الرئيسية / صفحات مميزة / “منتدى موسكو” والدور الروسي من الأزمة السورية “مقالات مختارة”

“منتدى موسكو” والدور الروسي من الأزمة السورية “مقالات مختارة”

 

روسيا تبحث عن «نظام جديد» من دون إسقاط الحالي/ إبراهيم حميدي

روسيا تريد حلاً سياسياً في سورية، لكن على طريقتها. حل لا ينسجم في شكل مطلق مع رغبات عدد من المسؤولين السوريين. ولا يرى «الائتلاف الوطني السوري» المعارض فيه مكاناً قيادياً كما كانت الحالة في مفاوضات «جنيف-٢». حل لم تطلق إيران محركاته ولم تزِل تركيا العصيّ من عجلاته. لا يحظى بموافقة مسبقة من واشنطن، لكن إدارة الرئيس باراك أوباما لن تقف حجر عثرة أمامه طالما ليس لديها رؤية بديلة وتركز على «داعش أولاً» و «العراق أولاً».

لذلك، تسير الديبلوماسية الروسية بحذر وتتلمس خطواتها بين ألغام. ان تجر النظام الى ساحة السياسة وأن تجمع أوراقاً رئيسية في الملف الذي اصبح غير سوري ولا يقرر السوريون فيه مآلاتهم النهائية، لتكون مفاوضاً رئيسياً عندما يحين موسم قطف الصفقة الدولية – الإقليمية ضمن مقايضات لها علاقة بمستقبل الشرق الأوسط الجديد و «قواعد الاشتباك» الجديدة، مع وصل بالأزمة الدولية في أوكرانيا ومعاناة الكرملين من العقوبات الدولية وانخفاض أسعار النفط.

عندما اقترحت موسكو استضافة حوار سوري، لم يكن النظام متحمساً. أصحاب الرؤوس الحامية كانوا ولا يزالون لا يرون سوى الحل العسكري تقابله رؤوس حامية في المعارضة بالقتال للانتصار الحاسم. كان بعضهم يرى الفرصة متاحة لـ «استمرار التقدم الميداني» طالما ان التحالف الدولي – العربي يركز ضرباته فقط على تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) ويحد من تمدده. النظام يريد الأولوية لـ «القضاء على الإرهاب» محلياً وتطبيق القرارين ٢١٧٠ و٢١٧٨ وتجفيف منابع دعم الفصائل المسلحة ووضعها في سلة «داعش» و «جبهة النصرة» و «حركة أحرار الشام». اذاً المطلوب من روسيا لدى هؤلاء، توفير الغطاء الدولي للمضي قدماً في قتال «التكفيريين» وترك باب مجلس الأمن في يد الكرملين. بل ان بعض المسؤولين السوريين، ارتاح لأن مقاتلات التحالف تضرب «داعش» بعيداً من مواقع النظام. افتراضياً، يرى هؤلاء ان النظام وأميركا في خندق واحد ضد «التكفيريين». وأن الوقت آت للانخراط المشترك. وبالنسبة الى النظام، كل المعارضة «تكفيرية»… الى حين.

لم يكن هناك أي داع للعودة الى المجال السياسي. هناك تبادل مصالح بين روسيا والنظام. كل منهما يعتمد على الآخر ويعزز موقف الآخر. النظام السوري لم يخيب الرئيس فلاديمير بوتين وينهار في أيام كما حصل مع النظام الأوكراني. كان المطلوب من روسيا أيضاً، المزيد من الذخيرة العسكرية والأسلحة المتطورة لاستمرار المعركة التي تحسن موقع بوتين عالمياً. ولا بأس ببعض القروض الميسرة. بليون دولار أميركي مثلاً. لم يكن الجواب الروسي كما اشتهى بعض المسؤولين السوريين خلال زياراتهم العلنية والسرية الى موسكو. تماماً، كما كانت الحال مع الصفقة الكيماوية. عاند بعض المسؤولين التخلي عن الترسانة الكيماوية في نهاية ٢٠١٣. تبلغ النظام بالأقنية الرسمية والأقنية الشخصية: يجب التخلي عن هذا الملف. أعطي رئيس الوفد السوري هاتفاً وغرفة في موسكو. وقُيل له انه لابد من جواب خلال فترة قصيرة. وعندما تحدث الروسي اللغة الروسية، قُضي الأمر.

الآن، عندما تحدث الروسي لغته، استجابت دمشق لاقتراح عقد حوار مع المعارضين في موسكو. قدم النظام موافقته باعتبارها «استجابة للحاجة الروسية» ومن منطلق «الثقة بالحليف الروسي». حاول الدخول في التفاوض على أسماء محاوريه، كان الجواب الروسي أنه يعرف ما يحصل في سورية ولن يدعو أطرافاً غير مقبولة من دمشق. قلق بعض المسؤولين، ان الروسي، الذي يرتبط بعلاقات قديمة بالجيش والأمن، فتح أقنية غير معلنة مع شخصيات فاعلة في النظام بحثاً عن الحل.

لكن الأهم، ان الروسي فتح نقاشاً صريحاً مع الإيراني و «حزب الله». أظهر النقاش، ان هناك تمسكاً روسياً بـ «المؤسسات السورية» و «وحدة الأراضي السورية» وقلقاً من ان التحرك على الأرض يسير عكس هذا الاتجاه سواء بطبيعة الدعم الحاصل للميلشيا المؤيدة للنظام أو الفصائل المعارضة والتحالفات الداعمة لفصائل المعارضة بين «جبهة الجنوب» قرب حدود الأردن و «جبهة الشمال» قرب حدود تركيا. هذه الحساسيات لم تكن ذاتها في طهران والضاحية الجنوبية. اذ ان الروسي، كان دائماً يوفر الغطاء الدولي في مجلس الأمن ضد «تغيير النظام» والمس بالسيادة السورية و «التدخل في الشؤون الداخلية»، إضافة الى تقديم كل الدعم العسكري والمالي الى سورية من «بوابة المؤسسات الرسمية». في المقابل، فتح الإيراني أقنية موازية: الميلشيات و «قوات الدفاع الوطني» واقتصاد الظل والشبكات غير الرسمية في الفضاء المحسوب له تاريخياً.

من يعرف الديبلوماسية الروسية، يقول ان الروس بارعون في إطلاق العملية التفاوضية. يمضون وقتاً في التفاوض على تفاصيل العملية ويدخلون الأطراف في عملية تأخذ وقتاً. «منتدى موسكو» الذي عقد قبل ايام، لن يكون الأخير، أبداً. انه تمرين للأطراف السورية، تحديداً النظام، على الحديث في السياسة وصولاً الى حافة الحل سواء عبر العودة «جنيف -٣» او عقد الصفقة الكبرى.

ومن التقى نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، عراب تنفيذ سياسة بوتين، لاحظ ان هناك بحثاً عن «نظام جديد» في سورية ووفق الفهم الروسي من دون ان يعني ذلك «إسقاط النظام». فسرها معارضون وحلفاؤهم انها «إعادة الشرعية للنظام بإصلاحات شكلية» او «إعادة إنتاج النظام». هناك أسئلة جدية تطرح وراء الجدران مع الحلفاء والمنافسين عن حدود هذا «النظام الجديد» والأشخاص فيه. هناك إدراك روسي ان سورية الحالية ليست سورية الثمانينات عندما رعى الروسي حلاً عزز مواقع الرئيس حافظ الأسد بعد محاولة شقيقه رفعت الانقلاب عليه. بعث وقتذاك حافظ الأسد جميع معاونيه الى موسكو في رحلة باتجاه واحد. أراد القول انه الآمر الناهي ولا قيمة لأي منهم من دونه لبقاء النظام. ثم استعاد احدهم بعد الآخر باستثناء رفعت. روسيا – بوتين تعرف ان هذا الزمن ولى داخلياً وإقليمياً ودولياً.

ما يسعى اليه الروسي تطبيق تفسيره لـ «بيان جنيف» وخصوصاً البند المتعلق بـ «تشكيل هيئة حكم انتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة بقبول متبادل». كانت هذه الفقرة حلاً وسطاً بين الرأيين الأميركي والروسي. الدول الغربية بقيادة أميركا، كانت تريد ان ينص بيان جنيف في حزيران (يونيو) ٢٠١٢ على «رحيل الرئيس بشار الأسد» عن السلطة، ثم جرى اقتراح عبارة «استبعاد من تلطخت ايديهم بالدماء» من تركيبة الهيئة الانتقالية. لكن وزير الخارجية الروسي رفض الأمرين، فكان الحل الوسط هو عبارة «قبول متبادل».

وقتذاك، خرج كل طرف ملتزماً تفسيره لـ «بيان جنيف». لافروف قال إن «الاتفاق لا ينص على رحيل الأسد»، فيما قالت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون انه نص على «تنحي الأسد» وإن الاتفاق «يمهد الطريق لما بعد الأسد»، الأمر الذي وافق عليه وزيرا الخارجية البريطاني الأسبق وليم هيغ والفرنسي لوران فابيوس الذي قال انه «لا مجال للشك في ان على الأسد الرحيل». بين هذا وذاك، التزم وزير الخارجية الصيني موقف بكين من ان «العملية السياسية يجب ان تكون بقيادة سورية وموافقة كل الأطراف في سورية»، وهو اقرب الى موقف المبعوث الدولي – العربي الأسبق كوفي أنان من ان «الأمر متروك للشعب للتوصل إلى اتفاق سياسي».

التفسير الروسي، حالياً، وفق من التقى بوغدانوف وغيره، ان مرحلة «تغيير النظام» انتهت وإن تفسير»بيان جنيف» هو ان إزالة عبارة «من تلطخت أيديهم بالدماء» وضعت النظام – الحليف في موقع تفاوضي أقوى: بدلاً من أن يكون هناك حق نقض (فيتو) لدى المعارضة وحلفائها على ممثلي النظام في الهيئة الانتقالية، بات هناك «فيتو» متبادل ويد أقوى للنظام، أي ان يلعب النظام الدور القيادي في تشكيل «الانتقالية» لتصبح اقرب الى حكومة وحدة وطنية أو حكومة موسعة، باعتبار ان دمشق «تحفظت» منذ صدور «بيان جنيف» على مبدأ «الانتقال السياسي». ويستفيد الروسي من تغير الظروف الآن عما كانت عليه لدى صدور «بيان جنيف»، سواء ما يتعلق بالنهايات الموقتة لـ «الربيع العربي» او تنامي وجود «داعش» وزيادة الشعور في الدول الغربية بالتهديد الإرهابي القادم من سورية.

الرهان الخفي الآخر، لدى روسيا، هو «تفتيت» المعارضة. هذا موضع حذر لدى معارضين وحلفائهم. على عكس ما كانت الحال في بداية العام الماضي. عندما عقد «جنيف -٢»، أصرت أميركا على قيادة «الائتلاف» لوفد المعارضة، استناداً إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الاعتراف بـ «شرعية الائتلاف». أما الآن، فإن «منتدى موسكو» يبحث عن كسر احتكار «الائتلاف». لذلك، لم تكن موسكو سعيدة بأن يعقد لقاء المعارضة في القاهرة بحثاً عن توحد المعارضة. أيضاً، لم تكن موسكو مرتاحة من ان اجتماع «النواة الصلبة» التي تضم ١١ دولة من «أصدقاء سورية» الأخير في لندن، لم يتضمن التخلي عن «الائتلاف» بل ان الحاضرين اتفقوا على انه لا يزال «قلب وقائد» المعارضة، مع تشجيعه على «قيادة وضم» بقية أطراف المعارضة.

