الرئيسية / صفحات سورية / نظام الافك والتدليس

نظام الافك والتدليس

 


د. قصي غريب

ان سياسة الهروب الى الأمام التي اتبعها النظام في سورية بديلاً عن مواجهة الأزمة الخطرة التي تعيشها البلاد وحلها قد ذهبت به الى مستنقع التخبط والافك والتدليس، فقد اتهم المتظاهرين المطالبين بالحرية والحياة الكريمة للشعب السوري بالعمالة لأكثر من جهة، – ومن هذه الجهات اسرائيل وتيار المستقبل اللبناني والولايات المتحدة الأميركية وتهمة اخرى تنعت المتظاهرين بالتطرف الديني – فقد قالت وزارة داخلية النظام في سورية ببيان لها إن : ( مجريات الأحداث الأخيرة كشفت أن ما شهدته أكثر من محافظة سورية من قتل لعناصر الجيش والشرطة والمدنيين والاعتداء على الممتلكات العامة وقطع الطرقات العامة والدولية، إنما هو تمرد مسلح تقوم به مجموعات مسلحة لتنظيمات سلفية، ولا سيما في مدينتي حمص وبانياس، وأن بعضاً من هؤلاء دعا علناً إلى التمرد المسلح تحت شعار الجهاد مطالبين بإقامة إمارات سلفية, وأن ما قامت به هذه المجموعات المسلحة يشكل جريمة بشعة يعاقب عليها القانون بأشد العقوبات, وأنه لن يتم التساهل مع النشاطات الإرهابية لهذه المجموعات المسلحة التي تعبث بأمن الوطن وتنشر الإرهاب ).

ان هذا البيان الأمني الذي يتهم ويحذر من ان المتظاهرين ضد النظام في سورية هم من الجماعات السلفية هو ليس صحيح؛ لان الرد عليه كان من قبل المتظاهرين أنفسهم حيث رفعوا شعار : ” لا اخوان ولا سلفية احنا مطلبنا الحرية “، ولهذا فان المحتجين على استبداد وفساد النظام المزمن لاعلاقة تنظيمية تربطهم بالأحزاب والحركات السياسية المعارضة لا من قريب أو بعيد، فليس هنالك لحزب أو حركة علاقة أو ثقل فاعل ومؤثر في هذه التظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات، وان كان المتظاهرين أصحاب ايديولوجيات، ففي سورية ونتيجة استبداد وقهر النظام للشعب ومنعه من ممارسة الحريات لا يعرف بالضبط موازين القوى السياسية ولا يعرف من منها الفاعل والمؤثر في الساحة اليوم، أو الذي سيكون فاعلاً ومؤثراً في المستقبل، ولا سيما في ضلالة أوضاع غير ديمقراطية، فقد كشفت المظاهرات بشكل واضح عن تجاوز مطالب وطموحات وجسارة وشجاعة الشعب السوري الأحزاب والحركات السياسية المعارضة، وأثبت ان هذه الأحزاب والحركات فكرياً وتنظيمياً على هامش الاحداث، فهي لم ترتق الى مستواه ومستوى الحدث؛ لانها ما تزال تعيش في الماضي ولا تسكن الحاضر ولا تتشوف المستقبل، ولهذا فان اتهام النظام في سورية التنظيمات السلفية حصراً بقيادة المظاهرات واثارة الاضطرابات والارهاب حسب زعمه والايحاء بانها البديل عن النظام الحاكم هي رسالة موجهة الى جهتين معينتين بدقة، الجهة الاولى هي رسالة موجهة الى داخل سورية، من أجل تخويف أكثر من جهة من ان هذه التنظيمات السلفية قد أعلنت الجهاد وتريد اقامة امارات اسلامية، وان هذا خطر على وجود هذه الجهات، ومن ثم تسهل عملية تخويفهم ومن ثم التعبئة والتجييش لهم خلف النظام، ولا سيما بعد ان قال الرئيس بشار الأسد بأسلوب الشبيحة : ” إذا فرضت علينا المعركة اليوم فأهلاً وسهلاً بها ” والجهة الاخرى الأهم والموجهة لها الرسالة بشكل خاص هو العالم الغربي وخاصة الولايات المتحدة التي أعلنت الحرب على الارهاب بعد هجمات 11 أيلول 2001، من خلال مغازلتها والعزف على نفس الايقاع والوتر الذي تدق عليه، من ان الذين يقومون بالمظاهرات والارهاب في سورية والذين يمكن من أن يكونوا بديلاً عن النظام ومن ثم خطر على أمن اسرائيل، هم نفس الجماعات السلفية التي تخوض الولايات المتحدة الحرب ضدها، ومن هذا المنطلق فان النظام يقاتل على نفس الجبهة التي تقاتل بها هذه الجماعات الارهابية، – المتظاهرون – وبهذا فانه ليس هنالك أي مانع من ابادة المتظاهرين بدم بارد تحت ذريعة انهم سلفيون ارهابيون معادون للنظام في سورية، ومن ثم للولايات المتحدة التي هي في اعلان حرب ضدهم.

