الرئيسية / صفحات مميزة / هل هي معركة أم بداية الحرب الايرانية الاسرائيلية – مجموعة مقالات –

هل هي معركة أم بداية الحرب الايرانية الاسرائيلية – مجموعة مقالات –

 

سورية تتلقى الضربات وإيران تحصد الغنائم/ برهان غليون

بعد أسبوعٍ عاصفٍ في السماء السورية، عاد الهدوء إلى العلاقات الإيرانية الإسرائيلية، وربما قريبا يجري التوصل إلى توافق بينهما، وسقطت أوهام كثيرين ممن اعتقدوا أن الحرب بين الدولتين قادمة لا محالة. ولا يخفى أنه من دون تشجيع إسرائيل، وغض نظرها، ما كانت طهران قادرةً على التمدّد في سورية، ومراكمة السلاح والقواعد العسكرية فيها، سبع سنين متواصلة، فتل أبيب تعرف أنه من دون طهران ما كان من الممكن لعملية التدمير المنظم لسورية، دولةً وشعبا، أن تستمر أو تحصل.

محور الصراع الذي تفجر اليوم بين طهران وتل أبيب يدور حول قطف ثمار هذه الحرب التي شنت بالتعاون ضمنا بين طهران وروسيا وإسرائيل والولايات المتحدة على سورية، وحوّلتها إلى فريسةٍ، تتنازعها ضواري المنطقة والعالم.

وعلى الرغم من عنتريات نتنياهو الاستهلاكية، ليس لإسرائيل مصلحة في شن الحرب على إيران ونزع سلاحها، باستثناء السلاح النووي الذي تريد الاحتفاظ باحتكاره في الإقليم. فهي بحاجة إلى طهران، للإبقاء على الحرب القومية والطائفية بين العرب والفرس، والسنة والشيعة، وتسعيرها، وتحييد عموم المنطقة عقودا طويلة مقبلة. لكن مصلحتها الأساسية تكمن في منع طهران من أن تستفيد من انهيار سورية لفتح جبهة حرب مناوشاتٍ وتسللٍ على حدود الجولان، تستخدمها، كما كان الأمر في جنوب لبنان قبل حرب 2006، للضغط على إسرائيل والغرب من جهة، ولتبرير سياساتها التوسعية في المشرق العربي واحتلالها سورية، والإبقاء على أسطورة “عقيدة المقاومة” التي تستند إليها في بناء شرعية نظامها، أعني عقيدة مقاومة الصهيونية والغرب، حية وفاعلة ثانيا، وللتغطية أخيرا على فشل سياستها الاجتماعية والاقتصادية، وتنامي التوترات في الداخل الإيراني نفسه ثالثا.

ولأن أحدا لا يريد التصعيد ولا الحرب، وإنما حصة أكبر من الفريسة السورية، وهذا ما أكد

عليه الطرفان بتصريحاتٍ علنية، جاءت الضربة الإسرائيلية ردا على صواريخ طهران على الجولان، كما وصفها محللون عسكريون إسرائيليون، متزنة، لا قوية ولا ضعيفة. ولترك باب التفاوض مفتوحا، قللت طهران أيضا من أهمية الضربة الإسرائيلية، واعتبرت أنها ليست معنية بها، وإنما كان هدفها سورية. ولذلك بدل أن ترد عليها عسكريا، أصدرت بيانا يدين انتهاك سيادة دمشق وحرمة أراضيها وحقها في الرد.

وفي السياق ذاته، قرّرت روسيا إيقاف صفقة تسليم صواريخ إس 300 لدمشق، كما نقلت صحيفة إزفيستيا الروسية عن فلاديمير كوجين، مساعد الرئيس فلاديمير بوتين الذي قال إن “لدى الجيش السوري بالفعل كل ما يحتاجه”.

إذا كانت طهران تريد من احتلالها سورية ضمّها إلى الهلال الشيعي، والوصول بحدود إمبراطوريتها الموهومة حتى شاطئ المتوسط، والتموضع، إذا أمكن، على حدود إسرائيل، لتبرير جميع مشاريعها السياسية والجيوسياسية والطائفية، فإن ما تسعى إليه إسرائيل، في هذه المواجهة العسكرية السياسية معا، هو أن تمنع طهران من تحقيق هدفها الثاني، وعدم السماح لها باستخدام العمليات العسكرية، ولو المحدودة، لتعكير صفو الأمن الإسرائيلي. لكن إسرائيل لا تمانع في أن تبقى طهران في سورية، وتشغل كل ميادين النشاط فيها، بل إنها تشجع عليه. وكل ما يهمها تأمين شريط حدودي على مدى 40 كلم من حدودها، خال من الوجود الإيراني، بالإضافة إلى القضاء على مخازن الأسلحة الاستراتيجية الإيرانية التي تهدد أمنها. أي تطبيق ما ضمن لها الأمن والاستقرار، بعد توقيع التفاهم في جنوب لبنان في 2006، والذي قضى على عمليات حزب الله تماما في شمال فلسطين المحتلة، ودفع مقاتلي هذا الحزب إلى المشاركة في احتلال سورية بعد سنوات قليلة من “البطالة الجهادية”.

السؤال: هل ستقبل طهران التراجع عن طموحاتها المعلنة بجعل جنوب سورية بديلا لجنوب لبنان، والتخلي عن فذلكة المقاومة التي تشكل موردها الوحيد لنيل الشرعية لمشروعها التوسعي والإمبراطوري والاستبدادي معا لدى الرأي العام العربي والإيراني؟ في اعتقادي نعم. ليس لطهران أي مصلحةٍ في أن تصعد وتدفع إلى الحرب. هي تقول علنا إنها تحتل سورية لتمنع عن نفسها الحرب وليس العكس. سوف تفاوض طهران على ما يمكن أن تبتلعه من الفريسة السورية، وهو أكبر بكثير مما يعتقد كثيرون، اقتصاديا واستراتيجيا واجتماعيا. هكذا تكون نغمة “المقاومة” قد حققت أهدافها، وحولت سورية إلى منطقة نفوذ إيرانية، بينما ستؤدي الحرب مع إسرائيل إلى إخراجها منها.

لكن، مهما كان الحال، سواء قبلت طهران تقاسم النفوذ من مستوى أدنى في سورية مع إسرائيل والدول الأخرى، بمفاوضات علنية أو سرية لا فرق، فقد جاء موقف النأي بالنفس الهزيل الذي اتخذته في المواجهة الأخيرة مع تل أبيب، وتحميلها المسؤولية فيها لحلفائها السوريين، لتكشف حقيقة سياسات المقاومة التي تدّعيها وغاياتها الحقيقية. وقد كانت الحصيلة الفعلية لهذه السياسات التي تتاجر بالمقاومة لتحقيق غايات مناقضة لها تماما:

  • تدمير سورية التي تشكل قاعدة العمل الوطني العربي لمواجهة إسرائيل في أي نظام قادم لا يراهن على بقائه عن طريق ضمان أمن إسرائيل.
  • تسميم علاقات الدول والشعوب في المنطقة بإشعال الحروب الأهلية الطائفية والقومية، في سورية ولبنان والعراق واليمن، وتمزيق نسيج شعوبها الوطني، لتمكين طهران من اختراقها وسوق شبابها في مليشيات مرتزقة بالآلاف على معارك استعادة عظمتها الإمبراطورية الدارسة.
  • تقويض نظام الدولة والقانون في المشرق، لصالح إطلاق قوى المليشيات والجيوش الخاصة التي لا تخضع سوى لإرادة أمرائها وتأويلاتهم الدينية أو ولاءاتهم القبلية.
  • تقديم الذريعة للدول الكبرى للتدخل في المنطقة، واستباحة سيادة بلدانها وتوسيع حضورها العسكري والأمني، كما لو أن الأمر تحول إلى عودة حكم الوصاية الأجنبية في عمومها.
  • دفع نظم عربية عديدة خائفة على نفسها من الاجتياح الإيراني إلى الارتماء على إسرائيل، ومد جسور التحالف السري معها، والإجهاز على تفاهم الحد الأدنى الذي كان قائما بين دولها للحفاظ على مقاطعة إسرائيل، وعدم التفريط بالحقوق الفلسطينية.
  • بدل أن تساهم سياسة “المقاومة” الطائفية التي نظمتها طهران وحلفاؤها في تحرير القدس، سرعت في عملية إلحاقها باسرائيل، وعطلت أي مساع إقليمية لمواجهة سياسة ترامب العدوانية.
  • وكانت الحصيلة النهائية لكل ما ذكر نصرا مجانيا مدوّيا لإسرائيل، على المستوى

“ليس لطهران أي مصلحةٍ

في أن تصعد وتدفع إلى الحرب”

الجيوسياسي والسياسي والمعنوي، لم تعرفه منذ إنشائها في 1948، ولم تكن تحلم به في أي احتمال.

هكذا أصبح بإمكان تل أبيب أن تطمح إلى لعب دور رئيسي في رسم مستقبل النظام الإقليمي الجديد، على حساب تفكّك المنطقة، وتدهور العلاقات الإقليمية بين دولها، وتنامي مشاعر العداء في ما بين شعوبها ومجتمعاتها. وهي التي تطمح إلى أن تحتل الموقع الذي خسرته طهران، بسبب سوء اختياراتها، قوة إقليمية شريكة الدول الكبرى في تقرير مصير المشرق ومصير بلدانه. ومنذ الآن، أصبحت تل أبيب الدولة الوحيدة التي تنسق مع القوتين الكبريين، روسيا وأميركا، وتضع شروطها في عملية ترتيب أوضاع سورية الجديدة النازفة، وتقاسم مناطق النفوذ فيها.

في المقابل، لم يبق لطهران التي حولت إسرائيل من بلد معزول وأجنبي في المنطقة إلى واحدة من الدول القليلة المقرّرة، مع أميركا وروسيا، لمستقبلها، من دور تحفظ لنفسها فيه بعض المكانة الإقليمية سوى تكملة سياسة إسرائيل، ومدّها بعوامل القوة والشرعية، من خلال النشاط الوحيد الذي أظهرت البراعة فيه، والذي ينسجم مع تفكير نخبتها السياسية الطائفية العقيمة القائمة: تسعير الخلافات والنزاعات القومية والدينية والسياسية داخل مجتمعات المنطقة، وفي ما بين شعوبها، وإشعال الحروب الداخلية وتمويلها، على حساب تحرّر الشعب الإيراني، واحترام حقوقه وازدهاره.

العربي الجديد

 

 

 

هل هو موسم قطاف الممانعة؟/ عمر قدور

تتجاهل طهران الإذلال المستمر جراء القصف الإسرائيلي المتواتر لمواقعها في سورية، وتترك لتابعها المحلي الإعلان عن حق الرد في الزمان والمكان المناسبين، الإعلان الذي لم يعد يعقب كل غارة لأنه سيكون بمثابة الاعتراف بها والانصياع من دون رد فعلي. التصدي، في الغارات الأخيرة، لبعض الصواريخ الإسرائيلية يعكس الفجوة التقنية بين الطرفين ما دامت الغارات تحقق أهدافها، وفقط بوسع أكاذيب الممانعة تصويره كفرض لقواعد اشتباك جديدة، من دون توضيح ما كانت تعنيه القواعد القديمة التي لا تُطلق فيها الدفاعات الجوية لاعتراض الصواريخ المهاجمة. إذاً، لا تريد طهران الانجرار إلى حرب مرغوبة إسرائيلياً، بينما الاستعراض الإسرائيلي يفسد عليها تبجح قادتها بالسيطرة على أربع عواصم عربية. الفجوة العسكرية التي ترجّح القوة الإسرائيلية ليست وحدها السبب، وقد سبق لحزب الله أن دخل معركة بالوكالة ولم تكن موازين القوى مختلفة. الإشارة إلى مشكلات نتانياهو مع القضاء وتلهفه إلى حرب خارجية، أو تركيبة اليمين الحاكمة، لا تكفي أيضاً لشرح الشهية الإسرائيلية للحرب ما لم يُنظر جيداً إلى الوضع الذي وصل إليه محور الممانعة.

وجه واحد من مآل محور الممانعة خسارته شعبيته لدى شرائح عربية، كانت ترى فيه مشروع مقاومة، ولا تتوقف عند البنية المذهبية التي تحكمه. لا شك في أن حرب هذا الحلف على السوريين كان لها فضل كبير في كشف أكاذيب «الطريق إلى القدس»، حيث اتضح أنه يمر ويتوقف فوق أجسادهم. إلا أن كشف الوجه الحقيقي لأهداف الحلف لا ينفصل عن انكشاف أدواته. فالميليشيات الشيعية التي خاضت الحرب بإشراف مباشر من قادة حرس الثورة أماطت اللثام عن الصندوق الأسود للميليشيات الشيعية. من الحشد الشعبي العراقي إلى الحوثيين وصولاً إلى حزب الله الذي تخلى عن تقيته السابقة، صار متاحاً لمن يشاء رؤية ما يعنيه الإرهاب الشيعي، وصار متاحاً لمن يشاء مقارنته مع نظيره السني ورؤية نقاط التشابه التي تفوق نقاط الاختلاف وتتفوق عليها.

بعض هذه التفاصيل لم يكن بالطبع غائباً عن مراكز القرار الدولي والإقليمي، إلا أن استعراض القوة الإيراني كشف كامل المخزون الاستراتيجي لميليشياته، والاستخدام المباشر كشف وجهها الأقبح وتعارضها مع مشروع استقرار تطمح إليه مراكز القرار. في الأصل كانت المفاضلة الدولية تنص على القبول بإرهاب شيعي منضبط بمرجعيته، بالمقارنة مع إرهاب عدمي لا يملك مرجعية تستطيع ضبطه ويمكن التفاوض معها. هذا واحد من أسباب تخوف الغرب من العمليات الإرهابية «السنية»، بينما طوي ملف عمليات إرهابية شيعية بسبب وضعها ضمن المواجهة بين طهران والغرب، أو بين طهران وتل أبيب، أي ضمن إطار سياسي مؤقت.

يتفاخر قادة إيران بقوتهم العسكرية وبحنكتهم السياسية اللتين فرضتا على الغرب تعاملاً «محترماً» معهم، في حين يرى بعض خصوم محور الممانعة أن الصعود الإيراني لم يكن ليحدث لولا الرعاية الأميركية تحديداً، وحتى وجود حزب الله في الجنوب يشكّل ضمانة أمنية بالمقارنة مع الفوضى المحتملة. بتنحية فرضية التآمر الأميركي على عرب المنطقة وسنتها، يمكن استرجاع تواتر السياسات الأميركية بعد الحرب الباردة، بين النزعة التدخلية ونزعة الانكفاء، وفي الأخيرة التي تعقب الأولى كانت ثمة حاجة إلى قوة موجودة على الأرض تملأ الفراغ الذي يخلّفه الانكفاء الأميركي، ذلك ما حدث في العراق مثلاً.

لقد بدا الأمر مشابهاً أيضاً في المثال السوري، فواشنطن في عهد أوباما كانت تتبع سياسة الانكفاء عن المنطقة ككل ولم تكن في وارد التورط على الطريقة العراقية أو الأفغانية، ومن وجهة نظر الإدارة الأميركية حينها لا بأس بنشوب حرب بين المتطرفين السنة والشيعة تنهكهما معاً. بالتأكيد لعب تلهف أوباما إلى إنجاز الاتفاق النووي لمصلحة طهران، ولهذا السبب عدّته الأخير انتصاراً كبيراً لها، فهو سمح بتضخم طموحاتها الإقليمية مع فك العزلة الدولية والعقوبات الاقتصادية. إلا أن سياسة أوباما لم تكن على نحو من التبسيط يتعاون مع النفوذ الإيراني كما حدث في العراق، وإلا لما وصل الأمر إلى طلب المؤازرة الروسية.

الحق أن التدخل الروسي قلب المعادلات السابقة، ورغم كل ما يمكن قوله عن علاقات أميركية- روسية متأزمة يبقى الوجود الروسي حلاً أفضل لسد الفراغ الناجم عن الانكفاء الأميركي، والانكفاء الغربي عموماً. مع الوجود الروسي تنتفي المفاضلة السابقة بين إرهابين شيعي وسني، وفيه ضمانة أفضل للجمهما معاً، والتخلص من تناحرهما. من هنا انتعشت التحليلات حول ما هو مطلوب من موسكو، لجهة استبعاد طهران عن التحكم بتنظيم الأسد، والمطروح لم يكن في أي وقت الانقضاض على السياسة السابقة برمتها، بل المطلوب من إيران الاكتفاء بنفوذها في العراق حيث تملك قاعدة شعبية له.

لقد كانت هناك فرصة قبل التدخل الروسي، لو امتلك حكم الملالي الحنكة المدّعاة، على قاعدة التخلي عن الأسد واستبداله بشخص آخر يحظى بقبول إيراني مع تقاسم النفوذ. الجشع إلى المزيد من السيطرة منع تسوية مشابهة في اليمن، وكان محتماً لمواجهة كسر العظم ألا تنتهي باكتساح المنطقة إيرانياً، فذلك دونه العديد من صراعات النفوذ الإقليمية والدولية. على عكس ما يشيعه محور الممانعة، يظهر اعتماده في هذا السياق على سياسة أميركية يظنها مستدامة سمحت له بملء الفراغ، وأيضاً على سياسة إسرائيلية يظنها مستدامة تسمح له القيام بدور العدو والشرطي على الحدود معاً، بينما كانت تل أبيب تنجز قبتها الحديدية تحسباً لمثل هذه اللحظة.

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، محور الممانعة جاهز للقطاف. على الصعيد الشعبي في عموم المنطقة، الانتصار الوحيد الذي حققه أخذ مكانة العدو الوجودي من إسرائيل، بينما الميليشيات الشيعية ومقدرات الحرس الثوري تحت وطأة حَرْبي استنزاف في سورية واليمن. ما يمدّ في عمر المحور عدم وجود رغبة أميركية أو إسرائيلية في إشعال حرب ضخمة، والاقتصار على ضرب الأذرع الإيرانية في المنطقة مع حصار المركز اقتصادياً وتقنياً. هذه السياسة تعني تخيير طهران، وفق قاموسها المحبب، بين نصر إلهي جزئي أو نصر أقسى وأمرّ. استهلاك الوقت في انتظار مجيء أوباما جديد وصفة ثالثة، لو أن الآخرين ينتظرون أيضاً.

الحياة

 

 

تغيير السلطة الإيرانية/ عمار ديوب

شكل القرار الأميركي بالانسحاب من الاتفاق النووي جديداً نوعياً لتحجيم السلطة الإيرانية، ومن ثم تغييرها، ليس في المنطقة العربية بل في إيران نفسها. العرب وليس السنة كما يشاع، متضرّرون من الوجود الإيراني. وفي سورية هناك رفض شعبي واسع لها. إسرائيل التي هي كيان استعماري ترفض أي تمدّد إقليمي لإيران، ولا سيما في سورية ولبنان. إيران التي لم تستطع إنقاذ النظام السوري من السقوط، واستعانت بروسيا لصناعة قدمين له، لا يمكنها فرض شروطها على العالم والوجود في سورية باعتبارها دولة إقليمية قوية!

كان التلاعب الايراني في المنطقة بسبب السياسة الأميركية الانكفائية والاستيعابية في آنٍ واحد، والتي أتاحت لها دوراً مركزياً في العراق، وفي سورية واليمن، وقبل ذلك في لبنان. أعطت السياسة هذه لإيران أوهاماً كبيرة، لا سيما بعد توقيع الاتفاق النووي 2015، وأنّها أصبحت دولة إقليمية ونووية مستقبلاً. مشكلة إيران الأصلية في أنّها دولة “طائفية”، أي لا تمتلك تطوراً صناعياً أو عسكرياً يتيح لها فرض نفوذها إلا وفق الطرق القروسيطة. “فجيعتها “أن الطائفية باعتبارها سياسة “إقليمية” لا تضمن لها النفوذ، ولا سيما في سورية واليمن؛ وإذا كان ذلك ممكناً في العراق أو لبنان، فإن الأمر يظل عصياً في كل هذه الدول، حيث الانتماء القومي أقوى من الديني. أيضاً، الناس لا يعيشون من خلال الطائفية، بل عبر عوامل الاستقرار؛ فأي استقرارٍ ستوفره إيران لهم؟ هنا مشكلة كبيرة، فإيران لا تمتلك ذلك في المناطق التي فيها شيعة فكيف في المناطق التي تحاول تشييعها. لم تعد مشكلة إيران الآن مع الشعب السوري الذي رفضها، وهي لن تجد حماية من الروس، فالأخيرون أيضاً أصبحوا متضرّرين من سياساتها في سورية؛ الأسوأ لها، أن وجودها مرفوض أميركياً وإسرائيلياً. بدمار سورية وتخريبها، يصبح من مصلحة إسرائيل وأميركا طردها من سورية خصوصا. أيضاً بتلاشي “داعش” لم يعد

“إيران لا تمتلك إلا سياسات تُجذر ما هو معاكس لمصالحها، أي الطائفية والتهجير والقتل”

لإيران كقواتٍ برية في الحرب أهمية تذكر في كل من العراق وسورية؛ إذا ليس أمامها إلا التحول إلى السياسة، فهل في مقدورها إنشاء قوى سياسة عربية تابعة لها. وهل يمكن لدولة كإيران أن تتحول نحو ذلك، كما يكتب بعضهم إن إيران تنتصر بحزب الله، وبأحزاب طائفية في العراق. إيران هذه في أزمة اقتصادية عميقة، وكانت هناك بوادر ثورة شعبية، واتهامات طاولت المرشد “المقدس” نفسه، وطاولت الدعم الذي يقدم لهذه الأحزاب، وفي لبنان وسورية خصوصا (!). إيران التي سقطت إيديولوجيتها الاسلامية، ولم يعد لوجودها الخارجي من مبرّرٍ شعبي، سقطت كذلك سياساتها الطائفية في كل من سورية واليمن. إن كل محاولةٍ لإظهار تشييع إيران لسوريين كثيرين، وأن ذلك ترسيخ لها في سورية هو بمثابة وهم كبير. هي تفعل ذلك فعلاً، لكن ذلك يظل هامشياً. الإشكالية هنا أن إيران لا تمتلك إلا سياسات تُجذر ما هو معاكس لمصالحها، أي الطائفية والتهجير والقتل؛ هذه السياسة كما قلت مرفوضة بالكامل سوريا وإقليمياً ودولياً.

الجديد بعد خطوة ترامب، والتي تتضمن إعلان حربٍ مقبلة، وأن على إيران أن تتخلص من النووي والباليستي والدور الإقليمي. الجديد هو التوافق الروسي الإسرائيلي على تحجيم إيران في سورية، وهو ما قُرئ من خلال الضربات الجوية الواسعة للوجود الإيراني في سورية ليلة 10 مايو/ أيار 2018، وهذا سيليه سياسة جديدة، تستهدف كل الوجود الإيراني وتضيّق عليه. لم يعد في مقدور إيران الآن التنديد بالروس، لأنهم لا يقفون ضد التدخل الإسرائيلي في سورية، وهي أيضاً ليس في مقدورها شن حربٍ حقيقية ضد إسرائيل من سورية، وكذلك ليس من لبنان. لو فعلت ذلك ستكون هناك بوادر حرب إقليمية واسعة ودولية، وستطاول الداخل الإيراني ذاته.

إيران الآن محاصرة بالكامل. وجودها في العراق ولبنان “لإزعاج” الأميركان والإسرائيليين، لن يكون مفيداً ما دامت كل من روسيا وإسرائيل وأميركا متضرّرة من سياساتها، ولا يغير من ذلك اختلاف أسباب التضرّر. ليست أوروبا في موقعٍ قوي لتواجه أميركا، وستخضع شركاتها الموجودة في إيران للعقوبات الأميركية بدورها، والتشاور الأوروبي الإيراني والتنديد بإلغاء الإتفاق النووي ليس له أية قيمة حقيقية، وكذلك لو انسحبت إيران من الاتفاق النووي الذي أصبح ميتاً. ربما انسحابها سيوفر فرصة ثمينة للأميركان لشنِ حربٍ شاملة، تستهدف نظام ولي الفقيه وتغيّره بالكامل.

ذهاب كوريا الشمالية إلى عقد اتفاقٍ يُنهي البرنامج النووي لديها مع الأميركان والبدء بتنسيق علاقاتها مع الجنوبية وأميركا، يدفع أميركا للتشدّد إزاء نظام ولي الفقيه. وبالتالي، ليس من عودة عن إعادة هيكلة هذا النظام بأكمله، وتحويله إلى دولةٍ ضعيفة ومنزوعة الأسنان النووية والبالستية والدور الإقليمي، وربما تغييرات داخلية كالتي تجري في السعودية. إيران مضطرة وبسبب أزمتها الداخلية والضغط الدولي ضدها لتغيير ذاتها.

إذاً لن يكون هناك وجود إيراني كبير في سورية. التوافقات الإسرائيلية مع الروس ستعطي للأخيرين الدور الاساسي في سورية، وهذا لا يرفضه الأميركان، وهنا ربما سيكون الاتفاق بإخراج إيران، وبشرعنة دور أساسي للروس في سورية. إذاً إيران التي تحيك السجاد “السياسي” جيداً، استُخدمت في حربٍ طويلةٍ في سورية، وذلك لتجهيز الأرض لاحتلالات متعددة للروس والأميركان والصهاينة والأتراك. إيران ستخسر كثيراً إذا لم تحاول فهم المرحلة الجديدة؛ أي أن ترامب يريد تحجيم السلطة الإيرانية ذاتها وإحداث تغيير كبير فيها.

إيران المأزومة معنيةً بتغيير ذاتها، فهل نظام ولي الفقيه يستطيع ذلك؟ هل في مقدوره إجراء تغييرٍ كبير في سياساته الخارجية والداخلية ليتوافق مع السياسات الدولية والإقليمية؟ أغلب الظن لن يتخلى عن سياساته القديمة، ومحاولاته لإرضاء أميركا بأقل مما ذكرت أعلاه ستدفع أميركا، ليس لتشديد الحصار عليها والعقوبات، بل وربما لحربٍ صغيرة تطاول أهم مؤسساتها العسكرية، وربما لحربٍ واسعة تستهدف نظام الحكم الذي أصبح مرفوضاً من أكثرية الشعب الإيراني، والذي قام بثورة خضراء ضد نظام الحكم 2009، وبثورة شعبية في أواخر عام 2017 وتم إخمادهما.

العربي الجديد

 

 

 

إيران وغلطة الشاطر/ بكر صدقي

ما جرى ليلة الخميس، العاشر من أيار الجاري، أشبه ما يكون بكمين نصبته إسرائيل ببراعة لإيران، فوقع فيه الأخير بسذاجة، ودفع ثمناً كبيراً جداً، قد يشكل بداية العد التنازلي للطموحات الإمبراطورية الإيرانية. إذا صدقنا ما أعلنه وزير الحرب الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان بشأن عدد الغارات الجوية والصاروخية، وخارطة الأهداف التي دمرتها، في تلك الليلة الطويلة، فنحن أمام ضربة قاصمة للوجود الإيراني في سوريا، بعد سبع سنوات من العمل الدؤوب والاستثمارات المادية والبشرية الكبيرة التي تنكبتها دولة الولي الفقيه لحماية رجلها في دمشق والسيطرة على مفاصل الحكم وبقايا الدولة.

فقد واظبت إسرائيل على استفزاز إيران، من خلال ضرب مواقعها العسكرية في سوريا، طوال السنوات السابقة، وتوجتها بقصف مطار تيفور الذي يشكل مركز التحكم بالطائرات بدون طيار الإيرانية، عشية الضربة الثلاثية، الأميركية – الفرنسية – البريطانية، لمواقع تابعة للنظام الكيماوي يعتقد أن لها علاقة بتصنيع السلاح الكيماوي، حيث قتل سبعة خبراء عسكريين إيرانيين بينهم ضابطان برتب كبيرة. وقتها أطلقت طهران تهديدات بالرد، أخذتها إسرائيل “على محمل الجد” كما قال مسؤولوها في عدد من تصريحاتهم.

وهكذا تواصل “التسخين” من خلال تصريحات الطرفين، إلى أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب انسحاب بلاده من الاتفاق النووي مع إيران. فكان هذا الإعلان بمثابة الضوء الأخضر لإسرائيل، أو هكذا تعاملت معها حكومة نتانياهو، فقامت بضرب موقع إيراني في منطقة الكسوة قرب العاصمة السورية دمشق.

بلعت طهران الطعم، وأطلقت نحو عشرين صاروخاً من نوع غراد نحو مواقع عسكرية في هضبة الجولان المحتلة، سقط معظمها على الجانب السوري من الحدود، ودمرت الدفاعات الجوية الإسرائيلية العدد القليل الذي تمكن من تجاوزها.

واضح من الرد السريع والشامل أن الإسرائيليين قد حددوا مسبقاً الأهداف وخطة الهجوم، وكانوا بانتظار الذريعة لتنفيذها، بدعوى أن هجومهم هو “دفاع عن النفس”!

الواقع أن الخيارات أمام طهران كانت محدودة للغاية. إما أن تواصل إدارة خدها الأيسر كلما تلقت صفعة من إسرائيل على خدها الأيمن، أو تقوم بعمل دعائي يغطي، لبعض الوقت، على تخاذلها المديد أمام إسرائيل. ربما ظنت طهران أن عملية رمزية كإطلاق بضعة صواريخ غراد غير مؤذية لن تستثير ردة فعل إسرائيلية، أو أن يكون الرد الإسرائيلي، إذا حدث، متناسباً مع الهجوم الهزيل المصمم من أجل استهلاك إعلام الممانعة. في حين أن الإسرائيلي كان يستدرجها، وليس بعمليات إعلامية، بل بضربات موجعة، إلى الفخ الذي وقعت فيه كما خطط الإسرائيلي وتوقع.

لقد خالف الإيرانيون تلك القاعدة البسيطة والمهمة في الوقت نفسه، في السياسة كما في لعبة الشطرنج أو الملاكمة: لا تتصرف كما يتوقع لك خصمك أن تتصرف!

الأخطر من ذلك أن الرد الإسرائيلي المدمر جاء متزامناً مع زيارة نتانياهو إلى موسكو، في رسالة واضحة لا لبس فيها: لن تدافع روسيا عن حليفها الإيراني حين تهاجمه إسرائيل في سوريا. كان أحد إمعات إعلاميي الممانعة يكاد يبكي تأثراً، على شاشة بي بي سي العربية، وهو يعبر عن استغرابه وصدمته من الخذلان الروسي لإيران.

وقد فسر بعض المحللين هذا التخلي الروسي على أن بوتين يريد – هو نفسه – قصقصة أجنحة إيران في سوريا، ليستفرد بالسيطرة عليها دون منافس، بخاصة وقد كاد دور الميليشيات الشيعية متعددة الجنسيات أن ينتهي، بعدما سيطر النظام على محيط دمشق والقسم الأكبر من مساحة “سورية المفيدة”. لكن الأقرب إلى المنطق هو أن قرار ترامب الأحادي بالانسحاب من الاتفاق النووي هو ما دفع الكرملين إلى إعادة النظر في تحالفه مع طهران. ومثال استسلام زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون يشكل عبرةً وجدت صداها حتى في طهران نفسها.

فبعد “غلطة الشاطر” التي كلفت إيران تدمير جميع قواعدها العسكرية في سوريا، وصلت الرسالة وفهم الإيرانيون مدى الخطر الذي يواجهون، فتبرؤوا من إطلاق صواريخ الغراد، وزعموا أنه لا قواعد عسكرية لهم على الأراضي السورية أصلاً لكي تدمرها إسرائيل. تاركين نظام “الحيوان” في دمشق في مواجهة مصيره وحيدا: (السوريون هم الذين أطلقوا الصواريخ!) قال الإيراني مذعوراً مضبوعاً بحصيلة خسارته الكبيرة. و(أصلاً لا قواعد عسكرية لدينا في سوريا) كأنه يتعهد بذلك بعدم إقامة قواعد جديدة بدلاً من تلك التي تم تدميرها، أي ما يقارب الوعد بالانسحاب من سوريا.

وهنا جاء الدور مجدداً على الإسرائيلي ليخاطب النظام الكيماوي ويلقنه خلاصة الدرس مما حدث: (عليك أن تبعد الإيراني عن سوريا، لكي لا تتعرض لأي أذى!). المهمة أنجزت، إذن، بتضافر ثلاثة عوامل: ضوء أخضر أميركي من خلال قرار ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي، وضوء أخضر روسي أثناء زيارة نتانياهو لموسكو، وقرار إسرائيلي حازم بمنع إيران من الاستيطان العسكري في سوريا.

ترى هل تختصر طهران درب الآلام على نفسها، كما فعلت كوريا الشمالية، فتوافق على إعادة النظر في الاتفاق النووي، مع شروط أكثر تشدداً، مقابل بقاء النظام؟ هذا غير مستبعد، بالنظر إلى النزعة البراغماتية الإيرانية التي جعلت الإمام الخميني يتجرع كأس السم ويوافق على وقف الحرب مع العراق في 1988.

قبل “ليلة الصواريخ” الطويلة، كنت ميالاً إلى توقع مماحكة إيرانية طويلة في مواجهة قرار ترامب. لكن ما حدث في تلك الليلة، وردة الفعل الإيرانية المذعورة، قلبا التوقعات وأظهرا ما لم يكن منظوراً.

تلفزيون سوريا

 

 

 

تعمّق ورطة إيران في سورية/ غازي دحمان

اشتغلت إيران، في السنوات السابقة، في سورية، تحت سقف خسائر مقبولة الاحتمال، وكلما كانت الخسائر تتوزع على وكلائها وحجم مصاريفها المالية كان مستوراً، فإن هامش المناورة للنظام الإيراني، داخلياً وخارجياً، كان بأمان، وسمح لقادة إيران بالتفاخر بتوسع نفوذهم ليشمل العواصم الأربع الكسيرة.

بيد أنه، ومع تواتر الضربات الإسرائيلية، المؤلمة، وخسارة إيران الكثير من كوادرها ومخازن أسلحتها، بدأت تتجمع خطوط ورطة تتعمَق فيها طهران، ولا يبدو أن إيران قادرة على وقف انحدارها السريع إلى قعرها، ولا إسرائيل لديها الرغبة في وقف غاراتها، بل إن هذه الأخيرة فرضت قاعدة اشتباك في سورية تقوم على حقّها في ضرب أي هدف إيراني تشتبه إسرائيل أنه سيشكل جزءاً من البنية التحتية للوجود الإيراني، أينما كان ذلك في الجغرافية السورية.

وكانت الذهنية الإيرانية ذهبت إلى اجتراح إستراتيجية عسكرية لترسيخ نفوذها في سورية وفرضه كأمر واقع، وذلك من خلال بناء أنساق دفاعية من الشمال والغرب والشرق إلى الجنوب، وليس العكس، وذلك لتجنّب استهداف إسرائيل لمواقعها، وعلى هذا الأساس، شيّدت إيران قواعدها الكبيرة في جبل عزان في حلب واللواء 47 في حماة، ومطار التيفور في البادية، فضلاً عن مواقع في حمص والقلمون الغربي، وعندها لن يكون مهماً زراعة قواعد أخرى في الجنوب، أو في منطقة الحرم المتفق عليها، مسافة الأربعين كيلومتراً، لأن تزويدها بالأسلحة والكوادر سيكون متيسراً في أي وقت.

أرادت إيران استثمار مظلة الحماية الروسية على مناطق وسط وغرب سورية، أو بمعنى أدق، استغلال واقع أن هذه المناطق تقع في نطاق عمل القوات الروسية، وفي شكل أوتوماتيكي، تقع في مجال أسلحة دفاعها الجوية، ما يصعّب على إسرائيل، وحتى أميركا، إمكانية استهداف هـذه المواقع ويضعها في أمان مديد.

غير أن إسرائيل وعت هذه الإستراتيجية، من منطلق إدراكها أن الجغرافية السورية صغيرة لدرجة يمكن للإمدادات الإيرانية أن تصل لجبهات درعا والقنيطرة في ساعات محدودة، وأنه من الأفضل ضرب تلك القواعد قبل أن يتم تحصينها، من دون الانتظار لضرب خطوط الإمداد التي ستقيمها إيران بين القواعد والجبهات، كما حرمت إيران من ميزة الحماية الروسية جراء اتفاقات بين موسكو وتل أبيب تضع الأمن الإسرائيلي في مستوى الخطوط الحمر غير المسموح تجاوزها، ومن الأراضي السورية على وجه التحديد.

تتمثل ورطة إيران الحالية من كونها جهة غير مجهّزة لاستعمار دول وشعوب بقواها الذاتية، ربما تصلح لدور شبيه بالدور الذي لعبه نظام الأسد في لبنان، لكن ذلك يستدعي وجود موافقة دولية وإقليمية، وموقف منزوع الانحيازات الطائفية، ولا يمكن في هذه الحالة استنساخ تجاربها في لبنان والعراق، ولا حتى اليمن، بل من الممكن أن تتحوّل هذه التجارب إلى سقطة خطيرة لما تنطوي عليه من خداع، ذلك أن إيران في سورية مضطرة إلى نزع قفازاتها وإجراء الترتيبات في شكل مباشر وليس مجرد الإشراف عليها.

وفوق ذلك، لا تملك إيران الأدوات الكولونيالية اللازمة لاستعمار شعب خارجي، فلا هي دولة متحضّرة لتدعي التنطح لمهمة تحضير أي شعب، ولا هي دولة ذات نموذج حياة وإدارة سياسية تستدعي من الآخرين اللجوء إليها وطلب حمايتها، إضافة إلى ذلك لا إمكانات لديها للدخول في صراعات إقليمية ودولية كبرى، لكنها وجدت نفسها في هذا الخضم من دون استراتيجية خروج، بالأصل دخولها على سورية تدرّج على شكل ورطة وغرق ولم يكن له تصور واستراتيجية واضحة، أخذ شكل مساعدات استخبارية من واقع خبرتها في قمع انتفاضة، 2009 ثم إرسال مستشارين عسكريين لغرف عمليات نظام الأسد، نتيجة ضعف الخبرة لدى ضباط الأخير، ثم الاستعانة بحزب الله، ثم الميليشيات العراقية والأفغانية والباكستانية وتبعه دخول الحرس الثوري.

عملانياً، تتجسد الورطة الإيرانية في المفاضلة بين الرد على إسرائيل، وبين إدراكها أن الأوضاع في سورية ما زالت تحتاج لترتيبات كثيرة حتى تستقر الأمور لإيران، حيث تفضل إيران استيعاب الضربات الإسرائيلية، التي على رغم تأثيراتها المؤلمة، إلا أن إيران تستطيع، عبر المثابرة، تكريس نفوذها في سورية والمنطقة وفرض نفسها كقوّة أمر واقع، في حين أن الاستعجال في مواجهة إسرائيل من شأنه تقويض المشروع الإيراني برمته.

لكن في كلا الحالتين، لا يبدو أن المشروع الإيراني سيعمل بانسيابية وسهولة كما كانت تقديرات القادة الإيرانيين تتصوره، والواضح أن حسابات الإيرانيين لا تتطابق كثيراً مع الواقع الذي تفرضه إسرائيل، حيث لن يبقى نفوذ لإيران في سورية في ظل حالة الاستنزاف التي تفرضها إسرائيل، كما أن هذا الواقع سرعان ما ينعكس على الداخل الإيراني، الذي يراقب مذلة حكامه الذين يتنمرون عليه ويبدون كالقطط الوديعة أمام إسرائيل، والواقع أن سابقة إذلال بشار الأسد وانسحاب جيشه المخزي من لبنان كانت من العناصر التي شكلت محركاً للثورة السورية.

* كاتب سوري

الحياة

 

 

 

طهران وتل أبيب حول إنقاذ الجندي الأسد: شقاق بعد اتفاق/ صبحي حديدي

أصاب المؤرخ الفرنسي جان ـ بيير فيليو حين اعتبر أنّ رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، «يواجه صعوبة في التكيّف مع واقع أنّ القوة الإيرانية باتت على مقربة من حدود إسرائيل أكثر من أي وقت مضى، نتيجة لسياسته التي اتسمت بقصر النظر والتي تمثلت في اعتبار نظام الأسد، أهون الشرّين، لا بل حتى أحد الحصون الضامنة للاستقرار». وبالفعل، في مناخات المنازلة العسكرية الراهنة بين طهران وتل أبيب على أرض سوريا، والتي تنطوي على احتمالات الانقلاب إلى حرب مفتوحة يمكن أن تشمل لبنان، وقد تنتقل إلى إيران ودولة الاحتلال؛ يسدد نتنياهو، والغالبية الساحقة من جنرالاته ومدراء أجهزته الاستخبارية، أثمان خيار مبكر فاضل بين آل الأسد وأيّ بديل آخر، فاستقرّ على «الشيطان الذي نعرف»، الذي يظلّ أكثر ضماناً من أيّ «شيطان» لا نعرف بعد.

والحال أنّ أهل هذا الخيار، وهم كثر بالطبع، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، سبق أن سددوا بعض الأثمان في صعود «داعش»، وفي امتداد توحشها إلى قلب عواصمهم؛ وها أنهم اليوم يستعدون لتسديد المزيد مع «صحوة» نتنياهو على مدى التوغل الإيراني في عمق ما تبقى من بنية عسكرية وأمنية تابعة لآل الأسد؛ وقرار الرئيس الأمريكي بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب وما سوف يقترن بالقرار من خسائر فادحة لعشرات الشركات الأوروبية العملاقة التي استأنفت التعامل مع الاقتصاد الإيراني؛ ثمّ ما يُنتظر من «فيلق القدس» على صعيد التسخين العسكري ضدّ المحور الأمريكي ـ الإسرائيلي، ليس في سوريا وحدها بل في العراق ولبنان أيضاً، وجبهات أخرى تبدو ساكنة لكنها قابلة للإشعال والاشتعال عندما تقتضي الحاجة. وليست مفارقة، إلا عند السذّج بالطبع، أنّ رامي مخلوف، ابن خال الأسد وصيرفي العائلة وتمساح الفساد الأشرس والأقذع، كان أوّل من أنبأ العالم، منذ أيار (مايو) 2011، بأنّ استقرار إسرائيل مرتبط باستقرار النظام السوري.

مفارقة مضحكة، في المقابل، أن يصرّح وزير الطاقة الإسرائيلي، يوفال شتاينتز، أنه «لو سمح الأسد لإيران بأن تحيل سوريا إلى قاعدة عسكرية ضدنا وتهاجمنا من الأراضي السورية، فإن عليه أن يعلم أنّ هذه نهايته ونهاية نظامه ولن يبقى حاكماً لسوريا أو رئيساً لسوريا». ذلك لأنّ دولة الاحتلال ذاتها، وليس الأسد وحده، سمحت بتحويل سوريا إلى قاعدة إيرانية غير مباشرة عبر «حزب الله»، ثمّ قاعدة إيرانية مباشرة عبر الجنرال قاسم سليماني، ثمّ قاعدة روسية منذ أيلول (سبتمبر) 2015؛ من منطلق النظرية إياها: أنّ نظام آل الأسد هو الشيطان الذي عرفناه واختبرناه منذ سقوط الجولان، حين كان الأسد الأب وزير الدفاع؛ مروراً باتفاقية فكّ الاشتباك، 1974، التي حالت دون إطلاق بندقية صيد في طول الجولان المحتلّ وعرضه؛ وصولاً إلى سحب وحدات النظام من مواقع انتشارها على خطوط الجبهة مع الاحتلال، وتوجيهها إلى الداخل السوري لقمع التظاهرات السلمية وقصف القرى والبلدات والمدن.