حاول معارضون سوريون جرّ روسيا الى الأرض السورية. ان تكون «ضامناً» لاتفاقات المصالحات بدءاً من حي الوعر في حمص. ان تقدم نموذجاً مختلفاً عن ذاك الذي قدمته الرعاية الإيرانية في حمص القديمة بمشاركة إشكالية للأمم المتحدة وأسئلة حول مدى التزام النظام، على ان يجرى الانتقال لاحقاً الى رعاية «تجميد» الصراع في حلب وفق خطة المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا. أمل هؤلاء كان ان تطلق موسكو قطارها على سكتي «منتدى موسكو» و «تجميد الصراع».

وإذا كانت توجهات المعارضة وحلفائها، بينة الى حد كبير، فإن أسئلة تطرح حول مدى استجابة النظام التفسير الروسي لـ «بيان جنيف» والحدود الذي يستطيع فيها بوتين ان يطوّع الطموحات الإيرانية تحت العباءة الروسية في سورية آخر معاقل النفوذ في الشرق الأوسط، وإلى أي حد يستطيع النظام المرور عبر الشقوق الروسية – الإيرانية؟. أيضاً، مدى إمكانية بيع التفسير الروسي لـ «بيان جنيف» على الأرض السورية والدول الإقليمية بعد «خراب البصرة»؟

* صحافي سوري من أسرة «الحياة»

الحياة

 

 

 

 

 

المعارضة كـ”قاع” للثورة/ عمر قدور

لا يفتح الأداء الهزيل لما سُمّي وفد المعارضة في “منتدى موسكو” الباب على مدى ما تمتلكه شخصياته من حيثيات تمثيلية فحسب، بل يفتح الباب أيضاً على تمييع مفهوم المعارضة ككل، ولعل هذا هو أهم أهداف إدارة بوتين بالأصالة عن النظام السوري. ومن المعلوم أن النظام سعى منذ بدء الثورة إلى تقسيم المعارضة، وتفصيلها على قياس مصالحه. فتارة كان يتحدث عن معارضة الداخل الوطنية مقابل معارضة الخارج العميلة، وتارة أخرى يتحدث عن معارضة متورّطة في الإرهاب مقابل معارضة سلمية، مع أنه في العديد من الحالات اعتقل شخصيات مما يعدّها معارضة مقبولة لديه. بالأحرى، ليس هناك معارضة مقبولة حقاً من نظام لا يتقبل الاختلاف حتى ضمن النظام نفسه، وقد حدث فعلاً أن اغتال النظام مجموعة من قياداته الأمنية العليا لإزاحتها من دائرة صنع القرار.

مفهوم النظام عن المعارضة وعن المشاركة السياسية لا يزال متوقفاً عند تجربته في ما كان يسمى “الجبهة الوطنية التقدمية”، وهي مجموعة من الأحزاب الهامشية المشاركة للنظام في فتات الحكم، وهي أيضاً مطروحة بوصفها معارضة. هذا هو أقصى نموذج للحل السياسي يقبل به الآن، وهذا هو النموذج الذي يسعى إليه الروس بشكل واضح أو بطرق ملتوية. ألتحالف المأمول الجديد لن يكون الآن تحت لافتة أيديولوجية على مثال الجبهة الوطنية، وإنما سيكون تحت لافتة مكافحة الإرهاب، وينبغي ألا نبخس منظّمي المنتدى حظهم من النجاح، لأن “المعارضين” الحاضرين تجاهلوا إرهاب النظام لصالح التركيز على “الإرهاب” المضاد له من دون تمييز بين جماعات إرهابية وجماعات مقاتلة.

بالطبع، لم ينجح منتدى موسكو في تسويق الحاضرين كممثلين عن المعارضة، لكنه نجح في إظهار تهافت شخصيات كانت إلى الأمس القريب تحسب نفسها على المعارضة والثورة. وإذ لا يستطيع أحد منح شهادات للآخرين تثبت مواقعهم، فهؤلاء موجودون فعلاً ضمن المعارضة، وهناك آخرون لم ينضمّوا إلى منتدى موسكو لكنهم ليسوا بعيدين من حيث التوجه أو الأداء عمّن حضر، وهناك بعض ممن لا تُعرف حقاً توجهاتهم السياسية لكثرة ما بدّلوا في مواقعهم وآرائهم، وربما الجهات الداعمة لهم. أي أن خلط الأوراق، في موضوع الانتماء إلى المعارضة أو الثورة، يعود تقريباً إلى بداية الثورة، ولمن يحسبون أنفسهم على المعارضة نصيب فيه قد يفوق محاولات النظام وحلفائه.

الاختلاف في حد ذاته ليس مذموماً، لكن أن تُحسب شخصيات وتيارات هي أقرب إلى النظام على المعارضة أو الثورة فهذه ربما تكون سابقة تُسجّل للسوريين. بل فوق ذلك، هناك شخصيات وتيارات لا يزال يُشار إليها بوصفها معارضة مشهودٌ لها بسكوتها على أفظع جرائم النظام، بما فيها مجزرة الكيماوي، وحتى إلصاقها جرائم النظام بقوات المعارضة. كأننا أمام حالة من الفصام لا يمتلك السوريين ما يفعلونه إزاءها، وكأن عليهم القبول بمعارضة الأمر الواقع مثلما كان عليهم سابقاً القبول بالنظام. وما يزيد الإشكال تعقيداً أن أولئك الذين يطرحون مواقف أكثر جذرية، ضمن المعارضة، لم يقدّموا أداء يُعتدّ به، بل تكشّف معظمهم عن ضحالة في الرؤية والأداء السياسيين، وطالت بعضهم شبهات الفساد، فضلاً عن انشغالهم بخصومات صغيرة لا ترقى إلى مستوى السياسة إطلاقاً.

ومن المعلوم أن المعارضة السورية اجتمع بعضها، ثم تفرق، ثم اجتمع بعضها الآخر وتفرق، في مناسبة الثورة، ومن دون أن يكون لمعظمها جهد في اندلاعها، وقد نُظر إلى شخصياتها على أنها الوحيدة المتاحة بحكم تجربتها السياسية السابقة، ومن دون النظر إلى فشلها السابق في معارضة النظام. أيضاً، نُظر على الأغلب إلى المعارضة الحالية كهياكل وشخصيات عارضة، حيث لم يكن متوقعاً أن تطول المعركة مع النظام إلى هذا الحد، وتالياً لم يكن منتظراً منها وضع استراتيجيات سياسية أو استراتيجيات مقاومة شعبية. ولما لم يسقط النظام سريعاً ظهر تهافت أداء المعارضة أسرع مما كان متوقعاً، وكلما طال أمد بقاء النظام تنكشف معارضته عن علل وأمراض لا تليق بثورة السوريين أو تضحياتهم.

المفارقة الفاقعة هنا أن ينقسم العالم بين مَن يرى ثورة السوريين من خلال المعارضة، ويكون من حقه نسبياً عدم احترامها، وبين مَن يميز الثورة من المعارضة فلا يتفهم المسافة الشاسعة بينهما، إذ لا يحق لنا مطالبة الآخرين بتفهم وضع شاذ لا يجد له معظم السوريين تبريراً. ما يزيد عمق المفارقة أن النظام الذي ادّعى تمثيل السوريين خلال عقود لم يقترب يوماً ليشكّل أو يكون “نخبة” سياسية، على غرار ما هو معهود في الأنظمة الديمقراطية، بل كان بطبيعته الاستبدادية طارداً للكفاءات، إلى أن تكشف في مناسبة الثورة عن أنه نظام شبيحة وبلطجة لا أكثر، بمعنى أنه يمثّل أسوأ ما في القاع الاجتماعي السوري. أن يحكم القاع سوريا حوالى نصف قرن، يزداد انحطاطاً خلالها، فذلك مدعاة لتفكير جدي. أما أن تكون المعارضة، على الصعيدين المبدئي والأخلاقي وحتى على صعيد الكفاءة، بمثابة قاع للثورة بقيمها وأخلاقياتها وكفاءات شبابها فهذا مدعاة لتفكير أعمق وأكثر إلحاحاً، إلا إذا كنا ننتظر الحل من الحوار بين قاعين.

المدن

 

 

 

 

لقاء الارتجال السوري/ ميشيل كيلو

إنه لمما يثير العجب العجاب الخفة التي قبل بها معارضون تاريخيون للتدخل الخارجي الانسياق وراء رغبات خارجية في تشتيت المعارضة باسم توحيدها وإعدادها للمراحل القادمة من تطور الصراع على سورية وفيها، مع أنه كان واضحا مذ طرح مشروع التوحيد المزعوم أن حمله ثقيل بالنسبة لأرجل حمّاله السياسي، الواهية كخيوط من حرير، ومع ذلك، فقد انبرى للمهمة وتعامل معها على طريقة ذلك الضفدع الذي رأى ثورا ضخما، فقرر نفخ جسمه الصغير إلى أن يبلغ حجما كحجمه، فانفجر ومات.

وإنه لمما يثير العجب أيضا السرعة التي ظهرت فيها رغبات الخارج في “توحيد” المعارضة، والتسرّع الذي أبداه الموحدون، والطرق التي فرضوا بها إرادتهم، رغم إعلاناتهم حول تصميمهم على عدم التدخل، والأخطاء التي ارتكبوها هم ومن كلفوا بالتنفيذ من المعارضين السوريين الذين انقسموا إلى جهتين: واحدة تريد استعادة ملك ضاع بكل طريقة، وأخرى تريد ملكا لا تستطيع بلوغه بأية طريقة. هكذا التقت إرادتان سوريتان عاجزتان بإرادة خارجية أشد عجزا، فأنتج لقاؤهما فوضى سياسية وتنظيمية لا تليق بأطفال في العاشرة من عمرهم، فما قولك إن كان الأمر يتعلق ببالغين غير راشدين، يعتقدون خطأ أنهم ثوريون، ويظنون أن ادعاءهم يكفي لفرض أنفسهم على من يرفضون الانقياد لهم، لأنهم لا يرون فيهم قادة أصلا، فهل ينصاعون لهم إن نزلوا عليهم بالمظلة من فوق، تسبقهم أوهام الانتصار الذي سيحرزونه، وستسقط ثماره في أحضانهم، بمجرد أن يفتح باب القاعة الصغيرة التي أعارهم إياها جهاز أخفى هويته المفضوحة وراء المجتمع المدني الغائب عن الوجود، أكمل دوره ألاعيب اخترقت نية “التوحيد” بمحطاته السريعة التتابع، وعمره القصير الذي بدا كأنه كُرّس عن سابق عمد لإفشال المشروع لا لإنجاحه، لذلك رُسم و

أُنجز باستعجال يؤكد أن الفاعلين المدبرين هواة لا يحسنون شغلهم، وإلا لما فشل كل شيء قبل أن يبدأ أي شيء.

