الرئيسية / صفحات سورية / نجاح -البعبع- ليس نهاية التاريخ…

نجاح -البعبع- ليس نهاية التاريخ…


فاضل الخطيب

كنت أعتقد بعد فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية قبل سنوات، أنه كان يجب تركها وإعطاءها فرصة كي تقوم بحل المشاكل المطروحة على أساس ديني. وقناعتي أن الدين قد يساعد روحياً على شحذ نفوس البعض، ونقطة انتهى، وقناعتي أيضاً أنه لن تصبح صلوات الاستسقاء بديلاً لبناء السدود، لكن بناء السدود لن تعيقه تلك الصلوات. المهم تركهم يجربوا حلولهم والخلاص من المهاترات والصراعات والتحديات غير الموضوعية. ما كان يقدمه الله لإنسان الجزيرة العربية قبل 1500 سنة لا يقدمه الله اليوم، عصر التنقل على الجمال يختلف عن عصر النانو والمعلوماتية، والعالم وعلاقاته مترابطة ولا انفصال بينها. من عاش مع الإسلاميين في السجون لا يخاف من نجاحهم الانتخابي. الربيع العربي بحاجة إلى خطاب علماني أكثر فهماً عند الإسلاميين، وبحاجة إلى خطاب إسلامي أكثر فهماً عند اليساريين والعلمانيين. الديمقراطية بحاجة إلى ممارسة ومنافسة أخلاقية وإلى شفافية، بحاجة إلى تقارب كبير بين القول والفعل. الديمقراطية تعني تبادل السلطات وفقاً لإرادة الشعب وهي عملية مستمرة في التعلم، ولا معنى للديمقراطية إذا لم تحتضن العدالة الاجتماعية، ويمكن القول أن الديمقراطية تكون قد انتصرت نهائياً إذا تجذرت في أفكار وأخلاق المواطنين وفي مؤسسات الدولة. ويكون النجاح في الانتخابات الديمقراطية مسئولية كبيرة أمام الشعب، وليست تحكم بمقاليد البلد وانتصارٌ على الخصم، والخسارة ليست هزيمة، بل هي مسئولية كبيرة أيضاً لمراقبة عمل الحكومة ومؤسسات الدولة.

إن القمع والإقصاء والحيف الذي لحق بالإسلاميين خلال نصف قرن تقريباً، يجد تعاطفاً معهم من الشعب وبأكثر من حجمهم الحقيقي، وهو محاولة تعويض تضامن لم يحصلوا عليه. وهذا أمرٌ طبيعي وردّ فعل طبيعي أيضاً على “العلمانية المشوّهة” لأنظمة القمع. المهم تثبيت قواعد التبادل السلمي للسلطة، وسلمية الصراع الفكري. وقد تكون السنوات الأولى بعد القضاء على أنظمة القمع هي سنوات حكم الإسلاميين، رغم موقفي المناهض لفكرهم، لكن ذلك لا يخيفني، وأعتقد أن أيّ حزب يُشكّل أول حكومة بعد التغيير، هو حزب خاسرٌ بعد عدة سنوات، لأنه سيواجه أزمات سيكون حلّها قاسٍ، وكذلك سيرتكب هفوات وغلطات كبيرة، وبالتالي ستنعكس على شعبيته. لا تستطيع الأحزاب البقاء في ظل الديمقراطية إذا لم تعش كورشات عمل دائمة ضمن تلك المنافسة الشديدة القادمة.

في كل الأحوال يجب احترام إرادة الشعب، هذه هي الديمقراطية، ويجب قبول نتائجها حتى لو كانت أحياناً لا تعجبنا. إن وصول الإسلاميين للسلطة في الديمقراطيات العربية الجديدة ستضعهم في تحدّ مع ممارسة السلطة وفي مواجهة حقيقية لحلّ المشاكل والتي لن يستطيعوا حلّها على أساس ديني، وعدة تجارب سابقة في المنطقة تؤكد ذلك، وبالتالي ستضعهم في حجمهم الطبيعي والذي أقلّ بكثير مما يُصوّروه هم -أو البعض عن شعبيتهم.

أعتقد أن ردة الفعل على فوز الإسلام السياسي التونسي في أول انتخابات برلمانية الحرة، هي ردة فعل “مفهومة” على اعتبارها نتيجة تقييم وتفكير من ثقافة الماضي، وكأن ذلك كارثة بالنسبة لبعض العلمانيين الليبراليين واليساريين وانتصار أبدي للإسلاميين، لكنه في ظل الديمقراطية يضع الإسلاميين أمام أنفسهم وجماهيرهم وجهاً لوجه، وإذا لم يكونوا كفؤاً سيكون الثمن باهظاً، وربما يتقلص دورهم المستقبلي إلى درجة كبيرة، والسئوال الحقيقي هو كم سيحصل هذا الحزب الإسلامي في الدورة القادمة بعد عدة سنوات؟ الانتخابات التونسية الآن، هي الأولى بديمقراطيتها منذ عقود طويلة، لكنها ليست الأخيرة. النجاح صعب، لكن المحافظة عليه أصعب. على القوى العلمانية الليبرالية واليسارية أن تبتكر مفردات جديدة، وسائل جديدة، أفكار جديدة، وأن تستعد للانتخابات القادمة بعد عدة سنوات، كما عليها أن تكون العين المفتوحة والصوت الجريء لأخذ دور المعارضة المسئولة. مبروك لتونس، مهما كانت النتيجة، الديمقراطية انتصرت، والفرص نحو الأفضل انفتحت.