كذلك يتجاهل شتاينتز (إذْ لا يعقل أنه يجهل، وهو العضو في الحكومة الأمنية المصغرة، وشغل في الماضي وزارات حساسة مثل الاستخبارات، والعلاقات الدولية، والشؤون الستراتيجية…)؛ أنّ الأسد لم يختر طائعاً تحويل الوجود العسكري الإيراني إلى قاعدة آخذة في الاتساع والتضخم، بل كان في هذا مرغماً، غير كارهٍ بالطبع؛ تماماً كما كانت عليه حاله حين اقتيد إلى موسكو للتسليم بكلّ ما اشترطه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبيل التدخل العسكري الروسي المباشر. ومثلنا نحن السوريين، ومثل العالم بأسره، لا بدّ أنّ شتاينتز قرأ تصريح علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى علي خامنئي، أنه «لولا الدعم الإيراني لسقط نظام بشار الأسد خلال أسابيع»؛ أو تصريح وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بأنّ «دمشق كانت ستسقط خلال أسبوعين لولا تدخلنا». فإذا كانت إيران عامل إنقاذ لنظام «أهون الشرّين»، الذي تحرص إسرائيل أيضاً على إنقاذه، وعلى بقائه؛ فإنّ شتاينتز يُغفل هنا هذه الحقيقة البسيطة: لقد تطابقت أغراض طهران وتل أبيب، يومئذ، حول إنقاذ الجندي الأسد!

.. ثمّ تقاطعت الأغراض، بعدئذ، أو تناقضت في قليل أو كثير، حين مارست طهران حقها في البناء على كلّ قطرة دم خسرتها دفاعاً عن نظام الأسد، وحين تمسكت بكلّ مكسب جنته أو يتوجب أن تجنيه لقاء الجهود العسكرية والمالية الهائلة التي بذلتها في سوريا منذ عام 2012 على وجه التحديد، حين تلقى حسن نصر الله التكليف الشرعي من وليّه الفقيه بنقل «بندقية المقاومة» من الجبهة ضدّ إسرائيل إلى الجبهة ضدّ انتفاضة الشعب السوري. فهل توقع نتنياهو أن تلتزم طهران بما جمعها مع إسرائيل من توازن، خفيّ في معظم بنوده ومعلَن في قليل منها، منذ فضيحة «إيران ـ كونترا»، 1985؛ حين عقدت إيران اتفاقاً مع إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان (أو «الشيطان الأكبر» دون سواه!)، لتزويدها بأسلحة متطورة في حربها مع العراق، لقاء إطلاق سراح رهائن أمريكيين كانوا محتجزين في لبنان. يومها كان أري بن ميناش، المندوب عن المخابرات الإسرائيلية، حاضراً في جلسات التفاوض الأمريكية ـ الإيرانية التي شهدتها العاصمة الفرنسية باريس، لأنّ دولة الاحتلال كانت هي المكلفة بنقل شحنات الأسلحة؛ ويومها، أيضاً، كان تطابق المصالح بين طهران وتل أبيب هو سيد اللعبة.

اتفاق، إذن، توجّب أن يعقبه شقاق تلقائي حين أخذت برامج إيران تتجاوز إنقاذ نظام الأسد، إلى بناء منظومة جنينية مرشحة للتطوّر إلى ما يشبه سيرورة هيمنة «حزب الله» على الحياة السياسية والاجتماعية والعسكرية والأمنية في لبنان. وهذا في ذاته تطوّر جدير بإثارة قلق نتنياهو وجنرالاته في الجيش والاستخبارات، فكيف إذا اقترن بخطوات ملموسة على درب تطوير الصناعة البالستية الإيرانية إلى مستويات أرقى ليست بالغة الخطورة على جميع أراضي دولة الاحتلال فحسب، إذْ كان هذا الخطر ماثلاً أصلاً في كثير أو قليل؛ بل كذلك في ارتقاء التصنيع الصاروخي إلى مستوى حمل رؤوس نووية، قد تطيح في أية لحظة بالدرجة صفر من التوازن، المعيار الذي حكم التسابق الذرّي منذ هيروشيما وناغازاكي. وكيف إذا كان النظام، الذي ضمن صمت المدافع المطبق في الجولان المحتل منذ 1973، لم يعد هو الناظم الأول للسلطة في سوريا، فتبعثرت هذه بين طهران وموسكو وما هبّ ودبّ من ميليشيات جهادية ومذهبية.

جدير بالانتباه، أخيراً، أنّ الجولة الأحدث من عمليات القصف الكثيفة التي نفذها الطيران الحربي الإسرائيلي ضدّ مواقع إيرانية في سوريا، تمّت بعلم موسكو كما أعلن مسؤولون في دولة الاحتلال. وليس في هذا أيّ جديد، بالطبع، إذْ ظلت الرادارات الروسية صمّاء عمياء أثناء عمليات إسرائيلية مماثلة؛ ما خلا أنّ نتنياهو كان في موسكو، كتفاً إلى كتف مع بوتين، أثناء تنفيذ الضربات الأوسع. في عبارة أخرى، ليس منافياً للمنطق أن يكون الكرملين سعيداً بالضربات الإسرائيلية التي تستهدف تهميش الوجود العسكري الإيراني في سوريا، فهذا مآل يخدم الاستثمار الروسي هنا، على المدى القريب والبعيد معاً؛ خاصة في ضوء التقارير المتزايدة التي تتحدث عن منافسة شرسة بين موسكو وطهران على اكتساب، أو تجنيد، الميليشيات المنتشرة كالسرطان في الساحل السوري.

وما دامت فواتير مبدأ «الشيطان الذي نعرف» مستحقة الدفعة، فلا غرابة أن تسير المقايضات على هذه الشاكلة المتشابكة، الشعواء.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

القدس العربي

 

 

 

 

التوتر الإسرائيلي الإيراني إلى أين؟/ حسين عبد العزيز

ليس مهما ما إذا كانت الأدلة التي كشف عنها رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، حيال البرنامج  النووي الإيراني صحيحة أم لا، وليس مهما ما نقلته وسائل إعلام عبرية أخيرًا عن مصادر أمنية وعسكرية إسرائيلية من أن إيران تستعد لشن ضربات صاروخية عبر قوات موالية لها في سورية ضد إسرائيل.

المهم هو هدف البروباغندا السياسية/ الإعلامية التي تسعى وراءها حكومة الاحتلال في هذا التوقيت ضد إيران، هل هي نابعة فعلا من خوف إسرائيل من ردة فعل عسكرية إيرانية لم تظهر إلى الآن بوادرها؟ أم هي مقدمات تمهيدية، تشرعن قيام إسرائيل بعمل عسكري ضد إيران في سورية أو لبنان؟

قواعد الاشتباك الحالية بين الجانبين غير مريحة لكليهما، على الرغم من أن إسرائيل تمتلك مساحة واسعة في التحرّك، في حين لا تمتلك إيران مثلها.

وبالنسبة لإسرائيل، لا تؤدي ضرباتها المتكرّرة إلى إضعاف الحضور العسكري الإيراني في سورية، ولا تمنع من نشر إيران أسلحة ومعدات متطورة، ولا يبدو هذا الهامش الإسرائيلي من التحرك كافيا لإسرائيل، لأنه قد يتغير في أي لحظة إذا ما قرّرت روسيا، لأسباب عدة، التدخل في المعادلة ومنع إسرائيل من القيام بعمليات عسكرية نوعية في سورية.

وبالنسبة لإيران، فإن قواعد الاشتباك الحالية، وإن كانت لا تمنعها من تعزيز وجودها في سورية، إلا أنها لا تسمح لها بالرد عسكريا على الهجمات الإسرائيلية لأسباب كثيرة، بعضها قانوني وسياسي مرتبط بطبيعة النظام الدولي، وبعضها الآخر مرتبط بموازين القوى العسكرية بين الجانبين. وأمام هذا الوضع، تبدو إسرائيل مصممة على استغلال الظرف الإقليمي ـ الدولي الحالي، خصوصا مع وجود إدارة أميركية متحمسة لمعاقبة إيران.

لا يعني ذلك شن إسرائيل حرباً ضد إيران بشكل مباشر أو العكس، فهذا محال، لأن مثل هذه

الحرب ستكون مدمرة لكلا الطرفين.. إيران تعاني من ضعف اقتصادي واضح، وحليفاها الإقليميان منهكان تماما (سورية، حزب الله)، وستكون هذه الحرب بمثابة التدمير الاستراتيجي للحضور الإيراني في المنطقة، كذلك الأمر بالنسبة لإسرائيل، فهي لن تخاطر بتلقي مئات الصواريخ المتطورة. فضلا عن ذلك، أصبح قرار الحرب بعد حرب أكتوبر/ تشرين الأول عام 1973 بيد الولايات المتحدة التي لن تسمح بقيام معارك كبرى من شأنها أن تهدد إنتاج النفط العالمي.

ستبقى قواعد الاشتباك القائمة مستمرة، لكن سيحدث تطوران مهمان: تشديد الولايات المتحدة حصارها الاقتصادي على إيران، وتوسيع إسرائيل هجماتها العسكرية في سورية، لتنتقل من مرحلة الردع إلى مرحلة التعطيل. والتطوران مبنيان على تقديرات أميركية ـ إسرائيلية بأن إيران غير قادرة على تغيير سياستها في عموم المنطقة، بسبب تكوينها الأيديولوجي/ الطائفي، وبسبب أن هذا الانخراط في الجغرافيا العربية يشكل لها ورقة استراتيجية، لتثبيت أقدامها أقوى لاعب في المنطقة بعد إسرائيل، ويمنحها القوة اللازمة للتفاوض مع الغرب فاعلا إقليميا يجب أخذ مصالحه بالاعتبار في التسويات الكبرى للمنطقة.

عند هذه النقطة، يمكن وضع الحملة السياسية/ الإعلامية الإسرائيلية في موضعها الصحيح، فهي تتضمن، في المقام الأول، رسالة إلى طهران بعدم الرد عسكريا على أي هجوم إسرائيلي نوعي داخل الساحة السورية، فمثل هذا الرد ستترتب عليه نتائج مدمرة لا تتحملها دمشق ولا موسكو.

وهذه هي المسألة التي يناقشها نتنياهو مع بوتين في موسكو في زيارته المفاجئة، لا يتعلق الأمر بمجرد ردع روسي لإيران، فمثل هذه المسألة لا تتطلب زيارة مفاجئة، وإنما يتعلق الأمر بخطوات روسية ملموسة، مثل عدم تزويد دمشق بمنظومة صواريخ متطورة مثل إس 300 ومنع إيران من نشر صواريخ متطورة داخل سورية.

ويبدو التفاهم الروسي ـ الإسرائيلي معقداً إلى حد ما، فموسكو منزعجة جدا من حجم الهجمات الإسرائيلية، لأنها تعرّي روسيا وتظهرها بمظهر العاجز. ومن جهة أخرى، لا تستطيع موسكو في المقابل غض الطرف عما يجري، لأن من شأن استمرار الهجمات الإسرائيلية أن يضرب عرض الحائط جهود موسكو في المحافظة على التوازنات الصعبة القائمة، ويفقدها ورقة الضامن الاستراتيجي في سورية، بالنسبة لكل الأطراف، بما فيها إسرائيل التي تنسق تحركاتها مع الروس منذ سنوات.

روسيا اليوم أمام ثلاث مشكلات: استسلامها لرؤية النظام السياسية، اضطرارها للانصياع لمصالح شريكيها في أستانة (إيران، تركيا)، عجزها عن ردع إيران وإسرائيل على السواء. وفي ضوء ذلك، ستبقى الساحة السورية تراوح مكانها في المرحلة المقبلة، وستبقى ساحة للاشتباك الإقليمي ـ الدولي.

العربي الجديد

 

 

 

بشار الإيراني طوعاً..الروسي قسراً/ عمر قدور

لم يكن الأول من نوعه تهديد وزير الدفاع الإسرائيلي ليبرمان بشار الأسد بأنه سيُستهدف إذا أبقى على تحالفه مع طهران، ومطلب فك التحالف مع طهران في أعلى قائمة المطالب بالنسبة للعديد من القوى الدولية والإقليمية، إن لم يكن المطلب الوحيد لدى بعضها. الجزرة التي يُلوَّح بها في هذا العرض بقاء بشار في السلطة، تحت الوصاية الروسية وحسب، وربما تصل أبعد من ذلك ربطاً بمشاريع إعادة الإعمار. لكن ذلك الذي فعل ما لم يسبقه إليه مستبد متوحش، فقط من أجل الاحتفاظ بالسلطة، لا يُظهر رغبة في قبول العرض المغري، بل تشير التطورات الأخيرة بين تل أبيب وطهران إلى إيغاله في التحالف مع إيران.

في المقابل، تنتشر بكثرة آراء وتحليلات تفيد بأن موالاة بشار أقرب إلى الحليف الروسي، وأنهم ليسوا مستعدين لتحمل المد الإيراني المترافق بالتبشير الشيعي، ويتقصى بعض التحليلات أثر البعثات العسكرية القديمة إلى الاتحاد السوفيتي وتأثيرها لصالح التقارب المستجد مع روسيا. هذه التحليلات، وإن كانت محقة لجهة الاختلاف مع المد الشيعي المتزمت، تخاطر إذ ترى في سلطة عائلة الأسد تمثيلاً لرغبات مواليها، بينما دأبت هذه العائلة طوال عقود “ومنذ بدء الثورة على نحو خاص” على الترويج لما هو معاكس تماماً، أي أن وجودها وبقاءها هما الكفيلان بالإبقاء على مواليها. يبرز ذلك أكثر ما يبرز في الجانب الطائفي، فبخلاف المُشاع تأبى عائلة الأسد تصوير نفسها بحاجة إلى دعم العلويين، وإنما تصرّ على أن العلويين كانوا مسحوقين قبل حكمها وأنها من صنعت لهم مكانتهم.

لا شكّ أن الخيار المفضّل لدى بشار الأسد هو الوضع الذي يسمح له باللعب على الحبال الروسية والإيرانية معاً، على أمل الاستفادة القصوى منهما، وعلى أمل ألا يستفرد أحدهما إلى الحد الذي يقرر فيه بسهولة الاستغناء عنه. في ما عدا هذا الخيار ثمة عوامل كثيرة ترجح كفة بشار الإيراني على بشار الروسي، وقسم منها إن لم يكن كلها يجعل منه الخيار الوحيد إيرانياً ضمن الظروف الحالية.

أول هذه العوامل نفور بنية تنظيم الأسد من الاندراج في أية منظومة دولية، فالأسد الأب رغم تحالفه ظاهرياً مع الاتحاد السوفيتي أبقى على العلاقة في حدودها الدنيا، وفي العديد من مقابلاته مع الإعلام الأمريكي كان واضحاً بأن الضرورة هي ما يدفعه إلى علاقة جيدة بالسوفييت، ولو غيرت الإدارة الأمريكية سياساتها تجاهه لما كان لديه مانع من إقامة علاقات أوثق معها. الشيوعيون، الذين يُفترض أنهم امتداد ثقافي للسوفييت، إما انضووا تماماً تحت استبداد الأسد أو أودعوا في السجون، ولم يكن مسموحاً بأن تنسج السلطات السوفيتية والروسية بعدها علاقات مباشرة مع الجيش الذي تتولى تسليحه على غرار ما قد نراه في تجارب مشابهة.

العلة الأساسية أن أية منظومة دولية تتطلب من تنظيم الأسد التلاؤم مع معاييرها، وهذا مرفوض لأنه يتنافى مع البنية الاستبدادية العائلية القصوى التي لا تقبل إلا أن تكون نسيج ذاتها فحسب. على ذلك أيضاً يمكن أن نقرأ تهرب الأسد الأب والابن من كافة المغريات الغربية لإدماجه في المجتمع الدولي، فتلك المغريات على أهميتها لا تساوي شيئاً قياساً إلى ما هو مطلوب لجهة إدخال تحسينات “ولو شكلية” على المنظومة الحقوقية والسلطوية في البلاد. هذه نقطة التقاء شديدة الأهمية مع حكم الملالي، فالأخير أيضاً لا يريد تماساً بالغرب أو الشرق يتعدى العقود الاقتصادية، ومهما بلغت المغريات لن يقبل إدماجه في المجتمع الدولي؛ إننا بالأحرى أمام نسختين معدّلتين من دولة أنور خوجا الألبانية وكوريا الشمالية.

يشترك حكم الملالي وتنظيم الأسد أيضاً في نفورهما من المؤسسة العسكرية، على رغم ما هو ظاهر من اعتماد خيار عسكرة المجتمع. لتنظيم الأسد أسبقية زمنية في الانتقاص من المؤسسة العسكرية عبر ميليشيات تنتمي إلى الجيش، لكنها تحظى بوضعية خاصة جداً من جهة مرجعيتها وتدريبها وتسليحها. عندما نتحدث عن الفرقة الرابعة التي تأتمر بقيادة ماهر الأسد أو الحرس الجمهوري، وقبلهما سرايا الدفاع، فإننا نتحدث عن قوى ضاربة لا تتبع عملياً لقيادة أركان الجيش، وهذه الميليشيات أقوى من المؤسسة بحكم مرجعيتها المباشرة، وأقوى منها بحكم احتكارها لقوات النخبة ولنخبة الأسلحة والذخائر.

تجربة الحرس الثوري والباسيج في إيران تعني تماماً الالتفاف على مؤسسة الجيش، لصالح ميليشيات تأتمر مباشرة بأوامر المرشد، وكما هو الأمر في الحالة السورية هناك خوف من وجود مؤسسة عسكرية بالمعنى الكلاسيكي للكلمة بسبب الخطر المحتمل لوجودها على احتكار السلطة. ومنذ تدخلها المباشر في سوريا اعتمدت إيران على ميليشياتها، وعلى دعم قليل لميليشيات الأسد لحساب إنشاء ميليشياتها السورية الخاصة وتوطيد العلاقة بأجهزة المخابرات. يُذكر هنا أن الروس حاولوا الالتفاف على الميليشيات الموجودة سابقاً في سوريا، وإثر تدخلهم العسكري أوعزوا بإنشاء ما يُسمى “الفيلق الخامس-اقتحام” كقوة مدرّبة ذات مزايا خاصة بهدف منافسة ميليشيات الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري ونظيراتها الإيرانية، إلا أن تنظيم الأسد التفّ على الاقتراح الروسي بفتح باب الانتساب إلى الفيلق المذكور لأشخاص لا يتمتعون بالبنية الجسدية المطلوبة، بما في ذلك سوق مطلوبين للخدمة العسكرية من كبار السن.

على صعيد متصل يتشارك تنظيم الأسد مع حكم الملالي بتفضيله البقاء في حالة اللاسلم، وإن كان يتميز عنه بتفضيله أيضاً حالة اللاحرب. هكذا دأب الأسد الأب ومن ثم الابن على جعل السوريين تحت وطأة حرب محتملة في أي وقت، بينما كان يمنح للعدو المفترض ضمانات عدم حصولها. الأساس في هذه الوضعية أن أياً من احتمالي الحرب الحقيقية أو السلم الحقيقي سيكشف النظام على حقيقته، فخيار الحرب الكبرى يكشف زيف استعداده لها، ويكشف تالياً أن الثمن الباهظ الذي دفعه السوريون كان سدى. بينما السلام، أي سلام مهما كان عادلاً، يُفترض به إعفاء السوريين من حالة التأهب المعنوية والاقتصادية، وأيضاً من حالة التأهب السياسية التي كانت تعفي الأسد من أي تغيير. حتى بعد الثورة، وبعد الانكشاف الذريع لأكاذيب الممانعة، دأب بشار على ترويج فكرة عدم انتهاء حربه على السوريين هذه المرة، وفي جميع خطبه ومقابلاته تقريباً دأب على القول أن حربه على “الإرهاب” طويلة جداً، وعلى الأرجح يقصد بذلك أنها باقية ما بقي في السلطة بصرف النظر عن نتيجة المعارك وما يحققه له الحلفاء من انتصارات.

لعل الردود الإسرائيلية الأخيرة على شحنات الصواريخ الإيرانية تحيي لبشار عداء عزيزاً ليستثمره، وهذه نقطة افتراق إضافية مع موسكو التي تربطها من جهة أواصر قوية بتل أبيب، ومن جهة أخرى تسعى لتحقيق أكبر استقرار ممكن في منطقة نفوذها الجديدة. على أية حال، ليس امتداحاً لروسيا القول وصف بشار بأنه إيراني طوعاً بحكم بنيته، وروسي قسراً بحكم الحاجة الماسة، فالمافيا الروسية الحاكمة لا تقدم لمواطنيها ما يبشّر بأن يكون لاحتلالها أي وجه إيجابي.

المدن

 

 

 

 

عن عناتر طهران/ ميشيل كيلو

حرّر ملالي طهران وعسكرها فلسطين أكثر من مائة مرة خلال السنوات الثلاثين الأخيرة، وقضوا تماما على السرطان الصهيوني في تصريحاتٍ لم يغب عنها أيٌّ من أصوات قادتهم. وحددوا مواعيد زمنية لإبادة الكيان إن تجرّأ وتحرّش بهم ولو بالكلام. قرّر أحد كبار حرسهم الثوري أنها لن تتجاوز الدقائق الخمس، يكون “الكيان السرطاني” بعدها أكواما من الحطام. بل إن حسن نصر الله، مندوب الحرس السامي في لبنان، أعلن مرات عديدة خطةً لتحرير مزارع شبعا وتلال كفر شوبا والقرى السبع وما وراءها ووراء ورائها، حتى خلنا أنه صار عند قناة السويس، بينما لا يقاتل لا هو ولا الحرس إسرائيل، بل حشدوا مرتزقةً من كل صنف ولون، جاء بهم مال الملالي من عالم الفقر والجريمة، إلى سورية، بدعم من قتلة عراقيين وزّعوا فيديو يظهر “مجاهديهم” يشربون الشاي ويتضاحكون، بينما تشتعل على بعد مترين منهم أجساد خمسة رجال علقوهم على شجرة، وأضرموا فيهم النار، هم من عرب العراق، وليس فيهم صهيوني واحد.

باعنا طرزانات طهران عناتر ومراجل يومية، تتصل بتحرير فلسطين، صدّقها سذج قوميون وشيوعيون، و”جهاديون” يقبضون منهم، ليشيدوا بحرسهم، وهو يقبض أرواح السوريين، بتهمتين: اختلافهم المذهبي والقومي عن الملالي، وقتل الحسين عليه السلام الذي كان جميع قتلته من الشيعة، باستثناء عبيد الله بن زياد، بل إن شمر ابن الجوشن الذي قال له ساخرا، وهو يقطع رأسه: “أنتم أهل البيت تذهبون إلى الجنة”، كان قائدا كبيرا في جيش أبيه، في أثناء معركتي صفين والجمل.

صدق هؤلاء اليساريون عنتريات طرزانات طهران عن تحرير فلسطين التي تعلموها من حافظ الأسد، طرزان الجولان ثم من حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية الذي وصل عناترته، وهم يحررون فلسطين إلى حدود سورية الشرقية مع العراق، بعد دخوله منذ عام 2006 في ما أسميه “زمن الأسدية الجولاني”، القائم على تحاشي التحرش بإسرائيل لأي سبب، وتحت أي ظرف، وشن حرب شعواء على عملائها من أعداء الأسدية ومرتزقة إيران، كياسر عرفات ورفيق الحريري ورياض الترك والشعب السوري الذي لم يتوقف يوما عن المطالبة بتحرير الجولان، ولاحقت مخابرات بطل التحرير، منذ نيفٍ وخمسين عاما، بتهمة إضعاف نظامه الممانع/ المقاوم، وقتله وريثه بشار كشعب إرهابي يحاربه نيابة عن الصهاينة، ليحول بينه وبين إيجاد الزمان والمكان المناسبين لبدء معركة تحرير فلسطين، ناهيك طبعا عن الجولان.

قصفت إسرائيل موقعا على قدر عظيم من الأهمية بالنسبة لحرس إيران الثوري، وقتلت وجرحت مائة وثلاثين من منتسبيه بينهم جنرالات، فانتظرنا أن يأتي “الرد الموجع” الذي أعلن عنه أمين مجلس أمنها القومي، الأميرال علي شمخاني، فإذا ببيان يصدر عنه يعلن أن الضربة لم تقع. أين الدقائق الخمس والقضاء في أول مناسبة، وبضربة واحدة، على “السرطان الصهيوني”، إن غامر وتحرش بالجمهورية، كما فعل من خلال ضرب مطار التيفور يوم 7 إبريل/ نيسان الماضي؟ فهمت إسرائيل، وفهم العالم أن قوة عناترة طهران في ألسنتهم، وأنهم دخلوا “الزمن الجولاني”، ولن يردوا خلال نصف القرن المقبل، لأنهم سيكونون مشغولين بالقضاء على شعب سورية، الإرهابي/ التكفيري عند نصر الله، وعميل الصهيونية الذي يجب أن تسبق أولوية القضاء عليه مواجهة إسرائيل، عند بشار وملالي الكذب في طهران الذين فضحهم جبنهم، وقرّروا الاختباء تحت جثث وأشلاء جنرالاتهم وجنودهم، كما فعلوا بعد تدمير جبل المانع، ومقتل 32 جنديا وضابطا من حرسهم، بينهم جنرال كبير.

العربي الجديد

 

 

 

نهاية الاتفاق النووي، بداية الحرب السائلة/ عروة خليفة

لم يكن إعلان الرئيس الأمريكي انسحابه من الاتفاق النووي مفاجئاً تماماً، فالرجل كان قد أعلن انزعاجه من هذا الاتفاق ونيته «تمزيقه» مرات عدة منذ حملته الانتخابية، كما أن بعض التصريحات التي أحاطت بإقالة ريكس تليرسون وزير الخارجية الأمريكي السابق، تحدثت عن خلاف بين ترامب والأول حول قضايا عدة أهمها الاتفاق النووي مع إيران.

مع ذلك لم يكن وقع هذا الانسحاب أقل صخباً على مؤيديه أو معارضيه؛ مشهدُ النواب الإيرانيين وهم يحرقون علم الولايات المتحدة في البرلمان، وتصريحات لاريجاني التي أكدت أن على وكالة الطاقة الذرية الإيرانية التحضير للبدء بالعمل من جديد في أقرب موعد، ثم التصعيد الإيراني المتمثل بإطلاق عدد من الصواريخ باتجاه الجولان المحتل، الذي تبعته ضربة إسرائيلية واسعة أدت على الأرض إلى تدمير معظم البنى التحتية العسكرية الإيرانية في سوريا حسب ما صرح أفيغدور ليبرمان وزير الدفاع الإسرائيلي، مؤكداً أن إسرائيل لا تريد استمرار التصعيد، وتاركاً إيران والنظام السوري في موقف حرج، جميع هذه الردود المتخبطة التي لا تحمل حتى اللحظة طابعاً محسوم الاتجاه، لم تكن نتيجة للمفاجئة بانسحاب ترامب من الاتفاق النووي، بل في الحقيقة، تبدو انعكاسات هذا القرار دليلاً على أن لا أحد يمتلك بدائل صلبة للاتفاق النووي. ما فعله ترامب وأزعج الجميع هو أنه أنهى الاتفاق النووي قبل الوصول إلى بديل قابل للتطبيق ضمن صفقة جديدة مع النظام الإيراني، في وقت كان الأخير مستعداً على ما يبدو للدخول في مسار تفاوضي جديد، لتهدئة مخاوف إسرائيل والولايات المتحدة. مع ذلك أتى إعلان الرئيس الأمريكي ليشكل خطوة جديدة في مسار تصاعدي من الصدام مع طهران، صدامٌ يبدو أن أحداً لا ينوي أن ينتهي بحرب شاملة.

إذن ما الذي تريده واشنطن؟

الاتفاق الذي حمل اسم «خطة العمل المشتركة الشاملة»، تضمّنَ منذ توقيعه عام 2015 عدداً من الثغرات الكبيرة، بالإضافة إلى عدد من البنود غير الواضحة، كما أنه لم يتطرق إلى نشاطات إيران في مد نفوذها عبر رعاية حروب محلية في كل من سوريا واليمن والعراق، ولم يتطرق إلى برنامج إيران لتطوير الصواريخ البالستية التي يصل مدى بعضها إلى 2000 كلم، وهو ما أشار إليه ترامب في خطابه المتلفز الذي أعلن من خلاله انسحاب بلاده من الاتفاق.

على الرغم من ذلك، قد تبدو هذه المخاطر أقلَّ إلحاحاً على صانع السياسة الخارجية الأمريكية، في عهد يتسم بانسحاب أمريكي من دورها الدولي. وقد تفسّرُ المخاوف الإسرائيلية جزءاً من الاندفاع الأمريكي لكنها لا تعرض الصورة الكاملة، فالضمانة الأمريكية لحماية إسرائيل على المدى البعيد، ستبعد شبح أي هجوم إيراني واسع.

ضمن هذه المعطيات يبدو إعلان ترامب، إعلاناً لسيولة1 العلاقات الدولية التي لم تعد تعتمد على الموازنة بين المخاطر والمكاسب، ولا يمكن بأي حال تفسيره بناءً على تصورات وضعها لاعبون أساسيون في الحرب الباردة أصبحت في مجملها كاريكاتورية؛ أليس اقتباس عنوان كتاب برجينسكي عن رقعة الشطرنج الكبرى لتفسير ما يحصل اليوم في المنطقة، مجرد مزحة؟

روبرت كيلي أستاذ العلوم السياسية اعتبر أن2 «الحمقى فقط سيصدقون أن الولايات المتحدة ستحفظ وعودها بما يتعلق بالاتفاقات النووية (بعد الآن)»، صدمة كيلي المختصّ في الشأن الكوري، قد يزيدها اقترابُ موعد القمة المرتقبة بين دونالد ترامب وكيم جونغ أون، يبدو أن كلمة واشنطن غير مهمة ومهمة في الآن نفسه، ببساطة إن الصراع بين الدول لم يعد يستند إلى أرضية الحرب الباردة وتصوراتها عن ما يمكن ولا يمكن فعله، وما كان خطيراً ويهدد بحرب نووية في القرن العشرين، يبدو أنه قد يكون الخبر الثاني بعد أخبار دوري أبطال أوربا اليوم.

في هذا اللاإطار الجديد لما يُطلَق عليه العلاقات الدولية، لا تبدو الحرب الواسعة احتمالاً ملحاً، لكن لا توجد ضمانات بذلك، ربما هذا هو أقصى ما فعله إعلان ترامب الأخير، لا توجد ضمانات للسلام ولا توجد نية للحرب، لكن الأمرين يبدوان اليوم غير مرتبطين بالطريقة ذاتها، فعدم الرغبة بالحرب لا تعني نهاية احتمالاتها.

وفي حين أن هناك حدّاً أدنى قد تقبله إدارة ترامب لاتفاق جديد مع إيران، فإنه لا توجد ضمانة للوصول إلى مثل هذا الاتفاق، وحتى التصريح المشترك للدول الأوروبية الثلاث الكبرى، الذي يقول إن الاتفاق الدولي لم يمت، بالتوازي مع ترتيبات للقاء بين ممثلين عن هذه الدول مع إيران، لا يستطيع سوى شراء مزيد من الوقت، لمحاولة الوصول إلى أرضية جديدة صلبة واتفاق جديد.

هل أصبح الاتفاق من التاريخ؟

السؤال عن مصير الاتفاق النووي قد يكون الآن مربكاً، المعادلة المنطقية ستقود ضمن المعطيات الجديدة المتمثلة بالضغوط الأمريكية إلى خيارين رئيسيين؛ إما الوصول إلى اتفاق يعتبره ترامب أفضل من ذاك المنجز في عهد أوباما3، ويغطي الثغرات الكبيرة فيه، أو الاستمرار في التصعيد إلى مرحلة اللاعودة واضطرار الولايات المتحدة أو إسرائيل إلى خوض حرب واسعة مع إيران خلال السنة القادمة، التي من المتوقع في نهايتها أن تمتلك إيران كمية كافية من اليورانيوم المخصب لتصنيع سلاح نووي4 إذا ما استأنفت نشاطها النووي.

في حين أن شكل التغيرات في المنظومة الدولية، التي أصبحت واضحة اليوم أكثر من أي وقت مضى منذ نهاية الحرب الباردة، قد تقود إلى مزيج من هذه الاحتمالات، فعلى الرغم من أن الضربات الإسرائيلية على المواقع الإيرانية في سوريا ليست حرباً تقليدية، التي جاءت واسعة النطاق محددة الأهداف ليل أمس، إلا أنها تمتلك سياقها المكتمل لتشكل نوعاً جديداً من الحروب، التي قد لا تفعل شيئاً سوى الاستمرار دون جدوى واضحة على المدى البعيد؛ إيران تستمر بنشر قواتها وإرسال الأسلحة، وإسرائيل تستمر بقصف المواقع الإيرانية.

قد يترافق ذلك مع السعي نحو اتفاق جديد مع طهران، لن يلبي ربما كل رغبات ترامب المعلنة، وسيحمل بدوره ثغراته الخاصة والتي ستشكل قنابل موقوتة مستقبلاً.

في هذه المعادلة «التفاضلية» التي انطلقت من الأجزاء نحو الكل، تمتلك سوريا موقعاً هاماً، لكنها في النتيجة ستكون جزءاً من قلقٍ مستقرّ يسيطر على شكل الشرق الأوسط.

لن يصبح الاتفاق النووي من التاريخ اليوم، ليس لأنه لم يمت، بل لأن التاريخ الذي اعتدنا عليه قد تغير إلى غير رجعة.

  1. المصطلح هو استعارة لفكرة زيجمونت باومان التي وضعها في سلسلة كتب شهيرة بدأها بكتاب «الحداثة السائلة» عن الفرق بين الحداثة وما بعد الحداثة، وتقوم هذه الفكرة على أن الحداثة التي يمكن وصفها بالصلابة، والتي سيطرت عليها أفكار سيادة العقل واستقرار المفاهيم والعلاقات قد أصبحت من التاريخ في حين نعيش اليوم في عالم ما بعد الحداثة أو الحداثة السائلة، التي أنهت سيطرة المفاهيم والبنى التقليدية لصالح اللا-يقين.
  2. التصريح مأخوذ من تقرير للنيويورك تايمز حول تداعيات إعلان الرئيس الأمريكي الانسحاب من الاتفاق النووي.
  3. تقرير عن أبرز بنود الاتفاق النووي الإيراني.
  4. تقرير لمجلة فورين بوليسي يقول نقلاً عن خبراء إن إيران ستكون قادرة على امتلاك ما يكفي من اليورانيوم المخصب لتصنيع قنبلة نووية خلال 12 شهراً.

موقع الجمهورية

 

 

 

 

 

أجندة ترامب المزدحمة في هذا الشهر/ بكر صدقي

إيران.. القدس.. كوريا الشمالية. قرارات كبرى، بشأن هذه المواضيع، سيتخذها الرئيس الأمريكي الذي يقال عنه إنه «لا يمكن توقع ما سيفعله غداً». مع العلم أنها جميعاً مما أعلن الرجل مسبقاً نواياه بشأنها.

ها هو وقد استبق الموعد المتوقع لـ«إصدار حكمه» بشأن الاتفاق النووي مع إيران، فأعلن عن انسحاب الولايات المتحدة منه، مع ما سيتبع ذلك من إعادة العقوبات الاقتصادية القاسية على طهران. ويتسق قرار ترامب مع وعوده الانتخابية، فلم تنفع لثنيه عن الوفاء بها كل محاولات الشركاء الأوروبيين.

يعزو بعض المراقبين إصرار ترامب على موقفه من الاتفاق إلى الصعوبات التي يعانيها في الداخل الأمريكي، أي المساءلات القضائية بشأن حملته الانتخابية المشوبة بالشكوك، والمقاومة التي تبديها في وجه شططه المؤسسة التقليدية للحكم. الأمر الذي يدفعه إلى التركيز على السياسة الخارجية، ليعطي الانطباع بأنه يسعى لصون مصالح الأمن القومي الأمريكي، من جهة أولى، ولإرضاء اللوبي الإسرائيلي الذي يمكن أن يشكل له سنداً مهماً في وجه خصومه، من جهة ثانية.

من هذا المنطلق الأخير، أي إرضاء اللوبي الإسرائيلي، بدأ العد التنازلي لنقل السفارة الأمريكية إلى القدس في الرابع عشر من الشهر الجاري، أي الذكرى السنوية لقيام دولة إسرائيل. هذا القرار الذي من شأنه إثارة الرأي العام العربي والإسلامي، قد يؤدي إلى تداعيات لا يمكن التكهن بمدى خطورتها. لكنه يمنح طهران، بصورة مؤكدة، ورقةً مهمة في صراعها المحتمل مع الولايات المتحدة وإسرائيل. أي أن القرار بشأن نقل السفارة سيخدم إيران وأدواتها الإقليمية المتعيشة على شعارات فلسطين والقدس، ما لم يؤد قرار الانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي إلى استسلام طهران الكامل والفوري أمام واشنطن، بالموافقة على إعادة التفاوض على تعديل الاتفاق القائم. وهذا مستبعد حالياً على الأقل.

فالعقوبات الاقتصادية لن تظهر مفاعيلها على الداخل الإيراني قبل مرور أشهر، إضافة إلى أن مواقف الشركاء الآخرين في الاتفاق النووي سلبية تجاه قرار ترامب، الأمر الذي يمنح طهران هامشاً مديداً، نسبياً، لمواجهة الحملة الأميركية بتجييش الرأي العام العربي والإسلامي، وبخاصة الفلسطينيين الذين سيكونون في فم المدفع الإيراني، ضد «الاستكبار العالمي» على ما درجت البروباغندة الإيرانية «الثورية». كذلك يمنح قرار نقل السفارة حزب الله الإيراني في لبنان الذي احتفل، قبل يومين، بنصر انتخابي ترجمه في الشارع بمسيرة الدراجات النارية وشعار «بيروت شيعية»، مادة دسمة يغطي بها استمرار غرقه في وحول الصراع السوري.

غير أن لإسرائيل رأي آخر. فبعد ساعات فقط على إعلان الرئيس الأمريكي انسحاب بلاده من الاتفاق النووي، أغارت طائراتها على موقع قرب دمشق (الكسوة)، في إطار إذلالها واستفزازها المتواصلين لإيران، كأنها تستدرج رداً منها يرغم الولايات المتحدة على الانخراط في صراع عسكري مباشر ضد إيران دفاعاً عن إسرائيل. وهي، في الوقت نفسه، استفزازات لحزب الله تستدرج رداً منه يمنح إسرائيل الذريعة المناسبة لضربه في لبنان بالذات الذي أعلن الحزب سيطرته على عاصمته وقراره السياسي بلا منازع.

وفي هذا الشهر أيضاً سيكون اللقاء المرتقب «التاريخي» بين ترامب وديكتاتور كوريا الشمالية كيم جونغ أون، حيث من المتوقع إطلاق مسار سياسي بين الطرفين، بمساعدة صينية، يهدف إلى إنهاء البرنامج النووي والصاروخي الكوري. يلفت مراقبون النظر إلى أن انسحاب ترامب من الاتفاق النووي مع إيران لا يعطي إشارات إيجابية مطمئنة لكوريا الشمالية بشأن مدى التزام الولايات المتحدة بتعهداتها والاتفاقات الدولية التي توقع عليها، ولا يستبعد أن يصبح التوافق الأمريكي ـ الكوري ـ الصيني أكثر صعوبة مما بدا عليه قبل قرار ترامب الأخير. لا نعرف، بعد، الحوافز المطروحة على الديكتاتور الكوري لتليين موقفه. لكن الأخبار المشجعة ما زالت تتواصل، وآخرها زيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو لبيونغ يانغ لإجراء آخر الترتيبات للقاء القمة، ولتأمين إطلاق سراح ثلاثة أمريكيين محتجزين هناك، كبادرة وحسن نية تسبق القمة المرتقبة.

في شهر آب من العام 2013، قصف نظام الأسد الكيماوي الغوطة الشرقية قرب دمشق بغاز السارين، فقتل نحو 1500 شخص أكثرهم أطفال. يقال إن الرئيس الأمريكي، آنذاك، باراك أوباما الذي كان قد حدد خطه الأحمر الشهير بشأن استخدام الكيميائي، قد أطلق شتيمة تعبر عن إحباطه، حين تبلغ الخبر من مساعديه. لم يكن شعوره هو الصدمة أمام المجزرة المروعة، بل الإحباط من أنه قد يضطر إلى تنفيذ وعيده بحق النظام الكيميائي. فهذا، إذا حدث، من شأنه «تعقيد» إتمام صفقته النووية مع طهران. وعلى أي حال، تمكن أوباما من التهرب من تنفيذ وعيده، مقابل صفقة تسليم الكيماوي المفترضة التي لم تنفذ بصورة تامة أبداً، وعاد النظام إلى استخدامه عشرات المرات بعد ذلك.

فلا عتب، إذن، على السوريين إذا أعلنوا ابتهاجهم بانسحاب ترامب من الاتفاق النووي، بصرف النظر عما يمكن أن تكون تداعيات هذا القرار على السلام العالمي أو الإقليمي أو حتى على سوريا نفسها. فمن كان غارقاً في البحر لن يخشى المطر.

٭ كاتب سوري

القدس العربي

 

 

 

 

 

مأزق إيران مع ترامب/ مروان قبلان

مع أن قراره كان متوقعا على نطاق واسع، إلا أن التشدد الذي أبداه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في إعلانه الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني مثّل صدمةً لحلفائه الأوروبيين. إذ لم يتجاهل ترامب توسلات الألمان، وتحذيرات البريطانيين، وعناق الفرنسيين الحار له، على أمل ثنيه عن قراره، بل هدّد بفرض عقوباتٍ على الشركات والدول التي تتعامل مع إيران، حال انتهاء مهلة الشهور الستة المعطاة لترتيب خروجها من السوق الإيرانية. أما الإيرانيون، وعلى الرغم من تحسّبهم لقرار ترامب، إلا أن وقع الصدمة كان عليهم أشد، فحكومة الرئيس حسن روحاني التي بنت كل سياساتها على فرضية أن الاتفاق سيفتح أمامها الأبواب الموصدة، ويدفع إليها بأشكال الاستثمار الخارجي لتطوير اقتصادها وإنهاء عزلتها، وتأهيل بنيتها التحتية والاندماج في النظام الاقتصادي- المالي الدولي، وجدت نفسها مكشوفةً كلياً أمام الواقع الجديد. وعليه، جاءت ردود أفعالها على القرار مرتبكةً، وفيما أحرق أعضاء مجلس الشورى (البرلمان) العلم الأميركي في قاعة المجلس، طالب روحاني الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية بالاستعداد لاستئناف التخصيب في حال فشلت محاولات إنقاذ الاتفاق.

عادت طهران بعد أن استوعبت الصدمة، وبدأت التحرّك وفق استراتيجية مختلفة. وعلى الرغم من أنها كانت قد هدّدت بالانسحاب من الاتفاق، حال انسحاب الأميركيين منه، إلا أنها أبدت استعدادا للبقاء فيه، حال حصولها على ضماناتٍ من القوى الخمس الأخرى في الاتفاق، بأنها لن تنصاع للضغوط الأميركية لمقاطعتها ووقف التعامل معها. ومن خلال ذلك، تسعى طهران إلى تحقيق جملة أهداف: أولها، إبقاء احتمال العمل العسكري ضدها في حده الأدنى، لأن انسحابها من الاتفاق يعني رفع هذا الاحتمال تلقائيا. وثانيها إحداث شرخٍ في العلاقة بين الأوروبيين والأميركيين، انطلاقا من أن أوروبا غدت لها مصالح اقتصادية وازنة في إيران، لن تتخلى عنها. وثالثهما محاولة عزل الولايات المتحدة دوليا وإظهارها بمظهر الطرف المخل بالاتفاق. وعلى الرغم من أن هذه الاستراتيجية تنمّ عن ذكاءٍ في مواجهة تهور إدارة ترامب وعجرفتها، فإن احتمال نجاحها يبدو مع ذلك محدودا. كما أنها لا تحقق، في نهاية المطاف، الغايات التي وافقت من أجلها إيران على الاتفاق النووي.

الرهان على أن الأوروبيين سيدخلون في مواجهة مع ترامب لحماية عقود وصفقات مع إيران تصل قيمتها إلى 60 مليار دولار غير واقعي، فالشركات الأوروبية، وفي مقدمتها توتال وايرباص وسيمنز، وعلى الرغم من أنها تغالب ألمها، وهي تفارق غنائمها الإيرانية، إلا أنها ليست في وارد المفاضلة بين السوقين الإيرانية والأميركية التي يبلغ حجمها نحو 11 تريليون دولار. حتى الدول التي تعد أقل انكشافا على السوق الأميركية، كالهند مثلا، بدأت تخفّض وارداتها من النفط الإيراني، وتتجه إلى مصادر أخرى. وعلى الرغم من أن الصين وروسيا تبدوان أكثر استعدادا لمقاومة الضغوط الأميركية، إلا أن الصين تبدو في وضعٍ ضعيف أمام ترامب، كما دلت نتائج المواجهات أخيرا، حيث تبيّن مدى انكشاف الشركات الصينية واعتمادها المفرط على التكنولوجيا الأميركية، عندما تعرضت شركة (ZTE) الصينية العملاقة للإغلاق، وتسريح نحو 80 ألفا من عمالها نتيجة الحظر الذي فرضه ترامب على توريد التقنيات العالية اللازمة لإنتاج الهواتف النقالة. أما روسيا فلم تصح بعد من آثار صدمة العقوبات الأميركية التي أدت إلى انهيار سعر الروبل، وفقدان عملاق الألمنيوم الروسي “روسال” نصف قيمتها السوقية.