ان هذا الخطاب الرث الذي يقوم على اتهام المتظاهرين بانهم من الحركات الاسلامية من منطلق ان الاسلام المتطرف قد أصبح في ظل المتغيرات الدولية الجديدة العدو البديل عن الشيوعية للغرب والولايات المتحدة، قد تناوب على استخدامه النظم العربية الاستبدادية الفاسدة التي سقطت والتي سوف يسقط من بقي منها في السلطة عن قريب، فبعد أن اندلعت المظاهرات الشعبية في ليبيا ضد استبداد وفساد نظام القذافي واسرته، اتهم القذافي وابنه سيف الاسلام تنظيمات اسلامية سلفية باثارة الاضطرابات في ليبيا، وقد أكدت أخيراً جهات أميركية على انه لا مؤشرات لوجود مثل هذه التنظيمات في صفوف المعارضة الليبية، وعلى هذا المنوال المتهافت سار النظام الحاكم في سورية، وقد أثبتت الأحداث ان المظاهرات التي اجتاحت العديد من البلدان العربية ومنها سورية لم يحركها أو يقوم بها حزب أو حركة أو جماعة معينة، ولكن الذي يحركها ويقوم بها ويقودها شباب واعي وواعد من مختلف التوجهات الايديولوجية، يريد الحرية والحياة الكريمة لشعبه.

ولذلك من الخطأ أن يعتقد الذين يقودون دفة النظام في سورية، انه باستخدام هذه الأساليب الرخيصة يتم القضاء على المظاهرات الاحتجاجية التي تعم العديد من المدن والمناطق السورية، والتي تطالب بالحرية والحياة الكريمة للشعب السوري؛ لانه كلما ازدادت وحشية النظام في استخدام العنف المفرط والقاتل ضد المحتجين كلما ازداد تحديهم وقدراتهم على المواجهة والصمود من أجل تحقيق أهدافهم، وكلما سرع النظام من اضعاف نفسه وفقدان الثقة به ومن ثم سقوطه.

فالمطلوب لحل المشكلات التي تتعلق بكل جوانب الحياة السياسية القائمة على انتهاك حقوق الانسان، وقيادة الحزب الواحد للمجتمع والدولة، والرئيس المعين الى الابد باستفتاء صوري، والاقتصادية القائمة على عدم القدرة على ادارة اقتصاد البلاد وتنميته بكفاءة بسبب انتشار الفساد المالي والاداري، والاجتماعية القائمة على عدم التوزيع العادل للسلطة والثروة والفرص، والتي يرزح ويعيش تحت وطأتها الشعب السوري منذ انقلاب 8 آذار 1963 الأسود، لا يكون باستخدام أسلوب الافك والتدليس والتخويف واستخدام العنف المفرط والقاتل، ولا بالاحتفالات والعرضات المؤيدة المصطنعة، ولا بالوعظ والارشاد الديني والوطني والقومي الموجه من قبل رجال دين وصحفيين وسياسيين دجالين ومنافقين، يعملون بشكل مبتذل في خدمة النظام الشمولي، ولكن المطلوب رؤية عصرية جديدة يقبل ويثق بها الشعب السوري تستند على برامج جديدة تستوعب طاقاته، وسياسات جديدة تستجيب لاحتياجاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تقوم على احترام حقوق الانسان، والعدالة الاجتماعية، وعلى التعددية الفكرية والسياسية، والتداول السلمي للسلطة، وهذا لن يكون الا برحيل النظام .

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...