حصل في الدورة الأولى للانتخابات الحرة في هنغاريا بعد تغيير النظام “الشيوعي” قبل 22 عاماً، حصل حزب يميني قومي على نسبة عالية وشكل مع حزب آخر مثله نسبة كبيرة جداً في البرلمان، وبعد أربع سنوات لم يحصل إلا على أكثر من 5% بقليل، أي بالكاد دخل البرلمان، لأنه لم يستطع التنطح لحل المشاكل، ولم تنفعه الشعارات. إن أردنا الديمقراطية فعلينا القبول بثمارها المرة أيضاً، وكما قال تشرتشل ما معناه، أن الديمقراطية ليست جيدة، لكنهم لم يبتكروا طريقة للحكم أفضل منها!.

لا أعرف أو -لا أفهم البعض الذي عنده دائماً جاهز “البعبع” الذي سيفشل كل مشروع وطني لأن إرادة أمريكا هي النافذة ولا تريده أن ينجح، ولهذا تريد أمريكا نجاح الإسلاميين بهدف إجهاض مشروع التحديث والتنمية في المنطقة، وبنفس الوقت يقول كل أنصار الممانعة أن قائدهم أفشل -وقبله أبوه كل مخططات الامبريالية والصهيونية! يعني ما يستطيعه الأسد لا تستطيعه الشعوب؟! وهل يمكن أن يوجد أي عميل لأمريكا وإسرائيل وللهنود الحمر ولأهل المريخ أكثر ضرراً أخلاقياً ووطنياً واقتصادياً وروحياً من عائلة الأسد؟!.

يحلو لأنصار نظام الأسد الترديد أن الحياة طبيعية في سورية وكل شيء هادئ وما فيه شيء نهائياً من الذي تشاهدونه على القنوات المشبوهة. هؤلاء البؤساء لا يعطون أي قيمة حتى لشهداء الجيش الذي مازال أكثره أميناً للأسد، وحتى لو وافقناهم أن عصابات مسلحة قتلت أكثر من 1000 عسكري بمختلف الرتب، لكن هذا ليس لا شيء ولا يعبر عن حياة طبيعية!، وتكون مسيرات الولاء الإجبارية والرقص والـ”برطعة” فضائح أسدية جديدة!.

صارت بعض الأصوات “البومية” تنعي الربيع العربي، بأنه ربيع الإسلاميين المتشددين، وهذا البعض “العقلاني” يدعم الأنظمة القمعية رغم سوئها، لأنها برأيه أرحم من السلفية، وهذا يدعونا للتساؤل: هل ننتظر إلى أن يصبح الأخوان المسلمين ليبراليين علمانيين أو يساريين حتى ندعم الثورة والتغيير؟ هل ننتظر حتى يصبح المجتمع كله يؤمن بالعلمانية وحقوق الإنسان حتى ندعم الثورة؟ هل ننتظر “مخلّصاً أو منقذاً” جديداً حتى نسير وراء حركته التصحيحيحة المباركة؟. التأخير يعني مزيداً من القمع والفساد والتشويه القيمي للإنسان. لا حلّ إلاّ بالبدء بالتغيير اليوم قبل غداً، كي نستطيع الإسراع باللحاق بالعالم الذي يركض أمامنا وبسرعة كبيرة، كي نقلل المسافة بيننا وبين العالم، كي نرجع للعالم ويرجع العالم إلى بلداننا.

لا يمكن تفصيل شعب ولا ثورة على المقاسات، والسياسيين غالباً يسعون إلى مسايرة مزاج السواد الأعظم. الثورات العربية أعطت فرصة للتغيير، وإذا راوحت واحدة أو حتى كلها حالياً، لكنها قد تنطلق غداً، في حين كان حكم الطغاة العرب قد جمّد الحياة في الثلاجة، اي منع أي فرصة للتغيير. “الثورة الفرنسية بقيت قرابة قرن من الزمن حتى حققت الأهداف التي انطلقت من أجلها!”. إن السياسة المنتصرة في الربيع العربي هي سياسة المعتدلين /سواء من الإسلاميين، أو من العلمانيين.

يحكم البعض على ثورة من خلال حدث، وعلى سياسي من خلال موقف! وهذا غلط وقصر نظر. الجواهري وهو أحد عمالقة الشعر العربي كان قد كتب قصيدة أشاد فيها بحافظ الأسد! وديع الصافي وهو أيضاً أحد عمالقة الغناء العربي غنى للأسد! لكن هذا لن يقلل من قيمة الجواهري وشعره التحرري العظيم، ولا غناء وديع الصافي مرة غيّر قيمته الأخلاقية وموقفه من الالتزام بهموم الشعب!.

نجاح الإسلاميين في أول انتخابات حرة تشهدها منطقتنا ليس نهاية التاريخ، بل هو بداية حقيقية للمنافسة على الأفضل. سقط “البعبع” ونهض العقل!…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...