الأهم من ذلك كله أنه لا قيمة لاتفاق نووي إيراني من دون أميركا، لا بل يمكن حتى القول إن وجود بقية الأطراف في الاتفاق لا يعدو كونه “ديكورًا” لرفع الحرج عن طهران من توقيع اتفاق ثنائي مع “الشيطان الأكبر”، فالمفاوضات والاتفاقات كانت ثنائية أصلاً، وقد جرت سرًا في سلطنة عمان، قبل أن يُدعى الباقون إلى الاحتفال بإعلانها. خروج أميركا من الاتفاق يعني انتفاء ضمانات عدم عودتها لسياسات تغيير النظام، وملاحقة نفوذ إيران الإقليمي الذي من أجله تخلت عن برنامجها النووي. مأزق إيران الآن أنها لا تستطيع الانسحاب من الاتفاق، ولا تستطيع البقاء فيه، فقد يؤدي الانسحاب إلى الحرب، والبقاء يعني أنها ضحت ببرنامجها النووي من دون مقابل. كيف ستواجه إيران هذا المأزق؟ ننتظر ونرى، لكن الأكيد أن ابتسامات جواد ظريف لن تساعد هنا كثيرا.

العربي الجديد

 

 

 

 

 

 

إسرائيل وإيران.. سياسات التصعيد والاستدراج

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

ما إن أنهى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خطابه الذي أعلن فيه انسحاب بلاده من الاتفاق النووي مع إيران، حتى هاجمت إسرائيل موقعا في منطقة الكسوة (نحو 22 كيلومترًا عن جنوب غرب العاصمة السورية دمشق)، وقد زعمت إسرائيل أنّ إيران نصبت فيه صواريخ موجهة ضدها. ويأتي الهجوم في سلسلة هجمات إسرائيلية زادت وتيرتها خلال الأسابيع الأخيرة، وطالت الوجود الإيراني في مختلف أنحاء سورية، كان آخرها قصف طائرات إسرائيلية، في 29 نيسان/ أبريل 2018، أهدافا إيرانية في ريفَي حلب وحماة. ويعتقد أن ذلك القصف استهدف صواريخ إيرانية حديثة من نوع “قيام 1” يصل مداها إلى نحو 800 كيلومتر، وتحمل رأسًا يزن 750 كيلوغرامًا، وهي تنصب في الأراضي السورية أول مرة. وتسبّب القصف والانفجارات التي حدثت من جرائه، في هزةِ أرضيةٍ في المنطقة، وصلت قوتها إلى 2.6 درجة على مقياس ريختر، على نحوٍ دلّ على أن الانفجارات وقعت في مخازن تحت الأرض، وأن الصواريخ التي قصفت الأهداف كانت خارقة للتحصينات.

في اليوم التالي لهذا العدوان، شن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو حملةً ضد المشروع النووي الإيراني بعرض تلفزيوني، أعلن خلاله حصول الموساد الإسرائيلي على أرشيف الملف النووي العسكري الإيراني القديم، وادّعى أن إيران خدعت المجتمع الدولي بشأن ملفها النووي.

بين التصعيد والاستدراج

بدأت إسرائيل تولي الوجود العسكري الإيراني في سورية أهمية قصوى، منذ خريف 2017؛ لاعتقادها أن الحرب في سورية توشك على الانتهاء، بعد أن وضعت روسيا وإيران ثقلهما بقوة وراء النظام السوري لحسمها عسكريًا؛ ولاعتقاد إسرائيل أن إيران عزّزت وجودها العسكري في سورية، وهي تسعى إلى البقاء طويلًا فيها، بعد انتهاء الحرب، ولاستخدام هذا الوجود العسكري قوة احتياط ضد إسرائيل عند الضرورة إلى جانب قوة حزب الله.

وفي الأسابيع الأخيرة، أكد كل من رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع أفيغدور ليبرمان، ورئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي، غادي أيزنكوت، تصميم إسرائيل على منع تعزيز الوجود العسكري الإيراني في سورية، حتى وإن أدى ذلك إلى

“بدأت إسرائيل تولي الوجود العسكري الإيراني في سورية أهمية قصوى، منذ خريف 2017”

مواجهة عسكرية شاملة مع إيران وحزب الله. وأكد ليبرمان، في تعليقه، على إمكانية أن تزود روسيا سورية بمنظومات صواريخ متطورة، أو إمكانية أن تستخدم القوات الروسية في سورية منظومة الصواريخ المتطورة التي تملكها ضد الطائرات الإسرائيلية، أن إسرائيل ستردّ وتقصفها سواء أطلقها السوريون أم القوات الروسية في سورية. وتشمل الخطوط الحمراء الإسرائيلية، فيما يخص الوجود العسكري الإيراني في سورية، الصواريخ الإيرانية المتطورة المتوسطة والقصيرة المدى والطائرات المسيرة، ومصانع إنتاجها ومنظومات الدفاع الجوي المختلفة التي أحضرتها إيران إلى سورية، أو قد تحضرها، وأيّ أسلحة نوعية أخرى تعدّها تعزيزًا للوجود العسكري الإيراني في سورية، إضافة إلى إبعاد القوات العسكرية الإيرانية والمليشيات الحليفة لها عن حدود الجولان السوري الذي تحتله إسرائيل.

من الواضح أن المؤسستين، السياسية والعسكرية، في إسرائيل متفقتان على استهداف إيران، كلما حصل اختراق لهذه الخطوط الحمراء. ويبدو من خطابهما العلني المستفز والمهين لإيران، ومن توجيه الضربة العسكرية تلو الأخرى لقواتها العسكرية في سورية، ليس لتدمير أسلحتها النوعية فقط، وإنما لقتل جنودها وضباطها أيضًا، كما أقرّ بذلك علنًا مسؤولون إسرائيليون، أنهما تعملان أيضًا على استدراج إيران إلى مواجهة عسكرية. صحيحٌ أن إسرائيل شنت هجماتها الأخيرة ضد الوجود العسكري الإيراني في سورية، وهي تدرك أن هذه المرحلة بالذات هي مرحلة حرجة لإيران وحزب الله، إذ جاءت عشية اتخاذ الرئيس الأميركي قراره الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، وكذلك عشية الانتخابات النيابية في لبنان التي شارك فيها حزب الله بكل ثقله؛ ومن المستبعد أن يردّا على الهجمات الإسرائيلية في هذه المرحلة بالذات. ولكن، لا يفسر هذا استمرار الضربات الإسرائيلية، وعدم رد إيران عليها. وإذا كان من تأثيرٍ لهذا الأمر، فإنه ليس حاسما. فكما هو واضح، اتخذت إسرائيل قرارًا إستراتيجيًا بمنع تعزيز الوجود العسكري الإيراني في سورية، حتى إن أدى ذلك إلى مواجهة عسكرية شاملة. ولعل إسرائيل باتت في الفترة الأخيرة في المنطقة الرمادية التي تعدّت فيها تطبيق خطوطها الحمراء، واقتربت كثيرًا من استدراج إيران للرد، لتوجّه ضربات مؤلمة ضد الوجود الإيراني في سورية، مستغلةً وجود إدارة أميركية، تدعمها من دون شروط.

في مقابل الإصرار الإسرائيلي، ثمّة إصرار من إيران حتى الآن على تعزيز وجودها العسكري في سورية. ولكن الاعتداءات الإسرائيلية على أهداف إيرانية، وتكبيدها خسائر كبيرة في المعدات والأرواح، إلى جانب المعلومات الدقيقة التي تملكها إسرائيل عن تفاصيل الوجود العسكري الإيراني في سورية، وتمكّن الموساد من سرقة أرشيف البرنامج النووي الإيراني من قلب طهران؛ من دون أن ترد إيران عليها، كلها عوامل وضعت إيران في وضع حرج وصعب للغاية.

الموقف الروسي

تولي إسرائيل الموقف الروسي من الحرب في سورية أهمية كبيرة، وهي تدرك أن روسيا الدولة الوحيدة القادرة، إن أرادت، على أن تحدّ من الاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة على

“المؤسستان، السياسية والعسكرية، في إسرائيل متفقتان على استهداف إيران، كلما حصل اختراق للخطوط الحمراء”

سورية. وهي تعرف أيضًا أن روسيا في حاجةٍ إلى القوات العسكرية الإيرانية، ومليشياتها الشيعية في الحرب ضد المعارضة السورية المسلحة، من أجل استكمال بسط نفوذ النظام السوري في أنحاء سورية.

ومن المتوقع أن يسعى نتنياهو، في اجتماعه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في زيارته موسكو اليوم الأربعاء (9 مايو/ أيار 2018)، وهو الاجتماع الثامن بينهما في أقل من عامين، إلى التوصل إلى تفاهماتٍ بشأن الوجود العسكري الإيراني في سورية والخطوط الحمراء الإسرائيلية. ومن غير المستبعد أن يتم التفاهم بينهما على منع تعزيز الوجود العسكري الإيراني النوعي في سورية الذي قد يستخدم مستقبلًا ضد إسرائيل، مقابل قبول إسرائيل بوجود القوات العسكرية الإيرانية ومليشياتها الشيعية في سورية، شريطة أن يتم تسليحها، وتسليح النظام السوري، وفق مقتضيات الحرب ضد المعارضة السورية المسلحة، وليس ضد إسرائيل. وإن لم تستجب إيران لذلك فسوف تستمر روسيا في احترام الخطوط الحمراء الإسرائيلية في سورية. ومن المحتمل أن يعرض نتنياهو على بوتين استعداد إسرائيل لتعزيز قوة النظام السوري، والعمل لاحقًا على تأهيله مقابل إضعاف النفوذ الإيراني في سورية، والحفاظ على الخطوط الحمراء الإسرائيلية.

عرض نتنياهو التلفزيوني والملف النووي

لم يكشف نتنياهو جديدًا ذا قيمة في عرضه الديماغوغي التلفزيوني بشأن الملف النووي الإيراني باستثناء كشفه عن تمكّن جهاز الموساد من سرقة أرشيف المشروع النووي الإيراني العسكري القديم. وثمة شبه إجماع على أن ما عرضه نتنياهو كانت قد عالجته، وتطرّقت إليه تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأن نتنياهو لم يقدّم أي دليل على أن إيران طوّرت مشروعها النووي العسكري بعد عام 2009، وأنه لم يجرؤ على ادّعاء أن إيران خرقت الاتفاق النووي، علمًا أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أكدت، في تقاريرها الأحد عشر، أن إيران التزمت بالاتفاق النووي ولم تخترقه منذ وقّعته.

كان هدف نتنياهو من كشفه الأرشيف النووي الإيراني القديم بهذا الشكل، بعد أن نسّق ذلك مع الرئيس ترامب، مساعدة الأخير في اتخاذ قرار الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، والضغط على أوروبا لإعادة النظر في موقفها من الاتفاق، من أجل تعديله جذريًا أو الانسحاب منه. وباستثناء الرئيس ترامب، لم يقبل أحد من قادة الدول الكبرى، سيما الدول التي وقّعت الاتفاق النووي الإيراني، الذين أجمعوا على ضرورة التمسّك بالاتفاق النووي الإيراني. وقد طالب بعضهم إلى جانب تمسّكه بالاتفاق، بالتفاوض مع إيران بشأن ملفات أخرى، لم تكن جزءًا من الاتفاق النووي، مثل تطوير إيران الصواريخ البالستية، ودورها الإقليمي في المنطقة.

إلى جانب ذلك، ظلت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي تتفق اتفاقًا تامًا مع نتنياهو بشأن الوجود العسكري الإيراني في سورية، متمسكة بموقفها، بأهمية الحفاظ على الاتفاق النووي الإيراني، وعدم انسحاب الولايات المتحدة الأميركية منه، وذلك على الرغم من اعتقادها في وجود ثغرات في الاتفاقية، لا سيما فيما يخص مدتها الزمنية. فالاتفاق النووي، وفق وجهة نظرها، يجمد المشروع النووي الإيراني عشر سنوات على الأقل، ما يفسح المجال للجيش الإسرائيلي ليستعد جيدًا للخيار العسكري، إذا ما اقتضت الضرورة ذلك، ويهتم، في الوقت نفسه، بمواجهة الوجود العسكري الإيراني في سورية.

احتكار السلاح النووي

برز نتنياهو أكثر من غيره من القادة الإسرائيليين، في دعوته العلنية الدائمة إلى إزالة البنية

“تملك إسرائيل في القدس مركز قيادة وسيطرة لإدارة حرب نووية، محصّن ومحمي من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل”

التحتية كليةً للمشروع النووي الإيراني؛ إما بواسطة ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، تقوم بها الولايات المتحدة وإسرائيل، أو بواسطة فرض مزيد من العقوبات الاقتصادية الخانقة والمؤلمة على إيران، إلى أن تؤدي إلى إرغام النظام الإيراني على إنهاء البنية التحتية لمشروعه النووي، أو إلى إسقاط النظام واستبداله بنظام جديد، يتخلى عن المشروع النووي. وقد عارض نتنياهو، طوال السنوات الماضية، بشدة التوصل إلى أي حل سلمي للمشروع النووي الإيراني إذا لم يضمن إنهاء هذا المشروع برمته في شقّيه المدني والعسكري، واختلف بشدة في هذا الشأن مع إدارة باراك أوباما، وعارض بشدة “اتفاق جنيف التمهيدي” الذي عقد في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، و”اتفاق الإطار” الذي أُبرم في نيسان/ أبريل 2015، والاتفاق النووي النهائي الذي جرى التوصل إليه في تموز/ يوليو 2015 بين الدول الست العظمى وإيران.

ادّعى نتنياهو وقادة إسرائيل الآخرون أن المشروع النووي الإيراني، وأي مشروع نووي آخر في الشرق الأوسط، يمثّل خطرًا وجوديًا على إسرائيل، علمًا أن الحقيقة مناقضة لهذا الادّعاء تمامًا؛ فإسرائيل باتت، منذ عقود طويلة، دولة نووية تمتلك ترسانة كبيرة من القنابل النووية والهيدروجينية والنيوترونية. وتمتلك أيضًا الطائرات المتطورة والصواريخ لإيصال هذه القنابل إلى أهداف تبعد عنها مئات بل آلاف الكيلومترات. ولها القدرة على توجيه الضربة النووية الثانية بواسطة الغواصات التي زودتها بها ألمانيا في العقدين الماضيين، والتي بمقدورها أن تدمر مدنًا كاملة تدميرًا شاملًا. وتملك إسرائيل في القدس مركز قيادة وسيطرة لإدارة حرب نووية، وهو محصّن ومحمي من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل الأخرى. وفي الحقيقة، لا تهدف الحملة التي تقودها إسرائيل ضد إيران وبرنامجها النووي إلى الدفاع عن الوجود كما تدّعي، وإنما للحفاظ على احتكار إسرائيل السلاح النووي في الشرق الأوسط، ومنع أي دولة أخرى من الحصول عليه؛ فقد بات احتكار إسرائيل السلاح النووي جزءًا من نظرية الأمن القومي الإسرائيلي، وغدا من أهم عوامل الاستقواء والعدوانية والتوسع التي تتبعها في المنطقة.

خاتمة

يتصرف نتنياهو منذ سنوات من منطلق أنّ لدى إسرائيل فائضًا من القوة يمكّنها من تحقيق أهدافها المختلفة، إذا ما أحسنت استغلال الوضعين، الإقليمي والدولي. ومنذ فوز الرئيس ترامب، عمل نتنياهو على إقناعه بضرورة الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، لا سيما أنه عارضه بشدة في حينه. أما فيما يخص الوجود العسكري الإيراني في سورية، فإن نتنياهو يسعى، بعد أن وجّه سلسلة من الضربات العسكرية الموجعة للقوات الإيرانية في سورية، من دون أن تتجرأ إيران على الرد حتى الآن، إلى التوصل إلى تفاهم مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في اجتماعه به اليوم في موسكو يضمن عدم تعزيز الوجود الإيراني في سورية بالأسلحة النوعية، في مقابل عدم معارضة إسرائيل استمرار وجود القوات الإيرانية في سورية، إلى أن تنتهي الحرب فيها، شريطة تسليحها فقط وفق مقتضيات الحرب ضد المعارضة السورية المسلحة، وليس ضد إسرائيل.

العربي الجديد

 

 

 

 

 

 

 

لماذا ينبغي أن نقلق؟/ حازم صاغية

قد تقع المواجهة الإسرائيليّة– الإيرانيّة وقد تتأجّل. لكنّنا نبقى في منطقة الخطر، والخطر الشديد.

فالموقفان الإسرائيليّ والإيرانيّ يصعب أن يتوافقا لأسباب لا علاقة لها بفلسطين وغير ذلك ممّا يردّده الإيرانيّون وأتباعهم. السبب الفعليّ أنّ تلّ أبيب لن ترضى بتكريس الوجود العسكريّ الإيرانيّ وقواعده في سوريّة. هذا ما تعتبره مسألة أمن قوميّ. لهذا تكاد تتطابق مواقف المستوى السياسيّ والمستويين العسكريّ والاستخباراتيّ منها. طهران، في المقابل، لن ترضى بأن تتخلّى عن كلّ ما استثمرته منذ 2011، هي وأتباعها، في سوريّة. لقد استثمروا بالبشر والمال والهيبة. أغلب الظنّ أنّ خسارة معلنة كهذه، لا سيّما في ظلّ أزمة اقتصاديّة حادّة، كفيلة بخلخلة النظام الإيرانيّ الذي سبق أن طالبته «الثورة الخضراء» في 2009 بالانسحاب من المشرق العربيّ.

وحتّى لو نجحت موسكو أو سواها في تأجيل الانفجار، فإنّ النجاح لن يدوم طويلاً. فطبيعة النظامين أقوى وأشدّ تأثيراً من وساطات ديبلوماسيّة تبقى، بالتعريف، محدودة الأثر والتأثير.

فنحن، مع إيران الخمينيّة وإسرائيل الليكوديّة، لا نواجه نظامين سيّئين فحسب، بل نواجه مشروعي هندسة اجتماعيّة وديموغرافيّة. وهذا، بطبيعة الحال، يتعدّى الخلاف السياسيّ معهما، أو الاعتراض السياسيّ عليهما. فالنظامان المعنيّان شوفينيّان في حدّهما الأدنى، عنصريّان في حدّهما الأقصى. فإذا ميّز بينهما أنّ أحدهما ديموقراطيّ برلمانيّ والآخر شبه توتاليتاريّ، جمع بينهما أنّهما نظامان قوميّان مستفحلان، يتداخل في تكوينهما الدين بالقوميّة، ولو بجرعات متفاوتة. وهما نظامان يمتلكان وعياً حدوديّاً قوّياً. فالحدود هي مسألة المسائل عند إسرائيل، وهذا الاعتبار أوّل ما يحكم علاقتها بالفلسطينيّين ومحاصرتها لحقوقهم، بل إنّ ضربتها المحتملة لإيران تندرج في الوعي الحدوديّ، لأنّها لا تحتمل الوجود العسكريّ لإيران في شمالها الشرقيّ. وبدورها فالأخيرة، ومن خلال ما بات يُعرف بـ «ممرّ قاسم سليماني»، تنوي أن توسّع حدود نفوذها بحيث يشمل المشرق العربيّ.

ولئن وفّر الفلسطينيّون حقل التمرين الأوّليّ على الهندسة الاجتماعيّة والديموغرافيّة الإسرائيليّة، فالسوريّون هم الذين وفّروا ويوفّرون حقل التمرين الأوّليّ على هندسة أوسع وأقسى تمارسها إيران. وهي أيضاً هندسة أخطر، نظراً لاتّصالها بالانقسام السنّيّ– الشيعيّ العابر للحدود والمشبع بالتاريخ. أمّا منطقتنا الواقعة بين إيران وإسرائيل فليست، في نظرهما، غير مكان بلا بشر، مكانٍ تسدّد إحدى القوّتين عبره ضرباتها للأخرى. فهي، بالتالي، منطقة تشجّع على الصدام بدل أن تردع عنه.

يضاعف الاحتمالَ هذا أنّ المشرق العربيّ لا يملك القدرة على المبادرة أو الفعل أو التأثير. والأفدح أنّ التناقضات المتفجّرة في سوريّة، والضامرة نسبيّاً في العراق، شديدة القابليّة للإلحاق بالتناقض الإيرانيّ– الإسرائيليّ نفسه بحيث تمحو نفسها بنفسها.

لهذا يرجّح أن يفضي الصدام إلى فتح جروح وتقرّحات لا تندمل في جسم المشرق، خصوصاً إن لم تتدخّل قوى العالم المؤثّرة لوضع حدّ لتمادي الصدام وتمادي طرفيه. والإشارات إلى ضعف شهيّة التدخّل ليست قليلة.

فما يقلق ويخيف بالتالي ليس المواجهة ذاتها، بل توافر العناصر التي تُديمها وتجعلها طريقة حياة مفروضة على عشرات الملايين ومئات آلاف الكيلومترات المربّعة. وهكذا قد نمضي إلى أن يقضي الله أمراً.

الحياة

 

 

 

 

 

67 إيرانيّ؟ ربّما!/ حازم صاغية

بات واضحاً أنّ الإيرانيّين أُحرجوا فاضطرّوا إلى الردّ على الإسرائيليّين. صفعة بعد صفعة بعد صفعة، وليس لدى طهران إلاّ الكلام الكبير (وطائرة واحدة تمّ إسقاطها). بعد ذاك ردّ الإيرانيّون: اتّجهت صواريخهم وقذائفهم نحو إسرائيل فسقط معظمها في سوريّة. ما وصل منها إلى الدولة العبريّة اعترضه الإسرائيليّون وأسقطوه.

الأخيرون، العدوانيّون والتوسّعيّون تعريفاً، هم الذين ردّوا على ما لم يُصبهم. اغتنموا الفرصة التي انتظروها فضربوا، وفق ما قالوه، البنية العسكريّة الإيرانيّة في سوريّة. الإيرانيّون، بدل أن يكبّروا الفعل، كبّروا الكلام. شتموا الديبلوماسيّة وأكّدوا، للمرّة المليون، تعويلهم على «المقاومة». لكنّهم قالوا أيضاً شيئاً آخر: نحن لم نَضرب ولم نُضرب. السوريّون هم من فعلوا.

الفشل العسكريّ الذريع الذي كشف ضحالة الآلة الحربيّة الإيرانيّة، رافقه فشل ديبلوماسيّ تصنعه طهران بيدها. لقد شكّكوا بالأوروبيّين المتمسّكين بالاتّفاق معهم، تماماً على عكس ما فعله الإسرائيليّون الذين غازلوا الروس وقالوا إنّهم أطلعوهم على ما قاموا به. حصل هذا فيما كان بنيامين نتانياهو يزور موسكو.

النرجسيّة الجريح لدى الإيرانيّين تنفّر المحايدين وتتّهم العالم. إنّه جنون الوعي الإمبراطوريّ وقد انفلت من عقاله. إنّه الكلام الكبير وقد راح يتخبّط في الفعل الصغير.

تطوّرات الأيّام الأخيرة توحي أنّ إسرائيل تريد الحرب مع إيران. هذا ما سبق أن رأيناه مع مصر الناصريّة في 1967: قالت القاهرة مراراً وتكراراً إنّها ستحاربها، فيما هي تحارب في اليمن، لكنّ إسرائيل هي التي حاربتها وهزمتها. آنذاك، من موقعها العدوانيّ والظالم، ولأسباب لا صلة لها بمصالح العرب الذين احتلّتهم، أنهت الدولة العبريّة المشروع الإمبراطوريّ الناصريّ وقوّضت قوميّته العربيّة. أمّا إذا قدّمت إيران، التي تستغرقها حروبها في المنطقة، ذريعة أخرى لشهيّة الحرب الإسرائيليّة، فلا يُستبعَد حصول 67 إيرانيّ ينهي المشروع الإمبراطوريّ لطهران وإسلامه الراديكاليّ.

طهران، المنهكة اقتصاديّاً، حمت نفسها من احتمال كهذا بلسان التنصّل: نحن لسنا من فعل ذلك. والتنصّل يوحي أنّ المجابهة التي تمّت سوف تقتصر على رقعة جغرافيّة لا تتعدّاها. لكنّ اللسان الإيرانيّ الآخر الذي نطق بالمقاومة وبلعن العالم قد يفعل العكس.

في الحالة الأولى، سيكون التعديل الذي طرأ على اتّفاقيّة فضّ الاشتباك في 1974 طفيفاً يستطيع أن يحتمله ويستوعبه الوضع القائم. لكنّ المزاعم الإيرانيّة حول «تحرير القدس» لن تحتمله. الأيديولوجيا ستباشر انهيارها الذي قد يكون مديداً.

في الحالة الثانية، ستسقط على نطاق واسع وعابر للحدود اتّفاقيّة 1974، ويسقط في ذيلها القرار 1701. عندها، وتبعاً لما بات معروفاً عن قدرات إيران العسكريّة والاقتصاديّة، لن يكون من الصعب توقّع النتيجة.

المؤلم، فضلاً عن الأكلاف البشريّة، أنّ إسرائيل هي التي تتولّى تقويض الإمبراطوريّات ومشاريعها. إنّها بالطبع تفعل ذلك لأسباب تخصّها هي.

المؤلم أكثر أنّنا نحن، عبيد الإمبراطوريّات، لا نستطيع ذلك، وأنّنا، فوق هذا، قد لا نستطيع الإفادة من تقوّضها والبناء عليه. وربّما أفاد التذكير بأنّ هزيمة الناصريّة وقوميّتها العربيّة جاءنا بالإسلام الأصوليّ!

الحياة

 

 

«الوطنية» و «انعدام الوطنية»/ حسام عيتاني

منذ بدء الحديث عن توجيه ضربة أميركية إلى نظام بشار الأسد بعد قصفه الغوطة بالغازات الكيماوية في 2013، ارتفعت صيحات المنددين بـ «انعدام وطنية» كل من يرحب بأي عقاب يُنزل بمرتكبي الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. يستدعي هذا رسم خطٍ واضحٍ بين الوطنية وبين انعدامها.

ماذا يعني الوطن في سياق حرب إبادة وتهجير واقتلاع وتدمير منهجي للمجتمع؟ لا يجب البحث عن الجواب لدى الضحايا. غنيّ عن البيان أن مفهوم الوطن الذي استُنسخ من أدبيات الرومنطقية القومية الأوروبية لا يفيد شيئاً بعد سبع سنوات من حرب بشار الأسد وحلفائه على السوريين. يصعب على من فقد أهله وأولاده في قصف طائرات ومدفعية التحالف المساند للأسد أن يظل وفياً لمفهوم وطن تحكمه سلطة غاشمة. فالوطن، حتى في معناه الرومنطيقي، ليس مجرد أرض يجتمع عليها ويعيش من خيرها بعض البشر، بل هي قبل ذلك مجموعة القيم والعلاقات التي تسود هذه الجماعة وتحكمها. وفي أيام المحن، ترتفع الدعاوى الوطنية للعودة إلى التقاليد المتفق عليها بين أفراد الجماعة والتي تشكل بنيتها الفوقية. الولاء لا يكون هنا للنظام ولا للحزب الحاكم ولا لمؤسسات الدولة التنفيذية.

أواخر الحرب العالمية الثانية، عندما بدأت قوات الحلفاء تتقدم داخل الأراضي الألمانية، تخلت الدعاية النازية عن أساليبها التقليدية التي استخدمتها أثناء التوسع الألماني في أوروبا ونبشت خطاب الأرض الأم والوطن المقدس والترهيب من دخول الأعداء الهمج (خصوصاً أولئك الآتين من الشرق). عاد الوطن، في تلك الأيام إلى معناه القديم المحمّل بإيديولوجيا قومية بسيطة توهم من يستمع إليها أن المصائب التي تنزل بألمانيا لا علاقة لها بما ارتكبه النازيون، بل إن هؤلاء يدافعون عن وطن يتعرض للعدوان الأجنبي السافر وأنهم جنود الحضارة بأرقى أشكالها في وجه أحفاد المغول.

دعاة الوطنية السورية في ظل نظام الأسد، يحاولون قول الشيء ذاته: الوطن، ومنذ التهديدات التي أطلقت في آب (أغسطس) 2013، في خطر. لا يهمهم من جلب هذا الخطر ولا يعنيهم كيف تسبب بشار الأسد في إشعال حرب على شعبه. لا عجب. ذلك أن واحداً من الألقاب المفضلة لوصف الأسد في قاموس آلته الدعائية هي «سيد الوطن» بما يقيم تناقضاً صريحاً بين شراكة الشعب في السيادة على وطنه وعلى نفسه وبين حصر هذه الأخيرة في «سيد» لا يتردد في التعامل مع مواطنيه كعبيد.

تزداد المسألة تعقيداً مع دخول العدو الذي يحتل جزءاً من أرض الوطن، الجولان، على خط الصراع بضربه مواقع النظام وحلفائه. الموقف الأخلاقي هو التنديد بأي عدوان خصوصاً من المحتل الإسرائيلي على الوطن. بيد أن هذا الوطن قد خسر معناه ودلالاته في خضم مسعى النظام وأنصاره إلى القضاء على المجتمع والشعب. دعاة «الوطنية» قدموا مخرجاً تلفيقياً: النظام ليس هو الوطن الذي ينبغي الدفاع عنه وعن مؤسساته بما فيها الجيش والمخابرات مهما كان الأمر، في وجه العدو الصهيوني الغاشم الخ… أقل ما يقال في تبرير كهذا إنه يصدر عن عقلية ترغب في تخبئة تواطئها مع النظام القاتل. ذلك أن الوطن ليس النظام الذي يحكمه ولا هو مؤسسات الدولة. وهذه ليست سوى إفراز للمسار الاجتماعي السياسي الذي تقدم فيه المجتمع على مدى مئات الأعوام.

فوق ذلك كله، لا بد من التساؤل عن أثر المواجهة بين مشروعين توسّعيين، إيراني وإسرائيلي، على الوطنية السورية، قبل الجزم أن الوطنية هذه هي المهدّدة من واحد، إسرائيلي، من هذين المشروعين فيما يدفعها ذلك الإيراني إلى الارتقاء في معارج التكامل والتقدم.

الحياة

 

 

 

 

محاولات روسية وإسرائيلية لتحديد «التعاون» ضد إيران/ عبدالوهاب بدرخان

هل تعتبر روسيا أن استصدار النظام السوري القانون الرقم 10 عبر الدمى الجالسة في «مجلس الشعب» إجراء «سيادي» لا مجال لأن تتدخّل لتجميده وإلغائه، لكن ماذا عن مئات الإجراءات السيادية وغير السياديّة التي لم تتدخّل فقط بل أمرت بتغييرها والامتثال لما يعاكسها؟ وهل ترى موسكو في سلب ملايين السوريين «الغائبين» أملاكهم وبيوتهم والإنذار «قانونياً» ببيعها بالمزاد ما يمكن أن يساهم في الحفاظ على «وحدة سورية» وفي إيجاد تسوية سياسية لا يزال وزراء الكرملين ومسؤولوه يؤكّدون أنهم يبذلون كل جهد لإنجازها؟ وهل يمكن أي تسوية تحلم بها موسكو أن تُبنى على وجود «دولة» يقودها نظام تمنحه روسيا مع حليفه الإيراني غطاء سياسياً لإلغاء حقوق السكان ونهب ممتلكاتهم وتجاهل حقوقهم وطموحاتهم، بل تمنحه غطاءً دولياً ليواصل العبث خارج القوانين الدولية فيما لا يزال متمتّعاً بعضوية الأمم المتحدة؟.. لا بدّ أن تشابه العقليات السياسية بين الحلفاء الثلاثة وحليفيها هو ما مدّ دولة كبرى كروسيا ويمدّها بمبرّرات وإنْ واهية للسكوت على ما يجري لاستكمال مخططات التقسيم. فهؤلاء الحلفاء يتصرّفون كما تتصرف المافيات بأرض سليبة لكن تبقى حريصة على وجود ديكور «شرعي» لتحصين سرقاتها.

المنطقة في حال انتظار لاستحقاقاتٍ منها المعروف والمبرمج مثل بتّ مصير الاتفاق النووي والردّ الإيراني المتوقّع على الولايات المتحدة وتداعيات قمة القمة الأميركية – الكورية الشمالية على هذا الملف، ومنها ما هو غامض مثل المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية في سورية والنتائج التي يمكن أن تترتّب عنها، ومنها ما هو مجهول مثل احتمال عودة واشنطن وموسكو إلى بناء تفاهمات في شأن سورية. إذ إن قطيعتهما الحالية أوجدت فراغاً تعمل دمشق وطهران على ملئه بأبشع الاستغلالات، بمواصلة اقتلاع السكان والسعي إلى إشاعة مناخ «تطبيع» كاذب لما بعد الأزمة. أما روسيا فتحاول الإيحاء بأنها تدير هذا الفراغ وتستغلّه في إغراء تركيا وتليين موقفها من نظام بشار الأسد فضلاً عن اللعب على التناقضات بينها وبين أميركا، وتوحي أيضاً بأنها مسيطرة تماماً على الوضع وممسكة بكل الأوراق من دون أن تغيّر شيئاً جوهرياً في واقع الأزمة السورية.

لا تخفي موسكو انشغالها الجدّي باحتمالات المواجهة العسكرية بين الإسرائيليين والإيرانيين، فالعديد من الأوساط في واشنطن وعواصم أوروبية سجّلت حركة محمومة لسفراء وديبلوماسيين وأشخاص مرتبطين بمراكز أبحاث روسية يسعون إلى معلومات تساعدهم على تقدير دقيق للموقف، وفي الوقت نفسه إلى إيصال رسائل إلى إدارة دونالد ترامب لإثارة اهتمامها. وتتقاطع آراء من جرى الاتصال بهم عند جملة خلاصات: أولها، أن الروس لا يتصوّرون حصول أي مواجهة من دون أن يكونوا متفاهمين مع الأميركيين على حدودها وأهدافها لئلا تخرج عن السيطرة. وثانيها، أنهم ينطلقون من انطباع شائع بأن واشنطن وافقت على معظم الخطط الإسرائيلية لكنهم يحاولون أن يعرفوا بدقة ما اتفق عليه الجانبان وما هو تصوّرهما لتطبيق استراتيجية تقليص النفوذ الإيراني في سورية. وثالثها، أنهم يدرسون عروضاً لتطوير تفاهماتهم مع إسرائيل سواء بالنسبة إلى الحدّ من تدفق الأسلحة النوعية، خصوصاً الصاروخية، أو بالنسبة إلى خريطة انتشار المقاتلين التابعين لإيران. ورابعها أنهم لن يقبلوا بأن تُفرض عليهم أجندة زمنية تضعهم أمام أمر واقع، وبالتالي يريدون شراء الوقت ليحدّدوا سياسة قابلة للتطبيق ميدانياً مع الإيرانيين والإسرائيليين.

في المقابل، يشير الجانب الروسي إلى أن اقتلاع الوجود الإيراني أو تقليصه عسكرياً في سورية دونه صعوبات كبيرة، وأن الضربات الجوّية أو الصاروخية التي تتمّ في شكل متواصل بالتنسيق مع قاعدة حميميم تجعل ذلك الوجود أكثر كلفةً لكنها لا تعطّل التغلغل الإيراني بل تدفعه إلى مزيد من التجذّر والتشعّب. وانطلاقاً من استبعاد أفيغدور ليبرمان أي مواجهة بين إسرائيل وروسيا سيحاول بنيامين نتانياهو مع الرئيس الروسي استشراف إلى أي حدّ يمكن موسكو أن تكون «متعاونة». ومع افتراض حصول هذا التعاون على النحو الذي يتمنّاه الإسرائيلي فقد سبق للروس أن اشترطوا عدم الإخلال بتوازن المنطقة، أما الجديد الذي يحتاجون إلى توضيحه فهو إعادة تحديد الأهداف بينهم وبين الأميركيين وأين تتمايز حسابات هؤلاء عن حسابات الإسرائيليين، لكن السائد في واشنطن هو الغموض إما لتخبّط استراتيجيتها بين الاستمرار في سورية والانسحاب منها أو لانتفاء الفائدة من التحاور مع موسكو بسبب عدم وفائها بتعهّدات سبق التوافق عليها، وبالتالي ربما يميل الأميركيون إلى إرجاء أي تواصل مع الروس إلى ما بعد التحرك الإسرائيلي.

لم تختلف المسألة بين الدولتين الكبريين عما كانت سابقاً، ذاك أن روسيا لا تريد، ولعلها لا تستطيع، مقاربة الوجود الإيراني في سورية (طبيعته، حجمه، وظيفته، أسلحته، توسّعه الجغرافي، اشتغاله على هندسة التركيبة السكانية، مغزاه الاستراتيجي والصراعات التي يثيرها في المنطقة…)، إلا إذا كانت أميركا جاهزة ومستعدّة لعقد صفقة معها. هل يعني ذلك أن روسيا نفسها أصبحت جاهزة لصفقة تقتصر فقط على سورية؟ لا ليس بعد، إذ إنها لا تزال عالقة في عقدة مقايضات دولية لا تريد أميركا الخوض فيها. عدا ذلك، لن يسهّل الإيرانيون مهمّة روسيا، فهُم قبلوا على مضض شروطها وقيودها عليهم، وسكتوا على تنسيقها مع إسرائيل ضدّهم، طالما أنها لم تتدخّل بوجودهم ولم تقم حواجز أمام تمدّد نفوذهم. وعلى رغم تمسّكهم بأفضل علاقة ممكنة مع روسيا إلا أنهم لن يتوانوا عن مواجهتها إذا سهّلت أو تغاضت عن أي حملة ممنهجة لإضعاف وجودهم في سورية. واقعياً، لم تكن لدى الروس خطط بهذا المنحى، وكل ما فعلوه أنهم استخدموا سيطرتهم على قرار النظام ليمرّروا عبره ما هو مسموح أو ممنوع للإيرانيين.

بحثت إيران دائماً عن المواجهة ووعدت نفسها بها لإثبات قدرتها ونجاعة استعداداتها، وهي تراهن الآن على إفشال التحدّي الإسرائيلي ليس فقط لتثبيت وجودها في سورية بل لتصبح عنصراً استراتيجياً أساسياً في المنطقة. ومع أنها تجد في تزايد الضغوط عليها ما يشدّ عصب أنصارها إلا أنها بدأت تستشعر تغييراً في البيئة الإقليمية التي كانت طوال سبعة أعوام مسرحاً لتفرّدها. صحيح أن وجودها في سورية لم يدخل بعد مرحلة الخطر لكنها مضطرة لمراجعة حساباتها على الدوام. ها هم خصومها يقولون جميعاً إنها قد تكون الجهة الوحيدة المستفيدة من الانسحاب الأميركي، ويتوقف ذلك على متى وكيف يتّم الانسحاب ولمصلحة مَن؟ جاء التحديث الأخير من وزير الدفاع جيمس ماتيس بقوله أن «لا خروج من سورية وهي في حال حرب». وليس مؤكّداً أن رئيسه يلتزم هذا الهدف، خصوصاً أن إنهاء الحرب لا ينفكّ يتخذ منحىً صراعياً دولياً من دون بحث جدّي روسي أو أميركي عن حلٍّ أو تسوية.

قد يعني ذلك أن الأميركيين والإسرائيليين يريدون تفاهماً مع روسيا على «تحييد» للإيرانيين بحيث لا يواصلون إطالة الحرب وتعطيل أي حلّ، ما يفترض زعزعة العلاقة بين طهران من جهة الشريك الروسي والحليف السوري من جهة أخرى. لكن الإيرانيين يرون أن هذا الهدف الأميركي أو الإسرائيلي يتجاهل الواقع، ليس لأنهم مستعدّون عسكرياً فحسب بل لأنهم يطوّرون علاقاتهم مع المكوّنات السورية في المناطق التي أخرج منها المقاتلون، بل يدخلون شيئاً فشيئاً إلى عمق النسيج العشائري السنّي، ويربطون مزيداً من السوريين بالخدمات التي يوفّرونها حيث تترك «الدولة» السورية فيها فراغاً كبيراً، فالنظام يصرّ على استعادة السيطرة «كاملة» لكنه لا يستطيع إعادة الدولة إلى كل المناطق، ليس فقط لأن لديه نقصاً هائلاً بالإمكانات بل خصوصاً لأنه لا يملك الرغبة ولا الإرادة.

لذلك ينشط الإيرانيون للحلول محله. يوفرون للناس المقومات البسيطة للعيش (بعض المال، الطبابة، التعليم…) ويساعدون بعضاً منهم على ترميم مساكنهم. وسواء سعوا إلى «التشييع» أم لا فإنهم يحصلون على تشيّع عملي طالما أنهم يطوّرون كياناً بديلاً من النظام والمعارضة وبالتالي يشترون ولاء الناس بتمكينهم من العيش. ولعل الإيرانيين يرون في هذا التجذّر بطاقة إقامة دائمة يعملون على تزكيتها بخطط تغيير التركيبة السكانية. إنهم يحرزون نجاحات في مناطق استعدوها واستعدتهم وحاربوها وحاربتهم واستخدموا الروس لتدمير كل المرافق فيها، من ماء وكهرباء ومخابز ومستشفيات ومستوصفات وأسواق ومدارس… ويحاولون الآن إظهار نخوة فائقة لتغيير ما في دواخل الناس من مرارة حيال «الاحتلال الإيراني»، فيما يزداد النظام رسوخاً في عدائيته الخالصة للشعب.

* كاتب وصحافي لبناني

الحياة

 

 

 

لمَن الطلقة الأولى؟/ زهير قصيباتي

الحرب الإقليمية مجرد سيناريوات ومخاوف ورعبٍ من ذعر أيام قد تأتي قريباً، ربما لتدشن الفصل الأخير الذي يمهد لخرائط جديدة شرق أوسطية؟

الأرجح أن حرب اليوم التالي لقرار سيد البيت الأبيض نفض يد واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني، لم تعد وراء الباب، بل باتت في ساحات اكتمل مسرحها. وما زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو موسكو أمس إلا لتجديد «كلمة السر» مع الكرملين، والفصل بين ضمان عدم الاشتباك مع قواته في سورية، وما يمكن أن يتدحرج سريعاً في دمشق تحت وطأة ضربات إسرائيلية كثيفة.

أما السؤال لمَن تكون الطلقة الأولى، فلعل الإسرائيلي أجاب عنه سريعاً بعد ساعات قليلة على إعلان الرئيس دونالد ترامب قراره نعي التزام واشنطن بالاتفاق النووي «الكارثي».

قصف صاروخي على ريف دمشق، مجرد صورة «روتينية» في «الحدث السوري»، لكن المسرح الكبير للحرب الاقليمية لا ينتهي في الجولان ولا لبنان ولا اليمن. عين مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون على طهران.

وفي حسابات الحرب، لا يعني الإسرائيلي أن تمتعض أوروبا من قرار ترامب، لأنه سيعني خسارتها عشرات بلايين الدولارات إذا انسحبت شركاتها من إيران، مرغمة تحت سيف العقوبات الأميركية. لذلك كان الغضب الفرنسي من تنصيب واشنطن نفسها «شرطياً اقتصادياً للعالم».

لكلٍ مصالحه، ولطالما تعايشت إسرائيل مع نظام بشار الأسد رغم تعقيدات الحروب السورية وتحالفاته، ها هي تطرح الورقة الأخيرة ليتلقفها الروس: أذا أرادوا تغيير وجه النظام الذي يرفض أي تسوية مع معارضيه، حانت الفرصة الذهبية: ضربات كثيفة لاقتلاع «القواعد» الإيرانية في سورية المنكوبة بنظامها وحلفائه، ولاطاحته بعدما أتاح لطهران تجاوز «الخط الأحمر» الإسرائيلي.