والأغرب من كل ما سبق أن فصائل من معارضة الداخل لم تأخذ في حسبانها انعكاسات الفشل الذي بدا كأنه كان مقررا سلفا، على أوضاعها الهشة، وأن الأخطاء التي ارتكبت في تحضير لقاء القاهرة كانت نتاج قلة خبرة مواطني دولة هي الأقدم في التاريخ، وأن الارتجال كان يجب أن يلفت أنظار القادمين من كل مكان إلى عقابيله المحرجة والسلبية التي ستؤدي إلى عكس ما كانوا يعلقونه عليه من آمال: وسينتهي إلى إضعاف من حضروه بدل تقويتهم، وعزلهم بدل انفرادهم بالساحة، وأن النظام لن يُسر للارتدادات التي ستفاقم عجزهم، ولا يستبعد أن تفكك صفوفهم وتطيح بالآمال التي علقوها على تليين مواقف الأسد، وحققت عكس ما أرادوه بسبب خفتهم وتسرّعهم وتهافتهم على دفع منافسيهم إلى خارج الشأن العام، بدل أن يحجموا عن مغادرة الداخل قبل توحيد مواقفه وتقريب وجهات نظر معارضاته، إدراكا منهم بأن الضعيف في الداخل لا يصير قويا في الخارج، حتى إن مارس التعري السياسي على كبر، ودعمته ألاعيب عالم عربي عاجز وغارق في مشكلات لا يعرف كيف يتخلص منها، لكنها تعلق آمالها عليه كي يُخرج سورية من كارثتها!

واليوم، وبعد القاهرة، لا مفر من قيام الائتلاف بتنظيم حوار وطني يضم الجميع، يجنّب المعارضة بهادل لقاء القاهرة وخلافات فصائلها، وألاعيب النظام والعرب العاربة والمستعربة، كي لا ينطبق عليها ما قاله شكسبير عن الذين يذهبون لجز الصوف، فيعودون وقد جُزّ وبرهم!

العربي الجديد

 

 

 

لقاء موسكو وغياب الحكمة/ د. طيب تيزيني

انفض لقاء موسكو مع أطراف من المعارضة السورية قبل بعض الوقت، دونما نتائج تذيب بعض الجليد في جسد الأزمة السورية، التي تكاد أن تكون مغلقة على نحو غير مسبوق مقارنة مع أزمات تاريخية كبرى راهنة وسابقة. وقد تنعقد لقاءات أخرى لاحقاً حول الموضوع ذاته، دون أن تنتج مقاربة تساعد على تفكيك هذا الأخير، والتركيز على عمق الفعل السياسي، ونحن إذ نقترب أكثر من هذا الموضوع، فإننا نصبح ملزمين بالنظر إلى موضوعنا من حيث هو فعل يحتمل مواقف متعددة وخصوصاً في الحقل السياسي.

ففي ذلك الحقل لم يعد في المنطق السياسي العلمي ممكناً أن يقول المرء المحاور: إما كل شيء، ولا شيء! فإذا حدث ذلك، فإنه يكون قد أغلق الأبواب المفتوحة، وفتح أو أبقى مفتوحاً أزيز الرصاص والقنص العسكري والبراميل المتفجرة. وفي هذه الحالة يفقد اللقاء بين الطرفين أو الأطراف المعنية جدواه، كما يفقد الداعون إليه المصداقية اللازمة. ومن شأن هذا إنْ حدث أن ينتج حالتين مأساويتين خطيرتين، تحويل سوريا بعجرها وبجرها إلى هدف تفكيك وتدمير أولاً، وإلى نزرع الثقة المأمولة ممن يعتقد أن المجتمعات الإنسانية تعيش وتستمر عبر مجهود فريق واحد، ومن ثم عبر إقصاء الفريق أو الفرقاء الآخرين من الحلبة.

إن ذلك السلوك الأخير لا ينتج تصفية الفريق الأول المستهدف من قبل هذا الأخير فحسب، وإنما هو يحمل في أحشائه أيضاً تصفية أصحاب ذلك السلوك، وإذ يحدث ذلك، فعلى سوريا السلام!

نعم، كان خطأ مؤسفاً وفاحشاً أن يدعي فريق المعارضة أو المعارضات السورية إلى مؤتمر أو يريد فيها الفريق الداعي اشتراط ذلك بأن يكون المدعون في حضورهم للدعوة مسلوبين من المرجعية السياسية، وكذلك من الانتماء السياسي والثقافي المجتمعي، كائناً ما كان ذلك، فللحد من التفكير على هذا النحو، يتعين علينا أن نستعيد الشرط السياسي المستجد منذ تفكك الاتحاد السوفييتي في بنيته الحاسمة والفاقعة، وهي أن المجموعات البشرية «مجموعات» وليست مجموعة واحدة؛ مما يجعلنا نستنبط بسهولة الحقيقة التي اكتشفتها البشرية وعاشتها، وهي أن الشمولية المطابقة لـ «حقيقة واحدة مطلقة»، أمر ليس خطأ فحسب بالتعبير المنطقي البسيط والرزين غير المؤذي لأسماع الناس البسطاء والعلماء – وإنما هو قد يكون كارثياً!

ليس – والحال كذلك – أمراً مذلاً أن يبحث البشر عن طرائق من التوافق والتواؤم والتسامح تكون بمثابة ناظم لحياتهم: إن الشمولية ومستتبعاتها من نظام مجتمعي يحتاج كي يتمكن الاستمرار في الحكم أن يصبح نظاماً أمنياً، أو «دولة أمنية تجد مهمتها كامنة في أن تفسد الناس ممن لم يفسدوا بعد تحت الطلب! إن “داعش” قد يكون الآن آخر المراحل في إسقاط التعددية والمدنية والكرامة الإنسانية، بعيداً عن التغول في التشدد والاستفراد بالسلطة والإعلام إلخ.

الاتحاد

 

 

 

المعارضة السورية وسؤال الشرعية/ أكرم البني

«من تمثل المعارضة السورية؟ وما هو وزنها على الأرض؟ وما قدرتها على التأثير في مجرى الصراع؟». أسئلة تتكرر اليوم بصيغ مختلفة للتعليق على أوضاع المعارضة السياسية بعد انحسار دورها جراء سيادة لغة العنف والسلاح وتقدم دور القوى الاسلاموية المتطرفة في المشهد، وتالياً لنقد عجزها المزمن عن إطلاق المبادرات لتمكين الحراك الشعبي وتغذيته بالخبرات السياسية والمعرفية، والأهم لنقد إخفاقاتها المتعددة في توحيد خطابها وتجميع قواها وآخرها فشل الاجتماع الذي عقد أخيراً في القاهرة وضم أهم أطيافها.

يستند بعض المعارضين لنيل شرعيتهم وثقة الناس بهم إلى ماضٍ مترعٍ بالمعاناة والعذاب من ظلم النظام وقمعه المديد، فمنهم من قضى سنوات عديدة في السجون والمعتقلات، ومنهم من اكره على الهجرة إلى المنافي ولكنه لم ينقطع عن هموم بلاده السياسية، ومنهم من ركب موجة الحراك الشعبي وتصدر المشهد الإعلامي دفاعاً عن مطالب الناس ورفضاً للخيار الأمني والعنف السلطوي. وإذ استبشر المجتمع خيراً بتشكيلات تنظيمية للمعارضة السياسية بدأت تظهر تباعاً وتدعو للتغيير السلمي ولشعارات الحرية والمواطنة والديمقراطية، لكنها للأسف لم ترتق إلى مستوى التحديات والمسؤوليات الملقاة على عاتقها، وبدت خلال سنوات الصراع كأنها تدور حول نفسها أو في حلقة مفرغة، عاجزة عن معالجة مواطن خلل ضعفها وتشتتها.

ولتبرير هذا الواقع لم يعد يجدي الاتكاء على ما كابدته أحزاب المعارضة وكوادرها طيلة عقود من جور السلطة وظلمها. فهذا الماضي غير قابل للتسويق اليوم أمام فداحة ما قدمه ويقدمه السوريون من تضحيات، وأمام وضوح صورة مؤسفة لمعارضة تحكمها الحسابات الأنانية والذاتية وتضج بخلافات بينية ومزايدات لفظية وبصراع مؤذٍ ومكشوف على المراكز والامتيازات.

في المقابل تحاول جماعات من المعارضة السورية اكتساب شرعيتها من حصيلة الاعتراف الدولي بها ومن سعيها لنزع شرعية النظام واحتلال مواقعه في بعض المحافل والمؤسسات العربية والأممية. ولا يخفي هؤلاء سياستهم الدؤوبة في مغازلة واستمالة الأطراف الغربية والعربية المؤثرة في الصراع السوري والاستقواء بدعمها السياسي والمادي لفرض حضورهم ودورهم في المشهد، بما في ذلك حث هذه الأطراف على التدخل العسكري في البلاد، أسوة بما حصل في ليبيا، عبر تكرار الدعوات لفرض منطقة حظر جوي أو إقامة مناطق عازلة.

وعيانياً أفضت سياسة اكتساب هذا النوع من الشرعية إلى انصياع بعض أطراف المعارضة لأوامر الخارج والسير وفق حساباته وتوقيتاته، بدليل تزامن تطور العديد من مواقفها السياسية وتشكيلاتها التنظيمية مع مطالبه وليس وفق أجندة تتعلق بالوضع السوري الملموس وآفاق تطوره، زاد الطين بلة ركونها لوعود الغرب الزائفة وخطؤها في قراءة حساباته وأسباب إحجامه عن التدخل العسكري في سورية ربطاً بقوة مصالحه في إطالة أمد الصراع لاستنزاف خصومه وأعدائه. وإذا أضفنا نجاح التنظيمات الجهادية في التمدد والتهام ما تبقى من قوى عسكرية ومدنية كانت تحسب على المعارضة، نقف عند أهم الأسباب التي أفضت ليس فقط إلى شيوع استخفاف شعبي بهذه المعارضة وانحسار ثقة الناس بها واحترامهم لها، وإنما أيضاً إلى استخفاف أصدقائها العرب والغربيين بها، بدليل هذا الإهمال في التعاطي معها بعد أن تم تسويقها بزخم كبير، ثم عدم إشراكها اليوم في بعض الاجتماعات الدولية المتعلقة بالوضع السوري وحتى استشارتها أو إطلاعها على مسار تكوين التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش».

