الرئيسية / صفحات الثقافة / هذا دمي.. فانتبهوا

هذا دمي.. فانتبهوا

 


رائد وحش

هذا دمي.. فانتبهوا

بكت المرأة على جهاز الصرّاف الآلي بعدما سحبت راتبها الشهريّ مع الزّيادة. المصطفون وراءها في الطابور نسوا أمر أموالهم وراحوا يهدئون من روعها. لم يحتج الأمر تفسيراً، جملةٌ واحدةٌ منها جعلت الدموع تلتمع في العيون: هذه الزيادة ممزوجة بالدم..

مثلها مثل كثيرٍ من السّوريين شعرت المرأة، للمرة الأولى ربما، أنّ زيادة دخلها الأقلّ من المشروعة ليست مشروعةً إطلاقاً.

مع إجهاشة بكاء حارقة قالتها؛ إنها تقبض ثمناً دفعه بعضٌ من أبناء بلدها، بالنيابة عنها وعن سواها، بينما هي تتلقى ما يشبه الدية، والجارح في حالتها أنها تغسل دماً لا تعرف أصحابه، كما يجب أن يحدث مع قابضي الديات عادةً.

في الوقت ذاته وقف كثيرون يشككون بنزاهة هذا الدم، مجمعين على أنه لا يروم سوى تخريب الأمن والأمان، وظلّوا، ربما لضبابية المشهد، ربما خوفاً، غير مصدقين أن دم أبناء البلاد الواحدة هو دم واحد، ولا تجوز إراقته بيد الأخ والقريب مهما كانت الأسباب.

لكلّ من هؤلاء أضع قصيدة أمل دنقل «عشاء» كونها تختصر كلّ ما أود قوله:

قصدتهم في موعد العشاءْ

تطالعوا لي برهةً

ولم يرد واحد منهم تحية المساءْ!

وعادت الأيدي تراوح الملاعق الصغيرةْ

في طبق الحساء

…………..

نظرتُ في الوعـــاءْ:

هتفتُ: «ويحكم.. دمي»

«هذا دمي.. فانتبهوا»

.. لم يــأبهوا!

وظلّت الأيدي تراوحُ الملاعق الصغيرةْ

وظلّت الشفاهُ تلعق الدماءْ!

الدّم.. الدّم.. أكل كل أحاديث الأيام الماضية، بل أكل الأيام الماضية، ولا تزال حياة الناس مشوبة بالخوف والقلق والترقب. بلد واحد يستولي عليه الخوف ذاته، فهناك من يبيح الدماء حقاً!!

صورة الشهيد التي نشرها له أصدقاؤه مع عبارات تليق بهذه التضحية لم تمنعني من الإعجاب بوسامته البالغة، ففي ذلك الجمال والشباب ما يكفي لرثاء الحياة نفسها.. وكنوع من استسقاء الفرح اشتريتُ قميصاً وبنطالاً وحذاءً من أفخر الماركات.. فعلتُ هذا البذخ بضميرٍ مرتاحٍ حتى أخفّف هول نزيف الدّم في الأخبار والنقاشات اليوميّة و.. المنامات!! فعلتها ليكون لي شرفُ الموت أنيقاً فيما لو أُطْلِقتْ رصاصةٌ آثمةٌ (مندسةٌ) نحو قلبي الضاحك.. فعلتها لأنّ غد القلوب الضاحكة دوماً أحلى..!

 

رائد وحش

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...