ولكن بأي ثمن؟ إيران بجيشها وحرسها «الثوري» وأدواتها الاقليمية تتوثب، والأكيد أن طموحها رد الصاع لترامب في مسرح النكبات العربية، وبدماء عربية.

فجأة، بعد إصرار ترامب على سحب القوة الأميركية المتمركزة في سورية، نشَرَ «قوة ضاربة» في البحر المتوسط، يرجح أن تقدم الدعم للإسرائيلي اذا اختارت إيران تحريك «حزب الله» لاشعال جبهة جنوب لبنان وتوريط نتانياهو ليتراجع عن ضربات استئصال الوجود العسكري الإيراني في سورية، والذي لن يُفاجَأ أحدٌ إن تمدَّد علناً الى المتوسط، عبر الساحل السوري والساحل اللبناني.

ليس مصادفة نشر «القوة الضاربة» الأميركية ولا تعزيز القطع الحربية الروسية في البحر المتوسط، ولا قراءة الإسرائيلي لنتائج انتخابات لبنان بوصفها تشريعاً لمصادرة «حزب الله» قرار الدولة في هذا البلد الذي بات «يعادل الحزب» … ولبعضهم، قول نتانياهو أنه لا يريد حرباً مع إيران، لا يعكس سوى بعض كذبه، بصرف النظر عن النيات الحقيقية للإيراني صاحب «القوة الناعمة» التي حيثما تسللت سُفِكت الدماء العربية بلا حساب.

واضح أن الحرب الاقليمية التي ربما كانت شرارتها الأولى في ريف دمشق، ومستودعاته للصواريخ الإيرانية، هي قرار أميركي قاعدته خنق الاقتصاد الإيراني… وقرار إسرائيلي ينتهز فرصة مسرحٍ اكتمل، قد لا تتكرر.

يتكئ ترامب على نجاح «مفاجأته» في نفض الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون كل أحلامه بالترسانة النووية… بعد المفاجأة، باتت إيران على المحك. يريد الرئيس الأميركي رضوخها سريعاً ليسجل لنفسه الانجاز الثاني… لكن المرشد خامنئي ليس من «مدرسة» كيم، وتذكير طهران بـ «صمودها» خلال الحرب مع العراق (1980- 1988)ورقة جاهزة لقرار المواجهة.

صحيح أنها أغرت الأوروبيين بتراجعها عن الانسحاب من الاتفاق النووي بعدما انتفض عليه ترامب، لكن الصحيح أيضاً أنها تعهدت أن تقاوم «بضراوة» تحجيم نفوذها الإقليمي. لن تقايض عليه، لأن المرشد يعلم أن «التضحية» بهذا النفوذ، ستعني تلقائياً نزع أسنان النظام، ونهاية أحلامه بـ «إمبراطورية».

الرد على قرار ترامب ستختاره إيران أيضاً اقليمياً، ولا مفر من مواجهة طاحنة، لا يبدو أن جمهورية المرشد قادرة على التحكم بمفاجآتها، انطلاقاً من سورية وامتداداً إلى لبنان واليمن.

سيصعّد الحوثيون حملة استهداف السعودية، لكنه خيار انتحاري. وأما انكفاء جزء من قوة «حزب الله» في سورية إلى لبنان لمواجهة «العاصفة»، فليس خياراً طوعياً وأولى نتائجه تغيير قواعد الصراع التي أرساها الحلف الروسي – الإيراني – السوري على أرض منكوبة.

صيف استثنائي؟ لمَن الطلقة الأولى، قبل إعادة رسم خريطة الصراع في المنطقة، وإعادة إيران الى قواعد تسوية أميركية – روسية شاملة، يريدها ترامب قبل ولايته الثانية؟

الحياة

 

 

 

 

 

وعود ترامب ونبوءة خامنئي

أدى قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلغاء الاتفاق النووي مع إيران إلى خضّة كبيرة في المنطقة العربية ومحيطها الإقليمي والعالم، وأنتج انقساما كبيرا عليه، وخصوصاً بين الحليفين الكبيرين، أوروبا وأمريكا، مع إعلان الاتحاد الأوروبي ودوله الكبرى، ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، استمرار التزامها بالاتفاق، وإعلان روسيا والصين رفضهما، أما التأييد الرسمي للجامعة العربية للقرار، فلا يلغي وجود خلاف حوله، بين دول مؤيدة بشدة، كالسعودية، خصم إيران اللدود، والإمارات والبحرين، وأخرى تتحفظ أو «تتفهم» أو تطلب مراجعة للاتفاق (ناهيك عن العراق الذي انتقد، والنظام السوري الذي «أدان بشدة»).

لا يمكن طبعا تجاهل موقف إسرائيل التي لعبت حكومتها دوراً مؤثراً بالتأكيد في تشجيع حليفها الأمريكي ليس على إلغاء الاتفاق مع إيران فحسب بل كذلك على المطالبة بإسقاط النظام الإيراني، ويرتبط جزء من الأجندة الإسرائيلية حول إلغاء الاتفاق بأن هذا القرار سينهي حقبة التعاطي السياسي المرن مع طهران، والتعاون معها، ويستبدله بالعمل على إبعاد نفوذها الذي تكرّس في سوريا (ولبنان)، وهو أمر أكدت عليه الضربات العسكرية الإسرائيلية على أهداف إيرانية داخل سوريا مرات عديدة قبل الاتفاق وبعد ساعتين من إعلانه.

بعض المعلقين الغربيين عزا قرار ترامب إلى رغبته بالوفاء بوعوده الانتخابية، لكنّ هذا التحليل لا يمضي إلى أبعد ليسأل لماذا قام ترامب أصلاً بهذا الوعد، ولماذا لم ينفذه بعد انتخابه مباشرة؟

يقدّم تحليل خطاب ترامب الذي ألقاه بمناسبة إلغاء القرار بعض المفاتيح (ومنها طبعاً «المفتاح» الإسرائيلي) ولكنّ الرئيس الأمريكي أشار أيضاً إلى كوريا الشمالية، التي قبلت، مبدئياً، قرار التفاوض على سلاحها النووي، إثر الضغوط الاقتصادية والسياسية الهائلة عليها، وعلى حلفائها الروس والصينيين، وبذلك صار ممكنا، عملياً، ممارسة الضغوط الكبيرة أيضاً على إيران لإقناعها بالتخلّي، تماماً، عن مشروعها النووي، بدل تخفيض العقوبات عليها، ومدّها بمئات المليارات، كما فعل الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما وحلفاؤه الغربيون، فهذه هي طريقة ترامب في إنجاز «الصفقات الناجحة»، كما يسميها.

يجب الاعتراف هنا، أن اتفاق أوباما مع إيران قبل 3 سنوات، كان «صفقة» تبادل تجميد المشروع النووي الإيراني مقابل عدد من «المحفزات»، أولها تطبيع علاقة إيران بالعالم، والغرب خصوصا، وثانيها مدّها بمبالغ طائلة من الأموال التي جمّدت بعد ثورة الخميني عام 1979، وثالثها، وهو الأهم عربياً، إطلاق يدها في سوريا والعراق ولبنان… وكذلك في اليمن الذي وجدت في الحوثيين بيئة حاضنة وأداة لتنفيذ سياساتها.

لقد دفع صعود إيران الإقليمي على خلفية الاجتياح الأمريكي لأفغانستان والعراق، وانتعاش مشروعها النووي والصاروخي ونفوذها الكبير المتصاعد داخل البلدان العربية، إلى تساؤلات عربية إن كان تمدد النفوذ الإيراني واستفحال قوتها النووية كانا مقصودين في الوقت الذي تم تدمير المشاريع النووية للعراق وسوريا (وليبيا التي سلّمته إدارة معمر القذافي للغرب كاملا مع المفتاح)؟

بعض التحليلات ترى أن الأولوية الغربية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي كانت لمواجهة العالم الإسلامي (السنّي) وترويضه، وأن غض النظر عن إيران كان مطلوباً بذاته، ومع وصول هذه الأولوية إلى نهاياتها المنطقية، مع إعلان انتهاء العمليات «الكبرى» ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» في العراق وسوريا، واستدارة السعودية وأغلب دول الخليج ضد «الإسلام السياسي السني»، صار الوقت مناسبا للالتفات لـ«الإسلام السياسي الشيعي».

أحد خطباء جمعة مدينة قم رأى في إلغاء الاتفاق النووي تحقيقا لـ«نبوءة خامنئي» (المرجع الشيعي الأعلى في إيران)، وقد أتبعه خامنئي نفسه بوصف خطاب ترامب «بالسخيف والسطحي»، وبذلك يلتقي، ربما، التحليل خفيف الوزن الذي يربط القرار بـ«وعود» ترامب الانتخابية، مع تحليل خطيب الجمعة للأمر بـ«نبوءة» المرشد الأعلى للجمهورية، وهو تحليل لا يقلّ خفّة ورشاقة عن نظيره الأمريكي.

القدس العربي

 

 

 

 

 

 

هل الحرب بديل الاتفاق؟/ عبد الرحمن الراشد

السكوت عن الاتفاق النووي مع إيران، كما هو، كان الخيار الأسوأ مثل بلع الموس. وإلغاؤه الخيار الأقل إيلاماً، وهذا لن يعني انفراجاً وسلاماً سريعاً، بل تحجيم النظام الذي سيحاول التمرد وتهديد دول المنطقة وتخويفها، بنشر المزيد من الفوضى والحروب. علينا أن ندرك أن الآتي لن يمر سهلاً وسريعاً.

إذن… ما المكسب من وراء الإلغاء إن كانت له تداعيات تفتح المزيد من أبواب جهنم؟

إلغاء الاتفاق وإحياء العقوبات الاقتصادية يهدف إلى إعادة الجني الشرير إلى قارورته وحبسه فيها، وحتى نلمس تغييراً في سلوكه فسيتطلب الأمر وقتاً وجهداً. وعلى رائحة الخطر وقبل أن تبدأ العقوبات خسر التومان ثلث قيمته، وانسحبت شركة توتال من تطوير الحقول النفطية الإيرانية، وتتحدث إيرباص الأوروبية عن إلغاء صفقات الطائرات التي فرحت بها وسوقتها حكومة روحاني على أنها انتصار في وجه خصومها.

لا تستهينوا بالأزمة التي تواجه حكومة طهران ومخاوف النظام كله. قد تنتكس الأزمة داخلياً وتتسبب في صراع داخلي بين قوى النظام نفسه، وقد تشجع الشعب الإيراني على المزيد من التظاهر، وقد تكون النتيجة في النهاية سقوط النظام بشكل ما!

دول المنطقة تحتاج إلى سياسة في مواجهة النظام المجروح، الذي سيحاول تصدير أزمته إلى الخارج ويشغل المزيد من الحروب. دول المنطقة لم تسع إلى نقل الحرب إلى داخله، ولَم تمول فتح جبهات خارجية ضده، وليس لها يد في الاحتجاجات الشعبية المستمرة كل أسبوع في كثير من المدن. إنما من حقها أن تدافع عن أمنها وأمن الإقليم بمواجهته في سوريا واليمن، وإفشال مشروعه في العراق ولبنان.

ونتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة في لبنان تؤكد أن طهران تسير بسرعة من أجل الإطباق على المنطقة بكل السبل. تحرير لبنان وسوريا وكذلك العراق من الهيمنة الإيرانية وإخراج النظام من اليمن مرتبطة بمحاصرته اقتصاديا والتضييق عليه.

مواجهة النظام تدور على جبهات، إفشاله في مناطق الحروب، ورفع الثمن عليه غاليا، والوقوف إلى جانب الشعب الإيراني ودعمه معنويا، وهو الذي يخوض حربا سلمية. والضغط على الدول الأوروبية التي تريد الاتفاق ولا تبالي بالثمن الذي تدفعه دول المنطقة، عليها أن تتخذ موقفا معنا أو مع إيران. لأن ما تفعله يستهدف أنظمة المنطقة واستقرارها. والهدف من مواجهة أوروبا إرسال رسالة واضحة إلى طهران، والمزيد من الضغط على النظام بأن عليه أن يتوقف إن كان يريد البقاء، وأن إرسال صواريخه إلى الرياض وتدمير المدن الحدودية وقتل ستمائة ألف سوري، والتحريض ضد السلطة الفلسطينية، إعلان حرب تستوجب مواجهتها.

هل من أمل في سلام بعد هذا التصعيد الخطير مع إيران؟ الهدف من التصعيد والضغط والمقاطعة هو تعديل سلوك النظام، أما تغييره فأمر متروك للشعب الإيراني الأقدر على الحكم عليه ومواجهته إن أراد ذلك. لا نريد أن ننتقد النظام الإيراني على أفعاله ونحذو حذوه بزرع الفوضى وتغيير الأنظمة.

الشرق الأوسط

 

 

 

انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني/ شفيق ناظم الغبرا

أدى إعلان الرئيس ترامب يوم الثلاثاء 8 أيار/مايو 2018 عن إنسحاب الولايات المتحدة الامريكية من الاتفاق النووي الايراني بالاضافة لفرضه لعقوبات جديدة على إيران لرفع منسوب التوتر في الشرق الاوسط. لم يأت الإتفاق النووي الايراني بالأساس من فراغ، بل أقر الإتفاق النووي عام 2015 بعد مفاوضات شاقة إستمرت لسنوات مع إيران و الصين وروسيا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا. لقد فتح ترامب جبهة جديدة على رئاسته المتوترة.

ويتضح من ردة الفعل الاولى أن العالم لم يرحب بالإنسحاب الامريكي، فروسيا أعلنت بأن الانسحاب تهديد للسلم والأمن العالميين، بينما إعتبر الإتحاد الاوروبي بأن الإنسحاب الأمريكي خاطئ، إذ وفق موغيريني مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الاوروبي: «لا تتركوا احدا يفكك الاتفاق….الاتفاق ملك لنا جميعا». من جانب آخر أعلن ماكرون رئيس فرنسا بأن: «فرنسا والمانيا وبريطانيا يأسفون للقرار الامريكي بالانسحاب من اتفاق ايران النووي». أما تركيا فعبرت بلسان الرئيس اردوغان عن مخاوفها و بان الإنسحاب من الاتفاق سيؤدي لزعزعة الاستقرار.

وفي المقابل إن تصريح الرئيس الايراني روحاني حول إنتظار ايران للمواقف الاوروبية والروسية والصين لترى مدى مقدرتها على الاستمرار في الاتفاق في اطار حماية المصالح الإيرانية. هذا يؤكد على مدى تروي إيران في التعامل مع الإنسحاب الامريكي. لقد أصر الرئيس روحاني بأن الاتفاق ليس فقط مع الولايات المتحدة بل مع مجموعة من الدول وهو بالتالي ليس ملكا للولايات المتحدة لتقرر مصيره. الرئيس روحاني سيعطي فترة زمنية قليلة ليرى ماذا ستفعل الدول الاخرى كالصين وأوروبا وروسيا وان كانت هذه الدول ستضمن المصالح الاقتصادية لايران أم ستخشى من فرض عقوبات أمريكية عليها.

ويأتي توقيت هذا القرار الأمريكي بعد إعتراف ترامب بالقدس المحتلة عاصمة للدولة الإسرائيلية، وهي خطوة استفزازية تجاه العرب والمسلمين، لكن الانسحاب الامريكي يأتي ايضا قبل أيام من بداية نقل السفارة الامريكية للقدس بل وقبل أيام من ذكرى النكبة يوم 15 ـ 5، خاصة وان مسيرات العودة هذه الجمعة 11 أيار/مايو 2018 ستكون في واحدة من أعلى وأجلى تعبيراتها. ان الإنسحاب الأميركي يأتي بالتالي في ظل وضع هو الأسوأ بالنسبة لعزلة الولايات المتحدة الإقليمية ومدى تداخل سياساتها بل وتطابقها مع السياسة الإسرائيلية وسياسة نتنياهو بالتحديد.

لم يصل الرئيس ترامب للموقف الراهن القاضي بالانسحاب من الاتفاق مع إيران إلا بتأثير من مساعديه اليمينيين الاكثر تطرفا كمستشاره لمجلس الامن القومي بولتون، ووزير خارجيته بومبيو. لقد ضغط نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي من اجل هذا القرار فكان له ما يريد. القرار الامريكي لا علاقة مباشرة له بالنووي، بل بالصورايخ الإيرانية وتطويرها وبأثر تقدم إيران الإقليمي على إسرائيل وعلى ميزان القوى في الشرق الاوسط. بالنسبة لاسرائيل لم تعد الجيوش العربية ذات تأثير، لكن إسرائيل تخشى كلا من ايران وتركيا، وفي الحالتين تسعى لمحاصرة الدولتين.

ويقع كل هذا الهجوم والتهديد لايران في وقت تملك إسرائيل اكثر من مائتي قنبلة نووية، لا أحد في العالم يتحدث عن الصناعة النووية الاسرائيلية وعن رفض إسرائيل التوقيع على إتفاقية عدم نشر الاسلحة النووية، لا احد يتحدث عن الذي يقع في المنشآت النووية الاسرائيلية القادرة على تدمير الشرق برمته. وفي المقابل لا تمتلك ايران قنبلة نووية واحدة، وقد وقعت إيران على إتفاقية عدم نشر الاسلحة النووية مع الوكالة الدولية للطاقة منذ عقود، كما ان وكالة الطاقة الدولية اكدت أن إيران ملتزمة بالاتفاق النووي وبالرقابة الدورية.

لقد أوقفت ايران ثلثي المفاعلات الخاصة بالتخصيب النووي، وتخلصت من معظم اليورانيوم المخصب، وقد فعلت كل هذا من أجل فوائد اقتصادية ورفع حقيقي للعقوبات و من اجل جذب الإستثمارات العالمية. لكن ايا من هذا لم يقع. هذا أساس مأزق ايران الراهن، وهو مأزق الحمائم في القيادة الايرانية ممن راهنوا على التفاهم مع الولايات المتحدة والمنظومة الدولية.

إن الغاء الاتفاق النووي الايراني سيدفع إيران بصورة أكبر نحو تركيا بالإضافة لروسيا، وهذا سيجعل أوروبا في حالة تململ واضح تجاه السياسات الأمريكية. في هذه المرحلة يتطوّر مأزق السياسة الأمريكية العالمي التي تقوم على سياسة الدفع بالامور نحو الحافة، وهي سياسة لن تؤتي ثمارها بسبب سقوط الكثير من هيبة ومكانة الولايات المتحدة. بل سيشكل الغاء الاتفاق تأكيدا على أن الادارة الامريكية لا تلتزم بتوقيعها، فكل ادارة بأمكانها ان تلغي ما قامت به الادارة السابقة دون الالتفات لمدى التزام الاطراف في الاتفاقية. هذا واضح ايضا في إتفاقية المناخ الذي انسحبت منه ادارة ترامب.

ان فرضية أن العقوبات الأمريكي ستدفع الشعب الايراني للانتفاض على النظام لا تعمل وهي فرضية فاشلة. فالعقوبات بحق الدول كما شاهدنا في السابق مع كوبا والعراق وليبيا وغيرها لم تؤد لهذه النتيجة. إن الانسحاب من الاتفاق النووي سيفعل فعلا توحيديا في صفوف النظام الايراني، فإفتعال ازمات مع إيران يضعف المعارضة الايرانية كما ويحرك قوى جديدة لدعم النظام. إن فرض العقوبات سيدفع ايران بنفس الوقت لزيادة تأثيرها في أكثر من موقع في العالم العربي (وضح ذلك في الانتخابات اللبنانية مثلا) وسيدفعها لزيادة تركيزها على القضية الفلسطينية. ان اثر الانسحاب الامريكي من الإتفاق النووي سيكون حاضرا في الشهور القادمة في قضايا مختلفة من سوريا لليمن وذلك بالرغم من محاولات أوروبا وروسيا وتركيا وغيرها حصر تلك الآثار في أضيق نطاق ممكن. وهذا لا يبدو أنه ممكن إن استمرت الادارة الامريكية الراهنة وصولا لأفق المواجهة العسكرية الايرانية الاسرائيلية في سوريا.

لقد وجد اليمين الإسرائيلي وحلفاؤه في ادارة ترامب فرصة لقلب موازين السياسة حول إيران، لكنهم بنفس الوقت وجدوا فرصة لإضعاف منطقة الخليج وتقسيمها واستنزاف مواردها واموالها وبيع المزيد من السلاح لدولها. لقد بدأ كل هذا الوضع مع حصار قطر منذ عام، كانت تلك البداية لتوتير إقليم الخليج وإفقاده للحد الأدنى من الإستقلالية.

بالمقابل لم تعرف الولايات المتحدة عزلة وسقوطا مثل الذي تمر به الآن سوى في مرحلة حرب فييتنام وأزمة ووترغيت. هذه العزلة ليست فقط في الخارج، فسياسة ترامب تواجه نقدا شديدا في الداخل الامريكي. المشروع الأمريكي لن يستعيد مكانته من دون العودة إلى طريق العدالة والديموقراطية في الداخل والخارج.

٭ استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت

القدس العربي

 

 

 

 

 

هل تُحرِّرنا إيران؟ أو إسرائيل..؟/ دلال البزري

في سُبات الغيبوبة، عاشَ اللبنانيون، خلال الأسابيع الأخيرة، مع تسعير الحملات الانتخابية، والشعارات والمهرجانات؛ وغالبيتها الساحقة، المعروفة، تشحذ الخوف الطائفي المذهبي من قلوبهم، تحرّضهم على بعضهم بعضا بحماسة المؤمن. فحوصروا بإنشائيات، بمحاولاتٍ مضحكة للتقرّب منهم، أو التشبّه بهم، أو حتى مغازلتهم.. حماسةٌ تُغني عن الإدراك بالأخطار المقبلة. وحدها كلمات متناثرة هنا وهناك، أوحت بما في الأعماق من إدراك لهذه الأخطار، كنذير أحدهم في سياق دعوته إلى التصويت لحزب الله من أن “اللبنانيين جميعاً على موعد قريب مع مواجهة، قد تكون الأخيرة من نوعها في المنطقة”، فمرَّر بذلك المسكوت عنه في هذه الانتخابات: أي المواجهة المرتقبة، بين إيران وإسرائيل. واللبنانيون مرتبطون بها عضوياً، بلا مواربة، لأن أكبر أحزابهم، حزب الله، المتفرِّد بصواريخه وسلاحه، هو أقوى الأذرع الإيرانية في منطقتنا؛ ولأنه يشترك ببسالة النجباء في الحرب على السوريين، دفاعاً عن “محور الممانعة”؛ وسيكون هذا الحزب معنياً بهذه الحرب في سورية، أو في لبنان، والتي قد تجرفنا بعيداً إلى الوراء، إلى كهوف الإنسان الأول.

أهازيج “العرس الديموقراطي” لم تمنع أصحاب الرأي من قول ما يتوقعونه من هذه الحرب. وفي منطقةٍ شبه مسكوتٍ عنها، او في المنطقة الواقعة تحت هذا الضجيج الانتخابي، انطلقت التحليلات، منفلتةً، متحرّرةً من القراء، تتنبأ بحرب إسرائيلية – إيرانية مقبلة، تعدّد أسبابها، فتعلن، بصراحةٍ، أنها مؤيدة لإيران للأسباب التي نعرفها، أو، بصراحة أقل، أنها مؤيدة لإسرائيل، لأسباب تبدو جديدة.

تريد إسرائيل أن تخوض حرباً على إيران لأنها “تمتلك نزعة عدوانية فطرية”، ولأن أحزاب اليمين المتطرّف هي التي تحكمها الآن، ولأن راسمي خططها الخارجية يطبقون عقيدتها

“ما زلنا في القشرة الأولى، السطحية، من الاحتلالات في المشرق العربي”

الأصلية، القائمة على الحرب. هذا رأي من يعتقد، من يعلن ولا يضمر، بأن إيران على أراضينا، بمليشياتها الطلائعية، تحمينا من إسرائيل، وسوف تحرّرنا منها. وبأن حربها العادلة لتمكين الأسد من عرشه هي بالذات من أجل حمايتنا من “المؤامرة الصهيونية والإمبريالية”.. هذا الرأي لا يشيخ، طالما أن هناك إسرائيل؛ وطالما أن هناك من يخوض بذريعتها حرباً مقدسة من أجل الهيمنة على منطقتنا.

في المقابل، المتحمسون شبه المعلنون لـ “ضربة إسرائيلية” ضد إيران ومليشياتها لهم الرأي نفسه، ولكن بالمقلوب: ينظرون إلى هذه الحرب، وبتلميحاتٍ لا تحتاج إلى لبيب، بصفتها نافذة تفتح على التحرّر من الاحتلال الإيراني. يردّون الصاع صاعين، فيقولون إن النزعة العدوانية الفطرية موجودة في إيران أيضاً، منذ العهد الأخميني (القرن السادس قبل الميلاد)، مروراً بالصفوي والشاهنشاهي والإسلامي الجمهوري الآن. يشيرون إلى طغيان “الحرس الثوري”، قائد الاحتلال الإيراني في سورية، وباني استراتيجية لم تَعُد مقنَّعة كما كانت في وقت قريب. وهم، أي المرحبون بضربة إسرائيلية على إيران في سورية، يجادلون بالقومية الفارسية التي تخطت حدودها، وغالت بإظهار تفوقها واستعجلت مرات انتصاراتها النهائية، كما يفعل الفاتحون.

إذن، نحن أمام دولتين، شعبين، يقودان حرب الهيمنة والوجود. إسرائيل دفاعاً عن احتلالها أراضي عربية، وحماية لهذا الاحتلال. وإيران أيضا دفاعاً عن احتلالها أراضي عربية، وحماية لهذا الاحتلال. وكلاهما يشترك في بناء المستوطنات، وحلفاء ومعجبون، سرّيون وعلنيون، يراهنون على قدرة واحدة منهما على تحريرنا من الأخرى.

هذه الحرب لا تحدّها الحدود الوطنية، ولا هي تقتصر على لبنان وحده، أو سورية أو فلسطين. وهذه الحرب، لن تكون “الأخيرة”، فإذا اسْتَعرت ولم تختتم بغالب ومغلوب، وتحولت إلى

“هذه الحرب لا تحدّها الحدود الوطنية، ولا هي تقتصر على لبنان وحده، أو سورية أو فلسطين”

حرب استنزاف مديدة، فلن يدفع تكلفتها سوانا، نحن شعوب المنطقة: الفلسطينيون، لأنهم سيذبحون في صمت أعلى. السوريون لأن الأسد سوف يجثم فوق رؤوسهم، بعد أن صار “عبداً مأموراً”. واللبنانيون لأن بلدهم سوف يتعفن بانتظار عجيبة عودة “مجاهديه” الممانعين إلى حضن الوطن. وإذا تجنّب المتقاتلون هذه الحرب، فستكون صفقة، نقود بخسة، “فُراطَة”، تخَشخِش في أكياسنا المرقّعة. وأما إذا تغلّب أحدهما على الآخر، أي إيران على إسرائيل، أو العكس، فلن تكون لوحتنا أقل عبوساً. ممّن سنكون قد تحرّرنا لو “انتصرت” إيران؟ أو إسرائيل؟ أي نوع من الستاتيكو سوف يفرض؟ أي نظام؟ أية قوانين؟ اليقين الوحيد هو أن لا إسرائيل ستكون قد حرّرتنا من إيران، ولا إيران من إسرائيل.

هذا كله وما زلنا في القشرة الأولى، السطحية، من الاحتلالات في المشرق العربي. هي القشرة الأدنى. فوقها تناغم حربي بين الروس والأميركيين، تنافس، تنسيق وهواتف؛ الأولون، الروس، بصفتهم محتلين “رسميين” للقواعد والأجواء السورية. والأميركيون، المتفوقون عليهم عسكرياً، محتلون موضعيون، ذوو استراتيجيةٍ مغمْغمة، لكن قواعدهم البحرية اقتربت من شواطئنا: حاملات طائرات، سفن حربية وغواصات ومدمرات.. إلخ. أي أن الحرب لو حصلت سوف تكون بإشراف هؤلاء الجبارين، أو بتنسيق عالٍ بينهما؛ أو بينهما وبين الإسرائيليين والإيرانيين.

الآن، مشكلتنا نحن: إسرائيل تمكّنت من إنشاء دولتها عام 1948، بفضل خلَل ما عند العرب، ضعف وتخاذل؛ فلم ينجحوا في الدفاع عن أرضهم. بعد ذلك بسبعين عاما، وبفضل مزيد من الخلل عند العرب، تمكّنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية من إنشاء ما هو أدهى: مليشيات مذهبية محلية تأتمر بـ “حرسها الثوري”. كيف؟ لأن العرب كانوا أيضاً ضعفاء عام 1982 عندما عجزوا عن الدفاع عن لبنان في وجه الغزو الإسرائيلي (تخاذل الأنظمة المتصالحة والمتخاصمة مع إسرائيل). فأقيم احتلال من لون جديد، إيراني، باسم مقارعته الاحتلال التقليدي، الإسرائيلي. وهكذا دخل المشرق في حلقة حلزونية من “الحماة” اللاعبين بمصائر أهله. فهزلوا.. أولئك الأهل، نحِفوا.. حتى كادوا يختفون من المشهد الدائرة فصوله فوق أرضهم.

العربي الجديد

 

 

 

احتمال حدوث مواجهة إيرانية إسرائيلية في سوريا؟/ إسماعيل جمال

أردوغان: أمريكا ستكون الخاسرة لانسحابها من الاتفاق النووي

أبدت تركيا قلقاً عميقاً من انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي مع إيران في ظل تعاظم رغبة أنقرة في إحلال الاستقرار بالمنطقة ومنع دخول دولة جارة جديدة في حالة من الفوضى وانعدام الاستقرار السياسي والأمني الذي يمكن أن ينعكس على تركيا سلباً بشكل سريع وكبير.

وعلى الرغم من أن إيران تعتبر بمثابة القوة الإقليمية الأولى منافسة لها في النفوذ بالشرق الأوسط والمنطقة بشكل عام، إلا أن أنقرة لا ترغب في مواجهة هذا النفوذ من خلال تحويل إيران إلى سوريا جديدة تنتشر فيها المليشيات لا سيما الكردية منها وتتحول تدريجياً إلى مركز للتدخلات الدولية كم حاصل الآن في الجارة سوريا.

وخلال الاحتجاجات التي اندلعت في إيران نهاية العام الماضي وعقب أيام من التردد، حسمت تركيا موقفها بالانحياز إلى جانب النظام الإيراني، واعتبرت أن هذه الأحداث لا تخدم الاستقرار في المنطقة وتصب في صالح أمريكا إسرائيل.

وفي موقف مشابه اعتبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان،أمس الأربعاء، أن الولايات المتحدة ستكون الخاسرة بعد أن انسحبت من الاتفاق النووي مع إيران، وقال: «انسحاب واشنطن من الاتفاق سيكون له تأثير سلبي على اقتصاد المنطقة والعالم وتركيا»، وأضاف: «لماذا نفتح المجال أمام خلق أزمات جديدة؟.. أمريكا ستكون الخاسرة لأنّها لم تلتزم باتفاقية هي أبرمتها، لا يمكن تعطيل أو إبرام الاتفاقيات الدولية بشكل كيفي، هذا أمر غير مقبول».

وفي السياق ذاته، اعتبر إبراهيم قالن المتحدث باسم الرئاسة التركية أن الخطوة الأمريكية مثيرة للقلق، وقال: «إلغاء اتفاقية أبرمت نتيجة مباحثات مطولة ومبادرات دبلوماسية، من جانب واحد، يزعزع مصداقية الولايات المتحدة»، مشدداً على أن بلاده لا تريد لأي دولة في المنطقة أن تمتلك السلاح النووي، وأولويتها هي تطهير المنطقة برمتها من هذا السلاح، محذراً من خطر عدم الاستقرار ونشوب توترات وصراعات جديدة في المنطقة.

وفي تصريح مماثل، وصف المتحدث باسم الحكومة التركية بكير بوزداغ الخطوة الأمريكية بـ«الخاطئة»، وقال: «ترامب سيدرك الخطأ الذي ارتكبه خلال فترة قصيرة»، مشيراً إلى أنه «من غير الممكن لواشنطن جني نتائج صحيحة عبر الإقدام على خطوات خاطئة».

ويرى مراقبون أن الموقف التركي ينبع من رغبة أنقرة الجامحة في منح تصاعد التوتر في المنطقة بشكل عام وتفضيلها تحجيم رغبة إيران النووية من خلال الاتفاقيات الدولية والضغوط الدبلوماسية دون اللجوء إلى التصعيد الذي يمكن أن يصل إلى مراحل متقدمة لاحقاً.

وإلى جانب ذلك تخشى أنقرة كما الدول الأوروبية من النتائج الاقتصادية المترتبة على الموقف الأمريكي الجديد لا سيما وأن واشنطن أعلنت أنها ستفرض عقوبات جديدة على طهران وسوف تمنح الشركات الأجنبية 90 إلى 180 يوماً للخروج من طهران وهو القرار الذي أثار حفيظة ومخاوف أنقرة والعديد من العواصم الأوروبية، لا سيما باريس التي قال أحد وزرائها، الأربعاء، إن من غير المقبول أن تتحول واشنطن إلى شرطي اقتصادي للعالم.

وعلى الرغم من أنقرة أعلنت سابقاً وحديثاً أنها غير مضطرة للإلتزام بالقرارات الأمريكية الأحادية في الجانب الاقتصادي، إلا أنها تعلم أن عدم الإلتزام بهذا الجانب سيفتح الباب أمام مزيد من الخلافات والتوترات والمشاكل مع واشنطن.

ومن جانب آخر، ترى تركيا أن التطورات الأخيرة تمهد لمواجهة عسكرية بين إسرائيل وطهران في سوريا خلال الفترة المقبلة، وذلك في ظل تصاعد التوتر بين الجانبين وتزايد الضربات الجوية الإسرائيلي ضد أهداف إيرانية في سوريا، وكان آخرها مساء الثلاثاء والتي خلفت ما لا يقل عن 8 قتلى من الحرس الثوري الإيراني، حسب مصادر سورية.

وعلى الرغم من أن أنقرة ستكون راضية عن أي خطوة تؤدي إلى اضعاف النفوذ الإيراني في سوريا وربما إجبارها على الخروج من هناك، إلا أنها تخشى أن الأمر لن يقف عند هذا الحد وسيتوسع ـ حال حصوله ـ إلى مواجهة أوسع تؤدي إلى مزيد من الفوضى وتقوض جهودها إلى إنهاء الحرب في سوريا وربما اشعال حرب مع إيران، وهي سيناريوهات جميعها تجعل أنقرة تقف في وجه التوجهات الأمريكية والإسرائيلية الجديدة ضد إيران، وتدفعها للعمل أكثر مع الدول الأوروبية المعارضة لخطوة ترامب للحفاظ على حالة معينة من الاستقرار والتعاون السياسي والاقتصادي مع إيران.

القدس العربي»

 

 

 

 

 

انسحاب ترامب من اتفاق إيران اختبار لأوروبا/ حسام شاكر

لحظة تقدير الخسائر

اختبار التصرف الأوروبي

انقشعت الابتسامات العريضة والمصافحات الدافئة التي افترشت صحف العالم بعد سنوات مضنية من المفاوضات الشاقة؛ فقد قرّر دونالد ترامب طيّ الصفحة والتنصّل من اتفاق “خمسة زائد واحد” بشأن الملف النووي الإيراني، وأهال التراب على الحدث الدبلوماسي الأبرز في عهد سلفه باراك أوباما.

كانت أوروبا الموحدة قد رأت في إبرام الاتفاق الدولي مع إيران عام 2015 إنجازا لها بعد قرابة سنتين من المفاوضات المكثفة، وهو ما رسم ملامح نهاية سعيدة على وجه ممثلة السياسة الخارجية الأوروبية فيديريكا موغيرينيتحديدا، لكنّ الموسم الراهن لم يَعُد ملائما للابتسامات في أوروبا؛ فدوائر السياسة والاقتصاد بعواصمها منهمكة في تقدير الأضرار المترتبة على انقشاع الاتفاق مع تكثيف الجهد لمنع انهياره.

كان مساء الثلاثاء (8 مايو/أيار الجاري) عصيبا في عواصم القرار الأوروبي التي استقبلت خطوة ترامب، بما مثّلته من ضربة مسدَّدة لجهود أوروبا الدبلوماسية وتجاهل صارخ لمصالحها الاقتصادية، علاوة على ما تراه فيها من مغامرة غير محسوبة العواقب في خريطة الصراعات الدولية.

بات على الأوروبيين إعادة ضبط التوقيت سنوات عشرا إلى الوراء من عمر الدبلوماسية الدولية، وربما اجترار خبراتهم التاريخية القاسية مع عواقب نقض الاتفاقات التي تبدو ماثلة في ذكريات حروبهم الطاحنة، وما خلّفته من أطلال وندوب لا تنمحي.

ومما يُفاقم وطأة الحدث أنّ العواصم الأوروبية تستشعر تقليديا وقوفها على تخوم بؤر النار التي تتوسط العالم، بما يجعلها ليست بمنأى عن دخان الحرائق الكبرى؛ بينما تتفتح الورود في حديقة البيت الأبيض البعيد، كما في كل موسم.

وإذ يواصل الرئيس الأميركي نهج الرعونة في إدارة العلاقات الدولية والخروج بمفاجآت، تتلاحق مع تغريداته التي تتحكم في منسوب الأدرينالين في الأروقة الإستراتيجية الأوروبية كل مساء؛ فإنّ ما يخشاه بعضهم هو أن تدقّ خطوة واشنطن الجديدة نحو طهران طبول حرب غبر محسوبة أو تُشعِل فتائل تفجير كامنة بين حقول النفط.

ولهذا تأتي الرسالة الأوروبية -في هذه اللحظة- بأنّ الاتفاق “لم يمُت”، حسب تعبير وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان.

لحظة تقدير الخسائر

إن كان اتفاق الأطراف الدولية مع إيران قد صبّ في حينه ضمن رصيد الإنجازات الدبلوماسية الأوروبية؛ فإنّ ما أقدمت عليه إدارة ترامب -بعد سنوات ثلاث من الاتفاق- يحرر شهادة إخفاق للدبلوماسية ذاتها، التي تبدو اليوم عاجزة عن التأثير في اندفاعات حليفها الأميركي.

فمنذ بداية عهدها؛ أظهرت إدارة ترامب تراجعا نسبيا عن الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع طهران تحت مظلة دولية تضمّ أوروبا أيضا. وجاء التراجع عبر سلسلة من التصريحات والمواقف الصادرة عن واشنطن، والتي انطوى بعضها على إجراءات ذات طابع عقابي، وصولا إلى قرار الانسحاب منه.

أدرك الجانب الأوروبي مبكرا أهمية إنقاذ الاتفاق النووي بعد أن لاح إصرار إدارة ترامب على تقويضه، وكان ذلك موضوعا لمشاورات المسؤولين الأوروبيين مع وزير الخارجية الأميركي الأسبق ريكس تيلرسونالذي أقاله ترامب في نهاية مارس/آذار 2018؛ في خطوة أنذرت بلجوء البيت الأبيض إلى خيار رفع العصا الغليظة على المسرح الدولي.

لم تجد أوروبا أي مصلحة لها في نقض الاتفاق النووي أو فرض عقوبات على طهران، فالاتفاق تم بالشراكة معها أساسا، وهي معنية بخفض التوتر وكبح جموح إدارة ترامب في بعض الملفات الدولية، ومنها احتمالات التصعيد بين إيران والغرب، أو تأزيم التوترات الكامنة في الخليج مثلا.

وتبرز ضمن خلفيات التمسّك الأوروبي بالاتفاق مع طهران دوافع اقتصادية واضحة، تتمثل في التعاقدات القائمة والمحتملة مع بلد كبير مثل إيران، يُفترَض أن يشهد تطويرا شاملا في البنى التحتية والمشروعات الكبرى، وانفتاحا متأخرا على الاستثمارات الأجنبية.

كان هذا الاتفاق قد أغدق وعودا اقتصادية سخية على بلدان وشركات عبر أوروبا، تسابقت إلى الحظوة بمكاسب رفع العقوبات عن طهران، علاوة على تأثير الاتفاق على أسواق الطاقة العالمية بإنعاش تدفقات النفط.

لكنّ دخول ترامب البيت الأبيض أسدل الستار على موسم التفاؤل الإيراني والأوروبي القصير، بينما نثرت عقوبات واشنطن المتلاحقة على طهران وبعض الكيانات المتعاملة معها شكوكا محقّة بشأن الفرص الواقعية لصمود الاتفاق النووي، أو تحقيق وعود الانفتاح الاقتصادي بين إيران والغرب.

تأتي العقوبات الأميركية المتزايدة على إيران بمثابة عقوبات على شركاء إيران الماليين والتجاريين أيضا، بما سيجرّه ذلك من مضاعفات على مصالح اقتصادية أوروبية.

وقد انشغل الأوروبيون صباح الأربعاء (9 مايو/أيار) بتقدير خسائرهم المباشرة واللاحقة، والتحسّب من الانعكاسات الناجمة عن القرار الأميركي بنقض الاتفاق مع إيران، بينما خرجت وسائل الإعلام بعناوين وتعليقات متشائمة من عواقب الخطوة.

وإن جاء الانسحاب الأميركي من الاتفاق تحضيرا لضربة عسكرية لا يمكن استبعادها، خاصة مع تسخين الضربات الإسرائيلية الموقفَ على الجبهة السورية؛ فإنّ التداعيات قد تخرج عن نطاق التوقعات.

اختبار التصرف الأوروبي

تفرض خطوة ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي اختبارا هو الأشقّ من نوعه حتى الآن بالنسبة لأوروبا في عهد سيد البيت الأبيض المتهوِّر. ويضع هذا التحدي عواصم القرار الأوروبي على المحكّ رغم اختبارات سابقة واجهتها في عهد ترامب.

ومن ذلك انقلابه على اتفاقية باريس للمناخ، وإجراءاته الحمائية في المجال التجاري، وإعلانه القدس عاصمة للاحتلال الإسرائيلي مع تنصّله الضمني من مشروع “الدولتين”، لصالح ما قد تكون “صفقة قرن” يتوجّه إلى فرضها قسرا بما يلائم قيادة رفيقه بنيامين نتنياهو.

يدرك الأوروبيون ما يعنيه نقض واشنطن الاتفاق الذي صاغته مع حلفائها في القارة وغيرهم تحت رعاية دولية؛ فالخطوة سابقة جسيمة في الدبلوماسية الدولية، وتثير الشكوك أيضا بشأن نمط القيادة الأميركي في العالم ومستقبل ملفات التسوية الأخرى المرتقبة (مع كوريا الشماليةمثلا)، إن استمرّ التقلّب الجامح في بؤرة صناعة القرار الأبرز عالميا.

لكنّ ترامب يواصل نهجه الانفرادي غير عابئ بحلفائه الأوروبيين، الذين أعلنوا رفضهم نقض الاتفاق مع طهران، لكنهم يجدون أنفسهم في زاوية ضيقة لا تمنحهم هوامش واسعة للتصرّف.

تدرك أوروبا الآن أنها تخسر مكاسب الاتفاق مع إيران؛ فعلى مصالحها الاقتصادية والتجارية -التي انعقدت على ناصية هذا الاتفاق- أن تنكمش أو تتلاشى، خشية أن يمسّ كياناتها المتعاقدة طائف من عقوبات ترامب.

إنّ الاختبار الذي يفرضه ترامب على عواصم القرار الأوروبي هو أن تلحق به من موقع التابع لخياراته الانفرادية، أو أن تشقّ طريقها في السياسة الدولية بصفة مستقلة لا تحتمل أوروبا تبعاتها الإستراتيجية، خاصة في المجال الدفاعي الذي تعبِّر عنه الآصرة التحالفية الأطلسية.