ثمة شرعية مستجدة تستمدها المعارضة اليوم من الرهان شعبياً على دور ما، يمكن أن تلعبه في فك الاستعصاء القائم وفتح نافذة لوقف العنف ووضع الصراع السوري على سكة المعالجة السياسية، وهو دور ربما يكون متواضعاً لكن يفرضه إلحاح الناس على الخلاص من دوامة الفتك والتنكيل بعد سنوات عجاف أكلت الأخضر واليابس في حياتهم. خلاص من النتائج المدمرة للاستبداد واستمرار التوغل في طريق القوة والغلبة، وخلاص ملايين اللاجئين والنازحين السوريين من معاناة لم تعد تطاق بعيداً من أرضهم وديارهم، خلاص قطاعات شعبية واسعة صارت تعاني الأمرين من غياب الأمن ومن تفاقم أوضاعها المعيشية والاقتصادية ومن بحثها المضني عن معتقليها ومفقوديها، وخلاص من هم تحت رحمة سلطة إسلاموية تجبرهم على العيش وفق نمط حياة يعود لقرون غابرة وتنزل بهم أشنع العقوبات لقاء أقل اعتراض أو مخالفة.

صحيح أنها المرة الأولى في تاريخ المعارضة السورية التي توضع فيها أمام امتحان حقيقي لقيادة حراك شعبي يطالب بالتغيير الجذري، ولنقل لملء فراغ سياسي لم يكن في حساباتها وألقي على عاتقها في غفلة من الزمان، وصحيح أن ثمة مسؤولية أساسية تتحملها السلطة في رفض المعالجة السياسية وإصرارها على الخيار الأمني ومحاصرة قوى العمل السياسي والمدني وخنق دورها وقنوات تواصلها مع الناس. وصحيح أن ثمة مثالب وأمراضاً تعاني المعارضة منها جراء عقود من الاضطهاد وغياب السياسة يصعب معالجتها بسرعة، ولكن يصح اليوم بعد هذه السنوات الدامية، أن تدرك المعارضة مدى تقصيرها في التوصل إلى رؤية استراتيجية حول عملية التغيير وشروطها وما يكتنفها من منزلقات ومخاطر ضمن خصوصية المجتمع السوري بتعدديته القومية والدينية وبحساسية ارتباطاته الإقليمية والعالمية. ويصح أن تتجرأ بعد خيبات الأمل على الوقوف نقدياً لتجاوز أخطاء الماضي والتأسيس لشرعية لا تستند إلى سطوة إيديولوجية، دينية كانت أم ثورية، أو إلى رهان على دعم خارجي بل إلى ثقة الناس ورضاهم والتفافهم حولها من خلال قرن أقوالها بأفعالها وتمثل قيم الحرية والعدالة وحقوق الإنسان. والأهم إعادة الاعتبار لمفاهيم المسؤولية والحوار والمشاركة وإظهار روح التنافس الصحي بين جماعاتها على المزيد من الإيثار والتضحية، فالصراع لا يزال مفتوحاً على الفرص، ومسار التغيير يكاد لا يتوقف في زمن إلا يبدأ في زمن آخر.

* كاتب سوري

الحياة

 

 

 

من القاهرة إلى موسكو/ نجاتي طيّارة

بدون جداول أعمال ولا دعوات مؤسساتية، شارك معارضون ومثقفون سوريون في مؤتمري القاهرة وموسكو، خلال الشهر الفائت. تم الأول بدعوة من المجلس المصري للشؤون الخارجية، والثاني بدعوة من معهد الاستشراق الروسي. ما أريد له الإيحاء بدور منظمات مجتمع مدني، أو مؤسسات بحثية مستقلة، بينما لا تخفى على أحد علاقة الاثنين بوزارتي الخارجية في البلدين. وفي حين يبدو ذلك علامة على توجه السياسة المصرية للعب دور جديد، في المسألة السورية، بعد طول غياب. فإن دور السياسة الروسية شديد الوضوح في ذلك، وطالما لعب دوراً منحازا كليا للنظام السوري، بل وكان في طرفه على الدوام.

هكذا، ليست المشكلة، في المؤتمرين، في البلدين الداعيين وسياساتهما، فالدول والحكومات لا تكف عن ممارسة السياسة ولعبتها، وذلك مبرر وجودها، لكن المشكلة في المعارضين، أو من يمكن أن يعتبروا أنفسهم معارضين، ويمارسون دوراً سياسياً وطنياً، بهذا المعنى أو ذاك. فمنذ البداية، قبل المعارضون الذاهبون إلى القاهرة إقصاء أطراف وازنة أخرى من المعارضة وعدم دعوتها، وهي أطراف لا تقل عن أهميتهم على الأقل. وبذلك، ناقضوا ادعاءاتهم الديمقراطية، أولاً، كما خضعوا لسياسات الدولة المضيفة ثانياً. وفضلاً عن قبولهم الخضوع لانتقائية المضيف في دعوة تياراتهم، فقد حذفوا تجربة السنوات الأربع من عمر الثورة السورية، وبدوا، في بيانهم الأخير، كما لو أنهم ينطلقون من الصفر. أي من رؤيتهم وحدهم، وهم الـ 33 معارضاً الذين كانوا في إطار اجتماع القاهرة. إذ لم يتذكروا وثائق المجلس الوطني والائتلاف، ووثيقتي العهد الوطني والمرحلة الانتقالية، اللتين أنجزهما أكبر اجتماع للمعارضة السورية في القاهرة نفسها قبل أكثر من سنتين.

أما المعارضون الذين شاركوا في لقاء موسكو، التشاوري هو الآخر، فعلى الرغم من أن معظمهم لم يشارك في لقاء القاهرة، فقد كانت ورطتهم أكبر. إذ لم يخضعوا لشروط لقاء القاهرة وانتقائيته فحسب، بل دعاهم وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، مباشرةً، إلى الاتحاد مع النظام في الحرب ضد الإرهاب، ثم فاجأهم مدير المعهد الداعي، بإعلان مبادئ عبّر كلياً عن وجهة نظر النظام، كما صرح مشاركون. وذلك قبل أن يخففوا من وقع نقدهم له، ويبرزوا إشارة الإعلان إلى تضمنه وثيقة جنيف، وبناء خارطة الطريق لحل سياسي على

“سنسمع جعجعة كثيرة في مثل هذه المؤتمرات، ولن نرى طحينا، ما دامت قيادة الثورة والمعارضة السورية على هذا المستوى من التفتت”

أساسها. لكن لقاء موسكو تميز بمشاركة وفد النظام الذي ترأسه ممثل سورية في الأمم المتحدة، بشار الجعفري، في الحوار المباشر مع المعارضين المشاركين. الأمر الذي قابله ممثل هيئة التنسيق الوطنية، بالشكر على هذه التشاركية، والمطالبة بأكثر منها، في لفتة تدل على مدى الاستعداد للانفتاح على النظام، وقبل الاتفاق الواضح على أي رؤية أو برنامج للمستقبل.

بينما كان ممثل النظام يحيل أي طلب للتعاون والمشاركة، في أمور المعتقلين والإغاثة على سبيل المثال، إلى الوفد الروسي. وبذلك لم يجارِ الرغبة والأمنيات السلمية للمعارضين المشاركين، بل وأغلق الباب أمام ادعاء اي فعالية ميدانية مماثلة، في تبرير مشاركتهم.

ولوحظ أن بيان القاهرة دعا إلى مؤتمر وطني موسع، يعقد في الربيع المقبل، كما دعا إعلان موسكو إلى مؤتمر أوسع وآخر بعد شهر، ومن الواضح أنه لا تنسيق بين الدعوتين، وهما ستبقيان، على الأغلب، في إطار التمنيات، وما أكثرها في الأزمة السورية.

الأكثر أهمية في انعقاد اللقاءين أنهما تعبير جديد عن تخبط المعارضين السوريين، وافتقادهم الخبرة والرؤية السياسية الاستراتيجية. وهذا أمر لا نكشف فيه جديداً بطبيعة الحال. لكن، من الضروري تأكيده، من أجل المطالبة بدراسة تجربة الثورة والمعارضة السورية في السنوات الماضية. والتي لا يجوز إغفالها، والقفز فوق مؤسساتها ووثائقها. فالائتلاف الوطني السوري، على علّاته وضعفه الراهنين، منظمة وطنية ثورية سورية، تنبغي معالجة أخطائها ومشكلاتها، والارتفاع بها إلى مستوى منظمة تحرير وطنية، على غرار منظمة التحرير الوطنية الفلسطينية، كما جاء في مشروع إصلاح الائتلاف الذي تقدم به ميشيل كيلو، منذ فترة. إذ لا تبنى المؤسسات الوطنية أو تشطب كل يوم، ولا يجوز تغييرها وحذفها، بعد أن اعترف بها شعبنا والثوار ومعظم دول العالم. لكن، من الضروري تعديلها وإصلاحها بين فترة وأخرى، ووفق المتطلبات والظروف الطارئة، وعبر عملياتٍ تمهد لممارسة الديمقراطية في سورية المستقبل.

وقد كشفت تجربة اللقاءين المذكورين، عن تكرار معارضين بارزين التجارب الأولى في عمر الثورة. بالمشاركة في مؤتمرات متناثرة، هنا وهناك، والاستجابة لانتقائية الدول ودعواتها، والانخراط في سياساتها التي تلعب على إحياء شخصيات وإبراز أخرى. الأمر الذي طالما استخدمه النظام السوري في منعه بناء تيارات أو منظمات، واستبدالها برموز أو أفراد، كان يسهل عليه احتواءهم بأشكال مختلفة.

وفي هذا الإطار، ربما كانت أخطر نتائج اللقاءين، وخصوصا منها لقاء موسكو، وهي التي تحاول، ولو بصورة غير مباشرة، أن تشيع أوهاماً جديدة حول دورها وسيطاً، ومنبراً محايداً للحوار والتفاوض. بينما علمتنا السنوات الماضية، أنها، وفي ظل سياسة (بوتين ولافروف) حليف، بل وشريك في الحرب ضد الشعب السوري. لذلك، سنسمع جعجعة كثيرة في مثل هذه المؤتمرات، ولن نرى طحينا، ما دامت قيادة الثورة والمعارضة السورية على هذا المستوى من التفتت.

العربي الجديد

 

 

 

عٍبَر من “موسكو 1″/ سمير العيطة

صحيحٌ أنّ لقاء موسكو التشاوري بين ممثّل الحكومة السوريّة والمعارضات، كما سُمّيت، قد انتهى إلى تصريحات إعلاميّة حول ورقة مبادئ. لكنّ اللافت أنّ الحكومة السوريّة تتحدّث عن ورقة من ثماني نقاط وأحياناً من عشر، والوسيط الروسيّ تحدّث في مؤتمره الصحافي عن ورقة مبادئ من إحدى عشرة نقطة، ثمّ أرسل رسالة إلى الحاضرين يقول إنّ هذه الورقة هي نصّ معمّم، لا ينطوي على طابع إلزاميّ، ولا يلزم أحداً بأيّ شيء، وهي قابلة للنقد والتعديل، وتنبغي دراستها للخروج منها بمشروع. في حين أشار كثيرٌ من المعارضين الحاضرين، ومن بينهم أناسٌ يقطنون في ظلّ السلطة السوريّة، أنّ هذا النصّ لم يناقش أصلاً، وأنّهم طلبوا تعديله فور توزيعه. بالتالي، تكفي الإشارة إلى الخلاف بين الفرقاء كافة حول عدد البنود «مبادئ موسكو»، للدلالة على أنّ هذا الإعلان هو «لا ورقة»، كما يُقال في العرف الديبلوماسي.

