الرئيسية / صفحات الناس / من المنتصر ومن المهزوم؟

من المنتصر ومن المهزوم؟

فلورنس غزلان

نقطة الدم فاضت جداولاً امتد سيلها يغرق أرض الياسمين،  وهاهو يشهق بشهية الوحش المتعطش للمزيد، فيذهب في ذبحه بعيداً ويتخطى الحدود، بعد أن تخطى حدود العقل والمعقول، فالورود التي ترعرت على الندى ..تعيش اليوم بين أصابع الديناميت، والصوت الذي كان يعزف الحب ويهيم في حواري الشام العتيقة، صار يترنم على الحقد ويعزف على أوتار الموت والكراهية…يزرع حيث يحل بذوراً لاتترجم لغة الأرض ولا تزهو في حقول الغوطة إلا حين تُجزع الأمهات وتُغتصب العذارى…حتى الشمس الجريئة من ساعات الصباح الأولى …لاتتهادى أشعتها إلا على غبار البيوت المهدمة أو مع تصاعد الدخان المنبعث من حرائق تجتاح الحقول وتلغي المواسم…تسيطر على السماء …فتتحكم بالمطر والهواء وتُسَيِّر النجوم والقمر …تخلط الأضواء بالعتمة …فلا نميز نهارنا من ليلنا…هو تَحَوُل طقسي لكل الفصول..تحول تاريخي لكل القناعات وتغير بكل المقاييس…هو متاهة الإنسان في مهبط الإنسان.

أنمشي على أقدامنا ، أم على رؤوسنا؟ أنقرأ أنفسنا بمرآة الحقيقة أم نُضَللها ونُحيدها عن كل الأبواب المفضية للحقيقة؟..ألم يدرك بعد عبيد الله وعبيد السلاطين في هذه البقعة من الأرض الملعونة أن آياتهم وبرقهم …أن مآثرهم ومعالمهم ،  قبلتهم وقدسهم.. ضحايا ضياعهم حولوها بفعل عبثهم إلى  حائط مبكى؟

ألم يرَ المقامرون منكم لون الخبز بأيدي صغارهم ، ولا ماتُحشى بهم دفاترهم وأدمغتهم ؟ ألم تبكي أمهاتكم أرض الخراب التي ذهبت …,حلم الشباب الذي يضيع وينساب من بين أصابعكم …لأن أيديكم المشلولة وقلوبكم المغلولة، لم تعد تستطيع القبض لا على التراب ولا على الكلام …فكل ماتفعلون وتقولون هباء بهباء؟!

كل يقف بزاوية تضيق وتنفرج حسب المقاييس الغريبة والآجهزة المتحكمة بريموت جعل منكم جميعاً ودون استثناء …ماريونيت …تُقاد ولا تقود…تُسَّيَر ولا تسير إلا بإرادة من دخل غريباً على بيتكم …فاحتل بعض دوركم فصرتم ونساءكم عبيداً لرغباته وشهواته..ألم تدركوا بعد أن كل قصابي المرحلة هم مرابون على أرضكم؟…يغتالون أولادكم وحقولكم …طبخنا ثورتنا في قِدر الأرض العطشى للحرية والكرامة والعدالة، فحولتها أيدي الطغيان ثم أيديكم إلى ماخور تعج به الأرجل المغامرة والأيدي المتاجرة ..فأي بوابة من بوابات التاريخ ستفتح لكم ، بعد أن كانت أبواب دمشق…مفتوحة للعلم وللحضارة؟…ما أرثيه اليوم هو حزني على الأرض والوطن، وحزني بكم ..حزني بانحسار العقل المبصر والمسيطر ، القابض على جمر الواقع وجمر الحقيقة …القادر رغم كل هذا العمى..أن يبصر ويتحسس أوجاع الوطن وأناته…أن يسعى دون نفخ في قرب مقطوعة ودون مبالغة غير مشروعة…لتسمية الأمور بمسمياتها…أين هي النخبة فيكم؟ ..وماطول باعها؟ ماسطوة يراعها؟!

 .الريح السياسية تلعب بكم …فعلى الأقل كونوا لاعبين مهرة ..كونوا كما يريدكم الحُلم، أو بمستواه! …وكما تشاء لكم الحِكمة في عالم تحولت الحكمة فيه إلى عصا السلاطين والقياصرة…نعلم أننا لانبحث عن موسى ولا عصاه بينكم…لكنا نبحث عمن ينفض غبار تراث ستالين وعفلق وناصر …وتراث الفقه المُنحرف عن شطآن الدين والمبشر بآيات من سلطان السياسة محشورة في سفن الشحن الطائفي المقيت …نبحث بينكم عن إبرة تنغرز في بؤبؤ العين، التي تجرأت علينا وعلى تمزيقنا إرباً…نبحث عن إبرة في كومة القش المغرق في الذات والمحاصصات…تستطيع أن ترثي الجروح المفتوقة وأن تربط لحمة المواطنة المبتورة …أن تعيد أواصر محبة تزرع بذورها من خلال ممارستها بين صناع القرار وأصحابه …لا تكريس الفردية والنزاع على جثة وطن…لامهزوم فيه سوى المواطن ولا منتصر فيه سوى الطاغوت …فهل من مستيقظ حريص بينكم، نُعَول عليه ونضع فيه ثقتنا..كي يأخذ ماتبقى من جسدنا المنهك والمُشَظى إلى بر السلام وعودة الأمان إلى بقايا وطن يمكنه أن ينهض من جديد؟ أو نندب حظنا ومصيرنا ونتركه بيد الأغراب يعيدون رسم وطننا ومعه المنطقة برمتها بخريطة تمزيقية أخرى، في حزيران بإسرائيل ومن دونها، فقد شربنا من كأس الهزيمة والموت على أيدي البعث بلونيه العراقي والسوري ما أعادنا عقوداً بل قروناً خلف الأمم وعلى هامش التاريخ…لأنهم لم يجدوا بينكم عمالقة كفارس الخوري يلعلع صوته في هيئة الأمم وفي البرلمان فيوقظ الضمائر من سباتها، ويفتح أمام الوطن باب الحرية من جديد ويدير عجلة الوئام إلى روح سوريا ،التي لانريدها أن تموت ، فتكون أيديكم من رسم لها صليبها الأخير في نعش النهاية ، أومَن منحها جرعة الحياة لتخطوخطوة البداية.

الخامس من حزيران لعام 2013 مضى على اعتقال تغريد 49 يوماً…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون رقم 10: إعادة تركيب سوريا/ د. خطار أبودياب

        تشريع القانون رقم 10 يمكن أن يؤدي إلى حرمان مئات الآلاف ...