وواقع الحال أنّ أوروبا لم تكن جاهزة من قبلُ لهذا التحدي؛ فكيف بوسعها أن تتأهّل لمواقف متماسكة بعد فكاك بريطانيا من أسرتها الموحدة وتفلّت بعض دول وسط أوروبا وشرقها نسبيا من التأثير المركزي الأوروبي؟

لكنّ مغامرات ترامب والأولويات الخاصة التي يفرضها على المسرح الدولي -بما يشمل العلاقات المتشابكة مع العملاق الاقتصادي الصيني أيضا- لا تمنح أوروبا فرصة للتريّث، بل تفرض تصرّفها بمنطق جديد على أمل عزل الانعكاسات السلبية للجموح الأميركي، وإبرام ترتيبات في عالم متعدد الأقطاب.

يدخل امتحان التصرّف الأوروبي في زمن ترامب جولته الساخنة، ومن الواضح أنّ الأسلوب الذي لجأ إليه الأوروبيون -حتى الآن- في احتواء تداعيات بعض قراراته المتعنتة، وسعيهم لتقليص أضرارها، وامتناعهم الناعم عن التجاوب مع خياراته القسرية؛ لن يدفع عنهم عواقب الخطوة المتعلقة بالاتفاق مع إيران بما تمثله من تحوّل جسيم.

تدرك أوروبا أنّ عليها التصرّف الآن، ولا مفاجأة بالتالي في موقفها الصارم الذي أبدته عواصمها بعد قرار ترامب؛ فالرفض الذي أعلنته لندن وباريس وبرلين لتقويض الاتفاق مع إيران هو الخطوة الأولى لاحتواء المخاطر بدل سماحها بانهيار الاتفاق وانفلات الموقف، لكنّ مهمة الإنقاذ لا تبدو يسيرة، وسيكون عليها أيضا احتواء تداعيات الموقف الإيراني بعد قرار واشنطن.

المؤكد أنّ مآل التطورات المتسارعة سيترك أثره على حضور الأوروبيين على المسرح الدولي، فقد ينجحون في التصرّف الفاعل بصفة أكثر استقلالية عن شريكهم التقليدي على ضفة الأطلسي الغربية، أو قد يرضخون لانفراد ترامب بقاطرة تمضي بهم صوب وجهة غير محسومة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة

 

 

 

لا إسقاط كاملاً للاتفاق النووي ولا حرباً واسعة؟/ جورج سمعان

المشرق العربي أمام استحقاقين كبيرين. قرع طبول الحرب بين إسرائيل وإيران لم يتوقف. العناصر والشروط والظروف لهذه المواجهة الكبرى بين الدولتين نضجت. وحملة الرئيس دونالد ترامب على الاتفاق النووي في جولتها الأخيرة. وبدأ العد العكسي للقرار المفصلي. الأيام المقبلة تنذر إذاً بانعطافة كبيرة. الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حذر من أن المنطقة في وضع خطير جداً. وألح على وجوب إجراء حوار بناء بين جميع اللاعبين المعنيين. في تل أبيب ارتفعت وتيرة الأصوات العسكرية والسياسية المنادية بوجوب ضرب التمدد الإيراني في سورية بعد لبنان والعراق. ترى النخبة الحاكمة في الدولة العبرية إلى هذا التمدد تهديداً وجودياً، وخطاً أحمر لا يمكنها تالياً التساهل حياله أو التغاضي عنه. لذلك لم تتردد الآلة العسكرية الإسرائيلية، منذ اندلاع الأزمة السورية عن توجيه عشرات الضربات الجوية والصاروخية لأهداف وقواعد ومجموعات على صلة بالوجود الإيراني في بلاد الشام. وهي تعيش منذ إغارتها على مطار «تي فور» ومقتل جنود من «الحرس الثوري» في إحدى منشآته في حال استنفار. قادة الجمهورية الإسلامية هددوا بالثأر. وكانت ضربتها الأخيرة في ريف حلب ومنشأة صاروخية للحرس في مخازن اللواء السوري 47 في ريف حماة، بمثابة استباق لما كان يعد لها. هذا على الأقل ما كشفته دوائر عسكرية وديبلوماسية عدة.

ثمة ما يشبه الإجماع على أن المواجهة بين إيران وإسرائيل حتمية لا مفر منها. لكن قراءة منطقية ودقيقة للأوضاع في كلا البلدين وللظروف المحيطة في الإقليم لا تقدم حوافز لاستعجال مثل هذا الاستحقاق. الدولة العبرية في وضع استراتيجي دولي مريح، فعلاقاتها مع الولايات المتحدة في أرقى درجات التنسيق والتناغم، وكذلك مع روسيا. ومثل ذلك وضعها على مستوى الإقليم أيضاً. فخصومها الفلسطينيون والعرب عموماً لا تحتاج أوضاعهم وظروفهم إلى شرح. فلا حاجة ملحة إذاً إلى حرب واسعة مع الجمهورية الإسلامية وأذرعها في المنطقة وصواريخها المخزنة من العراق إلى لبنان. فهي تعلن صراحة أنها ستنقل النار إذا اندلعت إلى قلب الجمهورية وأراضيها إذا تلقت بعض هذه الصواريخ. ولن تكتفي بمقارعة حلفاء طهران في الأراضي السورية واللبنانية والفلسطينية… وفي المقلب الثاني، لا مصلحة للقيادة الإيرانية في شن حرب واسعة، فيما تخوض مواجهات ومعارك ميدانية على أكثر من جبهة، في اليمن والمشرق العربي عموماً، تستنزف جهودها واقتصادها وتشتت قواها. مثلما تواجه ضغوطاً دولية واسعة تقودها الولايات المتحدة لتعديل الاتفاق النووي، وإرغامها على تغيير سلوكها وسياساتها في الشرق الأوسط وفرض قيود على برنامجها الصاروخي. ولا تخفي مشاعر الريبة من احتمال تخلي حليفها الروسي عنها إذ قد يجد فائدة في تقليص نفوذها في بلاد الشام. كما أن نقل إسرائيل النار إلى داخل إيران، في ظل أوضاعها المضطربة، وانخراط الولايات المتحدة في صورة ما في هذه الحرب لمساعدة حليفتها الاستراتيجية، يهددان النظام وبقاءه. وربما شجعا أطرافاً داخلية وخارجية على خطوات تغيير كبرى.

لكن هذه المعطيات المنطقية قد لا تحول دون دوافع البلدين إلى المواجهة. إسرائيل التي تكرر كل يوم أنها لن تسمح لإيران بترسيخ أقدامها على الحدود الشمالية وفي عموم سورية، وتكيل لها اتهامات بإخفاء برنامجها النووي، تهدد بأنها لن تسمح لها بتهديد وجودها. وقد تفيد من موقف إدارة ترامب المؤيد لتقليم نفوذ طهران وإصرارها على منعها من امتلاك القنبلة النووية. مثلما تفيد من فرصة العداء المستحكم بينها وبين عدد واسع من الدول العربية. أما الجمهورية الإسلامية التي تستشعر التهديدات الجمة المحيطة بها فقد تلجأ إلى حرب استباقية مع الدولة العبرية. مثل هذه الحرب توفر لها الهروب إلى أمام من استحقاقات داخلية كثيرة. وتعيد رص الصفوف بين قواها ونخبها وتياراتها المختلفة والمتصارعة. وتستعيد بعض ماء الوجه بعد الغارات الإسرائيلية التي تبدد صورتها وصدقيتها، وتسخر من تصريحات بعض قادتها العسكريين بإلغاء الدولة العربية من الوجود في بضع ساعات! كذلك قد يكون الرئيس بشار الأسد راغباً في مواجهة تعيده طرفاً في المحافل الدولية والنشاط الديبلوماسي الأممي المواكب لوقف التدهور وتداعياته الإقليمية.

والواقع أن كثيرين يتخوفون من وقوع المواجهة بعد الانتخابات النيابية اللبنانية التي تراهن طهران على أن يحصد فيها حلفاؤها مقاعد تتيح لهم التحكم شرعياً بسلطة القرار. كما أن خيار إيران وحلفائها، خصوصاً «حزب الله»، كان ولا يزال فتح جبهة الجولان التي ستحولها قاعدة مماثلة لجنوب لبنان. في حين يعتقد السوريون أن مثل هذا الخيار سيستكمل تدمير ما بقي من عمران في جولة كبرى من الحرب المستمرة من نيف وسبع سنوات. وربما أدت إلى هز أركان النظام. من هنا قرأ بعضهم إلحاح روسيا على توفير شبكة أمان واسعة تحيط بالعاصمة، خوفاً من استغلال الفصائل الإسلامية الانشغال بالمواجهة مع إسرائيل للانقضاض على دمشق. لذلك كانت حرب الغوطة الشرقية وموجات ترحيل هذه الفصائل من شرق العاصمة وجنوبها. إلى ذلك لن تلتزم تل أبيب بـ «خيار» جبهة الجولان، ستنتهز الفرصة لتوسيع ميدان الحرب إلى جنوب لبنان وقواعد «حزب الله» وترسانته.

إذا كان الطرفان الإسرائيلي والإيراني لا يرغبان في حرب واسعة، فهل ثمة خيار آخر؟ ربما هناك احتمال ضئيل لبديل يترجم بسلسلة من المعارك الموضعية، على غرار الغارة على مطار «تي فور» أو ضرب مخازن الصواريخ قبل أيام جنوب حماة، أو عملية محدودة ضد موقع إسرائيلي يخلف قتلى. لكن هذا البديل قد لا يؤدي إلى النتائج التي يتوخاها المتصارعون من حرب أكبر وأوسع. حتى فتح النظام وحليفه الإيراني جبهة شمال شرقي سورية قيد لا يفي بالغرض. فالرئيس ترامب الذي كرر نيته سحب جنوده من هذه المنطقة، أكد بعد قمته مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون أن مثل هذا الانسحاب لا يعني إخلاء الطريق أمام الجمهورية الإسلامية للوصول إلى شاطىء المتوسط. ما يريده هو أن يساهم الشركاء الأوروبيون والحلفاء العرب في ملء الفراغ وأن يساهموا في تكاليف حماية هذه المنطقة. وشدد على أن بلاده ستكون حاضرة دائماً في سورية. وهذه رسالة إلى طهران وموسكو أيضاً التي تجد نفسها اليوم معنية بمنع وقوع حرب واسعة بين إسرائيل وإيران، وإن بدت صامتة حيال تنفيذ تل أبيب ضرباتها المتكررة في عمق الأراضي السورية. وقد يكون إعلان وزير الخارجية سيرغي لافروف استعداد بلاده للتعاون مع الولايات المتحدة والأردن لمواجهة «الإرهابيين» في الجبهة الجنوبية، توجيه رسالة واضحة إلى إيران والنظام في دمشق أن الكرملين ملتزم التهدئة في هذه الجبهة. مثلما هي رسالة طمأنة إلى إسرائيل التي طالبته برد الجميل ومراعاة مقتضيات أمنها ومصالحها، بعدما رفضت الانضمام إلى حلفائها في فرض عقوبات على روسيا.

أربك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو الدول الأوروبية حيال ما سماه «البرنامج النووي السري» لإيران متهماً إياها بـ «الكذب». وعلى رغم تأكيد الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن هذه لم تنتهك الاتفاق النووي، إلا أن تصعيده الخطاب ضد طهران يصب مزيداً من الزيت على الموقف المنتظر من الرئيس ترامب بعد أيام من الاتفاق النووي. علماً أن دوائر كثيرة تتوقع أن يعطي الرئيس الأميركي شركاءه الأوروبيين مهلة جديدة لتقرير استراتيجيتهم حيال الاتفاق وسياسات طهران. ذلك أن الخروج من الاتفاق نهائياً سيؤدي إلى انهياره، وسيدفع إلى إيران إلى إعادة العمل ببرنامجها النووي، وتفعيل حروبها بالوكالة في الإقليم كله… وهذا ما سيعجل في المواجهة الواسعة. فهل يقرر ترامب الانسحاب الجزئي من الاتفاق ريثما يتوافر بديل آخر، كما تمنى الأمين العام للأمم المتحدة؟ وهل تتجنب إسرائيل وإيران المواجهة الواسعة وتكتفيان بوضع الإصبع على الزناد؟ إنه المخرج الوحيد الذي يجنب الشرق الأوسط وسورية خصوصاً حرباً مدمرة لا تبقي ولا تذر.

الحياة

 

 

 

 

 

إيران : لا قواعد لنا في سوريا لتقصفها اسرائيل/ بادية فحص

لم تحتفل الجمهورية الإسلامية، بشكل رسمي، بالهجمات الصاروخية التي انطلقت من سوريا باتجاه مواقع إسرائيلية في مرتفعات الجولان المحتل. الخبر لم يحتل صدارة الأخبار في الوكالات الرسمية (مهر، فارس، إرنا، إيسنا، تسنيم وغيرها)، كما لم يزح على أهميته الاستراتيجية، نقاشات خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، ارتفاع سعر صرف العملة والإحصاءات السكانية الجديدة، حتى زحمة السير على مداخل طهران، تقدمت عليه من حيث الاهتمام والمتابعة.

وعدا ردة الفعل اليتيمة التي جاءت على لسان نائب رئيس لجنة الأمن القومي أبو الفضل حسن بيكي، لم يعلق أي مسؤول إيراني، لا سلبا ولا إيجابا، على أحداث ليلة الصواريخ الطويلة ما بين سوريا وإسرئيل. كما لم يأت الإعلام الرسمي على ذكر تعرض مواقع عسكرية إيرانية لغارات صاروخية إسرائيلية.

هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية الإيرانية (صدا وسيما) تابعت ليلة الصواريخ كما أسمتها، صاروخا صاروخا، لكنها لم تتدخل في صياغة أي خبر، كل ما نقلته من أخبار، كانت حريصة في خلاله أن تنسبه إلى مصدر إعلامي معين. كما ظلت المواقع الرسمية الإيرانية، حتى ساعة سكوت الصواريخ، مواضبة على ذكر مصادر أخبارها المستقاة من: قناة الميادين، سكاي نيوز، سبوتنيك، فرانس برس وسانا.

الحيادية الإيرانية في حدث إقليمي بالغ الخصوصية بالنسبة إليها، مفاجئة جدا إذ لم نقل صادمة، فمنذ أيام، توعد مستشار مرشد الجمهرية السيد علي خامنئي للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي، بالرد المناسب على الغارات الإسرائيلية، التي استهدفت مواقع عسكرية إيرانية في مدن سورية مختلفة، والتي أوقعت حوالى 30 قتيلا من الحرس الثوري. مما حول المنطقة إلى كتلة من القلق والخوف، من اندلاع حرب إقليمية بين إيران وإسرائيل يكون مسرحها سوريا بالدرجة الأولى ولبنان ثانيا.

الغضب الإيراني وصل مداه، والتهديدات بمحو إسرائيل من الوجود انطلقت في كل الاتجاهات. شيع الحرس الثوري قتلاه في مساقط رؤوسهم وبدأ بالتحضير لمرحلة الانتقام. المنطقة في خلال هذه الفترة، كانت آخذة بالتضخم مثل رئة مصابة بالسرطان، تشهق قلقا وتزفر رعبا، بانتظار ساعة الصفر الإيرانية.

حتى حل فجر الخميس، ساعة انطلاق الصواريخ “السورية” باتجاه مواقع إسرائيلية في الجولان، حيث اعتقد الجميع أن إيران نفذت وعدها، وبدأت بحربها الموعودة لإزالة إسرائيل من الوجود. لكن مع بزوغ شمس الصباح، ظهرت حقيقة مغايرة.

نفت إيران على لسان بيكي نفيا قاطعا علاقتها بإطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل، فالجيش السوري “الباسل” وحده من قام بهذا العمل، الذي تباركه إيران بالطبع، والدفاعات الجوية لهذا الجيش “الباسل” هي وحدها التي تصدت للعدوان الغاشم وتمكنت من إسقاط عدد من الصواريخ. الأهم من هذا كله، أن بيكي نفسه، أنكر في التصريح اليتيم، وجود قواعد عسكرية للحرس الثوري على الأراضي السورية، وقال حرفيا: “إيران ليس لها علاقة بالصواريخ التي تم إطلاقها فجر اليوم على إسرائيل، ولو كانت هي من قامت بذلك لأعلنا فورا”، وأضاف: “عندما تعدت علينا داعش وقررنا الرد، قمنا بهجوم صاروخي على مواقع للتنظيم في  دير الزور”، كما أكد أن “ليس لإيران وجود عسكري في سوريا، ولا قواعد للحرس الثوري، وإسرائيل تكذب، ومن قام بالضربة هي سوريا وحدها، وهذا رد على الاعتداءات المتكررة عليها”.

هل هذه الحيادية المستجدة يمكن وصفها بالتراجع، خصوصا أنه بين هذين الحدثين، وقع ما لم يكن في الحسبان، وهو تنفيذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب تهديده بالخروج من الاتفاق النووي؟ أم أنها تكتيك دبلوماسي قبل أن يكون استراتيجيا؟

إيران لم تتقدم في موضوع الحرب على إسرائيل كي تتراجع، إسرائيل لم تكن يوما هدفا استراتيجيا إيرانيا، هي ورقة ضغط على المجتمع الدولي ليس إلا، لكن ضمن حدود صداقاتها. أي خطوة إيرانية مؤذية لإسرائيل قد تفقدها صداقتها مع روسيا حليفتها الأثيرة، وهي لا غنى لها عن هذا التحالف الذي يحميها من الكثير من المحاسبة الدولية على تدخلاتها السلبية في شؤون دول المنطقة، كما يؤمن استمرار برنامجها النووي وتسليحها بالصواريخ المتطورة. تدرك إيران أنه حين يحشر الروسي في المفاضلة ما بينها وبين إسرائيل سيختار الأخيرة حتما. ومن هذا المنطلق يصعب عليها أن تشن حربا على إسرائيل، أو أن تنفذ انتقامها، لذلك آثرت الحيادية، أو حتى التبرؤ من الهجمات الصاروخية التي طاولت مواقع عسكرية إسرائيلية فجر اليوم.

أما إعلان عدم وجود قواعد عسكرية إيرانية في سوريا، اليوم، بينما كان وجودها أمرا عاديا حتى الساعات الأخيرة ما قبل الغارات الإسرائيلية، فليس له إلا تفسير واحد، وهو أن إيران، بعد سقوط الاتفاق النووي، لم تعد أبدا بوارد الدخول في مواجهة حتى غير مباشرة مع إسرائيل، لا قدرة عسكرية ولا اقتصادية ولا بشرية ولا حتى سياسية لديها على فعل ذلك. فليقتل من يقتل من عسكرييها، التضحية ببضعة جنود أهون من التضحية بالنظام، وعليه ولن تقرع أجراس الحرب لا اليوم ولا غدا.

في إحدى التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي كتب مواطن إيراني موال للنظام: الجيش السوري أمطر إسرائيل بسبعين صاروخا، فرد عليه آخر معارض: كيلو غرام اللحم أصبح بمئة ألف تومان.

 

 

 

 

مخاوف حرب مباشرة بين إيران وإسرائيل تتصاعد… والأمم المتحدة «قلقة للغاية»

الجيش الإسرائيلي «أبلغ روسيا»… عقوبات أمريكية على الحرس الثوري… والبحرين مع «حق تل أبيب في الدفاع عن نفسها»

عواصم ـ «القدس العربي» من وديع عواودة وأشرف الهور وهبة محمد وسعد الياس: أثارت الغارات الاسرائيلية المكثفة على أهداف إيرانية مفترضة في سوريا، التي قدمت على أنها رد على إطلاق غير مسبوق لصواريخ على الجولان المحتل، مخاوف من مواجهة إقليمية.

وقال هايكو فيمن من مجموعة الأزمات الدولية لفرانس برس «نقترب من الهاوية»، مؤكدا أن «الإسرائيليين يبعثون رسائل حول خطوطهم الحمر».

وأضاف أن التحذيرات الإسرائيلية بدأت «الشهر الماضي»، في إشارة إلى العمليات العسكرية الإسرائيلية السابقة في سوريا.

وأوضح لكن التحرك «أصبح أكثر حدة»، مؤكدا أنه «في يوم من الأيام مع هذه التحركات سيقول الإيرانيون: علينا الرد بقوة، علينا ثني الإسرائيليين إذا أردنا البقاء في سوريا، علينا أن نوجه ضربات».

وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، أمس الخميس، عن «القلق البالغ» إزاء إطلاق إيران لصواريخ نحو مرتفعات الجولان، والهجمات العسكرية الإسرائيلية الانتقامية في سورية.

وقال المتحدث باسم جوتيريش في بيان: «يحث الأمين العام على الوقف الفوري لكل الأعمال العدائية، وأي أعمال استفزازية لتجنب اندلاع حريق جديد في المنطقة التي تعاني بالفعل من صراعات رهيبة ومعاناة هائلة للمدنيين.»

وبدأ التصعيد العسكري الأخطر بين إسرائيل وإيران، فوق الأراضي السورية، بوابل من الصواريخ الإيرانية التي استهدفت مواقع إسرائيلية في الجولان المحتل، وجاء الرد الاسرائيلي سريعاً وواسعاً وشاملاً، حيث قالت إسرائيل أمس إنها نفذت واحدة من أكبر العمليات الجوية في العقود الأخيرة ضد أهداف إيرانية وسورية، الأمر الذي طرح العديد من الأسئلة حول الموقف الروسي، وعن سبب تغاضيه عن الضربات الإسرائيلية ضد القوات الإيرانية في سوريا وكان لافتاً تصريح الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي بأن إسرائيل أبلغت روسيا مسبقاً بالهجوم، فيما أعلنت واشنطن دعمها للهجمات الإسرائيلية كونها «دفاعاً عن النفس»، وطالبت بضرورة مواصلة عمليات تفتيش المنشآت النووية في إيران، كما أعلنت فرض عقوبات على شبكة تمويل للحرس الثوري الإيراني، عملت على تحويل ملايين الدولارات من العملات الاجنبية بين الإمارات العربية المتحدة وإيران.

وجاء في بيان صادر عن وزارة الخزانة الأمريكية، أن هذه العقوبات تستهدف ستة أشخاص وثلاثة كيانات إيرانية متهمة بالعمل في إطار «شبكة واسعة لتبادل العملات الأجنبية حولت ملايين الدولارات إلى فيلق القدس التابع للحرس الثوري» الإيراني.

ونفت لجنة الدفاع في البرلمان الإيراني، أمس الخميس، علاقة القوات الإيرانية بالهجمات التي استهدفت مواقع إسرائيلية.

وقال المتحدث باسم اللجنة محمد نوبنديجاني «هذه كذبة أخرى من النظام الصهيوني لأغراض دعائية»، مضيفا أن إيران ليست لديها قوات عسكرية في سوريا، وإنما مستشارون فحسب.

نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، قال إن موضوع الهجمات الإسرائيلية على الأراضي السورية طرح خلال زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى موسكو.

واتهم رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو إيران بـ«تجاوز خط احمر» عندما أطلقت صواريخ على مواقع إسرائيلية في هضبة الجولان، ما دفع الدولة العبرية إلى الرد بقصف عشرات الاهداف الإيرانية في سوريا.

وفي تصريح شديد اللهجة، اعتبر رئيس الحكومة الاسرائيلية أن إيران «تجاوزت خطا احمر وردنا كان متناسبا، جيش الدفاع شن هجوما واسعا جدا ضد أهداف إيرانية في سوريا»، مضيفا أنه «لم يسقط أي صاروخ داخل الأراضي الإسرائيلية».

وتابع نتنياهو «لن نسمح لإيران بالتموضع عسكريا في سوريا»، قبل ان يضيف متوعدا «أكرر وأقول: من يضربنا نضربه سبعة أضعاف، ومن يستعد لضربنا، سنعمل لضربه بشكل استباقي. هكذا عملنا وهكذا سنواصل العمل».

وأسفرت الضربات الإسرائيلية على عدة مناطق في سوريا عن مقتل 23 مقاتلا على الأقل بينهم خمسة من قوات النظام السوري و18 عنصرا من القوات الموالية له، حسبما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان الخميس.

وجاء الموقف الغربي بمجمله داعماً للرد الإسرائيلي على القصف الإيراني، مع الدعوة الى التهدئة وضبط النفس بين الطرفين، وكان لافتاً تأييد البحرين للضربات الإسرائيلية في سوريا.

وهددت إسرائيل بأن ذلك مجرد البداية، وقال وزير الأمن الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، خلال خطابه في مؤتمر الأمن القومي في هرتسليا أمس، إن إسرائيل استهدفت معظم البنى التحتية ومواقع إيران في سوريا، بعد الهجوم الذي استهدف مواقع الجيش الإسرائيلي في الجولان السوري المحتل. وأشار إلى أن «إيران تلقت ضربة قوية جدًا، دمرنا كل البنية التحتية الإيرانية في سوريا تقريبًا، علهم يدركون أنه إذا كان عندنا مطر فسيكون عندهم سيول وفيضانات».

وفي التفاصيل قصفت قوات الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 50 موقعاً عسكرياً تابعاً للحرس الثوري الإيراني داخل الأراضي السورية، بحسب الرواية الإسرائيلية، التي وصفت القصف الإيراني بالعدوان الخطير. وفي قصفها الصاروخي المكثف للمواقع الإيرانية استخدمت إسرائيل 28 مقاتلة وأطلقت نحو 60 صاروخاً على الأراضي السورية في غضون ساعتين.

وبحسب مصادر عسكرية لـ«القدس العربي» فقد دوت انفجارات ضخمة بينها في مثلث «دمشق- درعا – القنيطرة» جنوبي سوريا، إضافة إلى مواقع قرب حمص، طالـت قواعد جويـة، ألـوية عسـكرية، محطـات رادار، وعربـات صاروخـية، وغالبية المواقع المستهدفة هي قواعد إيرانية، ومحمية بمنصات دفـاع جـوي للنـظام السـوري، استناداً الى الصليات الصاروخية للنظام السوري، والتي حاولت الحد من تأثير الصواريخ الإسرائيلية.

واستهدفت الضربات الاسرائيلية مواقع في محيط مدينتي الصنمين وإزرع في ريف درعا، والقواعد الجوية في مطار المزة العسكري في دمشق، ومستودعات أسلحة للحرس الإيراني داخل مطار دمشق الدولي، وقيادة الحرس الجمهوري في جبل قاسيون، والمنطقة الاستراتيجية الواصلة بين ريف دمشق الغربي وريف القنيطرة الشمالي الغربي في «تل أحمر وتل القبع» ومواقع ومستودعات أسلحة تابعة لحزب الله اللبناني في مدينة القصير في ريف حمص. كما استهدفت الغارات الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد على جبال معضمية الشام.

وأكد المرصد السوري لحقوق الإنسان أن ما لا يقل عن 23 من عناصر وضباط من قوات النظام وتشكيلات موالية وحليفة لها، قتلوا في القصف الإسرائيلي. أما رواية النظام السوري فحاولت تصغير حجم الخسائر التي لحقت بالمواقع العسكرية المستهدفة، وذكرت انه تم تدمير محطة رادار ومستودع ذخيرة وإصابة عدد من كتائب الدفاع الجوي بأضرار مادية، إضافة إلى مقتل 3 أشخاص وإصابة اثنين آخرين بجراح.

وفيما كان الطرفان الإسرائيلي والإيراني يتبادلان القصف بالصواريخ سقط صاروخ أرض ـ أرض فجر الخميس في بلدة الهبارية اللبنانية الحدودية، واقتصرت أضراره على الماديات. وقام فريق هندسي تابع للجيش اللبناني بالكشف على الصاروخ ونقله إلى أحد المواقع العسكرية. كذلك أفيد عن سقوط أجزاء من صواريخ في منطقة قب الياس في البقاع الأوسط.

وقال وزير خارجية البحرين، خالد بن أحمد آل خليفة، أمس الخميس، إن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها بتدمير «مصادر الخطر».

جاء ذلك في تغريدة له عبر «تويتر»، بعد ساعات من إعلان تل أبيب استهداف خمسين موقعًا تابعًا للقوات الإيرانية في سوريا، فجر أمس.

وقال آل خليفة: «طالما أن إيران أخلّت بالوضع القائم في المنطقة، واستباحت الدول بقواتها وصواريخها، فإنه يحق لأي دولة في المنطقة، ومنها إسرائيل، أن تدافع عن نفسها بتدمير مصادر الخطر».

القدس العربي

 

 

 

ماذا بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي مع إيران؟

كما وعد بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل أثناء حملته الانتخابية ونفذ وعده، عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونفذ وعدا آخر من وعوده الانتخابية، وهو الانسحاب من الاتفــــاق النووي مع إيــــران، الذي وقعته الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، بالإضافة إلى ألمانيا، باعتباره «صفقة سيئة جدا» ولا نعرف أحدا يريد إلغاء الاتفاق غير إسرائيل وبعض عشاقها السريين والعلنيين في المنطقة العربية.

فالأمر الجلي أن هذا الإلغاء جاء لحساب نتنياهو فحسب، أما الجانب العربي الذي شجع الإلغاء فدوره مقصور على دفع الفواتير.

وسنحاول في هذا المقال أن نستكشف بعض السيناريوهات المحتملة لما بعد الانسحاب، ولكن قبل أن نخوض في تلك الاحتمالات نود أن نوضح مجموعة من الحقائق المهمة:

أولا- إن الاتفاقية بين الأطراف وقعت رسميا بتاريخ 24 نوفمبر 2014 واعتمدت في لوزان بتاريخ 14 يوليو 2015. وبعد استلام مجلس الأمن التقرير الأول من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي أكد اتخاذ إيران خطوات عملية تنفيذا للاتفاقية، كما نصت عليها الفقرة 15، قام مجلس الأمن باعتماد القرار 2231 بالإجماع بتاريخ 20 يوليو 2015 الذي رفع الحظر عن إيران، كما أشار إلى إمكانية إعادة فرض عقوبات على طهران إذا انتهكت الاتفاقية. وقد دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ بتاريخ 16 يناير 2016 وهو ما اعتبر إنجازا تاريخيا، خاصة لإدارة باراك أوباما الذي فضّل العمل الدبلوماسي بدل العسكري واستخدام المفاوضات آلية للتعامل مع الخصوم بدل استخدام القوة أو التهديد باستخدامها.

ثانيا ـ إن الجهة المخولة بمراقبة تنفيذ الاتفاقية ليست إسرائيل، ولا الولايات المتحدة ولا السعودية، بل اللجنة الدولية للطاقة الذرية. وهي التي ترفع تقارير دورية لمجلس الأمن عن مدى التزام الطرفين الأساسيين بتنفيذ الاتفاقية، وما إذا كان أحدهما ينتهك أيا من بنودها. فقد وقعت إيران مع الوكالة اتفاقا بتاريخ 11 أكتوبر 2015 يقضي بزيادة عدد المفتشين الدوليين، وإعطائهم حرية النفاذ لكافة المنشآت النووية. وما فتئت الوكالة الدولية ترفع تقاريرها الدورية لمجلس الأمن عن مدى التزام إيران بالاتفاقية، كان آخرها في شهر أبريل الماضي، الذي أكد على امتثال إيران للشروط الواردة في الاتفاقية. وقال التقرير «إن مخزون إيران من اليورانيوم منخفض التخصيب يستخدم لأغراض سلمية، ولكن عند معالجته بشكل آخر لا يتجاوز الحد المتفق عليه وهو 300 كيلوغرام». وأضاف التقرير الأخير أن إيران «لم تتابع بناء مفاعل أراك … الذي يمكن أن يعطيه بلوتونيوم يستخدم في صنع أسلحة نووية».

ثالثا- الجهة التي تملك صلاحيات لفرض عقوبات في حالة ما إذا ضبط طرف من الأطراف الموقعة على الاتفاقية في حالة انتهاك للاتفاقية هي مجلس الأمن فقط. فمجلس الأمن هو الذي اعتمد سلة من العقوبات على إيران جسدها في ستة قرارات عندما لم تتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولم تمنح المفتشين الدوليين حرية التحقق والتفتيش بدون قيود على منشآتها النووية. وعندما وقعت إيران الاتفاقية مع الدول الست عاد مجلس الأمن واعتمد القرار المذكور ورحّب بالاتفاقية واعتمدها وأقر بموجب هذا القرار إلغاء قرارات المجلس المتضمنة سلة واسعة من العقوبات على إيران.

سيناريوهات ما بعد الانسحاب الأمريكي

لنفكر بصوت عالٍ للمرحلة المقبلة ونضع بعض الفرضيات التي تنتظر محك الزمن لنرى ما الذي سيتحقق منها على أرض الواقع:

اولا- إيران تستأنف برنامجها النووي

إذا إستطاعت إيران وهي واقعة تحت عقوبات حادة وشاملة، أن ترفع عدد أنابيب الطرد من 164 عام 2003 إلى 19000 عام 2013، فكيف سيكون الحال إذا انطلقت إيران وتحت التهديد الأمريكي الإسرائيلي السعودي باستئناف عمليات التخصيب؟ نتوقع أن تحذو إيران حذو كوريا الشمالية، بحيث تحاول امتلاك السلاح النووي ثم التهديد باستخدامه لتفاوض الغرب من موقع قوة. ونتوقع إذا تم هذا ستبدأ مرحلة سباق على التسلح في منطقة الشرق الأوسط غير مسبوقة، لا يشمل إسرائيل فقط، بل دولا مثل مصر والسعودية وبتعاون مع إسرائيل على أساس أن الحرب على الأبواب.

ثانيا – سيناريو الحرب

إذا عادت إيران للتخصيب فهذا قد يرسل موجات رعب بين جيران إيران وإسرائيل، وقد تقوم إسرائيل بمغامرة عسكرية بهدف تدمير بعض المنشآت النووية، التي قد لا تمنع استمرار إيران في برنامج التخصيب، ولكن قد تعثره قليلا. وستلتف الأمة الإيرانية بكاملها حول قيادتها والضغط باتجاه الانتقام والتشدد وتسخين المنطقة أكثر، خاصة إذا غامرت بعض دول الخليج بالتحالف مع إسرائيل وأمريكا، وسيكون لهذا التحالف المكشوف ردود فعل كبيرة جدا حتى على مستوى الشارع العربي، الذي لا يمكن منطقيا أن يقف مع التطرف الإسرائيلي وعنجهية ترامب وعنصريته. وقد تكون ساحة الاقتتال سوريا. وما الهجوم الإسرائيلي على القاعدة الإيرانية في مطار تيفور يوم 7 أبريل الماضي، إلا محاولة «استفزاز وتحرش واستدراج» لمعرفة رد الفعل وإثارة موضوع الوجود الإيراني في سوريا، وما تعتبره إسرائيل تهديدا لأمنها القومي. كما أن لبنان قد يكون ساحة التفجير المقبلة، خاصة مع تعزيز حزب الله لوجوده وتراجع أنصار السعودية الذين يمثلهم سعد الحريري.

إن إتساع تأثير حزب الله على لبنان قد يثير مخاوف الطرف الآخر، فيسعى إلى التفجير قبل إحكام السيطرة، وبالتأكيد إسرائيل تشجع هذا الاقتتال وتغذيه وتستثمره لصالحها. إن إنطلاق مواجهات عسكرية في منطقة أصلا ملتهبة ومفتتة سياسيا ودينيا وطائفيا، سيؤدي إلى نتائج كارثية لا ينجو منها أحد، خاصة دول الخليج.

ثالثا- عزلة الولايات المتحدة وتراجع فرص اتفاق نووي مع كوريا الشمالية

سياسات ترامب الآن لا تجد تأييدا لها حتى مع أقرب الحلفاء مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا. فقد فشلت كل جهود حلفائه لثنيه عن الانسحاب، أو على الأقل التريث، لكنه وانصياعا لأوامر نتنياهو ركب رأسه وأقدم على المغامرة. وزير الخارجية البريطاني تحدث في مقابلة مع «سكاي نيوز» مساء الاثنين محاولا إغراء ترامب بالتراجع عن الانسحاب واحتمال الحصول على جائزة نوبل، إذا تمسك بالاتفاقية الإيرانية وعقد صفقة جديدة مع كوريا الشمالية، لكن لا حياة لمن تنادي. الولايات المتحدة الآن في أشد حالات عزلتها ولا تجد من يقف معها إلا حفنة من دول لا تكاد ترى على الخريطة. استطلاعات الــــرأي الداخلية والخارجية تعطي ترامب علامات متدنية. وحسب استطلاع لمجلة «نيوزويك» للشباب العربي للفئة العمرية ما بين 18 و24 عاماً في 16 دولة عربية ونشر حديثا فإن 57 في المئة من الشباب العربي يعتبرون الولايات المتحدة عدواً وليس حليفاً.

فلماذا يثق كيم جونغ أون في ترامب الذي أثبت للعالم أنه لا يحترم الاتفاقات التي توقعها بلاده، ولا يقيم وزنا للقانون الدولي ولا يراعي حتى رغبات حلفائه. لو كان اللوم يقع على إيران لتفهم كيم، لكن العالم يعرف وبشهادة الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران التزمت بالاتفاقية. فكيف سيقنع القائد الكوري بالتخلي عن سلاح موجود، لا سلاحا مفترضا كما هو الحال مع إيران.

لم يكن من مصلحة إيران الانسحاب من الاتفاقية بعد أن حصلت على رزمة مكاسب ابتداء بتحرير 400 مليون دولار فورا، ومن ثم تحرير مليارات الدولارات المجمدة في البنوك الأمريكية، وإزالة الحظر على شراء الذهب والمعادن الثمينة، وإزالة الحظر كذلك على صناعة السيارات والمواد البتروكيميائية، وتصليح الطائرات المدنية في الخارج. ومع عودة رزمة العقوبات الأمريكية على إيران ومع من يتعامل مع إيران فقد تجد إيران نفسها في وضع صعب تضطر معه أن توسع من أنشطتها الإقليمية الاستفزازية، خاصة ضد حلفاء الولايات المتحدة، وهو ما ينذر باستمرار الصراع في منطقتنا العربية لسنوات طويلة مقبلة. قد يكون هذا هو المطلوب أي أن تبقى النزاعات متواصلة لمزيد من التدمير وبيع المزيد من السلاح وتجريف المزيد من المليارات وأيضا لينعم الإسرائيليون بصيفهم آمنين على شواطئ البحر.

 

٭ محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بولاية نيوجرسي

القدس العربي

 

 

مفارقات معركة الساعات الخمس بين إيران وإسرائيل

رأي القدس

حفل حدث الضربات الإسرائيلية ـ الإيرانية المتبادلة ليل الثلاثاء وفجر الأربعاء بالكثير من المفاجآت والمفارقات.

أوّلى المفاجآت كانت عدم اكتفاء إيران بتلقّي الضربات الموجعة هذه المرّة وبردّها بعشرين صاروخا وجهتها إلى مواقع في الدولة العبرية، في الوقت الذي استمرّ فيه الهجوم الإسرائيلي خمس ساعات طويلة واستهدف، حسب الناطقين باسم تل أبيب، كل البنية التحتية العسكرية الإيرانية داخل سوريا.

المفارقة الأولى في هذه المعركة كانت حدوثها على أراضي وأجواء بلد ثالث، وهو ما يعني أنه يجري بين طرفين محتلّين يتنازعان بلداً فاقداً للسيادة، وهو ما يحيلنا عمليّاً إلى المفارقة الثانية، وهي أن الرئيس المفترض لذلك البلد، بشار الأسد، كان قبيل تلك المعركة يتحدث إلى صحيفة يونانية قائلا إنه «يأمل» ألا يرى صداما مباشرا بين القوى العظمى في بلاده «لأنه عندها ستخرج الأمور عن نطاق السيطرة». والأغلب أن «نطاق السيطرة» بالنسبة للأسد هو أن يتمّ استهدافه شخصياً.

الأسد قال في المقابلة نفسها إنه «ليس قلقا» من احتمال وقوع حرب عالمية ثالثة «لأنه لحسن الحظ هناك قيادة حكيمة في روسيا».

غير أن المفارقة (الثالثة)، فيما يخص المعركة الأخيرة، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان موجودا في ضيافة تلك «القيادة الحكيمة» في روسيا، وأنه زعم أنها لن «تحد» من هجماته على سوريا (ضد إيران وحلفائها طبعا)، وكل ما تبع ذلك اللقاء مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يؤكد هذا الزعم، فالناطق باسم الرئاسة الروسية طالب إسرائيل وإيران «بضبط النفس وحل خلافاتهما بالوسائل الدبلوماسية»، فيما وصف وزير خارجيته سيرغي لافروف ما حصل بـ«التوترات المزعجة»، مطالبا بدوره «الطرفين» بوقف الاستفزازات المتبادلة، وكل ذلك يعني أن الكرملين أعطى تل أبيب الضوء الأخضر للهجوم على إيران، وأن ما يحصل ضد «حليفه» الإيراني هو بالتنسيق مع إسرائيل.

المفارقة الرابعة كانت تصريحا لوزير خارجية البحرين، خالد بن أحمد آل خليفة، يقول عبر تغريدة في «تويتر» إنه «طالما أن إيران أخلت بالوضع القائم في المنطقة، واستباحت الدول بقواتها وصواريخها، فإنه يحق لأي دولة في المنطقة، ومنها إسرائيل، أن تدافع عن نفسها بتدمير مصادر الخطر».

وإذا كان العداء بين البحرين وإيران مفهوماً، فإن غير المفهوم، أن يتجاهل مسؤول الدبلوماسية الخارجية الأول في البحرين أن إسرائيل أيضاً «تخل بالوضع القائم في المنطقة» نفسها التي تخلّ إيران بوضعها القائم، وأن إسرائيل، كانت وما تزال، وقبل نشوء الجمهورية الإسلامية الإيرانية بكثير، استباحت الدول العربية بقواتها وصواريخها، وأنها ما تزال تحتلّ أراضي عربيّة، إضافة إلى كونها تحتل الأرض الفلسطينية بأكملها، وأنها تروّع سكانها وأهلها وتستهدفهم، بقواتها وصواريخها.

اعتبار وزير خارجية البحرين إسرائيل «دولة من دول المنطقة» هو اعتراف مجاني بوجودها الاستيطاني الفظيع، وتجاهل أكثر فظاعة لمأساة فلسطين والفلسطينيين وباقي الأراضي العربية المحتلة، كالجولان السوريّ، كما أن حديثه عن «حقها في الدفاع عن نفسها» هو التزام مخجل بالسرديّة الإسرائيلية المتهافتة عن كونها «تدافع عن نفسها» حين تقتل فلسطينيين وعرباً لا يفعلون غير أنهم يدافعون عن أرضهم وكرامتهم وأهلهم.

القدس العربي

 

 

مع سورية ضد الصهاينة ومع السوريين ضد بشار/ وائل قنديل

كان محمد حسنين هيكل يقول إنه في السياسة الدولية، تمارس إسرائيل لعبة الشطرنج، فيما يلعب العرب”الطاولة”، تلك اللعبة التي تعتمد على الحظ، أكثر من اعتمادها على مهارات التفكير والتخطيط.

الآن، العرب لا يلعبون، لا طاولة ولا شطرنج، بل يكتفي معظمهم بالفرجة والتشجيع، فيما ينشط كبارهم في جمع ما يسقط من “زهر الطاولة” أو قطع الشطرنج تحت موائد اللاعبين الكبار.. ولن تعدم بعضاً منهم يقوم بدور”الجرسون” الذي يزود اللاعبين باحتياجاتهم من الماء والعصائر.

يداهمنا تصاعد الأحداث بشكل مجنون على الأراضي السورية العربية، فتجد بعض العرب منقسمين بين مشجع للكيان الصهيوني أو مؤيد لإيران، في لحظةٍ حالكة الظلام، تضيع فيها البوصلة، فتذوب الفواصل القيمية والأخلاقية بين العدو الصريح والجار المتعب، ويصبح مفروضاً عليك، وفق هذا المنطق المعوج، أن تفاضل بين العدو الصهيوني وطغيان النظام السوري، المدعوم إيرانياً، هذا إذا افترضنا أن ثمّة مواجهة عسكرية واقعة بين الطرفين.

يقول لنا التاريخ إن العرب عاشوا هذه اللحظة الكارثية من قبل، مع الغزو الأميركي للعراق، فكان التشظّي بين مدافع عن الغزو والاحتلال، بإطلاق، ومدافع عن الاستبداد والطغيان، من دون تحفظات أو حدود.

وكأنه ليس بالإمكان أن تكون ضد الغزو الأجنبي، وضد الطغيان المحلي، في الوقت ذاته، من دون أدنى محاولةٍ جادة لإيجاد مساحةٍ لدور عربي فاعل وعاقل ومسؤول يمنع كارثة تسليم كل شيء لإرادة المحتل، يعيد رسم خرائط الجغرافيا والإنسان، ثم يبدأ في تغيير معالم الحضارة والثقافة والمعتقد، ويشعل النار في العقل، قبل النفط العربي.