واضحٌ إذاً أنّ الحكومة السوريّة هي التي دفعت بهذه الورقة إلى طاولة التشاور. وهذا حقّها، إلاّ أنّ ما ليس مفهوماً هو لماذا تريد الحكومة السوريّة القفز في أوّل لقاء تشاوريّ إلى التفاوض حولها، بينما يتطلّب الأمر جهداً كبيراً كي يصبح نصّها مقبولاً للجميع. علماً أنّها تقول هي أيضاً إنّ التفاوض ليس في موسكو.

بالتالي، ليست ورقة «المبادئ» سوى ورقة خلفيّة اقترحتها الحكومة السوريّة كمرجعيّة، وضعُها بالضبط مثل ورقة «بيان جنيف 1» الذي تمّ أيضاً تعميمها على الحاضرين، أو «بيان القاهرة» التي وضعتها بعض الأطراف السياسيّة على طاولة الحوار، أو «وثائق القاهرة» التي كانت قد أقرّتها أطياف المعارضة كافّة في تموز 2012، والتي عمّمتها بيديّ. وإذا كان الأمر تفاوضاً، فلماذا يتمّ على أساس هذه الوثيقة من دون غيرها؟

تأخذ هذه الملاحظات إلى محاولة فهم طبيعة لقاء موسكو التشاوريّ واستراتيجيّات الأطراف الحاضرة. لقاء موسكو التشاوريّ ليس تفاوضاً ولكنه سبيل إلى التفاوض، تطرح من خلاله نقاط الخلاف ويصار إلى توضيحها وإيجاد سبل لتفكيكها، كي يتمّ حلّها في ما بعد في مرحلة التفاوض الحقيقيّة. وهناك نقاط خلاف كثيرة وعلى الأصعدة كافّة، السياسيّة كما الإنسانيّة والميدانيّة. وما يقدّم من أوراق خلال اللقاء هي أوراق مرجعيّة تضعها الأطراف على طاولة الحوار، فقط لا غير. والوسيط في الحوار يسرد في نهاية اللقاء ما الذي تمّ طرحه من أوراق ونقاط مهمّة، كما نقاط الاختلاف ونقاط التوافق بالإجماع.

في موسكو اختلفت الطروحات حسب المشاركين، وأظهرت «عمق المشاكل التي أخرجها الصراع وأنتجتها الحرب»، كما عبّر عن ذلك أحد الموجودين. أغلب مَن أتى مِن دمشق، حتّى لو قالت بعض أطياف المعارضة أنّهم ليسوا معارضين، كان يبحث أوّلاً في الشقّ الإنسانيّ، بما فيها داخلياً حصار المدن والقصف ومعتقلو الرأي والأسرى والمخطوفون، وخارجيّاً ضرورة فكّ العقوبات الاقتصادية العامّة المفروضة على البلاد التي ترهق أوّلاً وأخيراً المواطنين قبل السلطة. وهذا منطقيّ. أمّا أعضاء حزب «الاتحاد الديموقراطي» والإدارة الذاتية، فقد طرحوا أيضاً مشاكلهم الخاصّة المتعلّقة بوحدات الحماية الشعبية التي انتصرت لتوّها على «داعش» في معركة كوباني/ عين العرب، وكذلك بالإدارة الذاتيّة في بعض المناطق. بدورهم كان ممثّلو العشائر السوريّة، وعددهم كان ملحوظاً، يعلنون موقفهم الحياديّ من جميع الأطراف في الصراع، حتّى تجاه «داعش» الإرهابيّة. هذا إلاّ إذا تمّ تسليحهم بشكلٍ جيّد وضمن توافقٍ وطنيّ يؤسّس لتوحيد الجهود في الحرب على الإرهاب. وهذا ليس فقط منطقيّ، بل أيضاً محوريّ، بما أنّ «داعش» تتواجد أصلاً في منطقة ذات صبغة عشائريّة. من طرفهم، كان أعضاء «هيئة التنسيق الوطنيّة» وحلفاؤهم يدافعون عن «بيان القاهرة» كأساسٍ للتفاوض بمرجعيّة «جنيف 1» وعن القضايا الإنسانيّة.

بالتالي يُمكن القول إنّ أغلب الحاضرين كانوا يطرحون ويفاوضون حول قضايا معيّنة. إلاّ أنّ ما كان أكثر عقلانيّة هو أن تطرح مواضيع الخلاف وحدها وآليّات معالجتها والوساطة اللازمة لذلك، والانطلاق من تحديدها كي يتمّ اقتراح جدول أعمال للقاءات المقبلة حول كلّ موضوع، ونوعية المشاركين الضروريين. هل هم سياسيّون أم تقنيّون أم ممثلو مجتمع مدني أم للمعارضة المسلّحة والجيش السوريّ؟ وعلى سبيل المثال، هل يعالج السياسيّون موضوع المعتقلين السياسيين أم جمعيّات توثيق الانتهاكات أم مسؤولو وزارة الداخليّة وأجهزة الأمن؟ وهذا ما كنت قد اقترحته في رسالة إلى الحكومة الروسيّة، وزّعت على الحاضرين ولم يعترض عليها ممثّل الحكومة السوريّة في بداية اللقاء.

وهنا لا بدّ من الإصرار على أنّ الصراع في سوريا وكذلك سبل الحلّ السوري – السوريّ يكمنون على مستويات ثلاثة مختلفة، وإن كان بينها بعض الترابط: السياسي والإنسانيّ والميدانيّ. وأنّ الأساس هو وقف الحرب، أي ما هو ميدانيّ، كي تعود السياسة وكي تتولّد إمكانيّة توحيد الجهود لمكافحة الإرهاب، الذي بات يشكّل خطراً على وجود البلاد وليس فقط مستقبلها. أمّا التقدّم من خلال التوافق على ورقة سياسيّة عامّة، فلن يأتي بفائدة إلى أيّ طرف، بل إلى عزل المعارضة المسلّحة أكثر عن السياسة وعن التنظيمات والشخصيّات السياسيّة، خاصّة المعتدلة منها، وبالتالي استمرار الحرب، خصوصاً أنّ الآراء شديدة التباين على الصعيد السياسيّ حول تعريف الإرهاب والمسؤوليّة عن الأزمة ورؤية سوريا المستقبل. ما يجب أن يتمّ خلقه إذاً هو أطر للتحاور ومن ثمّ للتفاوض على المستويات الثلاثة.

برغم كلّ هذا، ما الذي خرج به حقّاً لقاء موسكو الأوّل بتوافق جميع الحاضرين؟ أوّلاً الاستمرار في اللقاءات التشاوريّة، وأنّ اللقاء المقبل سيكون في غضون شهر، في موسكو أيضاً وليس في أيّ مكانٍ آخر، لا دمشق ولا غيرها. وثانياً وكما عرضه الوسيط الروسي فيتالي نعومكين ووزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف، أنّ التشاور الذي يؤسّس لحلّ سياسيّ سيجري على الأصعدة الثلاثة، وأنّ على الأطراف اقتراح الأصعدة التي يمكن العمل والتقدّم بخلق آليّات لها في اللقاءات المقبلة، أي التوافق على جدول الأعمال، وأخيراً أنّ لقاءات موسكو يجب أن تكون أكثر شموليّة ليس فقط في ما يخصّ بقيّة أطراف المعارضة السياسيّة، وإنّما أيضاً المجتمع المدنيّ والمنظّمات الأهليّة، وكذلك من يمثّل الأطراف المقاتلة المتمسّكة بدولة المساواة في المواطنة على الأرض بغية التوصّل لوقف الحرب وتوحيد الجهود لمكافحة الإرهاب. وتمّ تثبيت دور معهد الاستشراق والحكومة الروسية كوسيط بين الطرفين لطرح المواضيع الخلافيّة، على أن تجيب الحكومة السوريّة الوسيط حول هذه المواضيع. وجاءت بعض قوائم المعتقلين السياسيين والمغيّبين كمثالٍ في هذا السياق، إذ سلّمت رسميّاً قوائم عن أربع مدن، على أن تُستكمل. وتخصّ إحدى القوائم مدينة المعضميّة في ريف دمشق التي توشك الهدنة/ المصالحة، لنسمّها ما شئنا، على الانهيار لأنّ المعتقلين الذين تمّ التوافق على إطلاق سراحهم ميدانيّاً لم يشهدوا الحريّة بعد.

بالتالي، ما تمّ فعلاً التوافق عليه في «موسكو 1» هو فقط بعض الآليّات للاستمرار. وهذا بحدّ ذاته يُمكن أن يعتبر نتيجة إيجابيّة مقارنة مع لقاءات مونترو التفاوضيّة في سويسرا. إذ أنّ «جنيف 2» هذا تميّز بأنّ الطرفين تحاورا كلٌّ منهما مع وسائل إعلامه أكثر من التحاور بين بعضهم البعض، على عكس موسكو. وفد الحكومة السوريّة ووفد المعارضة، مهما كان الخلاف حول هذه التسميات، جلسا إلى طاولة واحدة وطرحا وجهات نظرهما بشكلٍ طبيعيّ نوعاً ما، مهما كانت حدّة الخلاف وتباعد وجهات النظر.

لم يربح أحدٌ في جولة «موسكو 1». والجهد المطلوب ما زال كبيراً لإخراج بلدنا من أزمة وجود مصيريّة معقّدة، تخصّ الإنسان كما الوطن. وهذا الجهد يجب أن يُبذل، حتّى ولو كانت حظوظ الفرصة ما تزال محدودة.

السفير

 

 

 

 

موسكو لم تحقق اختراقاً في الوقت الضائع النظام يعوّل على مصر لإعادة استيعابه/ روزانا بومنصف

حجبت جملة تطورات في الأيام العشرة الأخيرة فشل المؤتمر الذي دعت اليه موسكو للحوار بين النظام السوري وبعض شخصيات المعارضة على رغم ان النظام نفسه لم يكن معولا الى حد كبير على هذا المؤتمر لكنه تجاوب مع حليفه الروسي الذي يشكل احد ابرز المدافعين عن بقائه. فعين النظام كانت على المعارضة التي اجتمعت في القاهرة والتي اثارت استياء وزير الخارجية وليد المعلم، فعلق سلباً على المسعى الذي تقوم به مصر لكن تم استيعاب هذا الاستياء في الزيارة التي قام بها مسؤول سوري الى العاصمة المصرية حيث افيد ان من مصلحة النظام ان تجمع مصر اطراف المعارضة على اراضيها ورعايتها فتسحب هذه الورقة من تركيا، بما يعنيه ذلك خصوصا ان زوار العاصمة السورية يؤكدون ان الخطوة المصرية تحظى بدعم من المملكة العربية السعودية أو اقله بعدم معارضتها لها. وعليه، فان النظام بات يعول على الحكم في مصر الذي يراه اقرب اليه تبعاً للتحديات “الارهابية” التي باتت تواجهها مصر ما يعتبر النظام انه قد ينصفه خصوصا ان سقوط حكم الاخوان في مصر شكل دفعاً مهما تلقاه نظام الأسد للاستمرار.

