عند هذا الأمر وحسب، بل يطاول الأسلوب، إذ إن الأخير هو الجوهري في النظر والاعتبار، فاليومي الزائل بلا جمالٍ هو قرين أكثر المجردات قبحاً.

***

الشكلُ الأنسب لقراءة الفصل النقدي، وهو فصلٌ لا ينطبق عموماً على النصوص المحمولة كلّها، هو الدائرة المغلقة. فمدارُ اليومي قياساً إلى وقته قصيرٌ، لكنه يحتضن ويستعيد عافيةً لا تزال تبحث عن ملاذ يقيها الفناء. قِصرُ الوقت وفواتُهُ هما مادة الكتابة التي عندما يحصنها حنينٌ خالصٌ، تضفي براءةً إلى عتق كلّ يومٍ.

ضفة ثالثة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...