الآن، أنت أمام لحظة أشدَّ وطأةً وعتامة، إذ يتسابق العرب الرسميون على جائزة الأكثر ولاءً وتبعية للكيان الصهيوني الذي احتفل في القاهرة، عاصمة الإقليم الجنوبي، فيما عرف بدولة الوحدة، بالذكرى السبعين لاغتصاب فلسطين واحتلالها، تحت حراسة ورعاية النظام الحاكم في مصر.

كان الاحتفال قبل ساعات من توجيه الضربات العسكرية إلى دمشق، عاصمة الإقليم الشمالي، من دولة الوحدة، كما يردّد الناصريون والقوميون، المستغرقون في الدفاع عن نظام، هو صناعة إسرائيلية بامتياز، في القاهرة، ونظام، هو صناعة إيرانية خالصة، في دمشق، لينفتح المشهد على لحظةٍ شديدة البؤس، يصاب فيها النظام وتابعوه بالخرس.

في نهاية العام الماضي، كانت لحظة مشابهة، حين وقعت مناوشاتٌ في الملعب السوري، أنتجت سؤلاً عبثياً على موائد الثرثرة العربية: لو حاربت السعودية، مدعومة أو متحالفة مع إسرائيل، حزب الله وإيران الآن، فمع من تقف؟

قلت في ذلك الوقت إن مجرد طرح السؤال يعبر عن حريقٍ هائل في الوعي، وخراب شامل في الوجدان العربي، وانهيار لقواعد المنطق والأخلاق ومرتكزات الهوية الحضارية والثقافية، إذ يعيش العرب  حالةً من الدونية الحضارية، غير مسبوقة في التاريخ، فخارجياً منبطحون في استجداء مخزٍ للمواقف الدولية، ضد بعضهم بعضا، حتى باتت تل أبيب تجد حرجاً في قبول طلبات المتطوعين لخدمة احتلالها وتمويله، وتعاني تخمةً تطبيعيةً تجعلها تأنف فتح الأبواب لمزيد من الخدم.. وفي الداخل، يحاربون ربيعهم ويقتلون أنبل ما فيهم، ويهدرون مقدّراتهم في مقاومة تيارات التغيير الديمقراطي، بمساعدة العدو الأول والأساس، الذي وقف سفيره في القاهرة يحيي قتلة الربيع العربي، ويسخر من ثورات الشعوب العربية، ويصنفها، كما مقاومة المحتل، إرهاباً، ويثني على ولي العهد السعودي الذي يصل الليل بالنهار، لكي يجعل العداء لإيران، الإسلامية الشيعية، قضية العرب المحورية، ويضغط على الفلسطينيين، لكي لا يزعجوا المحتل بمقاومتهم، ورفضهم تهويد القدس.

على الجهة المقابلة، ليس هناك ما يؤكد أن إسرائيل تريد إزاحة بشار الأسد، عدوها اللطيف المطيع، وحتى إذا افترضنا أن هناك حرباً إسرائيلية سورية، فإن حاكم سورية يدخلها وقد قدّم دعمه اللا محدود للعدو الصهيوني، قبل أن تبدأ، حيث، إن حصلت، سيدخل الحرب منقوصاً نحو نصف مليون مواطن سوري، قتلهم بيده، ونحو ستة ملايين آخرين، هجرهم، وهو يسحق الربيع الذي تكرهه وتحاربه إسرائيل، وتتمنى القضاء عليه قضاء مبرماً.

على أن ذلك كله لا يجعلك، إن وقعت الحرب، أن تقف على الحياد، أو تقول إن كليهما عدو، فالموقف الأخلاقي والحضاري أن تكون في الحرب مع سورية وإيران، إن هاجمتهما إسرائيل، وفي الثورة تكون مع الشعب السوري ضد بشار الأسد وطهران وتل أبيب، معاً.

 

العربي الجديد

 

 

 

ضربة الجولان بألف/ مهند الحاج علي

رغم محاولات الاستهزاء الإسرائيلية، يبقى الرد الإيراني على مواقع للجيش الإسرائيلي في الجولان السوري، على قدر من الأهمية، والخطورة في آن.

في حال تكررت هذه المواجهة في نطاقها السوري المحدود خلال الفترة المقبلة، عندها بالإمكان القول إن الإيرانيين سددوا هدفاً مزدوجاً في المرمى الاسرائيلي ليل الأربعاء الماضي.

أولاً، قد تؤسس الضربة الصاروخية لمعادلة عسكرية جديدة. بات الجولان السوري بشقيه المدني والعسكري جزئاً من معادلة تبادل القصف داخل سوريا. من الآن فصاعداً، بإمكان إيران أن ترد في الجولان على ضربات اسرائيلية تستهدف قواعدها، من دون أن يتسع إطار المواجهة خارج الأراضي السورية. وهنا تكمن أهمية الضربة الأخيرة، بغض النظر عن إصابتها أهدافها بدقة أو عدم ذلك، إذ أنها فتحت جبهة هادئة منذ 45 عاماً، ونزل آلاف المستوطنين الاسرائيليين الى الملاجئ. وهذه الحركة رغم محدوديتها تؤثر في خطط الحكومة الاسرائيلية الحالية لزيادة عدد المستوطنين في الجولان بهدف تكريس التغييرات الديموغرافية فيها.

لكن تثبيت المعادلة الجديدة يتطلب رداً ايرانياً وفقاً للنمط ذاته بعد وقوع اعتداء اسرائيلي في الفترة المقبلة. وهذا يعتمد الى حد كبير على القدرات الايرانية الحالية داخل سوريا، سيما أن وزير الدفاع الاسرائيلي أفيغدور ليبرمان تحدث يوم أمس عن تدمير كل البنية التحتية الايرانية في سوريا، “تقريباً”، وذلك في هجماته الليلية غير المسبوقة في حجمها وتوزعها جغرافياً (50 ضربة جوية). كما تحدث عموس هاريل كبير المعلقين العسكريين في صحيفة “هآرتس” عن نجاح الضربات الإسرائيلية بإعادة الجهود الإيرانية في سوريا شهوراً عديدة إلى الوراء. هاريل أشار في مقاله، وهو دعائي صرف، إلى فشل الإيرانيين في اصابة أي هدف، إذ سقطت الصواريخ التي لم تعترضها منظومة “القبة الحديد”، على الجانب السوري من الحدود.

لكن الكاتب نفسه ذكّر بالإعلان الكاذب والساذج لسلاح الجو الاسرائيلي في اليوم الثاني من حرب تموز عام 2006، عن تدمير كافة منصات اطلاق الصواريخ التابعة لـ”حزب الله”. عندها، ألقى رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود أولمرت بخطاب الإنتصار أمام الكنيست، ليتبين لاحقاً كذب ادعاءاته.

لنفترض أن إيران قادرة على توجيه ضربات مماثلة وربما أشد ايلاماً للقوات الاسرائيلية في الجولان، هل تحصر اسرائيل ردها ضمن سوريا؟ الرد على هذا السؤال غالباً يزيد من احتمالات حرب إقليمية لا يرغب فيها أحد حتى الآن. باتت احتمالات الحوادث التي تستدعي رداً لإعادة التوازن، عالية الى حد من الصعب معه عدم توقع تصعيد أو حتى حرب أوسع نطاقاً من الجغرافيا السورية.

ثانياً، في التوقيت. جاء الرد الإيراني على الضربات الإسرائيلية في أعقاب اعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب نيته سحب بلاده من الاتفاق النووي، وموجة الاستنكار الدولي لهذه الخطوة. بيد أن الايرانيين تلقوا الضربة الأقسى التي حصدت جنرالاً وعناصر ايرانية في قاعدة التيفور، قبل شهر تقريباً، وبالتالي كان الرد مُستحقاً قبل أسابيع. لكن ايران اختارت توقيت الرد بعناية بين موعدين مهمين. بعد أيام، ستفتتح الولايات المتحدة سفارتها في القدس، على أن تليها موجة غضب فلسطينية وعربية واسلامية أيضاً. سيتظاهر مئات آلاف الفلسطينيين ضد الاحتلال الاسرائيلي، وينالون قمعاً دموياً تعرضه الشاشات. حينها، ستكون إيران وحدها في الميدان، تقصف مواقع اسرائيلية، وتتعرض لضربات جوية، في حين يتماهى خصومها مع اسرائيل.

في مثل هذا الظرف، لا بد أن يُحاول الإيرانيون اقتناص الفرصة لإعادة وصل بعض ما انقطع مع العالمين العربي والإسلامي من خلال بوابة الصراع مع اسرائيل والتصعيد ضدها. ستكون مناسبة لغسل الذنوب وتسجيل النقاط.

المدن

 

 

 

صدق قائد الحرس الثوري../ محمد قواص

تصرّفت دول العالم المعنية بالاتفاق النووي مع إيران بانبهار ينمّ عن مفاجأة من أمر كان أعلن عنه دونالد ترامب حين كان مرشحا للانتخابات الرئاسية. عبّرت كل الدول الموقعة مع الولايات المتحدة، عن أسف، ثم بعد ذلك، عن تحذير مما يترتب على الأمر من تهديد للسلام وحتى للنظام الدولي برمته وفق الرواية التي صدرت عن الصين. بدا في لحظة واحدة أن العالم عاد عنقودا تمسك به واشنطن دون غيرها، وأن الحرد الأميركي مما يعتبر اتفاقا يعكس عالما متعدداً يعيد تصحيح ذلك المشهد وتأكيد أحادية قطبية لم تستطع طموحات روسيا ولا توسّع الصين من النيل من حقيقته.

لم تبدأ المفاوضات حول البرنامج النووي مع الولايات المتحدة بل مع ما كان يسمى بالترويكا الأوروبية. كان حسن روحاني حينها مشرفا على التفاوض ممنّيا النفس أن تغري ورشة التفاوض واشنطن فتلتحق بما يمكن أن يحوّل الجعجعة إلى اتفاق حقيقي يضع إيران في مصاف الكبار. كان روحاني يعرف أن لا اتفاق جديا دون واشنطن، وبناء على ذلك انتخب رئيسا للجمهورية وكلّف بإنجاز هذا الحلم مع الأميركيين، بعد أن أتاهم رئيس يرى في “عقيدته” أن الحل هو اتفاق مع طهران يغير يوما ما من شكل النظام الإيراني وسلوكه.

لم يكن جوهر الاتفاق الذي وقعته مجموعة 5+1 مع إيران جماعيا. كان في حقيقته ثنائيا تمت المفاوضات حوله بين دبلوماسيين أميركيين وإيرانيين في مسقط عاصمة سلطنة عمان. جرى الأمر من وراء ظهر أهل المنطقة وأبلغ إلى “الشركاء” الذين محضوه توقيعا في يوليو من عام 2015.

وحين جعل المرشح دونالد ترامب من “الانسحاب من أسوأ اتفاق” عنوانا من عناوين الحجّ نحو الرئاسة في الولايات المتحدة، كان يعلم جيدا ظروف ولادة الاتفاق في ما هو معلن وما هو مضمر، وكان يدرك جيدا أن انسحاب الولايات المتحدة من هذا الاتفاق يحيلُ توقيع الآخرين حبرا على ورق.

يعلن قائد الحرس الثوري الإيراني الجنرال محمد علي جعفري أن الأوروبيين مرتبطون بالولايات المتحدة ولا يمكنهم اتخاذ قرار مستقل للحفاظ على الاتفاق. صدق الرجل في هذا، وهو أمر يحمل أخبارا سيئة لإيران. يعلن جعفري في ما يريد له أن يكون موقفا مُحقّراً لأوروبا، أن إيران فقدت الاتفاق الحلم، وأن ذلك التداول الثنائي في مسقط الذي أبصر النور اتفاقا في فيينا لن يتيح لإيران أن تكون أمرا واقعا يُفرض على العالم بالرعاية الكاملة للولايات المتحدة.

على هذا فإن خروج الولايات المتحدة بصفتها إحدى الدول الموقعة من الاتفاق يُسقط الاتفاق، في حين أن بقاء كل الموقعين الخمسة الآخرين لا ينقذ هذا الاتفاق. أمر تعرفه طهران، وهي تكابر للإيحاء بغير ذلك.

لم تعترف طهران يوما بسعيها لامتلاك القنبلة النووية، وذهب المرشد علي خامنئي إلى اعتبار الأمر ضد الدين ومخالف للشرع. كانت طهران منذ “تسريبها” لمعلومات حول برنامجها النووي السري، ترومُ التلويح للعالم بما تمتلكه من إمكانيات تقود إلى التحوّل في ذلك نحو أغراض صناعية، أي عسكرية. بالمقابل ساهمت البروباغندا الإسرائيلية المستمرة حتى الأسابيع الأخيرة في التعظيم من شأن الخطط الإيرانية لامتلاك أسلحة نووية تهددها وتهدد السلم الدولي.

كانت المفاعلات الذرية تعمل وأجهزة الطرد تدور مخصّبة اليورانيوم، فيما ورشة إيران الحقيقية تعمل بجدّ في كل بلدان المنطقة. نشرت طهران مراكزها الثقافية في السودان ودول المغرب العربي ومصر، ونشرت خلاياها في دول الخليج، وتوسّعت مخالبها في اليمن والعراق وسوريا ولبنان. باتت إيران رقما صعبا في كل المنطقة العربية، أقرت منابرها بـ“احتلال أربع عواصم عربية”، قبل أن يعلن أحد كبار مسؤوليها أن إيران أصبحت “إمبراطورية عاصمتها بغداد”.

لم تكن إيران تريد من اتفاقها النووي إلا الانتقال في الشرق الأوسط من وضع الدولة المارقة إلى وضع الدولة العظمى المعترف بها دوليا. وربما يجوز في هذا الإطار التساؤل عما يضمره تعبير “5+1” من اعتراف بإيران كدولة تخاطبها وحدها دول ست كبرى. وربما أيضا يجوزُ التساؤل عن سرّ غياب العرب وتركيا عن اتفاق مع دولة إقليمية يرتبط بهم الخلاف أو الاتفاق معها، أكثر من ارتباط الأمر مع دول لا حدود جغرافية ولا حكايات تاريخية معها.

منح باراك أوباما إيران ما تريد. تعامل معها بحنان المحبّ وراح يوجّه سهام انتقاداته إلى خصومها، ناصحا إياهم بالذهاب نحوها والاتفاق معها على تقاسم النفوذ في المنطقة. كان الرجل يتحرى تبرير “فعلته” فأخرجها ضمن رؤية إستراتيجية شاملة للعالم في ما عرف في مجلة “أتلانتيك” الأميركية بـ“عقيدة أوباما”. انتشت طهران بما أنجزت، وخـرج الإيرانيون فرحين بالتطور المتعلق بالعلاقة المقبلة مع الولايات المتحدة أكثر مما تنطق به أحرف الاتفاق الشهير. بالمقابل سال لعاب الشركاء، لا سيما الأوروبيين، في ما يمكن أن يوفره سوق إيران لشركاتهم الكبرى من عقود.

لكن شيئا ما زلنا لا نعرفه في الولايات المتحدة هو الذي لم يطوّر الاتفاق إلى ما تصبو إليـه طهران، وهو الـذي أوحى للمرشح دونالد ترامب بأن لا مستقبل أميركي لهذه الصفقة، على الأقل في متنها الحالي. لم يبح أوباما بسرّ ذلك، ولم يصدر عن وزير خارجيته آنذاك جون كيري ما يفيد نظيره الإيراني محمد جواد ظريف عن سبب إحجام واشنطن عن رفع الفيتو الذي يتيح للنظام المصرفي والمالي الإيراني أن يكون جزءا من النظام الدولي في هذا المضمار. لم ينقلب ترامب على الاتفاق النووي، فالوكالة الدولية للطاقة الذرية ما فتئت تصدر التقرير تلو التقرير مؤكدة التزام إيران الكامل ببنود الاتفاق. انقلب ترامب على إيران نفسها. لن تسمح إدارة الرئيس الأميركي، لا سيما في أجنحتها التي تزداد صقورية منذ تعيين جون بولتون ومايك بومبيو في المواقع الأساسية للأمن والدبلوماسية في إدارة الرئيس ترامب، أن تكون ما تتمناه.

لم تكن إيران على أولويات الأمن الأميركي الاستراتيجي في مرحلة ما بعد “11 سبتمبر”. كانت طهران شريكا متواطئا في إسقاط نظاميْ طالبان في أفغانستان وصدام حسن في العراق، وبقيت كذلك في زمن الحرب ضد تنظيم داعش. بيد أن “الورقة الإيرانية” سقطت من حسابات واشنطن، وباتت “أميركا العميقة” تعتبر أن إيران لم تعد فقط خطرا على أمن الحلفاء في الشرق الأوسط، بل باتت خطرا على الأمن الاستراتيجي الأميركي في المنطقة.

قد تمثل العمليات الإسرائيلية الأخيرة ضد مواقع إيرانية في سوريا جانباً من عبق ما بعد الاتفاق. فخروج واشنطن من الاتفاق النووي هو مدخل لعملية شاملة تروم إخراج إيران من بلدان المنطقة وإعادة نفوذها الحيوي إلى ما وراء الحدود. أدرك الأوروبيون أمر ذلك وهم الذين أقروا لواشنطن أن “الاتفاق لم يعد كافيا”، على حد تعبير الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهم ذاهبون وفق حملة دبلوماسية جماعية إلى تغيير السلوك الإيراني، قبل أن تتحوّل دعوات بومبيو وبولتون إلى تغيير النظام في إيران أمرا حتميا في أجندات البيت الأبيض.

العرب

 

 

 

إيران بين “نارين”/ أمين بن مسعود

كان من الواضح أنّ موافقة واشنطن على الاتفاق النووي الإيراني في العام 2015، ناتجة عن قرار إدارة يقودها رئيس ديمقراطي شاب أراد أن يسجل لمرحلته في البيت الأبيض اتفاقا دوليا تاريخيا، أكثر منه قرار دولة تسوسها مصالح وعلاقات مع إسرائيل.

حاول الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما طيلة فترة رئاسته إقناع الجمهوريين بمختلف ألوانهم ومواقعهم ومواقفهم، بقيمة الاتفاق وجدواه البعيدة والعميقة لصالح إسرائيل وأميركا، ولكن بقيت خطوته استثناء وحالة شاذة عن قاعدة التناقض الاستراتيجي والبنيوي بين واشنطن وطهران.

بهذا القرار، يكون الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد قوّض إرث أوباما بشكل نهائيّ ووضعه على هامش المنظومة السياسية الأميركية، فبعد استهداف المنظومة الصحية “أوباما كير”، وإعادة قطع العلاقات مع كوبا، وتوتير العلاقات مع كندا، جاء دور الاتفاق النووي مع إيران والذي اعتبرته إدارة أوباما في وقت سابق درة تاج سياساتها الدبلوماسية.

فسخ ترامب تركة أوباما بشكل نهائي، لا فقط في مستوى السياسات المحلية والدولية، بل حتى في مستوى الخطاب السياسي والصورة الزعاماتية عن ساكن البيت الأبيض، فلئن كان الأوّل مفضّلا مسلكيات “الحرير الشائك” و“الحديد الناعم”، فإن ترامب يصيب “الممكن” دون كبير اهتمام بـ“فنّ الممكن” ولا بأنصاف الحلول.

والحقيقة أن ترامب نفذ معظم وعوده الانتخابية، بما فيها تلك التي وقع تمثلها عربيا على أنها غير قابلة للتحقق، وأنها مندرجة فقط في صلب الحملة الدعائية، ليبقى السؤال المركزي بأي ثمن وبأي تداعيات على المنطقة الشرق أوسطية.

ربط ترامب في خطابه بين قرار الانسحاب والأسباب الأربعة التي اعتبرها وجيهة لاتخاذ قرار الانسحاب، وهي “البرنامج الصاروخي الباليستي” و“تزويد الميليشيات الطائفية في اليمن ولبنان بالصواريخ الباليستية”، و“التوسّع الإيراني الملحوظ في أكثر من 5 عواصم عربية”، و“عجز الاتفاق في شكله الحالي عن لجم البرنامج النووي الإيراني” الذي شدّد ترامب على أنه يمتلك أدلة عن دخول طهران مرحلة تصنيع السلاح النووي.

وهي مقدمات تؤكد أن الاعتبارات التي بنيت عليها الخطوة الأميركية، هي اعتبارات إقليمية تخصّ أصدقاء واشنطن في الخليج العربي وفي الشرق الأوسط، أكثر من تعلقها بمدى تطور المشروع النووي بحد ذاته.

بكل وضوح تعتبر واشنطن أن أي اتفاق نووي مع إيران، لا بد ألا يكون اتفاقا نوويا فقط، بمعنى أنّ لا شرعية ولا معنى وفق المقاربة الترامبية لأي اتفاق مع طهران، ما لم يحتو على 3 شروط أساسية وهي “تقليم المشروع النووي”، و“تحجيم دور إيران في المنطقة”، و“تأزيم الجماعات الطائفية المرتبطة بإيران عبر قطع علاقتها نهائيا بالمركز”.

وهو بالضبط، مكمن الاختلاف بين أوروبا وروسيا من جهة، وواشنطن من جهة ثانية، فالأطراف الأولى تعتبر أن قيمة الاتفاق مع إيران قيمة نووية صرفة، في حين أن واشنطن تقارب المسألة من زاوية أن الاتفاق لا بد أن يبدأ من المشروع النووي ولا ينتهي عنده. وعلى هذا الأساس عارضت موسكو وباريس ولندن وبرلين وبيكين الخطوة الأميركية واعتبرتها تقويضا لما أنجز عام 2015.

كان عنوان لقاء دونالد ترامب – إيمانويل ماكرون في البيت الأبيض، الأزمة الإيرانية، حيث سعى ترامب إلى إقناع ماكرون بضرورة اتباع باريس للخطوة الأميركية ضد طهران، إلا أنّ حسابات الحقل الباريسي اختلفت عن البيدر الأميركي، فالشركات الفرنسية التي استوطنت حقول النفط والغاز في طهران ألجمت الرئيس الفرنسي عن المضي قدما في المسار الأميركي، ومثل باريس غرّدت موسكو وبيكين.

أما في طهران، فإن القرار الأميركي زاد من تصدع الفجوة بين التيار الإصلاحي والتيار المتشدد الذي سيجد فيه الأخير، خير محاججة على أن الاتفاق لم يكن سوى تعطيل لعجلة التقدم النووي في مقابل حفنة قليلة من الأموال لم تمنع المواطنين من الخروج رفضا وانتفاضا على حالة الفاقة المنسحبة على شرائح عديدة من الشعب الإيراني.

إدارة الرئيس الإيراني حسن روحاني في وضعية سياسية لا تحسد عليها، فهي واقعة بين مطرقة العقوبات الأميركية التي ستعود ضدّ اقتصادها، وبين سندان الاتفاق النووي الذي يفرض عليها تعطيلا وتأجيلا وتعليقا تاما للنشاطات النووية، بمعنى أنها لا تستطيع استعادة الزخم النووي الذي كان بمثابة “عنوان الأنفة الفارسية” وهي أيضا عاجزة عن إيقاف نزيف العقوبات الاقتصادية التي تضرب عصب الاقتصاد الإيراني.

العرب

 

 

 

 

مع من تقف: إيران أم إسرائيل؟/ عبد الرحمن الراشد

سؤال محرج جداً لأنه ينقض كل المفاهيم التي بنيت عليها ثقافتنا السياسية. أمس ضربت إسرائيل خمسين موقعاً يديره الحرس الثوري الإيراني في سوريا، رداً على عشرة صواريخ أطلقها باتجاه إسرائيل، وقيل إنها رد على هجوم إسرائيلي سبقها بليلة.

وزير الخارجية البحريني، الشيخ خالد آل خليفة، تبرع بتفسير الموقف. كتب مغرداً في «تويتر»: «طالما أن إيران أخلّت بالوضع القائم في المنطقة واستباحت الدول بقواتها وصواريخها، فإنه يحق لأي دولة في المنطقة، ومنها إسرائيل أن تدافع عن نفسها بتدمير مصادر الخطر». موقف الشيخ خالد عام، مع أي دولة تقف ضد جرائم إيران في المنطقة.

في السياسة، تتغير المواقف بحسب ضرورات المصلحة. ولو سألنا غالبية الشعب السوري لهتف مؤيداً إسرائيل في ضرب القوات الإيرانية وميليشياتها في سوريا. لا يوجد مبرر أقوى من الدفاع عن حق 600 ألف قتيل، وعشرة ملايين مشرد، من جرائم قوات إيران وحليفاتها.

فالمواقف مبررة وليست مقدسة دائماً، شيء من العقل وشيء من العاطفة. الموقف مع إيران لو أنها ساندت الفلسطينيين، مع إسرائيل عندما تضرب قوات إيران في سوريا، مع الفلسطينيين عندما تعتدي عليهم إسرائيل، مع حزب الله اللبناني الإيراني عندما كان يقول إنه يحرر لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، مع إسرائيل عندما تضرب قوات حزب الله يوم استهدفت اللبنانيين، وعندما شاركت في قتل السوريين. مع المعتدى عليه ضد المعتدي.

هل يصعب فهم هذا المنطق؟ هذا هو الموقف العقلاني المطلوب في منطقة مجنونة. المؤدلجون وحدهم الذين ربما يعجزون عن قبوله، لكن لو سألت أي سيدة سورية أو لبنانية قتل ابنها من قبل قوات الحرس الثوري الإيراني، فهي لن تتردد في الدعاء بالنصر لإسرائيل والدعاء على خصومها بالويل والخسران. وهذا لا يجعل الإسرائيليين على حق في احتلالهم الأراضي الفلسطينية ولا على حق في اضطهادهم الشعب الفلسطيني.

نحن أمام مرحلة مختلفة، وحرب جديدة من نوعها. لأول مرة إسرائيل وإيران تتقاتلان، ففي الماضي كانت الحرب بينهما بالوكالة. الآن الاقتتال مباشر وفوق أرض سوريا، وللمرة الأولى نرى الحرس الثوري، الذي طغى وتجبر في المنطقة، في العراق واليمن وسوريا، يدفع الثمن غالياً، ويعرف أنه تجاوز حدوده.

فالحرس الثوري حاول التنصل، كعادته في لبنان، مدعياً في بيان رسمي بأنه ليس مسؤولاً عن إطلاق الصواريخ العشرة على إسرائيل، ووضع اللوم على قوات الأسد، لكن الإسرائيليين لن يذهبوا إلى المحكمة، ولن ينتظروا لجان التفتيش الدولية. من دون الحاجة إلى دليل يعرفون أن قوات قاسم سليماني الإيرانية هي الفاعل، ولن يحميها الاختباء خلف قوات النظام السوري التي صارت صورة ولا تملك من أمرها شيئا.

ولا بد أن طهران وصلها خبر موقف نظام دمشق نفسه، الذي يقول الجنرال سليماني إنه مستعد للتضحية إلى آخر جندي إيراني من أجل الأسد، بأنه صار مستعداً أن يبيع سليماني والإيرانيين في أول صفقة سياسية، نتيجة التطورات العسكرية الجديدة. الأسد سيتعاون مع ينتصر من القوى على أرضه، وبدخول إسرائيل الحرب فإن إيران هي على الأرجح الخاسر الأكبر والروس لا يمانعون التطورات الجديدة.

الصورة تبدو أوضح اليوم من ذي قبل. الهدف هو إجبار نظام طهران على التراجع. الخطة شملت قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بتمزيق الاتفاق النووي، وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية. وتفعيل دور إسرائيل العسكري، بالهجمات الموجعة التي دمرت المواقع الإيرانية. وإقناع الروس بالحياد، بعد أن كانوا عادة يعترضون، جلسوا في كرسي المتفرج ولَم يعودوا يتحدثون عن التهديد بصواريخهم ضد هجمات إسرائيل. كلها تأتي لخدمة نفس الهدف بعد أن رفضت حكومة طهران الدعوات الدولية للعودة عسكرياً إلى ما وراء حدودها، والتوقف عن التدخل في شؤون دول المنطقة وقلب حكوماتها.

الشرق الأوسط

 

 

 

 

 

قعقعة السيوف في سوريا/ د.يحيى مصطفى كامل

شغل تبادلٌ للقصف والتناوش بين الكيان الصهيوني والقوات الإيرانية المتواجدة في سوريا طيلة الأيام القليلة الماضية الفضاء الإعلامي بكل وسائله وانحيازاته، وأثار ما يمكن لنا أن نتوقعه من ردة فعلٍ بين المهتمين بالشأن العام من الجمهور، ما بين متشفٍ في النظام السوري ناقمٍ على الحضور الإيراني، ومن يرى تلك الزخة من الصواريخ الإيرانية وطائرةً بدون طيار بداية حرب تحريرٍ، وكلاهما يتخوف أو يترقب موقعةً قد تجر المنطقة مزيداً نحو الحرب، بل الصدام بين القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا.

منطلقاً من انحيازاتي السياسية والفكرية، أظنني لست في حاجةٍ إلى التأكيد على مدى غضبي وشجبي لتعديات الكيان الصهيوني، بل رفضي لوجوده من الأساس، إلا أنني ألمح مشكلةً كبيرة في ما ينزلق إليه البعض (مخلصاً حريصاً على شعوبنا في المجمل) من الحماس لنشوب تلك الحرب وما قد تؤدي إليه، متصورين، أو واهمين للدقة، أنها ستستعيد الأرض من البحر إلى النهر، أرى الحماس وأخشاه.

وأصل العلة في نظري (كما كانت دائماً) تكمن في قراءةٍ خاطئة للمشهد، يقترن به إسقاطٌ دائمٌ للتصورات المسبقة والأماني على ذلك الواقع المركب، والرث في الحسابات الختامية.

فالكثيرون ينسون السمة الأساسية لهذه المرحلة في بلداننا: إنها مرحلة انتصار أوعلو مد الثورة المضادة، حيث انكفأت وتضعضعت محاولات التغيير الثورية، وفي هذا السياق ينسون بالأخص أن بشاراً ونظامه كرسا أسلوب التعامل مع الحراكات الشعبية: الرد عليها وعلى مطالبها بكل ما لدى النظام من أدوات العنف والقمع والتنكيل، وسحقها تماماً عن طريق تمزيق البلد مناطقياً وطائفياً، بهدف استمرار النظام ومنتفعيه.

أيضاً هي مرحلة تراجع القوة الأمريكية على المستوى العالمي عن كونها القوة الوحيدة؛ أجل مازالت الأقوى لكنها ليست الوحيدة، وترامب الموجود الآن على كرسي الرئاسة، على رعونته وشعبويته وربما حماقته وأسلوبه غير التقليدي، يمثل بقدرٍ كبير ردة الفعل على إدراك هذا التراجع ورفضه المتخبط العفوي أحياناً؛ وهو إدراكٌ لا يقتصر على ذلك ويناوءه وإنما يمتد ليشمل الإقرار بأن النظام الإيراني قد تمكن من التمدد في المنطقة، محيطاً بممالك ومشايخ النفط، مستفيداً من كل أخطاء الحسابات والانسحابات الأمريكية وانهيار منظومة الأمن العربي، أو بالأحرى بما كان باقياً من أطلالها.

وهو بالمناسبة يحاكي على النطاق الإقليمي ما فعله بوتين على نطاقٍ أوسع، إذ أحكم قبضته على مناطق نفوذ روسيا التقليدية.

لا شك بأن الوضع السوري معقد، اختلطت فيه كل الأوراق، والحلفاء في البحرين مثلاً يختلفون في سوريا، وغير أنها أصبحت مصيدة ذباب لكل العناصر التي لا يرغب بها أحد في باحته الخلفية، فإنها صارت رقعةً لإعادة ترسيم النفوذ ونقاط التماس وفقاً لأوزان اللاعبين. فكل الكبار في سوريا، وأحدٌ لا يعترض على وجود الآخر ولا يصرح أو حتى يلمح بمحاولة إزاحته تماماً، وعلى سبيل المثال فأمريكا لم تعترض على الوجود القديم لروسيا في طرطوس، بل تنسق معها لدى القصف لإثبات الوجود وحفظ ماء الوجه، ومن يدري فقد يكون ذلك مواراةً لمشاكل داخلية أو فضائح جنسية.

والحاصل أن ترامب يمثل ذلك الجناح في السياسة الأمريكية، الذي يرى بحتمية تحجيم إيران ودفعها إلى الوراء أقرب ما يكون إلى حدودها (إن لم يكن داخلها) وتغيير النظام إذا أمكن، وهو بذلك يلاقي هوساً إسرائيلياً ورعباً خليجياً بإيران وتمدد نفوذها. هي محاولاتٌ لتحجيم وتقويض الوجود الإيراني والوصول إلى توازن.

ربما كان من المفيد تذكير البعض بأن الحرب الباردة قد انتهت وأن الصراع ليس أيديولوجياً، بل هو مصالح بين قوى رأسمالية تتشابه في الشراسة والتحلل الفعلي من أي مبادئ (هذا مع الافتراض بأن الاتحاد السوفييتي كانت لديه أي مبادئ) كما يتعين علينا دائماً أن نذكر أن كل هذه الصراعات تُخاض في ليل الثورة المضادة، وأن النظام الإيراني ذاك دعم نظاماً منحطاً يذبح شعبه ويشرده ويبيده. لا يعني هذا أن الخصوم شرفاء أو تحرريون، بل يعني أن ذلك صراعٌ لا مجد فيه، ولن يؤدي إلى أي تحرر، وما الخيار سوى بين السيئ والأسوأ، المنحط والأكثر انحطاطاً، وكل السيناريوهات كئيبة وبنت الهزيمة في نهاية المطاف.

القضية هنا ليست فلسطين ولا تحريرها، وأخشى أنها لم تكن يوماً، منذ ما يقارب الأربعة عقودٍ غدت فيها مسوغاً للشرعية، ولم تعدُ أن تكون ورقةً لكسب الشعبية والنفوذ. الصراع أردأ من هذا بكثير، صراع مصالح ونفوذ في منطقةٍ معقدة في بلدٍ شديد التعقيد يحرص نظامه على تغذية ذلك التفتت والتعقيد للبقاء، ولو على أشلاء البلد، كما أن القوى الكبرى لن تجر إلى صدام في حروب الإقليم، ولعله من المفيد هنا التذكر باصطحاب بوتين (داعم بشار الأكبر) لنتنياهو كضيف شرف في عرضٍ عسكري في موسكو.

لا شك بأن مآل الثورات محزنٌ مقبضٌ، كما هو محزنٌ ما أراه من أشخاص مخلصين ما زالوا لم يتخلصوا من أوهامهم في طبيعة الأنظمة في منطقتنا، وطبيعة الصراعات فلا يكون منهم لدى كل قعقعة سوى إسقاط كل مخزونهم في جعبتهم من الإحباطات والهزائم القومية، وكل آمالهم بالتحرر مع فائض الرطانة المكدسة والحاضرة للاستدعاء من شعارات القومية العربية وإسقاطها على أنظمة تعادي من الأساس الشعوب وتحررها، بالإضافة إلى كونها أجرمت في حقها ربما كما لم يفعل الاستعمار.

ليست هذه حرب تحرير، وفلسطين ليست في قلب هذا الصراع للأسف وليست «بوصلته» الهادية بأي شكلٍ من الأشكال، وأي مكاسب ستتحقق ستكون عرضية تماما (هذا بفرض تحققها) وفي زمنٍ تحتفل فيه إسرائيل بذكرى النكبة على ضفاف النيل في فندقٍ كثيراً ما استضاف فيه عبد الناصر قمماً عربية، ليس سوى محض هراء أن نتصور أن أياً من الأطراف يعير هذا الملف المحوري اهتماماً أو يؤمن به أو يتخذه «بوصلة».

لم يأت وقتنا بعد فأفيقوا تعرفوا عدوكم وتهتدوا إلى طريقم يرحمكم الله.

كاتب مصري

القدس العربي،

 

 

رسائل حربية متبادلة بين إيران وإسرائيل في سوريا/ محمد زاهد جول

كان من شعارات الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي ترامب قبل عام ونصف العام تقريباً وعده للشعب الأمريكي أنه سيمزق الاتفاق النووي مع إيران، الذي وصف قبل ثلاث سنوات بـ»اتفاق خمسة زائد واحد» مع إيران، نسبة إلى خمس دول هي دول مجلس الأمن دائمة العضوية زائد ألمانيا. هذه الدول شاركت جميعها بالاتفاق النووي مع إيران، ووقعت عليه في يونيو 2015. وقبل توقيع ذلك الاتفاق أجرت أمريكا مفاوضات طويلة مع إيران، زادت على عشر سنوات، بما فيها سنوات العقوبات الاقتصادية المتواصلة، التي أثرت على الشعب الإيراني كثيرا، فنصفهم الآن يعيش تحت خط الفقر، بينما تواصل قيادة الحرس الثوري الإيراني بناء ترسانة عسكرية تقليدية هائلة، لا تعود بالنفع على الشعب الإيراني، ولن إيران تنفعه في حروبها مع أمريكا وإسرائيل، وإنما لتهديد جيرانها من الدول العربية والاسلامية، كما هو ثابت حتى الآن، إضافة لما تدعي أنه لحماية الثورة الإيرانية.

الحرس الثوري الإيراني يظن انه يستطيع من خلال توجيه ضربات صاروخية تقليدية غير جدية إيصال رسالة إلى إسرائيل أولاً، وإلى امريكا ثانياً، أنه يستطيع ان يستخدم قوته الصاروخية ضد إسرائيل، بينما اختارت الحكومة الإسرائيلية إيصال رسالة للقادة الإيرانية بقدرتها على تدمير مقرات الحرس الثوري الإيراني في سوريا، وبالنظر إلى عدم التكافؤ العسكري والتكنولوجي بين الضربات الإيرانية والضربات الإسرائيلية، فإن الرسالة الإسرائيلية تؤكد للإيرانيين أنهم عاجزون عن إلحاق الأذى بالدولة الإسرائيلية أو جيشها، فإسرائيل بتأكيد روسي، أرسلت ثمان وعشرين طائرة حربية وقصفت خمسين موقعا عسكريا إيرانيا بسبعين صاروخاً، بدون أن تتمكن إيران أو جيش بشار من إسقاط طائرة منها.

وحسب ادعاء رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو: «فإن إيران خرقت الخط الأحمر في سوريا»، لمجرد محاولة الحرس الثوري الإيراني توجيه ضربة غير جدية لأراضي الجولان، بدون ان تحدث شيئاً.

مستوى هذه المعركة البسيطة دليل على ضعف إيران عسكريا، رغم ما بذلته في السنوات الماضية من اختيار مبدأ التسلح لحماية نفسها، ووقوع هذه المواجهة بين إيران وإسرائيل دليل على أن الفرصة التي قدمتها إدارة أوباما لإيران لتوسيع نفوذها ونفوذه في سوريا والمنطقة قد انتهت، كما انتهى الاتفاق النووي أيضاً. انتهاء الاتفاق النووي يعني عدم حاجة أمريكا لتوسيع نفوذ إيران في سوريا والمنطقة أيضاً، وبالتالي فإن عليها أن تلتزم بالحدود المسموح بها في سوريا عسكريا وسياسياً، بداية عبر الاتفاق مع إدارة أوباما للقضاء على الثورة السورية مقابل تنازل مؤقت عن مشروعها النووي ورفع العقوبات عنها. أما الآن فالحاجة الأمريكية لها في سوريا والعراق واليمن ولبنان، أقل من ذي قبل بكثير، بينما ظنت أن هذا التمدد سيكون طويل الأمد، وأنها بتوسيع نفوذها في الوطن العربي ستجعل من نفسها رقماً صعباً في المعادلة العسكرية والسياسية في المنطقة، وهذا ما صرح به قادة إيرانيون عديدون، بأن إيران أصبحت لاعبا مهما في المنطقة، ولا يمكن تجاوز دورها، خاصة أن جنودها وميلشياتها على مسافات متقاربة مع الجيش الأمريكي في العراق وسوريا والخليج، وفي ظنها أن الأشد خطورة هو قرب ميليشياتها من الحدود الإسرائيلية، وبالتالي تستطيع التحرش بها عسكريا للضغط من خلالها على علاقاتها مع الغرب أولاً، ومع الدول العربية ثانياً، وهو ما تعارضه أمريكا وإسرائيل والدول العربية أيضاً.

ما ترسم له إيران أصبح في مهب الريح بعد أن انسحبت أمريكا من الاتفاق النووي معها ، رغم معارضة الدول الخمس روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا هذا الانسحاب، ولكن ترامب التزم بوعده الانتخابي أولاً، ويعتبر الاتفاق كارثة بالنسبة لأمريكا والغرب والشرق الأوسط، وقد أعطيت إيران فرصة تاريخية لتهديد دول المنطقة بتفاهماتها مع وزير الخارجية الأمريكية السابق جون كيري، وموافقة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، لأن أمريكا كان من أهدافها عام 2012 السماح لإيران بالتدخل العسكري في سوريا للحيلولة دون سقوط بشار الاسد، خاصة أن أمريكا واسرائيل وجدتا لدى ميليشيات بشار الأسد والحرس الثوري الإيراني الجرأة على القتل الدموي للمعارضين بدرجة غير متوقعة، فغضتا النظر عنه، بدليل أن أمريكا والدول الغربية، فضلا عن روسيا والصين غضت النظر عن استخدام بشار الأسد للأسلحة الكيماوية والغازات السامة، طالما استخدمها ضد العرب والمسلمين أولاً، وطالما هي بدرجة غير فاضحة ولا محرجة لأمريكا والدول الغربية، فأمريكا لم تتحرك إلا بعد مجزرتي الغوطة الشرقية 2013 ومجزرة دوما 2018 الكيماويتين فقط، بينما استخدم بشار الأسد السلاح الكيماوي ضد الأبرياء مئات المرات قبل هذا التاريخ.

ففي 2013 اكتفت أمريكا بمحاولة أخذ أداة الجريمة من الأسلحة الكيماوية من جيش بشار ولم تحاسبه على المجزرة، وفي 2018 اكتفت بتنسيق ضربات صاروخية مع بريطانيا وفرنسا، بدون أن تردع المجرم أولاً، ولا تردع حلفاءه الإيرانيين والروس، والغريب أن البنتاغون الأمريكي اعترف بأن الضربات الأمريكية والبريطانية والفرنسية تمت بالتنسيق مع روسيا، وبالتالي مع جيش بشار وجيش إيران وحرسها الثوري، فلماذا هذا التنسيق إذا كانت هذه الضربات عقوبة لمن استخدم السلاح الكيماوي ضد الأبرياء، كل ذلك يؤكد أن استخدام السلاح الدولي في سوريا هو جزء من تفاهمات دولية، وليس حربا حقيقية، فروسيا هي خط التواصل الإيراني الإسرائيلي اليوم، ونتنياهو كان في موسكو قبل ساعات من الضربة الإيرانية أولاً، وكذلك الضربة الإسرائيلية المدمرة للمواقع الإيرانية في سوريا ولمواقع الدفاع الجوي لجيش بشار، وكأن روسيا تنسق بين هذه الضربات ومدى تأثيرها على الخيارات السياسية المقبلة.

فلماذا قامت إيران بهذه الضربة التي لم تؤثر على إسرائيل، بل استفادت منها إعلامياً على المستوى الدولي، وقد تستفيد منها إيران داخل حدودها فقط، ما حصلته إيران هو تلقي قواتها في سوريا ضربات أدت إلى تدمير البنية التحتية لمعظمها، كما أدت إلى مقتل أربعة وعشرين منهم أربعة من جيش بشار، وحيث أن إيران لم تجرؤ على الاعتراف بأنها قامت بهذه الضربة على الجولان، وقالت إن قوات الأسد هي التي نفذتها، وبالأخص بعد توجيه كافة التنديدات الدولية الغربية لإيران وتحميلها المسؤولية، فإن تنصل إيران هو بمثابة تنصلها عن حق الدفاع عن نفسها. إسرائيل قتلت لها سبعة من كبار ضباطها في القاعدة العسكرية 47 قبل شهر، وكأن إيران تدرك أنها لا تستطيع خوض معركة علنية مع إسرائيل في سوريا، ومن باب أولى أنها لا تستطيع ذلك على أراضيها أيضاً، ومرد ذلك علمها وتيقنها بأن روسيا لن تدافع عنها في سوريا، وأن أسلحتها لا ترقى لمستوى الحرب التي قد تخوضها مع إسرائيل أو امريكا.