انطوت صفحة مؤتمر موسكو الذي حجب بدوره جهود الموفد الدولي الى سوريا ستيفان دو ميستورا ومبادرته التي يتم ابقاؤها حية على نار خفيفة جدا لملء الفراغ وكسب الوقت. إلا ان ابرز التطورات التي توقفت عندها مصادر عدة خلال فترة انعقاد المؤتمر، الى جانب محاولة مصر اخذ المبادرة للم شمل المعارضة بما يعنيه ذلك من احتمال مساعدة مصر على استعادة بعض الدور الاقليمي لها، كانت العملية العسكرية التي نفذتها اسرائيل في القنيطرة السورية مستهدفة عناصر من “حزب الله” وجنرال ايراني. وفيما نأى النظام السوري بنفسه عن اي اشارة الى هذا الموضوع، فان الوجود الايراني المعروف كما وجود عناصر الحزب سلط الضوء على محدودية قدرة النظام من حيث امتلاكه كل الاوراق التي تسمح له باستعادة السيطرة ولو ان الوجود الايراني يصب جزئياً في مصلحة ابقائه في السلطة من اجل ابقاء خط الامداد مفتوحاً من طهران الى بغداد فسوريا ولبنان. فالنقاط التي يثيرها هذا الخرق الفاضح للسيادة السورية بحيث باتت سوريا ساحة أو ملعباً للصراع الاقليمي المباشر جعل الحوار في موسكو غير ذي معنى في الجوهر.

وأتى تحرير كوباني الكردية من تنظيم الدولة الاسلامية ليضيف جديداً الى هامشية النظام. اذ ان هذا التحرير رد مباشرة على الاقل على الأسد الذي كان انتقد قبل ايام في حديث صحافي مضي ثلاثة اشهر على حرب التحالف الدولي من اجل تحرير كوباني من دون نتيجة، معتبرا ان مناطق مماثلة حررها الجيش السوري في اقل من ثلاثة اسابيع (!). وهو بذلك يشير الى الحاجة الى قوات برية على الارض لن تكون حكماً سوى القوات السورية، ما يفتح باب التعاون معه. فاثبت تحرير كوباني ان التحالف لم يحتج الى قواته في نهاية الامر بل اعتمد على الاكراد في شكل خاص كما على المعارضة السورية على عكس ما كان يؤمل من التعويل على عدم تصعيد المطالبة برحيل الأسد خصوصا من جانب واشنطن، ما قد يمهد للانتقال الى مرحلة اعادة القبول بالنظام.

ويقول زوار للعاصمة السورية إن عامل الوقت والرهان عليه يبقى عاملا اساسيا في حسابات الرئيس السوري خصوصا ان حلفاءه يشيعون حلولا من نوع العمل على اشراك المعارضة في الحكم وخطوات اخرى من شأنها ان تكرس استمراره في السلطة بصلاحيات واسعة. الا ان مصادر ديبلوماسية تعتبر ان فشل مبادرة موسكو لا ينعكس على موسكو فحسب بل على النظام من حيث ان خطة دعم استمراره في السلطة لن تنجح وان هذه المبادرة لم تلق اي صدى ايجابي باستثناء الدعم الكلامي من عدد كبير من الدول المعنية بالازمة السورية. فروسيا اقدمت على مبادرتها في الوقت الضائع بحيث كانت هناك فرص لتسجيل نقاط ايجابية في ظل الفراغ، لكن ذلك لم يحصل. واذ تقر المصادر الديبلوماسية ان رحيل النظام لم يوضع مرة على نحو جدي لدى مطالبة الدول الكبرى برحيله في الاعوام القليلة الماضية، بل كانت مبادرات عدة من اجل اشراك المعارضة وتحديداً الاخوان المسلمين بنسبة لا تقل عن 35 في المئة من الحكومة ( ويقول النظام انه طلب منه ان يعطي الاخوان 50 في المئة وهو لم يقبل ) وهو ارتاح لدى ازاحة الاخوان في مصر وبات يتحدث عن عدم وجود معارضة متماسكة في وجهه ما يعني انها لا تستحق حصة كبيرة.

إلا ان ما كان محتملا لدى بدء الازمة في سوريا لم يعد ممكنا مع اقتراب مضي السنة الرابعة على انطلاقها في اذار المقبل. فمع ان ثمة انطباعات قوية عن التسليم مرحلياً ببقاء الأسد في السلطة، وهي انطباعات تساهم فيها مواقف الدول الاشد عداء له راهناً ويستفيد منها من اجل السعي الى تثميرها بمد بقائه على قواعد شرعية، فان المصادر الديبلوماسية المعنية تجزم بأن هذه التوقعات لم تعد ممكنة أو محتملة في المدى المستقبلي قريباً كان ام بعيداً، علماً ان لا افق محددا لانتهاء هذه الازمة.

النهار

 

 

 

حوارات موسكو وعقبات الحل السوري/ ماجد كيالي

لم يشترط المعارضون «المعتدلون»، الذين ذهبوا إلى اجتماعات «منتدى الحوار» السوري ـ السوري في موسكو، الإفراج عن رفاقهم: عبدالعزيز الخير ورجاء الناصر، القياديين في «هيئة التنسيق»، ولؤي حسين رئيس «تيار بناء الدولة»، كشرط للمشاركة في الحوار مع وفد النظام، وحتى انهم لم يأتوا على ذكرهم خلال الاجتماعات. بل إن وفد النظام عبّر عن غطرسته برفضه استلام مجرّد قائمة تتضمن أسماء معتقلين للبحث في الإفراج عنهم، إضافة إلى موقفه المتعلق بحصر السلاح في يد الدولة، والقوى المسلحة «المقبولة» منها، ما يشمل «حزب الله» وأخواته من الميليشيات العراقية! وبالنتيجة فقد انتهت هذه الاجتماعات، التي استمرت أربعة أيام، من دون بيان ختامي، ومن دون نتائج، وحتى من دون دراما، وكأنها لم تكن، وهي النتيجة التي توقعها كثيرون سلفاً.

عموماً، لا أحد يعرف سبب إصرار القيادة الروسية على عقد مثل هذا «المنتدى»، مع معرفتها بكل ذلك، وما إذا كان غرضها مجرّد الاشتغال على بلبلة المعارضة، أو إنها أرادت عقده لإنقاذ ماء وجهها، بعد أن تورّطت، وبغضّ النظر عن نتيجة اللقاء. بيد أنه، وفي كل الحالات، فإن هذا الحدث شكّل هزيمة للديبلوماسية الروسية «البوتينية»، فضلاً عن أنه بيّن بجلاء ضعف صدقية القيادة الروسية، وقصور ادراكها لمصالحها في المنطقة، وانحسار الدور الروسي، حتى في المسألة السورية.

وفي الواقع فإن مصدر هذا الإخفاق ينبع، أولاً، من كون روسيا طرفاً مشاركاً، وبشكل فعال، في الصراع السوري، من خلال مساندتها لنظام الأسد، طوال الأعوام الأربعة الماضية، بالوسائل الديبلوماسية والسياسية والعسكرية والاقتصادية. وثانياً، فإن هذا الإخفاق هو انعكاس طبيعي لضعف روسيا، ومحدودية قدراتها، وعزلتها، وهزال مكانتها، على الصعيدين الإقليمي والدولي.

والحال، فإن القيادة الروسية في مبادرتها، وفي أجواء المناخات التي فرضتها على المتحاورين في موسكو، تعمدت أخذ النقاش نحو قضيتين أساسيتين: أولاهما التركيز على البعد الإنساني، لإدراكها أهميته وثقله، بالنسبة الى السوريين، بعد كل الاهوال التي ذاقوها، مع مصرع حوالي ربع مليون منهم، وتشريد حوالي نصفهم، فضلا عن تدمير عمران مدنهم. وثانيهما، التركيز على خطر الجماعات الإرهابية المتطرفة، وعلى المصلحة في التساوق مع الجهد الدولي للقضاء على هذه الجماعات، باعتبارها تهدد وحدة سورية، أرضاً وشعباً، وتسعى لتقويض دولتها.

هكذا بدا واضحاً ان الروس في هذين الجانبين، إذ يشتغلون على حرف النقاش عن مساره المفترض والمتعلق بإيجاد هيئة حكم انتقالية، ذات سلطات تنفيذية كاملة، وفقاً لمنطوق إعلان «جنيف-1» (2012)، يشتغلون في الوقت ذاته على تجديد حياة النظام، واضفاء الشرعية عليه، وتبرئته من المسؤولية عن كل الأهوال التي اختبرها السوريون في الأعوام الأربعة الماضية، نتيجة اعتماده الحل الأمني، واقحامه الجيش في قتال السوريين، ناهيك عن تحويله البلد الى ساحة صراع مفتوحة للميلشيات التابعة لإيران، وتالياً للجماعات الإرهابية المتطرفة، كـ «داعش» و»جبهة النصرة» وأشباههما.

بيد أنه، وبغض النظر عن طبيعة ومحدودية الدور الروسي، والتحفظات على الأطراف المدعوة، والأسس التي قامت عليها الدعوة، والأغراض التي انيطت بالحوار في هذا المنتدى، فإن اخفاق هذه الاجتماعات يرجع إلى الأسباب الآتية:

أولاً: رفض النظام بالمطلق لأي مساس برؤيته لسورية من كونها بمثابة ملكية خاصة، وفقاً لشعار: «سورية الأسد إلى الأبد»، إذ أنه من الأساس يعتبر مطالبة الشعب السوري، أو غالبيته، بالحرية والكرامة والمساواة نوعاً من التجرؤ غير المقبول، والتطلّب غير المشروع. لنلاحظ، في هذا الإطار، أن النظام مستعد لإبداء مرونة في كل شيء، بما يتعلق بتشكيل الوزارة، وإعادة انتخاب مجلس الشعب، وحتى اجراء تعديلات دستورية، لكنه لا يقبل البتّة أي مسّ بمكانة الرئاسة ومستلزماتها، أي الدولة الأمنية (قطاعات الجيش والوحدات الخاصة وأجهزة الاستخبارات).