روسيا أوصلت الرسائل الاسرائيلية إلى إيران، وأبلغتها بالأماكن المحظور عليهم الوصول إليها، كما أبلغتهم نوع الأسلحة المحظور عليهم إرسالها إلى سوريا أو لبنان، وإلا فإن إسرائيل ستقوم بتدمير هذه القوات، وقد وصلت هذه الرسائل إلى القيادة الإيرانية بكل وضوح، ولكن إيران هدفت بافتعال مثل هذه الضربة البسيطة لتكون ورقة مشاركة في مفاوضات مستقبل سوريا السياسي، الذي تضغط أمريكا واوروبا على أن يكون من خلال مؤتمر جنيف وليس في مؤتمر أستانا.

هذه الرسالة استعجلت إيران بإيصالها إلى أمريكا عبر توجيه ضربة غير جدية لإسرائيل، لتقول إنها موجودة عسكريا وجاهزة لتوجيه قوتها في سوريا لما يؤذي المصالح الأمريكية والإسرائيلية في سوريا، إذا تم طردها واستبعادها من جني المكاسب في سوريا، مع إعلانها أنها لا تسعى لخوض حرب مع إسرائيل، وحجتها ان ذلك يوتر الأوضاع في المنطقة على ذمة الرئيس الإيراني حسن روحاني، أي أن إيران لا تسعى لتوتير المنطقة مع إسرائيل، في الوقت الذي قتلت فيه أكثر من مليون عراقي، ومثلهم في سوريا، فضلا عن تدميرها لعواصم الحضارة العربية الإسلامية في العراق وسوريا واليمن كفاتورة صداقة مع المشروع الأمريكي الغربي والصهيوني للمنطقة.

كاتب تركي

 

 

هل تخطط إيران لتكرار تجربة جنوب لبنان في الجولان السوري؟/ وائل عصام

شكّلت تجربة حزب الله في لبنان نموذجا للإسلوب الإيراني في التعامل مع إسرائيل، على طريقة حياكة السجاد الإيراني، حثيث لكن بنفس طويل.

ونتحدث هنا عن أداء الحزب في شقه المواجه لإسرائيل، وليس الطائفي الموجه للداخل اللبناني ثم السوري لاحقا، رغم أن هذا الاخير، يمثل نمطا إيرانيا آخر، غاية في الأهمية، في كيفية حيازة واحتكار»شرف المواجهة مع العدو»، واستثماره كدعاية عالية الربحية  للمشروع الطائفي الداخلي، بحيث يتحول مقاوم درزي يساري كسمير القنطار، إلى مناصر لحزب ديني أصولي ويقتل في صفوفه.

القنطار، الذي اغتالته إسرائيل في سوريا عام 2015، كان يعمل على تشكيل فصائل «مقاومة» في الجولان الذي يقطنه تجمع كبير من أبناء طائفته الدرزية، بحسب مصادر متعددة، أحدها محلل أمني نشر تقريره حينها في الصحافة الاسرائيلية، ويمثل القنطار على ما يبدو، أحد حلقات الوصل  بين نموذج حزب الله في لبنان والنموذج الذي بدأت إيران ومنظومتها بالعمل عليه منذ سنوات، وهو إنتاج نسخة من حزب الله في الجولان السوري.

فحزب الله مشروع مربح لإيران في المنطقة مقارنة بكلفته، حتى اذا نظرنا للكلفة المادية في ظل معاناة إيران من نظام العقوبات الاقتصادية لسنوات، فعلى مدى 15 عاما، لم تنفق إيران على حزب الله، بقدر ما انفقت السعودية على صفقة سلاح واحدة مع الولايات المتحدة، سلاح يتحول إما لقطع حديد صدئ أو يعجز عن حسم معركة مع مقاتلين جبليين من أقلية حوثية، لم يكلفوا إيران ربع ما أنفقته الرياض للآن على حربهم الفاشلة. لذلك فإن التنظيمات الشيعية الموالية لإيران، تحقق لها كقوة ردع ونفوذ، ما يماثل ربما القنبلة النووية!

واذا عدنا لمقارنة نموذج جنوب لبنان، فسنجد أنه وفي مناسبتين، تمكن حزب الله من تحقيق قدر ما من الندية في المواجهة مع اسرائيل الدولة النووية، الأولى كانت عند انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، والثانية في حرب تموز 2006، فالمناسبة الاولى جاءت بعد سنوات من اشتباكات متواصلة استنزفت الجانب الإسرائيلي، وشكّلت رأيا عاما ضاغطا في إسرائيل، يدعو للتخلص من عبء جبهة الجنوب، حتى جاء رئيس الوزراء ايهود باراك وجعل الانسحاب من جنوب لبنان أحد وعوده الانتخابية، لينفذه بعد انتخابه عام 2000، ويمكن للقارئ المتتبع أن يجد في مذكرات الجنود الإسرائيليين الذين خدموا في جنوب لبنان، ما يشير إلى حالة التململ في صفوف القيادة الاسرائيلية، من حرب العصابات المكلفة، كما ذهب عدد من المحللين الاسرائيليين حينها، للحديث عن حالة «ردع متبادل»، رغم تفاوت القوى العسكرية التقليدية، وجاءت المواجهة الثانية في حرب تموز، لتؤكد ما سبق وتم اختباره على مدى سنوات التسعينيات جنوب نهر الليطاني، بأن الجيوش النظامية لا تملك حلولا حاسمة بمواجهة حروب العصابات، إن تآزرت معها ظروف محلية معينة كما توافرت بجنوب لبنان.

هذه التجربة اذن، مثلت أول أذرع ومخالب طهران في المشرق، ومعها جاءت حالة الحوثيين، والحشد الشيعي، وكلها تستند إلى مقومات مشتركة من الاحزاب العقدية إلى الإسلوب القتالي الخاص بالقوى المسلحة الشعبية غير النظامية المستندة لحواضن خصبة.

وتشترك حالة الجولان السوري، مع جنوب لبنان، بأن المواجهة إن حصلت، فهي تتطلب حسابات شديدة التعقيد، لأنها مع قوة إقليمية متفوقة كإسرائيل، ومن ورائها قوة عظمى كالولايات المتحدة، لا تريد إيران الدخول معها بحرب «كسر عظم» غير قادرة عليها، لذلك فإن التكتيك الذي يمكن لإيران اتباعه، هو دعم قوة مسلحة محلية والتنصل من التبعات السياسية للمواجهة المباشرة، ومن ثم استثمار نجاحاتها، وهو ما يمكن ملاحظته في تصريح الإيرانيين قبل أيام عن الهجوم الصاروخي على الجولان، حيث نفوا مسؤوليتهم عنه، وهم يتبعون الاسلوب القديم نفسه مع حزب الله، الذي لم يكن ايرانيا بشكل رسمي، ولكنه في الوقت نفسه عضو اصيل في منظومة إيران على عدة أصعدة، وهم بذلك يستثمرون ثغرات في قواعد اللعبة الدولية التي لا تعترف إلا بشخصية الدولة القطرية، ولم تعد تستوعب وجود كيان عسكري وعقدي واحد في اربع دول مختلفة!

وهكذا فان ملامح النسخة السورية لحزب الله في الجولان، التي قد تعمل إيران على تشكيلها العامين المقبلين، خصوصا بعد الانتهاء من إكمال مهمتها بدعم استعادة سيطرة الاسد على مناطق المعارضة، ستعتمد على ميليشيات مسلحة تنفذ عمليات خاطفة عبر الحدود في الجولان، ولكنها بالوقت نفسه محدودة، بحيث تضمن بالمقابل محدودية رد الفعل الإسرائيلي، قد تتركز على قصف مواقع في الجولان، طائرات مسيرة، مهاجمة جنود في نقاط حراسة وثكنات بالجولان، في عمليات استنزاف متقطعة قد تستمر لسنوات، وكما كانت دفعة الصواريخ الاخيرة الموجهة نحو الجولان حصرا، فإنه من المرجح أن إيران تريد ايصال رسالة، أن هدفها هو الوصول في نهاية المطاف لتسوية تعيد الجولان لحليفها الاسد، وليس الهجوم على إسرائيل أو تهديد امنها الداخلي، وبالمقابل فإن إيران وحلفاءها اليوم  ليسوا في وضع يسمح لهم بمواصلة الاشتباك مع إسرائيل قبل اتمام تثبيت سلطة الاسد في سوريا، وهذا كان واضحا في الهجوم الاخير الذي كان خجولا وضعيفا، مقابل رد إسرائيل الواسع، فهو كان مجرد رد رمزي لحفظ ماء وجه إيران لا اكثر.

وهنا يتبادر للأذهان التساؤل عن توجه إسرائيل والولايات المتحدة لحسم المواجهة مع إيران وأذرعها في المنطقة، وتدمير كل الشبكات المرتبطة عضويا بطهران، ومنها هذا المشروع المفترض في الجولان، وهو بلا شك طرح يثار حاليا بعد إعلان ترامب إلغاء الاتفاق النووي، ومغادرة سياسة الاحتواء الامريكي لإيران في ساحات العراق وسوريا، التي اضطر لها الامريكيون لعدم قدرتهم على مواجهة عدوين في آن، بعد احتلال العراق، إيران والمقاومة السنية والجهاديين من بعدهم في العراق، ومن ثم سوريا، إلى أن تم إجهاض التهديد الجهادي في العراق، وإزالة الفوضى الثورية التي كانت تشكل خطرا على استقرار النظام الأقل خطرا عليهم من الأسد، لتبدو المرحلة الآن اكثر تهيؤا لاستدارة استراتيجية امريكية اسرائيلية لقصقصة اجنحة طهران. لكن، وبعيدا عن الخوض في طبيعة المواجهة المرتقبة وإمكانيات كل طرف، فإن شكوكا تحيط بإمكانية حسم المواجهة بسهولة مع الحلف الايراني، خصوصا اذا تذكرنا أن محاولة كهذه حصلت بالفعل مع إحدى اذرعها في جنوب لبنان عام 2006، وها هو حزب الله بعد 12 عاما اكثر قوة، وفي الوقت نفسه، فإن إيران اكثر قوة، متحررة من قيود العقوبات الاقتصادية الخانقة، وأذرعها اكثر تمددا، وتكلفة مواجهتها من صنعاء حتى بغداد وبيروت باتت اعلى، وبالمقابل فإن هيمنة امريكا في الشرق الاوسط اليوم اكثر تراجعا من أي وقت مضى، أمام روسيا التي رسخت أقدامها، وهي الشريك الإيراني في مناهضة النفوذ الامريكي.

صحيح أن روسيا لن تقف مع إيران ضد إسرائيل في اي مواجهة، لكن الصحيح ايضا انها تمثل «خط رجعة» جيدا لطهران، و»مطفأة حريق» لاي تصعيد خطير محتمل، ووسيطا دوليا قد يلعب دورا في اتمام تسويات مقبلة.

التوازنات لا توحي اذن، بامكانية حسم هذه المواجهة سريعا مع ايران، بل هي حرب باردة جديدة ستدوم على الاغلب لسنوات، بانتظار توازنات جديدة ترجح قوة طرف على الاخر، والى ذلك الحين فإن صاحب القدرة على المطاولة سيمتلك فرصة كبيرة، خصوصا إن اتقن حياكة خططه كصناعة السجاد الإيراني، حثيث وبنفس طويل.

الفدس العربي

 

 

 

طهران وموسكو.. التمسّك أولاً بـ”الغنيمة”/ محمود الريماوي

كان لافتاً أن الهجمات الإسرائيلية فجر الخميس، 10 مايو/ أيار الجاري، قد تمت بعد ساعاتٍ من مغادرة رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، موسكو إلى تل أبيب، فالدولة العبرية تريد تحييد روسيا عن أي مواجهات مع إيران في سورية، وعن أي استهدافات لمواقع عسكرية للنظام مرتبطة بالوجود الإيراني. وقد جاءت الهجمات مقرونةً بالسلوك الروسي، تثبت هذه القاعدة في النزال الإيراني على الأرض، وفي الأجواء السورية. وتدرك موسكو أن أي تدخل في هذه المواجهات قد يستدرج تدخلاً أميركيا، مما يعتبر حينها كسراً للمحظورات. وقد أوضح نتنياهو أنه أبلغ المسؤولين الروس بالهجمات قبل وقوعها.

تدرك إيران هذه المعادلة. ولهذا تتفادى توسعة نطاق الحرب المحدودة. وقد جاء إطلاق الصواريخ على الجولان ليل الأربعاء 9 مايو/ أيار الجاري كإجراء عسكري لترميم المعنويات، ورفع الحرج، بعد استهدافات إسرائيلية متكرّرة لمواقع عسكرية إيرانية دونما رد يذكر. ولا وجود لمواجهةٍ مع الاحتلال الإسرائيلي في الأجندة الإيرانية التي تركز على تكريس الوجود الإيراني العسكري والاقتصادي والمذهبي، ودعم حزب الله في لبنان، وتأمين طريق برّي يصل طهران بالبحر المتوسط في لبنان عبر العراق وسورية.

أما تل أبيب، فلا ترغب بحربٍ شاملة، تزعزع عقيدة حرب “نظيفة” بأقل خسائر وأضرار تذكر. وجُل المراد إسرائيلياً هو تخفيض مستوى التسلح والعسكرة الإيرانية في سورية إلى أقل مستوى ممكن، والتركيز على حرب إيران الخاصة بتعزيز وجود النظام في دمشق التغيير

“موسكو لا تمانع في إضعاف الوجود الإيراني في سورية ولكن ليس استئصاله”

الديمغرافي، وصولاً إلى تغيير هوية سورية، بحيث تصبح على غرار هوية العراق السكانية والاجتماعية. ولهذا تتمسك طهران، ومعها حزب الله، بسياسة ضبط نفس طويلة المدى، وهو ما برهن عليه، على سبيل المثال، حزب الله اثني عشر عاما منذ آخر حرب إسرائيلية عام 2006، وقد لوحظ أن نائب رئيس لجنة الأمن القومي الإيراني، أبو الفضل حسن بيغي، قد نفى الخميس أن تكون بلاده من أطلقت صواريخ على مواقع تمركز الجيش الإسرائيلي في الجولان المحتل. وقال لوكالة سبوتنيك الروسية، إن جيش النظام السوري هو من استهدف خط المواقع الأمامية للجيش الإسرائيلي في الجولان بـعشرين صاروخًا.

ولا تمانع روسيا سياسة ضبط النفس هذه بل تحبذها، فهذه الدولة “الكبرى” تنهمك في الإشراف على عمليات الاقتلاع والتهجير من المدن لفئة اجتماعية بعينها، وحشرها وحصرها في الشمال السوري، ليس بعيدا عن الحدود مع تركيا (استلهاماً لتراث قيصري في اقتلاع شعوب وأقوام من بلدانها، كما حدث مع الشركس من القوقاز والتتار من القرم في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فضلا عن استلهام التراث السوفييتي في قمع انتفاضات الشعوب، كما حدث في بودابست وبراغ في خمسينات القرن الماضي وستيناته) وفي هذه الأثناء، تتفقد جموع النازحين إلى الشمال، أو ما بقي من مراكز طبية بغارات عسكرية روسية متواترة ترفع منسوب النصر على السوريين، في وطنهم. وكل من موسكو وطهران يتمسّكان بمنح أولوية مطلقة للتمسّك بالغنيمة السورية ومحاولة تحييد العالم كله عما يجري في هذا البلد، كما تلعب موسكو بأقل قدرٍ من النجاح دور الإطفائي في التوتر الإيراني الإسرائيلي، وطمأنة تل أبيب بأن الوجود الإيراني لا يستهدف تل أبيب من قريب أو بعيد، وإن استعادة الجولان المحتل غير مطروحة على الأجندات، فهناك أمور استراتيجية “أكثر أهميةً” تشغل بال كل من طهران وموسكو ونظام دمشق. ومع ذلك، تتمسك تل أبيب بحرية الحركة والمبادرة العسكريتين، كلما اقتضى الأمر ذلك من وجهة نظرها. ولم يجد المسؤولون الروس ما يعقبون به على التصعيد الإسرائيلي أخيرا سوى أنه “مثير للقلق”ـ كما جاء على لسان وزير الخارجية، سيرغى لافروف.

وأميركا لا ترغب بالتورّط المباشر في حرب مفتوحة، تفادياً لمواجهة مع القوات الروسية، وخشية أن يفتح الإيرانيون جبهة على الوجود الأميركي في العراق، وكذلك لأن الرئيس ترامب يتطلع لإنهاء الوجود الأميركي في سورية، وليس للدخول في مجازفات صعبة.

والراجح أن هذا الوضع سوف يستمر أمداً غير قصير، فموسكو كما يدل سلوكها لا تمانع، من طرف خفي، في إضعاف الوجود الإيراني، ولكن ليس إلى درجة استئصاله، فإيران شبه المعزولة دولياً تتسبب العلاقة معها ببعض الحرج لموسكو، وخصوصا بعد ما آل إليه التحالف الروسي مع بيونغ يانغ من فشل. علاوة على ما تشعر به موسكو بأنها حققت كثيرا من أهدافها في سورية، ولم يعد هناك من خطر وجودي على النظام في دمشق، فيما عمليات تصفية المعارضة الوطنية المسلحة، وإنقاص عدد السوريين السنّة وتصفية وجودهم في العاصمة دمشق وفي حمص، تسير بنجاح وعلى قدم وساق (قاعدة حميميم تبث على موقعها تقارير تفيد بتحريم وجود معارضين سوريين، وتجريمهم حيثما تنتشر الشرطة الروسية!). وتقوم في الأثناء

بتعويض طهران بالوقوف إلى جانبها بما يتعلق بالاتفاق النووي، فضلاً عن التعاون العسكري والاقتصادي معها، وتسعى إلى التجسير بين طهران والعواصم الأوروبية، لعزل الموقف الأميركي المنسحب من اتفاق فيينّا 2015، وإن كان ذلك ليس ميسورا، فما زالت العواصم الأوروبية الرئيسية تعمل على حل وسط، يقضي بتعديل الاتفاق أو وضع ملاحق له.

وفي نهاية المطاف، التصعيد الاسرائيلي ضد أهداف إيرانية ومواقع للنظام مرتبطة بشكل او بآخر بالوجود الإيراني، مع الاعتصام بموقف دفاعي محدود، يسحب الورقة الدعائية الإيرانية بنصرة القدس، والتي دأبت على تغرير ضحاياها السنّة بها (كما حال بعض فلسطينيي مخيمات سورية)، كما أن أطنان الدعاية الإيرانية حول إزالة إسرائيل، تصادف امتحانا عسيرا لها بعد انكشاف الاستراتيجية الإيرانية التي تقفز عن أي مواجهةٍ مع الاحتلال في الأمد المنظور. على أن جملة هذا الوضع ستظل مرتبطة بديناميات التمكين، وفق المنظورين، الإيراني والإسرائيلي، ومدى تمسك “المجتمع الدولي” بوضع نهاية سياسية عادلة للأزمة السورية تلبي الحد الأدنى من حقوق أغلبية السوريين، والأمر مرتبط أيضا بتفاعلات الموقفين، الأميركي والإسرائيلي، المستقبلية من الملف النووي الإيراني في حال اتجهت طهران إلى “التخصيب”، كما يقترن الأمر بالخطط الأميركية لوضع خطة أو مبادرة ما، ومدى اقترابها من الوفاء بالحقوق الفلسطينية، وكبح جماح الاحتلال، وتثبيت حق الفلسطينيين في اتخاذ القدس الشرقية عاصمةً لدولتهم المستقبلية. فالفلسطينيون يجدون مصلحةً لهم في إضعاف الوضع الإسرائيلي في أية مواجهة ما زالت مستبعدة مع إيران، ويستثمرون أية توترات إقليمية لتصعيد نضالهم السلمي المشروع ضد دولة الاحتلال.

العربي الجديد

 

 

إيران وإسرائيل.. خطران من الشرق والغرب/ عزام أمين

كثيراً ما يثير السؤال: أيّهما أخطر على المجتمعات العربيّة، إيران أم إسرائيل؟ الجدل والخلافات والتشنّجات والتناقضات بين المتحاورين. وبطبيعته، يولّد هذا التساؤل أسئلة أُخرى، وجوديّة، متعلّقة بطبيعة الصراع العربي الإسرائيلي وأولويّته، ومن نحن، وماذا نريد؟

يقدّم بعضهم إيران خطراً متخفّياً قادماً من الشرق لا يقل خطورةً عن إسرائيل، لا بل يعتبرها أخطر؛ ويصرّ آخرون على أنّ العدو الأولّ للمجتمعات العربية، وأسّ مشكلاتها، من تخلف وفقر وقهر واستبداد وتشرذم، هي إسرائيل.

بدأ هذا الجدل منذ اتضاح النيات الإيرانية، وهيمنتها على ما يمكن تسميته “القرار الشيعي ” العربي، وفصله عن هويته العروبية لمصلحة الوجه الفارسي الإيراني، تزامناً مع التغييب الغامض للإمام موسى الصدر في أغسطس/آب 1978 في ليبيا، والثورة الإيرانية التي بدأت في عام 1977 وانتهت عام 1979 بوصول الخميني إلى سدّة الحكم، والحرب العراقية الإيرانية التي بدأت في سبتمبر/ أيلول 1980. ولكنّ النقاش تأجج مع بداية ثورات الربيع العربي، وتدخّل إيران الصريح في أحداثه، وبروز دورها الرئيس في المنطقة، وسيطرتها المباشرة أو غير المباشرة على أربع عواصم عربية، حتّى الآن.

وبغض النظر عن السؤال المطروح أعلاه، يمكن بسهولة ملاحظة أنّ الوقوف ضد إسرائيل

ومشروعها في العالم العربي أمرٌ سَهلٌ وبديهيٌّ، ولا يتطلّب جهداً في التفكير، ولا أيّ تحليل استراتيجي أو مقاربة لسياقها أو سيرورتها التاريخية، فإسرائيل، كما قالها أحدهم هي “كيانٌ خارجٌ عنّا تمامًا، هويَّته مغايرة، ولغته منفصلة، احتلالٌ خارجي، وهو نظام عنصري ليس له علاقة بصراعنا الطائفي أو بعفن الأفكار المُعتنقة في أوساطنا. والكثير من الجماعات، والأفكار، والأحزاب، تشكّلت على قاعدة عداء إسرائيل”.

إذن، هي مشروع من خارج الجماعة، وضدّها، ولذلك رفضها يسير وحتمي، ولم تنقسم مجتمعاتنا العربية على نفسها وتتصارع بسبب إسرائيل، بحسبان أنَّ الكلّ موحدٌ ضدها ومتفق على خطورتها. ويندر أنّ نعثر على أفرادٍ أو تجمعاتٍ وقوى محليّة وعربية، يمكن أن تدافع عن إسرائيل، وجوداً أو مشروعاً، وتتبنّى قضية الدفاع عنها.

في حين أن المشروع الإيراني الفارسي يشبهنا إلى حدٍّ ما، ويعتبره بعضهم مشروعاً قريباً علينا؛ لا بل ثمّة من يعتبره منّا، وهنا خطورته. لقد تسلل المشروع السياسي الإيراني في حصان طروادة من المزاعم المذهبية والعدائية لإسرائيل، واستولى على كل شيءٍ في بعض مجتمعاتنا العربية؛ وهذا ما لم تنجح به إسرائيل حتى الآن. إيران، وسعياً منها إلى تحقيق أهدافها السياسية (طَأفَنَت) المجتمعات العربية مذهبياً، وعزّزت فرقة دينية على أخرى بالمال والسلاح، وكرّست ثقافة التخوين حتى تمكّنت من تذريرها، وأحدثت شروخاً عميقة حتّى على مستوى الأسرة الواحدة. ويلحظ المتابع المتأنّي والموضوعي أنَّ ما نكأته إيران من جراحاتٍ وحساسيات في كل من العراق واليمن وسورية ولبنان والسعودية والبحرين والكويت عجزت عنه الآلة الحربية الإسرائيلية ومنظومة دعايتها وجواسيسها.

من كان يعتقد في سورية، على سبيل المثال، أنّه يمكنك وأنت تمشي في شوارع دمشق، أن ترى المواكب الحسينيّة وتسمع اللطميات التي بات يتقبّلها حتى من لم يكونوا يوماً شيعة؟ من كان يتصوّر سماع شيلات ولطميات شيعيّة في مدينة سلمية، المعروفة بتوجهها العروبي واليساري، بعد أن كانت تصدح شوارعها وزواريبها بأغاني مارسيل خليفة والشيخ إمام وشعر مظفر النواب؟! يبدو أنّ التطبيع مع المشروع الإيراني سهلٌ، ولا يحتاج تنازلات نفسيّة كثيرة، على عكس المشروع الإسرائيلي المختلف والبعيد تماماً.

حين استوردت مصر البيض الإسرائيلي ممهوراً بنجمة داوود امتنع عامة الشعب المصري عن شرائه، وحين تمت معالجة النجمة بالغسل، وأُعيد البيض إلى الأسواق، كان المواطن المصري يحمل البيضة ويرفعها إلى الشمس، كي يعاين أثر الختم عليها، ليتخذ بناءً على نتيجة معاينته هذه قرار رفض شرائها في حال تبين أنّها من إسرائيل. في الوقت نفسه، ثمّة من العرب من يتفاخر بالعلم الإيراني والانتماء للمشروع الإيراني! وهذا يقود بالضرورة إلى تقرير أن وعي خطورة المشروع السياسي الإيراني يحتاج مراجعات فكريّة نقديّة وطائفيّة ويقظة، وبعداً في النظر وتحليلاً أكثر عمقاً وتركيباً من مثيله المتعلق بالمشروع الإسرائيلي. فهو، أي المشروع الإيراني حامل لأيديولوجيا وأفكار يؤمن بها بعض من أبناء مجتمعاتنا العربية، أضف إلى أنّه يدّعي مقاومة إسرائيل التي نرفضها بدون أدنى نقاش وجدانياً ووجودياً. أيّهما، إذن، أخطر على الهُويّة العربية؟

في سياق الإجابة على السؤال، ثمّة من يتساءل عن أهميّة العامل الديمغرافي، فتعداد سكان

“أول من استشرف خطورة المشروع السياسي الإيراني، وحذّر منه، هو الإمام المغيّب السيّد موسى الصدر”

إسرائيل حوالي ثمانية مليون بينما إيران حوالي 80 مليوناً. وبناءً عليه، فإن نقطة ضعف المشروع الصهيوني في هذا العامل، هذا يعني إمكانية امتصاصه وتذويبه عربياً. بينما نقطة قوّة المشروع الإيراني قدرته على امتصاصنا ديموغرافياً وتذويبنا فكرياً. يجزم عراقيون كثيرون أن حملة تصفية العلماء العراقيين التي شهدها بلدهم بعد الاحتلال الأميركي في عام 2003 وشيوع الفوضى كانت بأيدٍ إيرانية، وفق حسابات استراتيجية دقيقة بعيدة المدى، تقضي بتحطيم بنية هذا البلد اجتماعياً واقتصادياً وعلمياً لتسهل السيطرة المديدة عليه. ألا تذكرنا هذه الاغتيالات بالحملات التي شنتها إسرائيل عبر جهاز الموساد على مثقفين وعلماء فلسطينيين كثيرين؟

وأول من استشرف خطورة المشروع السياسي الإيراني، وحذّر منه، هو الإمام المغيّب السيّد موسى الصدر، حين نشرت صحف يوم الجمعة 2 سبتمبر/ أيلول 1977 تصريحات له إنّ “الشيعة في لبنان لبنانيون عرب مسلمون قبل كل شيء، وأنّ الربط السياسي بينهم وبين أي بلد آخر غير لبنان، سيما البلاد غير العربية، خطر كبير بل خطيئة. وهل نشكو في لبنان، من قلة الولاءات حتى نحاول إضافة محور سياسي جديد؟”. ويتابع السيد الصدر قائلاً “أرجو أن يفهم هذا الموقف من قبل الجميع، لبنانيين وعرباً وايرانيين، ومن قبل بعض السياسيين الذين يتاجرون بهذه العلاقات ويستفيدون منها على حساب الوطن وعلى حساب الطائفة. فليهنأوا بعيشهم، وجنبنا الله مثل هذا العيش”.

وربما يقول أحدهم: أليس طرح سؤال “أيهما أخطر علينا المشروع الإيراني أم الصهيوني؟” والمقارنة بينهما خطأً كبيراً؟ نعم، هذا صحيح، فالجذور والسياقات لكل منهما مختلفة بالتأكيد، والخطأ الأكبر أن يُطرح هذا السؤال، وتستخدم هذه المقارنة من أجل تفضيل أحدهما على الآخر، فعدو عدويّ ليس بالضرورة صديقي، خصوصاً إذا كان الخلاف بينها قائماً على أحقية كل منهما بالسيطرة عليّ.

العربي الجديد

 

 

 

أوراق إيرانية/ بيار عقيقي

الرسائل المتبادلة في الجولان، بنسب متفاوتة، بين الإيراني والإسرائيلي، لا تلغي حقيقة أكيدة أن كلا الطرفين لن يهاجم الآخر خارج الأرض السورية حتى الآن. الطرفان يسعيان إلى كسب الداخل السوري الميداني، كل إلى جانبه، خصوصاً أن مساحة هذا الحيز تضيق مع الوقت، في حال انتقل الروس، أو حتى الأميركيون، إلى الجنوب السوري والجولان. وبعيداً عن أدبياتٍ من نوع “يحق لإسرائيل الدفاع عن نفسها”، إلا أن الواقع فرض نفسه في هذا السياق. معظم الدول الغربية “أكدت” على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، في مؤشر إلى شبه رغبة جماعية بإخراج إيران من سورية.

وعلى الرغم من أن الإيرانيين ليسوا في هذا الوارد حالياً، وكل تصاريحهم تشي بهذا الأمر، إلا أن مجرد طلب وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إقامة حوار “إيراني ـ إسرائيلي”، يفصح عن الكثير. تكشف الدعوة الروسية هذه أن موسكو لم تعد قادرةً على أداء دور الوسيط بين إيران وإسرائيل، وهي بدعوتها تكون قد أقرّت ضمناً بعجزها عن أداء هذا الدور، خصوصاً أن روسيا تدرك أن الإيراني والإسرائيلي ليسا في وارد إقامة حوار مباشر. كما تكشف الدعوة أن روسيا لم تعد قادرة عملياً، لا على إخراج الإيرانيين من سورية، ولا على وقف الغارات الإسرائيلية على القواعد الإيرانية في سورية. دخلت روسيا عملياً المستنقع السوري، حتى أن الشعور بفقدان السيطرة بدأ يلوح في الأفق بالنسبة لموسكو.

أما الأميركيون، فإن التصعيد ملائم حالياً لمسألة نقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة، وهي عملية ستتم من دون غضب فلسطيني داخلي وفقاً لحسابات واشنطن وتل أبيب، وبالتالي تشغيل المنطقة بضجيج أمني يحيد الأنظار عن عملية نقل السفارة. الأميركيون أكثر الناس وضوحاً في المرحلة الحالية. لا يريدون الإيراني، لا في سورية ولا في الاتفاق النووي. يريدون مناطق نفوذ في سورية. يسعون إلى تكريس التفوّق الإسرائيلي في سورية، ويدعمون كل خطوة إسرائيلية في سورية. وما نقل السفارة الأميركية سوى “حبة الكرز” في الدعم الأميركي.

لن تكون المرحلة المقبلة سهلة، سيضغط الإسرائيلي أكثر في اتجاه سحب الإيراني من سورية، مع التعويل على العقوبات الأميركية التي بدأت تُفرض على إيران مجدّداً. يدرك الإيراني أن الأوروبيين غير قادرين على منحه الغطاء اللازم بعد الخروج الأميركي من الاتفاق النووي، فالعبوات الأميركية ستطيح الأوروبي جانباً. أوراق طهران ليست كثيرة، لكنها كافية للمواجهة حتى نهاية عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب (2020). بعد ذلك، تُصبح إيران في وضعية أخرى. الوضع الاقتصادي مخيف في الداخل الإيراني، حتى أكثر مما كان قبل عام 2015، تاريخ توقيع الاتفاق النووي. الإيراني الذي احتفل في شوارع طهران بالاتفاق هو نفسه الذي سيبحث عن “كبش محرقة” ليصبّ غضبه عليه، وتجربة التظاهرات ضد النظام الإيراني أواخر العام الماضي توضح ذلك. القومية الإيرانية، أو الفارسية، صلبة تاريخياً، لكن التاريخ تغيّر، وهو ما يدركه المحافظون والإصلاحيون على حدّ سواء. وهو ما يدفع طهران إلى التريّث في الانسحاب من الاتفاق النووي، فأي خطوةٍ غير مدروسة ستجعل النظام في حالة فوضى داخلية.

يمكن لإيران الردّ في اليمن والعراق وسورية ولبنان، لكن الردّ لن يكون مبادرةً هجومية، كما كانت تسعى طهران سابقاً، في سياق التمدّد نحو البحر المتوسط. الحالة الدفاعية عموماً لطهران كانت في طهران نفسها، الآن، سيجعل تعدّد الجبهات من الدفاع المتعدد أمراً صعباً، خصوصاً أن الجبهات المعنية، لبنان، والعراق، واليمن، وسورية، ليست في أفضل حالاتها، وتعاني بدورها من التردّي الاقتصادي. يبقى أمام إيران أن تفعل ما فعله صدام حسين: قصف تل أبيب، فرصة أخيرة في سياق أي فعل هجومي، أو الانكفاء للدفاع استعداداً لوصول الأميركيين إلى طهران، بحسب نيات واشنطن بقيادة دونالد ترامب.

العربي الجديد

 

 

 

شكراً إيران/ ساطع نور الدين

التاريخ يعيد نفسه، الى المكان الصحيح ، والزمان الدقيق. إنه يعود الى حيث كان  يجب ان يبدأ، الى العام 1970، او قبله بقليل.. لكي يكمل سيرة جبهة حرب فتحت في تلك الفترة، وها هي اليوم تسلم الراية الى جبهة شقيقة، وتستعد لإسدال الستار على الفصل الاخير من سيرتها المؤلمة.

الفضل في تلك العودة ينسب الى طهران وحدها، ولا أحد سواها: الجولان أصبح، وبعد طول إنتظار، جبهة مواجهة مفتوحة مع العدو الاسرائيلي، بقرار إيراني حاسم لا رجعة فيه، يعيد الى الاذهان القرار الفلسطيني بفتح جبهة جنوب لبنان في سبعينات القرن الماضي. وفي الحالتين، لم يكن النظام السوري، وهو نفسه الحاكم حتى اللحظة، أكثر من شاهد أو  منفذ.. او  مساهم في الاستثمار.

وكما تدرج جنوب لبنان في منتصف القرن الماضي من “فتح لاند” الى قاعدة عسكرية متقدمة ومنصة سياسية مهمة لمنظمة التحرير الفلسطينية، ها هو جنوب سوريا يتحول من نافذة إيرانية صغيرة تطل منها الخلايا والشبكات الامنية على مواقع العدو الاسرائيلي،الى منطقة عسكرية رئيسية تنتشر فيها قواعد طائرات الدرون والصواريخ والمدافع،المعدة لإشتباك طويل الامد، يرتبط بطول زمن الصراع وصمود الكيان الصهيوني..وقدرة دمشق على الاحتمال.

المناوشات المتكررة لا تترك سوى هذا الانطباع الذي ترسخ في اعقاب الاشتباك الصاروخي الاخير  العابر للحدود والاجواء السورية فجر الخميس الماضي: الاداء الايراني كان نسخة طبق الاصل عن الاداء الفلسطيني المحفوظ في ذاكرة الجبهة اللبنانية، وكذلك كان الاداء الاسرائيلي الذي بدا أنه يعتمد غارات جوية وعمليات عسكرية مستوحاة بالكامل من خرائط وملفات تجربة لبنان. حتى الاختراقات الاستخباراتية الاسرائيلية في الحالتين كانت واحدة، ومعها طبعا الخطابات السياسية المتبادلة الحافلة بمصطلحات أقلها التصفية والابادة والإزالة من الوجود.

تفاصيل الاشتباك الاخير الذي يبدو أنه كان واحداً من أكثر المناوشات الاسرائيلية الايرانية إنضباطاً وإنتظاماً ، تقدم أدلة دامغة على ان جنوب سوريا بات الوريث الشرعي والوحيد  لجنوب لبنان: إسرائيل تتلقى مسبقاً معلومات إستخباراتية عن استعداد ايران لتوجيه ضربة صاروخية محدودة الى مواقع عسكرية اسرائيلية قريبة من الخط الفاصل في الجولان. تنطلق الصواريخ التي لا تختلف في قوتها ودقتها ومداها عن الصواريخ الفلسطينية المستخدمة في الماضي من جنوب لبنان، فيخرج الطيران الاسرائيلي ليشن غارات واسعة النطاق على قواعد عسكرية إيرانية  في سوريا، تذكر بالغارات التي كان يشنها في السبعينات والثمانينات على القواعد العسكرية الفلسطينية المنتشرة على الاراضي اللبنانية.

قبل الاشتباك كان هناك تهديدٌ اسرائيليٌ بضرب قصر الرئاسة السورية وإسقاط الرئيس بشار الاسد، تماما كما كان قصر الرئاسة اللبنانية في بعبدا وكما كان النظام اللبناني يتعرض لمثل هذه التهديدات.. قبل ان يتبين ان الامر لا يعدو كونه من لزوميات الحرب النفسية، التي تستدعي رفع سقف الخطاب الى ما فوق مستوى تحليق الطيران الحربي والصواريخ وقذائف المدفعية.. وقبل ان يتأكد الجميع أن العاصفة إنتهت، وأن الصاروخ الاول (الفلسطيني سابقا والايراني حاليا ) كان هدفه إثبات الوجود وتغيير قواعد اللعبة، وحتى طلب التفاوض.. وان الغارة الاسرائيلية الاخيرة كان وما زال هدفها رفض ذلك الطلب، وتحديد شروط مستحيلة لاي مفاوضات.

ايران تحيي  اليوم في سوريا تجربة فلسطينية ماضية في لبنان. وكذلك تفعل اسرائيل. حتى الحزام الامني الذي أقامته في الجنوب اللبناني يرتسم الان في الجنوب السوري، وبعمق 40 كيلومترا أيضاً ، ويجد عملاء ووكلاء ومتحمسين في البيئة السورية المعارضة المتاخمة لخط الحدود، ما يفسح المجال لاحقاً لإقامة “جدار طيب”جديد، وبوابات عبور سورية نحو الداخل الاسرائيلي لاتقل سوءاً وخطورة عن الجدار اللبناني السيء الذكر.

وقائع الايام والاسابيع الاخيرة، أثبتت بما لا يدع مجالا للشك ان المخيلة الايرانية والاسرائيلية محدودة، ضيقة الافق، يعوزها الابداع والابتكار.. لكنها تعكس حتى الان على الاقل تفاهماً ضمنياً  على بند جوهري، هو  أن جبهة لبنان استنفدت وما عادت تخدم الغرض منها، ولم يبق منها سوى صواريخ حزب الله الموجودة على الاراضي اللبنانية، والتي يبدو أنها لن تستخدم الا إذا جرى المس الاسرائيلي او الاميركي بالاراضي الايرانية. وهي معادلة واقعية ومطمئنة: تل ابيب مقابل طهران، بدلا من ان تكون تل ابيب مقابل بيروت او النبطية او الخيام.

المدن

 

 

إيران وإسرائيل وقواعد الاشتباك في سوريا/ سلام السعدي

بعد عدة سنوات من تلقيها للضربات العسكرية الإسرائيلية في سوريا، قررت إيران الرد على إحدى الغارات الجوية الإسرائيلية وذلك بإطلاق نحو عشرين صاروخاً، سقطت معظمها داخل الأراضي السورية.

قابل هذا التصعيد الإيراني غير المسبوق تصعيدا إسرائيليا غير مسبوق هو الآخر، وذلك بشن ضربات عسكرية واسعة النطاق استهدفت أكثر من خمسين موقعاً عسكريا مرتبطا بإيران في سوريا. إنها حرب غير مباشرة على قواعد الاشتباك في سوريا حيث يحاول كل طرف تغييرها لصالحه.

ادعت إسرائيل أن ردها على الصواريخ الإيرانية كان ناجحاً بصورة كبيرة وقد تسبب في دمار البنية التحتية الإيرانية في سوريا. ولكن، مهما كانت دقة تلك الضربات وحجم الدمار الحاصل، لا يمكن الحديث عن تدمير كامل لبنية تحتية قائمة على الحرب الهجينة ولا يستخدم فيها الجيش النظامي. هذا ما تقوم عليه استراتيجية إيران العسكرية في سوريا حيث تكرس نفوذها عبر إنشاء ودعم ميليشيات عسكرية تجندها من بلدان عديدة على أساس طائفي.

ويعتبر الحرس الثوري الإيراني حلقة الوصل في هذه الاستراتيجية، ويبدو أنه قد أسس بالفعل، عبر السنوات الماضية، بنية تحتية عسكرية في سوريا، تعتبر هدفاً سهلاً نسبياً للجيش الإسرائيلي.

غير أن الخطر الأكبر بالنسبة لإسرائيل ليس المعدات العسكرية الإيرانية، وإنما الميليشيات التي يديرها الحرس الثوري والتي يمكن أن يوظفها في استهداف إسرائيل في أيّ لحظة أراد.

يصعب توجيه ضربات عسكرية جوية مؤثرة إلى مثل تلك الميليشيات التي تمتلك بنية مرنة ولا يمكن معرفة مواقعها بدقة. تفسر تلك المرونة عدم نجاح الضربات الإسرائيلية على المواقع الإيرانية وميليشياتها، والتي بدأت منذ أربع سنوات، في كبح قوة ونفوذ تلك الميليشيات التي توسعت خلال هذه الفترة. يحتاج تدمير تلك القوات، التي تشكل صلب المشروع الإيراني في سوريا، إلى قوات على الأرض وهو ما تدركه إسرائيل. ولكنها تحاول من خلال الضربات العسكرية الجوية توجيه رسائل إلى النظام السوري وروسيا تفيد بأنها مستعدة للتصعيد العسكري، وأن عليهم إنهاء التواجد العسكري الإيراني في سوريا مقابل وقف تلك الغارات.

ولكن ما الذي جعل إيران ترد هذه المرة وقد تحملت بصمت المئات من الضربات عبر السنوات الماضية. امتنعت إيران عن الرد طيلة السنوات الماضية بسبب انشغالها مع النظام السوري بحربهما الداخلية ضد المعارضة السورية.

حاولت كل من إيران والنظام السوري تجنب فتح معركة جديدة مع إسرائيل من المتوقع أن تتسبب في دمار كبير جدا لقدراتهما الهجومية، وهو ما سيساعد المعارضة السورية على تحقيق بعض المكاسب الميدانية.

مع انحسار الحرب ضد المعارضة السورية في عدد محدود من المواقع وتلاشي التهديد الوجودي للنظام السوري، التفتت إيران إلى تزايد وتيرة الضربات العسكرية الإسرائيلية وخطورة ذلك على مشروعها في سوريا.

أدركت طهران أن إسرائيل فرضت قواعد اشتباك جديدة خلال السنوات الماضية سمحت لها بضرب كل الأهداف التي تريدها دون أن تواجه أي رد. هكذا، أرادت طهران تغيير تلك القواعد وهو ما دفعها إلى إطلاق صواريخ عبر ميليشياتها في سوريا رداً على إحدى الغارات الإسرائيلية. إسرائيل بدورها، وبعد الرد الإيراني، أرادت تثبيت قواعد الاشتباك تلك، وهو ما دفعها إلى شن أوسع هجوم عسكري على مواقع في سوريا منذ حرب تشرين في عام 1973.