ثانياً: منذ بداية الثورة السورية، قبل أربعة أعوام، اعتمد النظام «الحل الأمني» حصراً، حيث واجه المتظاهرين في الميدان وبرزة والمزة والقابون ودوما في دمشق وبستان القصر في حلب ودرعا القديمة واللاذقية والرستن بالهراوات والرصاص، وفض اعتصام ساحتي «النواعير» في حماه و»الساعة» في حمص بالرصاص والدبابات، وكان متوسط عدد ضحاياه في الأشهر الستة الأولى حوالي 600 قتيل شهرياً. وبعد ذلك أقحم النظام الجيش، بطائراته ومدفعيته ودباباته ووحداته الخاصة في الصراع، كأنه في حالة حرب (ضد شعبه)، ما أدى إلى حصول بعض الانشقاقات، ونشوء ظاهرة «الجيش الحر»، وبالتالي تدهور الوضع إلى الصراع المسلح، مع كل التداعيات الناجمة عنه، على الطرفين. والمعنى من ذلك أن النظام رفض مختلف الحلول السياسية السلمية، بسبب رفضه حق الشعب السوري في تقرير مصيره، ورفضه اجراء أي تغيير يفضي الى تغيير النظام والتحول نحو الديموقراطية. وللتذكير فإن جلسة الحوار اليتيمة، لـ»مؤتمر الحوار الوطني»، الذي كان نظمه النظام في فندق «صحارى» (تموز/يوليو 2011)، في الضاحية الغربية لدمشق، وافتتحه فاروق الشرع، نائب الرئيس السوري، لم تستأنف في جلسة ثانية. وهذا ينطبق على الدستور الذي جرى تعديله (2012)، من دون ان يلحظ التغيير المنشود، والذي جرى فيه تركيز الصلاحيات في يد الرئيس، وتمكينه من ولايتين اضافيتين، بعد 14 عاماً في الحكم!

ثالثاً: بسبب تعنّته، واعتماده الحل الأمني حصراً، والتحول نحو الصراع المسلح، وطول أمد هذا الصراع، فقد ازداد وتعمّق اعتماد النظام على إيران، والميلشيات المدعومة من قبلها، ويأتي في هذا الإطار «حزب الله»، وبعض الميلشيات الطائفية العراقية («كتائب أبو الفضل العباس» و»عصائب الحق» و»فيلق بدر»)، هذا إضافة إلى وحدات من «الحرس الثوري» الإيراني. بالمحصلة فإن وجود هذه القوى في سورية، ومشاركتها في الدفاع عن النظام، رفعت أسهمها في القرار السوري، بخاصة بعد التراجع الكبير في قدرة الجيش النظامي، وفقدان النظام السيطرة على أجزاء كبيرة من الأرض السورية. على ذلك فإن القرار السياسي بشأن مآل الأحوال في سورية لم يعد بيد النظام وحده، وربما لا نبالغ إذا اعتبرنا أن الثقل الأساس في القرار بات في يد النظام الإيراني.

رابعاً: لم تعد الأوضاع في سورية، تبعاً لكل ما تقدم، بيد النظام السوري ولا بيد المعارضة، لا سيما ان أياً منهما غير قادر على الحسم ضد الآخر، بواسطة الصراع المسلح. هكذا، أضحت سورية بمثابة ساحة صراع مفتوح بين أطراف عربية وإقليمية ودولية، لا سيما مع فقدان النظام السيطرة، وانتهاء صلاحيته، وفقدانه شرعيته بعد كل ما جرى، ومع إخراج الشعب السوري من المعادلات السياسية، نتيجة تشرد معظمه، وتمزق ارادته، وضعف إطاراته المعارضة.

على ذلك، لم يعد ممكناً الحديث عن تسوية في سورية من دون توافر إرادة عربية وإقليمية دولية، تضغط، بشكل جدي وحاسم في هذا الاتجاه، وتفرض الحل الممكن، والعادل ولو نسبياً، وفق منطوق اعلان «جنيف – 1» (2012)، والذي يتأسس على وقف الصراع المسلح، وتشكيل هيئة حكم انتقالية ذات سلطات تنفيذية، تحفظ وحدة سورية ارضاً وشعباً، وسيادتها، وتكفل إقامة حكم مدني ديموقراطي، يساوي بين مواطنيها من دون أي تمييز بينهم. وهو الحل الذي يضمن التأسيس لإجماعات وطنية جديدة للسوريين، وتسهيل عودتهم إلى مدنهم وقراهم وبيوتهم، والتحرر من التدخلات الخارجية بكل أنواعها، وعزل الجماعات الإرهابية، والتخلص منها.

القصد، أن ما جرى في موسكو، أو ما سيجري في غيرها، لن يؤدي إلى نتيجة طالما أن هذه المعادلات بقيت قائمة، وطالما ان القوى الدولية والإقليمية والعربية ما زالت غير حاسمة في تعاملها مع الموقف السوري، وضمنه موقفها في ترجمة بيان «جنيف1»، إن بسبب حيرة البعض أو ضعفهم او انتهازيتهم، أو بسبب سياسة الانكفاء التي تتبعها الإدارة الاميركية الحالية، سواء لاعتبارات أميركية، او لاعتبارات إسرائيلية، نابعة من فكرة مفادها أن «دعوا العرب يقتلون أنفسهم بأنفسهم».

* كاتب فلسطيني

 

 

 

 

مبادرات سلام من أجل سوريا

الهدنات المحلية حلحلة للمعضلة السورية بشرط المراقبة الأممية

لا يزال الحل الشامل للأزمة السورية بعيد المنال. كما أن تجميد القتال لن ينجح من دون مراقبة تتولاها الأمم المتحدة. ومن أجل التخفيف من معاناة الشعب السوري وبناء الثقة في المفاوضات، لا بد من تنفيذ مبادرات السلام المحلية بمساعدة دولية، بحسب رأي الخبيرة في الشؤون السورية كريستين هيلبيرغ في تعليقها التالي لموقع قنطرة.

“استراتيجيات السلام” كلمة كبيرة. وهي كبيرة جدًا بالنسبة لما يجري حاليًا في سوريا وما حولها. ولكن على أية حال توجد محادثات وأفكار جديدة، من الممكن أن تساهم إلى حدّ ما في التخفيف من معاناة السوريين – بشرط ألاَّ يتم دعمها بالكلمات فقط.

هناك ثلاثة تطوُّرات تسير في الوقت نفسه: أولاً تحاول روسيا جمع ممثِّلين عن النظام السوري وعن المعارضة حول طاولة المحادثات في موسكو. وثانيًا تناقش أهم مجموعات المعارضة السورية خارطة طريق من أجل تغيير النظام في دمشق تغييرًا تدريجيًا. وثالثًا يدعو المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، إلى تجميد الصراع محليًا، من أجل إيقاف تقدُّم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتمهيد الطريق للمفاوضات.

من النظرة الأولى لا يبدو كلُّ هذا مقنعًا جدًا، بيد أنَّ مَنْ يمعن نظره، يلاحظ وجود بعض الفرص، التي توجد من بينها فرصة تكمن في موسكو، ولكن ليس بفضل هذا المؤتمر الذي يجمع المعارضة والنظام في موسكو. تعتبر المحادثات بين النظام والمعارضة في الوضع الراهن إضاعة وقت. فالرئيس بشار الأسد يرفض تسليم السلطة ولا يوجد أي معارض جاد على استعداد للمشاركة في الحكم تحت قيادة الأسد. زد على ذلك أنَّ كلا الطرفين لا يملكان سوى تأثير محدود على الحرب في سوريا.

إنَّ المتمرِّدين في سوريا لا يبالون بما يُقرِّره الائتلاف الوطني في الخارج، وهذا الأمر بات معروفًا لدينا على أبعد تقدير منذ مؤتمر سوريا الأخير الذي باء بالفشل في شهر شباط/ فبراير 2014. ولكن في هذه الأثناء لم يعد الأسد أيضًا يسيطر على القوَّات التي تقاتل إلى جانبه. والنظام يعاني من نفاد المال والجنود.

خسائر فادحة في سيطرة النظام – “يعود الفضل في تمكُّن الأسد من الحفاظ على بعض المناطق واستعادة مناطق أخرى إلى مؤيِّديه الأجانب وليس إلى تأييده في داخل البلاد. وحتى أنَّ الكثيرين من العلويين في الساحل تعبوا من التضحية بأبنائهم من أجل احتفاظ الأسد بالسلطة – أما الذين يقاتلون بمحض إرادتهم فلا يزالون يفعلون ذلك فقط من أجل حماية أهاليهم في اللاذقية وطرطوس، ولكن ليس لإستعادة الرقة من تنظيم الدولة الإسلامية”، بحسب كريستين هيلبيرغ.

انهيار سيطرة الأسد التامة

وبصرف النظر عن بعض وحدات النخبة، التي تخضع للرئيس بصورة مباشرة، لم يعد هناك أي وجود للجيش العربي السوري. أمَّا القوَّات المتبقية فيتم توجيهها من قبل إيران، وإلى جانب هذه القوَّات يحارب حزب الله اللبناني وقوَّات الدفاع الوطني NDF – وهي ميليشيات محلية تكوَّنت من “الشبيحة” وكذلك من قوَّات الدفاع المدني المنظمة على أساس طائفي. وبعض قادتها أصبحوا – من خلال الدفاع عن مناطق معيَّنة وإيرادات التهريب والابتزاز وعمليات الخطف – أقوياء إلى درجة أنَّهم باتوا ببساطة يتجاهلون الأوامر التي تصدر من دمشق وتتعارض مع مصالحهم. وهكذا تنهار سيطرة الأسد التامة.

وهنا بالضبط تكمن الفرصة مع روسيا. وذلك لأنَّ بعض المعارضين، الذين سافروا في الأسابيع الماضية إلى موسكو، حاولوا أن يبيِّنوا لممثِّلي الكرملين: أنَّ الأسد غير قادر على تحقيق الاستقرار في سوريا، ولا يستطيع هزيمة الإرهاب وإحلال السلام في البلاد، لأنَّه لم يعد “مسيطرًا”، بل أصبح يعتمد على الآخرين.

وفي الحقيقة يعود الفضل في تمكُّن الأسد من الحفاظ على بعض المناطق واستعادة مناطق أخرى إلى مؤيِّديه الأجانب وليس إلى تأييده في داخل البلاد. وحتى أنَّ الكثيرين من العلويين في الساحل تعبوا من التضحية بأبنائهم من أجل احتفاظ الأسد بالسلطة – أما الذين يقاتلون بمحض إرادتهم فلا يزالون يفعلون ذلك فقط من أجل حماية أهاليهم في اللاذقية وطرطوس، ولكن ليس لاستعادة الرقة من تنظيم الدولة الإسلامية.

تحاول موسكو تقسيم المعارضة السورية بغية حمل بعض أعضائها على المشاركة في حكومة وحدة وطنية مزيَّفة يقودها بشار الأسد – و(المرجوّ) هنا أن تبوء هذه المحاولة بالفشل. أمَّا مجموعات المعارضة الرئيسية الثلاث – أي الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية وهيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي وتيار بناء الدولة السورية – فلا تزال تصارع من أجل خطة مشتركة. بيد أنَّ هذه المجموعات الثلاث متَّفقة على أنَّ انسحاب الأسد لا يمكن أن يكون شرطًا مسبقًا لإجراء محادثات، ولكنه يجب أن يكون بكلِّ تأكيد نتيجة منطقية لانتقال سياسي حقيقي.

حصاد الرعب – بحسب معلومات المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، فقد أسفرت الحرب الأهلية السورية المستمرة منذ نحو أربعة أعوام عن قتل مائتين وعشرين ألف شخص، وتشريد أكثر من عشرة ملايين مواطن سوري هربوا من العنف – بحسب بيانات الأمم المتَّحدة.

إعادة توزيع السلطة على نحو تدريجي

ولهذا السبب يجب على موسكو أن تُعيد تفكيرها وأن تدرك أنَّ إنقاذ الدولة السورية لا يرتبط باحتفاظ الأسد بالسلطة. بل على العكس من ذلك. إذ إنَّ الذي يريد المحافظة على هياكل الدولة في سوريا يجب عليه أن يعمل من أجل إعادة توزيع السلطة على نحو تدريجي، وتحديدًا ليس على نطاق واسع، بل على نطاق ضيِّق.

وبهذا سوف نكون قد وصلنا إلى المسألة الثالثة، أي تجميد القتال وخوض تجارب وقف إطلاق النار والهدنات المحلية. لقد أدرك ستيفان دي ميستورا أنَّ الحلَّ الشامل للأزمة السورية يعتبر أمرًا غير واقعي في الوقت الراهن. وفكرته المتمثِّلة في تجميد القتال أولاً في حلب تبدو فكرة جيدة – فالحياة اليومية من دون البراميل المتفجِّرة والقنَّاصة ستكون بالنسبة للأهالي مصدر ارتياح كبير. ولكن مع ذلك فإنَّ وقف إطلاق النار بشكل دائم يبدو أمرًا غير واقعي، طالما لم يتم استخلاص الدروس الصحيحة من التجارب التي تم خوضها حتى الآن مع الهدنات السابقة.

ومن أجل فهم الوضع بشكل أفضل تجدر الإشارة إلى وجود العشرات من المبادرات المحلية في جميع أنحاء سوريا. وفي هذه المبادرات تتفاوض الأطراف المدنية الفاعلة والمتمرِّدون وممثلو النظام والجيش وقوَّات الدفاع الوطني الآنفة الذكر على اتِّفاق لوقف إطلاق النار في تشكيلات مختلفة. وفي الأشهر الماضية تم إجراء العديد من الدراسات حول إبرام هذا الاتِّفاق وجدواه وقد وصلت على الرغم من الآراء المختلفة إلى نتائج متشابهة:

أولاً، إنَّ معظم اتِّفاقيات وقف إطلاق النار والهدنات يتم فرضها من قبل النظام في منطقة ما من خلال عمليات محاصرتها وتجويعها وقصفها المكثَّف. ثانيًا، كثيرًا ما يفرض النظام شروطًا تعتبر بالنسبة لجماعات المعارضة والمتمرِّدين المحلية بمثابة استسلام. ثالثًا، لا يتم تحديد شكل التنفيذ على نحو مفصَّل بما فيه الكفاية ولا تتم مراقبته من قبل أية هيئة مستقلة، بحيث لا يتم تحقيق الاتِّفاقيات أو بالأحرى يتم خرقها (من خلال الإبقاء على المساعدات الإنسانية قليلة للغاية وعدم إخلاء المدنيين بشكل تام وعمليات اعتقال المتمرِّدين أو قتلهم في وقت لاحق وكذلك تجديد الحصار). رابعًا، تقوم على كلا الطرفين الجماعات المتطرِّفة أو الداعمون الإقليميون (إيران وتركيا) بعرقلة أو تقويض عملية الاتِّفاق، عندما يعرِّض هذا الاتِّفاق مصالحها الخاصة للخطر. وخامسًا، كثيرًا ما تستغل جميع الأطراف المتحاربة عملية وقف إطلاق النار فقط من أجل التسلح والاستعداد لمعارك أخرى. فجميع الأطراف الفاعلة لا تملك إرادة السلام.

رحَّب المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، بمؤتمر موسكو حول سوريا باعتباره مبادرة جادة. وقال إن من الممكن البدء في موسكو بحوار قابل للحياة بين الطرفين. وستيفان دي ميستورا يدعو حاليًا لخطته الرامية إلى “تجميد” النزاع. ولكنه اضطر إلى الاعتراف بعدم موافقة أي طرف حتى الآن على خطة التخفيف من حدة التصعيد.

من أجل التفاوض محليًا على هدنة

ولكن مع ذلك فإنَّ النهج المحلي صحيح. وذلك لأنَّ الاستعداد للتفاوض مع العدو والتوصُّل إلى حلول وسط يعتبر لدى الأهالي المنهكين من الحرب داخل سوريا أكبر بكثير من استعداد السياسيين والقادة، الذين يطالبون من أماكنهم البعيدة عن الحدث بمطالب قصوى غير واقعية ويعملون بالتالي على إطالة فترة الصراع. وبالإضافة إلى ذلك فإنَّ ظروف المعيشة والتركيبة الاجتماعية وكذلك موازين القوى السياسية والعسكرية في سوريا تختلف كثيرًا بحسب المناطق، بحيث لا يمكن التوصّل إلى حلّ ساري المفعول في عموم البلاد.

وبما أنَّ وصفات الحلول المقرَّرة من أعلى تسير إلى الفراغ، ينبغي بدلاً عن ذلك تعزيز دور الأطراف المدنية الفاعلة ميدانيًا – مثل اللجان المحلية والمجالس البلدية والقروية والزعماء الدينيين ورجال الأعمال المؤثرين وكذلك شيوخ القرى وزعماء العشائر. فقد أظهرت الدراسات أيضًا أنَّ اتِّفاقات وقف إطلاق النار تتم قبل كلِّ شيء هناك وأنَّ مصلحة الأهالي تؤخذ في عين الاعتبار حيث توجد هياكل مدنية قوية.

أمَّا الرؤية التي تنتج عن ذلك فتبدو على هذا النحو: يتم التفاوض محليًا على هدنة لوقف إطلاق النار، ولكن يتم فرضها ومراقبتها من قبل هيئة محايدة لديها تفويض قوي من هيئة الأمم المتَّحدة. وهذه الهيئة تقوم بمراقبة وبتمويل قدرة الإدارات والبنية التحتية على العمل. وتستمر دوائر الأحوال المدنية والمحاكم والشرطة ومحطات توليد الطاقة وسلطات المياه … إلخ في مواصلة عملها، ويتم إصلاحها أو إعادة بنائها.

والهدف من ذلك هو المحافظة على الهياكل الحكومية من دون أن يتم الاستيلاء على هذه الهياكل من قبل نظام الأسد. وعلى هذا النحو ينشأ من وقف إطلاق النار بديل سياسي جدير بالثقة مع حياة يومية سائرة ورسالة فعَّالة مفادها أنَّ المفاوضات مجدية وجديرة بالاهتمام!

ولكن إذا استمر ستيفان دي ميستورا في حديثه حول تجميد المعارك، من أجل العمل بشكل جماعي ضدَّ تنظيم الدولة الإسلامية، فهذا يعني أنَّه لم يفهم دينامية الأشهر الماضية. وذلك لأنَّ محاربة إرهاب الجهاديين مع تجاهل إرهاب الأسد تؤدِّي إلى الاستمرار فقط في جعل السوريين – المدنيين منهم والمتمرِّدين – يصبحون متطرِّفين. فالأسد يتحمَّل المسؤولية الرئيسية عن العنف في سوريا، ولذلك لا يجوز صرف النظر عن إنهاء حكمه.

وفي الحقيقة إنَّ هدنات وقف إطلاق النار المحلية تتيح الفرصة لخلق موازين القوى الجديدة على خطوات صغيرة. ولذلك يجب على ستيفان دي ميستورا أن يبذل كلَّ شيء من أجل كسب مجلس الأمن الدولي – بما فيه روسيا – لصالح دعم هذه الهدنات.

كريستين هيلبيرغ

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: قنطرة 2015

 

 

 

 

 

أزمة بمفاتيح كثيرة/ محمد ابرهيم

اجتماعات نهاية الشهر الماضي في موسكو بشأن سوريا بين بعض المعارضة والنظام لم تفضِ إلى أكثر من تكليف روسيا بدور الوساطة في المسائل الإنسانية. وليس منتظرا ما يتجاوز استجابة النظام بالإفراج عن بعض المعتقلين لتلميع صورة المعارضين الذين استجابوا لمفاوضات ليس على جدول أعمالها مصير رموز النظام. وحظ مبادرة الوسيط الدولي ستيفان دو ميستورا كان أقل. فهي تبددت دون أثر بعدما تبين أن النظام ليس معنيا بتجميد الوضع في حلب، طالما أن حظوظه تتصاعد بقطع طرق الإمداد عن المعارضين وإحكام الحصار على مناطقهم.

ومع سقوط آخر مبادرتين، تفاوضيتين، لا تقترب الحرب من نهايتها. فإذا كانت التقارير الأميركية تعطي أفضلية عسكرية لنظام الأسد إلا أن ذلك لا يعني أن هناك جهة قادرة على حسم المعركة عسكريا. والأفضليات لا تتجاوز في سوريا اليوم أكثر من “تدوير” المواقع، أي تحسينها وتأمين تواصلها في كتل جغرافية “كبرى”.

والمشكلة هي أن مفاتيح الحل في سوريا باتت متعددة، وتحتاج إلى الاستعمال في وقت واحد ما يزيد في صعوبة المهمة. وبعض المفاتيح لا علاقة مباشرة بينه وبين الحرب السورية. إذ ما علاقة أن يتم التوصل لصيغة تستوعب بها أوكرانيا شرقها، بخصوصياته الروسية، بحل الأزمة السورية، مع أن مثل هذه الصيغة ضروري لانخراط روسيا في البحث عن حل لسوريا؟ وما علاقة عدد أجهزة الطرد المركزي في المنشآت النووية الإيرانية، بصيغة الحكم المعدّلة في سوريا، مع أن مثل هذا الحل أكثر من ضروري لمفاوضات جدية مع إيران بشأن سوريا؟

مفاتيح أخرى أكثر ارتباطا بالحرب السورية تستوجب دخول لاعبين إقليميين يطرحون مشكلتين أساسيتين: فمن ناحية تطرح الدول الخليجية موضوع “الهلال الشيعي” بعدما أصبح “شبه دائرة” مع دخول اليمن بقوة على خط الصراع السني – الشيعي، ما يعني أن التسوية لسوريا باتت متعذرة من دون تسوية تحصر حصة إيران على امتداد المشرق العربي. ومن ناحية أخرى تطرح تركيا مسألة مستقلة تماما هي حصة “الإخوان المسلمين” في الأقطار العربية التي يتمتعون فيها بوزن شعبي. وما الاشتباك التركي- المصري إلا المظهر الأبرز للمطالبة بحصة تركية (هلال تركي؟) يصعب أن تخمد الحرب في سوريا بدون تحديدها.

في هذه الأثناء أفلتت ظاهرة “داعش” ومعها “القاعدة”، وطيف التنظيمات الجهادية، من دور أداة الابتزاز في يد بعض القوى الإقليمية لتصبح خطرا قائما بذاته مدّ نفوذه شرقا وغربا، وباتت إعادته إلى القمقم تتطلب ائتلافا دوليا أوسع، وأصدق، من القائم حاليا. وبذلك حل الازمة السورية و”شقيقاتها” العربيات بات يتطلب مؤتمرا دوليا على طريقة المؤتمرات الدولية الأوروبية في القرن التاسع عشر حيث يجري رسم خرائط النفوذ لمدى زمني طويل.

النهار

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...