تتوقف الحرب الإيرانية – الإسرائيلية، التي يحذر منها الجميع اليوم، على رغبة إيران في المضي قدما في تغيير قواعد الاشتباك. بالنسبة لإسرائيل يبدو الأمر محسوما حيث أنها لن تتنازل عن سياستها في توجيه ضربات عسكرية متى شاءت. تملك إسرائيل المعلومات الاستخباراتية المطلوبة والدقيقة لاستمرار توجيه تلك الضربات، كما تملك الدعم الأميركي بعد انسحاب دونالد ترامب من الاتفاق النووي وبعد أن أصبح الوجود العسكري الإيراني في الشرق الأوسط أولوية أميركية أيضا.

وبينما يعتبر استخدام إيران لقوات غير نظامية في سوريا إحدى نقاط قوتها بسبب المرونة الكبيرة التي تتصف بها، يمكن أن تكون تلك القوات نقطة ضعف إيران أيضاً؛ إذ يشجع عدم وجود قوات رسمية إيرانية كلا من إسرائيل وأميركا على توجيه ضربات عسكرية إلى الميليشيات ومواقعها دون المخاطرة بحرب مباشرة مع إيران.

انطلاقاً من ذلك، من المتوقع أن يكون التصعيد الإيراني محصورا ضمن نطاق الحرب الهجينة، حيث يمكن أن نشهد تأسيس ميليشيات متخصصة في قتال إسرائيل، على غرار حزب الله في لبنان. وبالرغم من عدم رغبة النظام السوري في وجود مثل هذا النوع من الميليشيات التي قد تتسبب في استهدافه من قبل إسرائيل بضربات انتقامية، لا يبدو أنه يملك القوة والاستقلالية لمنع إيران من مواصلة مشروعها في الهيمنة على سوريا.

كاتب فلسطيني سوري

العرب

 

 

ألمانيا وفرنسا مع إيران/ عبد الرحمن الراشد

اختبار صفارات الإنذار في عدد من المناطق السعودية ليس عملاً روتينياً وسط أجواء المنطقة المتوترة، واستمرار الإيرانيين في إطلاق الصواريخ الباليستية مستهدفة المدن السعودية المكتظة سكانياً، من خلال وكيلهم الحوثي في اليمن، يعبر عن حجم المخاطر التي تواجه الجميع.

مع هذا، ورغم انتشار العنف المنظم من قبل النظام الإيراني، فإن الحكومتين الألمانية والفرنسية تسوقان لفكرة السكوت على حروب إيران، واحترام الاتفاقية النووية معها. مستشارة ألمانيا ميركل وبشكل صريح، ولأول مرة، تتحدث عن تعزيز سياستها الدفاعية العسكرية بعيداً عن الولايات المتحدة، وتقول للرئيس الإيراني هاتفياً إنها ملتزمة بالاتفاق والتعاون مع إيران. أيضاً، الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، مع ميركل اختارا الانفصال عن واشنطن متعهدين للنظام في طهران بالمتاجرة معه، ومعلنين رغبتهما في الاستقلال بشكل أكبر عن حليفتهما الدائمة الولايات المتحدة.

المواقف المعارضة لقرار الرئيس الأميركي بنقض الاتفاق النووي مع إيران تطرح جملة تصورات تبدو إيجابية، لكنها في الحقيقة سلبية للغاية. قد يبدو تمسك فرنسا وألمانيا بالاتفاق على أنه أهون الشرين. يدعون أن موقفهم يعطي فرصة لإيران للتفكير والتعامل بإيجابية حتى لا تخسر أوروبا، بعد أن خسرت الولايات المتحدة. ألمانيا وفرنسا تسوقان موقفهما المنحاز إلى طهران على أنه من أجل منع النظام من العودة لبناء السلاح النووي وتعقيل سياساته.

إنما مقابل هذا الموقف المنفتح، لا يملك الألمان والفرنسيون ما يكفي لضمان سلوك طهران لا عسكرياً ولا اقتصادياً. وبالتالي يرسل البلدان إشارات خاطئة إلى المرشد الأعلى بأنه على حق في موقفه ضد واشنطن، وأنه ليس مطالباً بأي تصحيح في سياساته الإقليمية. نخشى أن رسالة ميركل – ماكرون هي التي ستدفع بمزيد من الفوضى والحروب في المنطقة.

ربما لا يكون الرئيس الأميركي، دونالد ترمب لبقاً، لكنه هنا على حق. الاتفاق النووي هو أسوأ صفقة في التاريخ المعاصر، ولا بدّ من تعديله. منطقة الشرق الأوسط، حتى بمقاييسها السيئة، لم تعرف حروباً وعنفاً وأخطاراً كالتي جاءت خلال وبعد توقيع الاتفاق. والمستقبل سيكون أسوأ ما دام النظام في إيران يرى أن القوى الكبرى تخلت عن أدوات محاسبتها. وما المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية في سوريا إلا نتيجة لذلك الاتفاق الذي منح النظام المال وسمح له بالانتشار، وتشعره أنه حر طليق في المنطقة. الأوروبيون يملكون حلولاً تضميدية لحروب ضخمة، مثل سوريا، بالتبرع بمزيد من الخيام والبطانيات، وهم هنا مخطئون. سوريا ستولد مزيداً من القلاقل نتيجة الإخلال بموازين القوى في المنطقة. وكما حاولوا في ليبيا التي تقع في محيط أمنهم مباشرة، أمن جنوب أوروبا. لم تسعَ أوروبا، كمجموعة ولا كقوى منفردة، معالجة الحرب الأهلية في ليبيا إلا فقط بنشر البوليس البحري لمنع المهاجرين. النتيجة أن عدم وجود سلطة مركزية وعدم تمكين السلام هناك، أصبحت ليبيا معبراً للآلاف من الأفارقة المستعدين للموت غرقاً من أجل الهجرة إلى أوروبا. أوروبا بسياستها النائمة تريد واحداً من حلين؛ إما أن تتحمل الولايات المتحدة عبء المواجهة العسكرية أو ترك دول المنطقة تحترق. أوروبا ليست قادرة على اتخاذ أي قرار حرب، ولا تملك القدرة على الاتفاق على عمل عسكري مشترك، ولولا التدخل الأميركي في البوسنة لربما كانت الأزمة قائمة إلى اليوم في أوروبا نفسها!

هل يمكن أن يقدم لنا الألمان والفرنسيون تصورهم للحل لما تفعله إيران في العراق وسوريا وغزة واليمن؟ إنهم لا يفعلون غير السعي لبيع السلاح، لكنهم يرفضون إرسال قوات أو تقديم معلومات استخباراتية أو خدمات لوجيستية! ربما باستثناء قوة رمزية فرنسية في سوريا لا نستطيع أن نقول إنها تحدث فرقاً على الأرض!

لهذا، فإن انحناء الأوروبيين للنظام الإيراني هو على حساب الشعب الإيراني المتململ، وعلى حساب دول المنطقة التي صارت كلها أهدافاً لإيران، ولَم يعد أمامها سوى أن تستعد لحروب أوسع.

الشرق الأوسط

 

 

 

 

 

انسحاب ترامب من الاتفاق النووي يضخم شهية اسرائيل للحرب ..

بعد التوقّعات والتوقّعات المضادّة التي تكاثرت في الآونة الأخيرة، انسحب دونالد ترامب، وسحب بلاده، من الاتّفاق مع إيران. الحدث سيكون له دويّ لا يقلّ عن دويّ الاتّفاق نفسه حين وُقّع في 2015 بين طهران وأعضاء مجلس الأمن زائداً ألمانيا.

ما فعله ترامب هو النطق بلسان القوى التي كرهت هذا الاتّفاق منذ يومه الأوّل، واعتبرته حجّة دامغة ضدّ إدارة الرئيس السابق باراك أوباما. “خطيب” هذا الموقف الذي تبنّاه الرئيس الأميركيّ هو بنيامين نتانياهو. مؤتمره الصحافيّ الذي كشف فيه “خطط إيران النوويّة السرّيّة” كان أثره حاسماً على ترامب الذي لم يُخف من البداية عداءه للاتّفاق.

لكنْ أن يكون نتانياهو هو المنتصر الأوّل فهذا يعني أنّ حظوظ المواجهة الإسرائيليّة – الإيرانيّة فوق سوريّا (ولبنان؟) زادت كثيراً. لهذا سريعاً ما أعلنت تلّ أبيب أنّها رصدت تحرّكات عسكريّة إيرانيّة في سوريّا، وقال جيشها إنّه “في حالة تأهّب قصوى تحسّباً لأيّ هجوم”.

سبب ذلك يرجع إلى الخلاف العميق بين نظريّتين: نظريّة أوباما والأوروبيّين (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا) التي تفصل بين الاتّفاق وبين السياسة الإيرانيّة التوسّعيّة في المنطقة، والنظريّة الإسرائيليّة – الخليجيّة التي انحاز إليها ترامب، مسلّحاً بانتصار ديبلوماسيّ على الجبهة الكوريّة، ومفادها استحالة الفصل. وتبعاً لهذه الاستحالة فإنّ كلّ دولار يصل إلى إيران، بنتيجة رفع العقوبات، سيكون دولاراً ينتهي في جيوب “حزب الله” والقوى المشابهة التي تزعزع استقرار المنطقة.

بهذا المعنى، ستجد إسرائيل في الموقف الأميركيّ الأخير جواز سفر إلى تحقيق هدفها المتمثّل في ضرب الوجود العسكريّ الإيرانيّ وقواعده في سوريّا. أمّا المتاعب الاقتصاديّة الكبرى التي ستنجم عن ذلك، والتي سبق أن اعترف بها الرئيس الإيرانيّ حسن روحاني، فلن تفعل سوى توسيع الشهيّة الإسرائيليّة.

على أنّ قائمة المحرَجين بالخطوات الأخيرة ليست قصيرة. الأوروبيّون الذين قالوا إنّهم سيمضون في الاتّفاق سيكونون محرجين لألف سبب وسبب في عدادها إدراكهم لضعف فعاليّتهم من دون الولايات المتّحدة، وكذلك روسيا التي قد تُفسد المواجهة الإسرائيليّة – الإيرانيّة جهودها للإمساك بسوريّا، مستفيدة من ضبط المشكلات الأخرى ومن نزع فتيل التوتّرات الكبرى. كذلك سيكون بين المحرجين الرئيس الإيرانيّ روحاني ووزير خارجيّته محمّد جواد ظريف اللذان هندسا الاتّفاق. إنّهما يعرفان أنّ المتشدّدين سيكونون لهم بالمرصاد، وقد يحمّلونهما مسؤوليّة ما آل الوضع إليه. أمّا الحصار والأزمة الاقتصاديّة والمواجهات في الخارج فهي دائماً شروط تلائم الطرف الأكثر راديكاليّة وتشدّداً.

يبقى أنّ سوريّا التي قضمتها المداخلات الإقليميّة والدوليّة، فيُرجّح أن تجد نفسها أكثر فأكثر ضياعاً واستلاباً حيال مواجهة أخرى بين أطراف لا يعنيها السوريّون وبلادهم. وهي مواجهة ستكون، إذا حصلت، أكبر من سابقاتها وأخطر. وبدوره فإنّ لبنان الذي عُدّ “حزب الله” الفائز الأوّل في انتخاباته يوم الأحد الماضي، في 6 أيّار، فقد يدفع غالياً ثمن ذاك الفوز بعد رفض مديد وشرس لتحييد هذا البلد.

 

 

تداعيات انسحاب ترامب من الاتفاق النووي/ د. سعيد الشهابي

برغم اهمية تطورات المنطقة في السنوات الاخيرة الا ان ما جرى خلال الايام السبعة الاخيرة يتميز باهمية قصوى لانه أظهر بوضوح خريطة تحالفات مرعبة حرصت اطرافها على ابقائها بعيدة عن الرأي العام العربي والاسلامي. ولكي تتضح صورة ما جرى بجلاء فان من الضرورة بمكان وضع تلك التطورات ضمن المشهد السياسي الذي يرسم، هذه المرة، بعيدا عن اية مشاركة جماهيرية، وفي ظل تعتيم غير مسبوق، وحروب سرية وعلنية ذات دوافع تختلف جوهريا عن الوقائع.

بدأت التطورات باعلان الرئيس الأمريكي قراره سحب بلاده من الاتفاق النووي الذي وقعته في العام 2015 الدول الست مع إيران. وقد لا يكون انسحاب احد الاطراف الستة ذات اهمية قصوى لو أصرت الاطراف الاخرى على التمسك بذلك الاتفاق، ولكن ذلك يتوقف على مدى استعداد الدول الاوروبية الثلاث (المانيا وفرنسا وبريطانيا) لتحمل تبعات الانسحاب الأمريكي، خصوصا انعكاساته الاقتصادية. فالاتحاد الاوروبي يستطيع ان يتخذ ذلك القرار الذي قد يؤدي في النهاية لنتيجة تأملها شعوب العالم: الاطاحة بالرئيس دونالد ترامب من منصبه ليس بسبب رعونته فحسب، بل لأن الشعب الأمريكي وممثليه في الكونغرس سيصلون إلى قناعة بخطر بقائه على المصلحة الوطنية. ولكن هل لدى اوروبا الارادة القوية المطلوبة لموقف كهذا؟

الحقيقة التي يجب ان يدركها القادة الاوروبيون ان خضوعهم لاملاءات دونالد ترامب سوف يشجع صعود اليمين المتطرف في بلدانهم وسيدفع اوروبا نحو المزيد من التطرف اليميني الذي لا ترغب فيه غالبية سكان القارة. يضاف إلى ذلك ان هذا الخضوع سيؤدي إلى مزيد من التوتر بمنطقة الشرق الاوسط، الامر الذي سيدفع اسعار النفط نحو الارتفاع، وليس مستبعدا ان يصل سعر البرميل إلى 100 دولار بسبب ذلك. كما انه سيلغي مبدأ العمل الدولي المشترك ويؤدي إلى تلاشي الثقة في الموقف الدولي والامم المتحدة، ويؤثر سلبا على التوازن القلق الذي حال دون وقوع حروب عالمية كبرى منذ ثلاثة ارباع القرن. ويدرك الاتحاد الاوروبي ان القرار الأمريكي ساهم في تخفيف الغلواء تجاه إيران التي بقيت مناوئة للولايات المتحدة منذ انتصار ثورتها قبل قرابة الاربعين عاما. هنا تبدو إيران ملتزمة بالاتفاق التاريخي الذي وقعته مع الدول الست واضفى على الرئيس الأمريكي آنذاك، باراك اوباما، سمعة ايجابية لأنه قلص الاحتكاك مع إيران وكوبا اللتين تميزت علاقاتهما مع بلاده بالتوتر والعداء.

ربما لم يكن قرار ترامب مفاجئا للكثيرين، ولكن المفاجآت تمثلت بعدد من التطورات. اولها انه أكد الشعور بالاستعلاء لدى الرئيس الأمريكي بلا حدود، فهو يرى نفسه تجسيدا للحقيقة والصواب، ولم يفتح قلبه للنداءات التي اطلقها زعماء الدول الاوروبية الثلاث والامين العام للامم المتحدة ومسؤولي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وعدد من السياسيين الأمريكيين ومن بينهم رؤساء سابقون، بعدم الغاء الاتفاق. كما انه اظهر عمق ازدرائه للزعماء الاوروبيين الذين كانوا يتصورون ان الضغوط المتواصلة في الايام القليلة التي سبقت اعلان موقفه سوف تغير قراره. ولكن فوجئوا باصراره غير المنطقي او المعقول على افشال واحد من اكبر المشاريع الدولية للحفاظ على السلام والامن الدوليين في العصر الحديث. فقبل توقيع الاتفاق النووي كان القلق مستمرا من نشوب حرب مع إيران. وجاء توقيع الاتفاق ليلغي شبح الحرب ويضع العالم امام واقع جديد تلعب فيه الدبلوماسية الهادئة دورا يحقق نتائج ملموسة ويحفظ السلم الدولي. وكان مفاجئا للزعماء الاوروبيين كذلك مدى تجاوب ترامب مع ادعاءات رئيس الوزراء الاسرائيلي حول الاتفاق واصراره على استهداف إيران، وبروز مؤشرات على تحركاته ومواقفه الهادفة لدفع أمريكا لحرب مع إيران، نيابة عن «اسرائيل» المتهمة بارتكاب جرائم ضد الانسانية خصوصا بعد قتل ما يقرب من 50 فلسطينيا شاركوا في مسيرات العودة.

يعرف الزعماء الاوروبيون حقيقة الدوافع الاسرائيلية لممارسة تلك الضغوط على واشنطن، خصوصا بعد ظهور نتنياهو مدعيا حصوله على وثائق قديمة حول المشروع النووي الإيراني، الامر الذي رفضته المانيا وفرنسا وبريطانيا وقالت انه لم يضف شيئا لما هو معروف، وان ما قاله نتنياهو يؤكد ضرورة وجود الاتفاق وليس الغاءه.

ما هي حقيقة المشكلة؟ لماذا هذه الحساسية المفرطة ازاء الاتفاق النووي الذي ساهم في تخفيف التوتر واحتمالات الحرب؟ وهل ان «اسرائيل» وحدها هي التي عملت خلال العام الاول من رئاسة ترامب للضغط على الولايات المتحدة للانسحاب من الاتفاق؟ وما البديل الذي يريده ترامب لهذا الاتفاق؟

تعلمت إيران من الحرب العراقية ـ الإيرانية درسا بليغا: انها لن تستطيع بناء قوة جوية قادرة على توفير غطاء دفاعي فاعل. فالدول الكبرى لن تزودها بالطائرات العسكرية المتطورة، كما ان قدراتها الاقتصادية لا تسمح لها بشراء الطائرات التي يبلغ سعر الواحدة منها في الوقت الحاضر اكثر من 100 مليون دولار. ولذلك انتهجت استراتيجية عسكرية تعتمد على الصواريخ بدلا من الطائرات. وعملت طوال العقود الثلاثة التالية لتطوير صناعتها العسكرية بالتركيز على صناعة الصواريخ على اختلاف انواعها.

ومع ان المواجهة الاخيرة في سوريا اظهرت عدم كفاءة تلك الصواريخ لمواجهة التهديد الذي تمثله الطائرات العسكرية الحديثة، الا انه بقي مصدر قلق شديد لطرفين بشكل خاص: الكيان الاسرائيلي والمملكة العربية السعودية. فكلا الطرفين يعاني من هذه الصواريخ التي لولاها لحسمت «اسرائيل» حروبها الثلاث ضد حزب الله وحماس. تلك الحروب ازعجت الاسرائيليين كثيرا واصابتهم بالهلع بعد ان ثبت بالدليل الميداني استحالة تكرار نتائج الحروب التي خاضتها قوات الاحتلال ضد الجيوش العربية في العقود الستة السابقة. ومع ان من يمتلك هذه الصواريخ قد لا يستطيع حسم الحروب لصالحه، ولكنها ايضا تمنع الطرف الآخر من حسم الحرب لأنها تبقى مصدر تهديد لمنشآته وامن شعبه. وهذا ما ادركته السعودية منذ ان شنت الحرب على اليمن قبل اكثر من ثلاثة اعوام. فبرغم امتلاكها احدث الطائرات الأمريكية القادرة على اختراق الحدود والحاق اذى بالمنشآت والارواح، الا ان هذا التفوق النوعي لم يساعد القوات السعودية والاماراتية على تحقيق انتصار حاسم في الحرب التي كانوا يعتقدون انها لن تطول. وقد اصبحت المدن السعودية الكبرى، ومنها الرياض، هدفا للصواريخ اليمنية.

عندما وقعت الدول الست (أمريكا وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا بالاضافة لألمانيا) الاتفاق النووي قبل ثلاثة اعوام، رفض الإيرانيون طرح مشاريعهم الدفاعية ومنها الصواريخ للنقاش او التفاوض. وبرغم الضغوط الاسرائيلية على ادارة اوباما الا ان الجميع أصر على الاتفاق. ولكن تغيرت الامور في السنوات اللاحقة. فدخلت السعودية على الخط بعد شنها الحرب على اليمن، فقد حالت الصواريخ اليمنية التي تتهم إيران بتزويدها لحلفائها اليمنيين، دون تحقيق انتصار حاسم، وشعرت بما شعر الاسرائيليون به، فبدأت هي الاخرى، خصوصا بعد ان اصبح محمد بن سلمان هو الحاكم الفعلي للمملكة، بممارسة ضغوط هائلة على البيت الابيض للتخلي عن الاتفاق واعادة مناقشة اتفاق آخر يتضمن المشروع الصاروخي الإيراني. وقد رفض الإيرانيون ذلك تماما واعتبروا ان شؤونهم الدفاعية لا يمكن اخضاعها للنقاش او التفاوض.

الاوروبيون ما يزالون مصرين على الاتفاق النووي، ولكن الايام المقبلة ستكشف ما إذا كان هذا الاصرار صادقا ام خاضعا للاعتبارات الا خرى خصوصا الاقتصادية. كما سيتضح تدريجيا ما إذا كانت «المسايرة» الاوروبية الظاهرة للاتفاق تخفي أجندة سرية للضغط على إيران للقبول بمبدأ مناقشة مشاريعها العسكرية الاخرى ومنها المشروع الصاروخي.

٭ كاتب بحريني

القدس العربي

 

 

 

دلالة «ليلة الصواريخ»: التصدي للعدو الإسرائيلي أولوية أولى/ د. عصام نعمان

لم تتطور «ليلة الصواريخ» قبل أربعة أيام إلى حرب ساخنة متمادية بين «إسرائيل» وسوريا. لماذا؟ لأن «إسرائيل» تتفادى توسيع الاشتباك لسببين: الأول، لأن «حربها الناعمة» نسبياً في سوريا وعليها ما زالت ناشطة بواسطة «الوكلاء» ولا رغبة، وربما لا قدرة، لها على توسيعها في هذه الآونة. الثاني، لأن عدوها الأول المستهدّف في الوقت الحاضر هو إيران، ولا مصلحة لها في أن تستغني عن خدمات «الوكلاء» لئلا تقع في حمأة مواجهة مبكرة مع «الأصلاء».

«الوكلاء» مرتزقة جرى ويجري تجنيدهم من كل أصقاع الأرض تحت مختلف رايات «الإسلام الجهادي» المزعوم، بالإضافة إلى مرتزقة عرب وسوريين متعاملين مع دول إقليمية، عربية وغير عربية، تتعهدهم بالتمويل والتسليح والتدريب، وبجوائز سياسية مغرية.

«الأُصلاء» دول كبرى وأخرى اقليمية لها مصالح ومخططات في غرب آسيا من شواطئ البحر الأبيض المتوسط شرقاً إلى شواطئ بحر قزوين شمالاً. بعض هذه الدول، كأيران وروسيا، يدعم سوريا وحركات المقاومة اللبنانية والفلسطينية والعراقية واليمنية مباشرةً أو مداورةً. بعضها الآخر، كأمريكا وفرنسا وبريطانيا وتركيا والسعودية و»إسرائيل»، يدعم دولاً وحكومات موالية للغرب الأطلسي وحلفائه الاقليميين، كما يدعم فصائل معارضة سورية وأخرى إرهابية بالمال والسلاح والتدريب ويوفّر لبعضها المشاركة في مؤتمرات سياسية وأمنية في موازاة الاشتباكات العسكرية.

«ليلة الصواريخ» وما سبقها وأعقبها انطوت على تطورات ودلالات لافتة، أبرزها خمس:

اولاها، قيام «إسرائيل» بأعنف قصف عسكري على سوريا منذ حرب 1973، كما قيام سوريا بأعنف ردّ عسكري صاروخي على «اسرائيل» منذ الحرب المشار اليها.

ثانيتها، أن «إسرائيل» حرصت على القول إنها استهدفت قواعد ومواقع عسكرية ايرانية في سوريا، وإنها لم تقصف مواقع سورية إلاّ عندما تصدّت لها بطارية دفاع جوي سورية واحدة، في حين حرصت سوريا على التأكيد أن الصواريخ التي دمرت مواقع ومراصد ومراكز استشعار واستقصاء وتشويش سيبراني بالغة الأهمية في الجولان المحتل هي صواريخ سورية أطلقت من قواعد ومواقع سورية.

ثالثتها، أن»إسرائيل» غالت في تعداد خسائر سوريا في القصف والاشتباكات، كما غالت في التكتم على خسائرها، بعكس سوريا التي حددت بدقة خسائرها البشرية والمادية، كما خسائر العدو في المقابل، تاركةً للمراقبين أن يستخلصوا الفارق بين الادعاءات والحقائق. فقد ادعت «إسرائيل» أن 60 صاروخاً جرى إطلاقها على مواقعها في الجولان المحتل وأن دفاعاتها الجوية أسقطت 20 منها. حسناً، ماذا عن الاربعين صاروخاً الاخرى؟ إذا كان جرى إسقاطها، فأين صور بقاياها ومواقع تبعثرها؟ وإذا كانت أصابت أهدافها، فلماذا امتنعت «إسرائيل» عن الإقرار ببعض الحقيقة، إذا كان رفع المعنويات يحتّم عليها إغفال معظمها؟

رابعتها، أن ايران أنكرت أن تكون قد شاركت في عملية إطلاق الصواريخ على مواقع «اسرائيل» العسكرية الحيوية في الجولان المحتل، كما أن «اسرائيل» لم تقدّم اي دليل حسي على مشاركة إيران، الأمر الذي يعني أن التزام طهران برد انتقامي كانت وعدت به غداة استهداف مواقعها وجنودها في جوار مطار T-4 السوري قبل اسابيع ثلاثة لم ينفذ بعد، وأنه ما زال قائماً.

خامستها، أن رئيس حكومة اسرائيل بنيامين ننتنياهو، كما وزير حربها افيغدور ليبرمان، حرصا على التأكيد على أن «إسرائيل» غير راغبة في المزيد من التوتير والاشتباك.

في ضوء هذه التطورات والدلالات يمكن الاستنتاج أن محور الصراع والاهتمام في الوقت الحاضر هو تداعيات انسحاب دونالد ترامب من الاتفاق النووي من جهة، وسعي دول أوروبا إلى احتواء تداعيات هذا التصرف الأحمق على مصالحها، وسياستها الداعية إلى الحفاظ على الاتفاق المذكور والإفادة من منافعه، من جهة اخرى.

«إسرائيل» توالي ترامب في سياسته المعادية لإيران، بل هي المحرض الرئيس عليها، فيما ايران تؤيد موقف دول اوروبا الحاضنة للاتفاق النووي والداعية إلى عدم التسرع في التخلي عنه. في هذا المناخ شديد الحساسية والتوتر، حدثت «ليلة الصواريخ»، وفي سياق التجاذبات والضغوط المتبادلة بين أوروبا وايران في وجه امريكا و»إسرائيل» يقتضي رصد المشهد الآخر للصراع بين سوريا وقوى المقاومة العربية من جهة «وإسرائيل» وحلفائها في الغرب الأطلسي و»اصدقائها الجدد» المتعاطفين معها في الخليج من جهة اخرى.

الى ذلك، تكشّفت في غبشة الصراع حقيقةٌ مستجدة بالغة الدلالة. فقد صرح مساعد الرئيس الروسي للتعاون العسكري التقني فلاديمير كوجين، بأنه لا يوجد حديث حتى الآن عن تسليم سوريا منظومات دفاع جوي حديثة»، لافتاً إلى أن القوات السورية «لديها كل ما يلزم».

الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أوضح الالتباس بقوله: «لم يتمّ الإعلان عن امدادات صواريخ S-300، فقد قالت روسيا عقب الضربة الغربية على سوريا بعد «كيماوي دوما» أنها تحتفظ بحقها في القيام بأي شيء تعتبره ضرورياً».

يبدو أن التصدي لـِ»اسرائيل» في الوقت الحاضر»لا تعتبره روسيا ضرورياً» ربما لأن ثمة هدفاً آخر أولى بالاهتمام والإنجاز هو إنهاء وجود «داعش»واخواته في سوريا والعمل على استعادة وحدتها وسيادتها على كامل ترابها الوطني.

طبعاً موسكو لن تقول إنها غير مسؤولة عن حماية قواعد عسكرية لإيران في سوريا، علماً بأن دمشق لم تطالبها بذلك في يوم من الأيام.

هكذا يتضح أن وجود إيران في سوريا مسألة تتعلق بأطراف محور المقاومة وبسوريا بالدرجة الأولى، وهي ليست بحاجة إلى مطالبة روسيا بأي دعم خاص في هذا الإطار، وانها تكتفي في الوقت الحاضر بالتصدي لـِ»اسرائيل» بكل العنف والقسوة الضروريين، تماماً كما تجلّى ذلك في «ليلة الصواريخ».

كاتب لبناني

القدس العربي

 

 

 

 

عتاب الأصدقاء بين إيران وإسرائيل/ سامح راشد

لم توجه إيران أي ضربات عسكرية لإسرائيل.. نعم، إسرائيل لم تتعرّض لأي عمل عسكري إيراني. الصواريخ الإيرانية استهدفت الجولان، وهي أرض سورية محتلة. ولم تقم طهران بأي عمل عدائي ضد بقعةٍ يقطنها إسرائيليون. يلخص هذا المشهد حدود التصعيد وحقيقة المناوشات العسكرية المتبادلة بين طهران وتل أبيب.

الموقف الإسرائيلي من تدخل طهران في الأزمة السورية: منذ بداية الأزمة في سورية، التزمت إسرائيل موقف المراقب الصامت. وعلى الرغم مما يبدو من عداء ظاهري بين تل أبيب ودمشق، إلا أن الأخيرة تابعت بهدوء، وبلا أي قلق، صمود نظام بشار الأسد أمام المعارضة، ثم تقدمه الميداني الكبير على خلفية التدخل الروسي الذي قلب الموازين على الأرض.

ولم تكسر إسرائيل هذا الصمت، أو بالأحرى ذلك الرضا عن التطورات السورية، إلا في حالات استثنائية، فضربت قوافل أو مخازن أسلحة موجهة إلى حزب الله اللبناني، أي عندما استشعرت تهديداً محتملاً. ما يعني، بالمنطق العكسي، أن كل ما جرى ويجري على الأرض السورية لا يمثل خطراً بالنسبة لإسرائيل. بما في ذلك الوجود الإيراني، واستعادة بشار الأسد النفوذ والسيطرة على مناطق كثيرة.

منذ قيام الثورة الإيرانية، لم تنقطع العلاقات الإيرانية الإسرائيلية طوال العقود الأربعة الماضية. وكانت دائماً علاقة وئام وتعاون خفي، يغلفها ظاهرياً عداء وتهديد. ففي حين كانت طهران ترفع شعار الموت لإسرائيل، كانت تتلقى شحنات الأسلحة الأميركية سراً بإشراف ووساطة إسرائيلية، فيما عرف لاحقاً باسم فضيحة “إيران -غيت”. وفي مطلع التسعينيات، لم تكن طهران أو تل أبيب بعيدة عن الترتيبات اللوجستية المرتبطة بحرب الخليج الثانية. وبعد الغزو الأميركي للعراق في 2003، لم تعترض إسرائيل على النفوذ الإيراني في العراق. وانخرطت هي في تعاون أمني واستخباراتي وثيق مع كردستان العراق، تحت سمع إيران وبصرها. وهكذا استمر الحال خلال السنوات التالية لاحتلال العراق: تفاهم ضمني غير معلن، بالتوازي مع تهديدات ومعارك إعلامية شكلية. لذا، لم يكن مستغرباً التزام تل أبيب الصمت أمام التدخل الإيراني الداعم لبشار الأسد عسكرياً واقتصادياً واستخباراتياً.

أوشك المسار العسكري في الأزمة السورية على الانتهاء. ويسعى كل طرف إلى توسيع نطاق نفوذه الميداني، أو سيطرته على الأرض، تمهيداً لتحويلها إلى مكاسب سياسية على مائدة التفاوض، أو اقتصادية في مسار إعادة الإعمار. فالتحركات العسكرية الأخيرة لم تقتصر على إيران وإسرائيل. فقد سبقتهما تركيا، ثم الولايات المتحدة، منفردة أولاً ثم بمشاركة بريطانية وفرنسية. ولم يهدف أي من تلك التدخلات إلى تغيير الموازين، أو قلب المعادلات العسكرية، فكلها عمليات تحمل رسائل سياسية أكثر مما تحمل من القنابل والصواريخ، وهو ما ينطبق بدوره على المناوشات المتبادلة بين طهران وتل أبيب.

وفي حالة إيران وإسرائيل تحديداً، تتضمن الرسالة الإسرائيلية الواضحة والعلنية ضرورة تحجيم نفوذ طهران، ومنعها من التغلغل في الواقع الجيواستراتيجي السوري وتجاوز الحدود المسموح بها. أي ضمان حصر الدور الإيراني باتجاه الأعداء المشتركين (الفصائل الإسلامية المسلحة). بينما قصفت إيران الجولان لاختبار رد الفعل الإسرائيلي، وقياس المدى الذي يمكن لواشنطن الذهاب إليه، بعد خروجها من الاتفاق النووي.

في ظل هذه الحسابات، منطقي أن ينتهي ذلك التصعيد المحكوم سريعاً. وأن تؤول التهديدات الكلامية المتبادلة إلى تهدئة فعلية وإعلامية أيضاً. أكدها الرئيس الإيراني، حسن روحاني، بقوله “إن بلاده لا ترحب بتعزيز التوتر في المنطقة”، ليرد عليه وزير الحرب الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، مُرحباً “إذا ترجمت هذه الرسالة لسياسة عملية، فسيكون ممكناً القول إن شيئاً جيداً صدر من هناك”.

تتوج هذه التصريحات المتراجعة ما أكدته الشواهد والمعطيات أن ما جرى ليس سوى تشاحن عابر أشبه بعتاب الأصدقاء، أو مناظرة بين شركاء لا أعداء. فقد أخطرت إسرائيل روسيا مسبقاً بنيتها قصف أهداف إيرانية في سورية، وهي تدرك بالطبع أن روسيا ربما تُبلغ بدورها طهران. وفي المقابل، لم تجد إيران في القصف الإسرائيلي ما يستحق رداً عسكرياً حقيقياً. وإلا لما التزم حزب الله اللبناني صمت القبور كأن الأمر كله لا يستحق التدخل، بل ولا التعليق عليه.

العربي الجديد

 

 

 

إيران تكرر في سوريا ما فعله حافظ الأسد في لبنان/ يوسف بزي

ترتكز السياسة الإيرانية في الداخل على شعار “الموت لإسرائيل، الموت لأميركا”، بوصفه نسغ الشرعية الثورية التي يقوم عليها النظام الخميني. وتترجم السياسة الإيرانية هذا الشعار، في الإقليم، على قيادة “محور المقاومة والممانعة”، أي النفخ في نار الحرب وإدامتها إلى يوم القيامة، خارج الحدود الإيرانية بالطبع. وتعمد في سبيل ذلك، إلى إخراج جماعة أهلية أو مذهبية من كنف الرابطة الوطنية وتمكينها من نفسها سلاحاً ومالاً ومرافق خدمات وموارد اقتصادية، وشبكة علاقات مستقلة عن دولتها، وإنشاء فضاء سياسي متخيل وأيديولوجي يفصلها تماماً عن الجماعات الأخرى، التي تشاركها الهوية القومية. وتنيط بهذه الجماعة مهمة “المقاومة” التي ستأتي بـ”الموت لأميركا، الموت لإسرائيل”.

وحصدت إيران من هذه السياسة نفوذاً قوياً في العراق واليمن والبحرين ولبنان وفلسطين وسوريا. نفوذ يقوم على تصديع المجتمعات والهيمنة عليها بواسطة “نظام الحرب الأهلية -الإقليمية” الباردة أو الفاترة أو المتأججة جحيماً وتدميراً.

فنظام الحرب الأهلية هو توأم “المقاومة” وثمرتها الوحيدة طوال العقود المنصرمة. واهتدت إيران الخمينية إلى هذا “الابتكار” السياسي، بُعيد اضطرار الخميني لـ”شرب كأس السم” والقبول بوقف الحرب “المقدسة” ضد صدام حسين، التي كانت تمده بشرعية تصدير الثورة تحت عنوان “إسقاط الطواغيت”. كان حليف إيران، حافظ الأسد، هو الذي هندس وصقل هذه الفكرة الجهنمية: إدارة وتدبير نظام الحرب الأهلية، خارج الحدود، داخل الجماعات الفلسطينية واللبنانية (والكردية التركية)…

وأصل فكرة “المقاومة والممانعة” ونظام الحرب الأهلية – الإقليمية، بالمعنى الميداني والإجرائي والاستثمار السياسي، يعود بداية إلى توسل جمال عبد الناصر، بعد هزيمة حزيران 1967، حرباً استنزافية ضد إسرائيل استمرت حتى العام 1970. فقد انتهت تلك الحرب على عكس المتوخى منها، إذ تكرس التفوق الإسرائيلي واستنزفت مصر وأُنهكت وأُفقر شعبها، بالتوازي مع تفاقم القمع ضد المعارضات اليسارية والإسلامية (الإخوان المسلمون) وضد الحركات الطلابية والعمالية، كما ترجحت سمة الاستبداد على باقي سمات نظام جمال عبد الناصر، خصوصاً بعد توسع الجيش في الهيمنة على المجتمع وموارده، وتعاظم “مؤسسة” السجن السياسي. وعلى هذا المذهب وهذه المآلات، اتجهت سوريا “البعث” منذ انقلاب 1966، وخصوصاً بعد مؤتمر الحزب الحاكم عام 1968.

وإنكاراً لهزيمة 1967 وتداعياتها، تلقفت مصر الناصرية وسوريا البعثية انطلاقة الكفاح المسلح الفلسطيني، وفق عقيدة “الحرب الشعبية طويلة الأمد” المستلهمة من النموذجين الجزائري والفيتنامي، كوسيلة عسكرية وسياسية تشكل رداً استراتيجياً على الاحتلال الإسرائيلي. فدعمت مصر وسوريا هذه الانطلاقة بكل الوسائل الممكنة. وكان الأردن الذي يملك الحدود الأطول مع فلسطين، ويتواجد فيه العدد الأكبر من اللاجئين الفلسطينيين، والشريك “الاضطراري” في الحرب والهزيمة، هو قاعدة انطلاق تلك العمليات الفلسطينية “الفدائية”.

منح هذا التحول في سياسة المواجهة مع إسرائيل كل من مصر  وسوريا مخرجاً من الحرب المباشرة وتبعاتها التي لا تُحتمل، وخفف عن الدولتين أعباء التسليح وكلفة بناء جيوش حديثة ومحترفة، من دون التخلي عن ادعاء المواجهة والصمود والتصدي والمقاومة، فدعم التنظيمات الفلسطينية المسلحة جدد “الشرعية الثورية” للنظامين الناصري والبعثي، أي شرعية التحرر الوطني ومحاربة الاستعمار، ولاحقاً مقاومة “الإمبريالية والصهيونية”. وعلى هذا المنوال تبنت الأنظمة العسكرية العربية الأخرى من الجزائر إلى ليبيا والسودان واليمن والعراق تلك الأيديولوجيا ولو لفظياً معظم الأحيان، والتي تبرر تأجيل (أو فشل) مشاريع التنمية والتحديث واستحقاقات التعليم والصحة، وتبرر حجز المجتمع وتكبيله ومنعه عن السياسة والنقد والمساءلة، وإلقاء كل مسؤولية على العدو والخارج المتآمر.

هكذا استراحت مصر وسوريا من واجب المساءلة عما حدث في حزيران المشؤوم، وتهرب النظامان من استحقاقات المراجعة السياسية لأسباب تلك الهزيمة التاريخية، تحت شعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”. وهكذا أيضاً ظهرت الملامح الأولى لنظام الحرب اللانهائية، وبالواسطة.

كان عام 1970 حاسماً في مصير الشرق الأوسط وتحولاته. إذ أفضى الكفاح الفلسطيني المسلح وظاهرة “الفدائيين” وعقيدة المقاومة الشعبية، إلى فقدان السيطرة على الحدود وتعاظم الفلتان الميلشياوي داخل الأردن، وتكاثرت التنظيمات المسلحة التي باتت تمارس التفجيرات وخطف الطائرات حول العالم، ما هدد جدياً الدولة الأردنية ونظامها الملكي، لتندلع “حرب أهلية” مصغرة، هي نتيجة حتمية للتعارض الجوهري بين “سيادة الدولة” و”عقيدة السلاح” (أو “المقاومة”). وكانت الحدود اللبنانية الجنوبية أيضاً قد بدأت تتحول منذ العام 1968 إلى مسرح مفتوح للعمليات العسكرية الفلسطينية، بتدبير وسعي حثيث من قبل النظام السوري.

نجا الأردن من المصير المشؤوم بطرده لـ”منظمة التحرير الفلسطينية” بالقوة، فيما فشلت الدولة اللبنانية وجيشها في حسم الصدام الأول مع التنظيمات الفلسطينية عام 1968، والذي أظهر انحياز المسلمين اللبنانيين إلى التيار العروبي والناصري الجارف، وتشكيكهم في “الوطنية اللبنانية” ذات الامتيازات المسيحية حينها، فتحاملت الدول العربية على لبنان الضعيف وألقت عليه أعباء “استضافة” السلاح الفلسطيني وميليشياته، وأجبرته وفق اتفاق القاهرة 1969، على استقبال ألوف المقاتلين وقياداتهم ومنحهم “حرية العمل والحركة”، أي التنازل عن السيادة الوطنية تماماً. كان عرب “الصمود والتصدي” يريدون استمرار حربهم مع إسرائيل بالواسطة (التنظيمات الفلسطينية).

في لحظة 1970، يغيب جمال عبد الناصر في مصر التي ستذهب مع أنور السادات إلى مسار مختلف جذرياً، يصل حافظ الأسد إلى السلطة في سوريا، يخرج الأردن مثخناً ومجروحاً من تجربة العمل الفدائي وفوضاه، يدخل لبنان دوامة الهجمات الفلسطينية ورد الفعل الإسرائيلي المفرط في عنفه وسياسته العقابية وبالغ الأذى المتعمد. وكما حدث في الأردن، لن يثمر العمل الفدائي إلا انفجار حرب أهلية في لبنان، وتحويله ساحة مفتوحة لصراع الإرادات الإقليمية والدولية. وعلى يد حافظ الأسد ستتحول عقيدة “الحرب بالواسطة” إلى استراتيجية مصقولة، تصون نظامه في الداخل بشعار “تحرير فلسطين” بأدنى كلفة ممكنة، وتمنحه نفوذاً إقليمياً وقدرة على ابتزاز الدول العربية الأخرى، مالياً وسياسياً. وجنى الأسد الأب طوال عهده المديد مكاسب هائلة بدماء الفلسطينيين واللبنانيين وتضحياتهم. وكان أسوأ يوم في حياته واعتبره “مؤامرة” عندما قررت إسرائيل الانسحاب من جنوب لبنان، وحينها قال شيخ “حزب الله” نعيم قاسم إن إسرائيل ترتكب حماقة بهذا الانسحاب لأنها تضع “المقاومة” على حدودها! كان خوف الأسد وحيرة “حزب الله” أن تنتفي أسباب المقاومة، وخسارة كل مبررات الهيمنة على لبنان كما خسارة مبررات وجود ميليشيا، إيرانية التمويل والتسليح.

على كل حال، وطوال خمسة عقود، تراكمت فوق هزيمة 1967، وباسم “المقاومة” ومواجهة الاستعمار والإمبريالية والصهيونية، هزائم لا عد لها وتضخمت مساحة الطغيان إلى حد التوحش، وتعمق الفقر والتخلف، وتناوبت الحروب الأهلية والإقليمية على دول وشعوب المنطقة وتمزقت المجتمعات وانهارت أبنية الدولة الوطنية ومؤسساتها.. وابتعد “تحرير فلسطين” مسافات تقاس بالسنوات الضوئية.

وفي المحصلة، ورثت إيران بدعة حافظ الأسد وطورتها على نحو أشمل وأعمق وأشد فاعلية. ولأن بشار الأسد اختار “تسليم” سوريا عوضاً عن تسليم السلطة، وقرر تفعيل نظام الحرب الأهلية – الإقليمية داخل الحدود إلى حد الدمار الشامل، وقعت سوريا اليوم في الحفرة ذاتها التي هندسها حافظ الأسد لدول المشرق. وتتولى إيران اليوم تكرار ما فعله الأسد الأب بلبنان في سوريا ذاتها: ساحة لـ”الممانعة والمقاومة” وصندوق بريد كيماوي ونووي وصاروخي، لن يجلب سوى “انتصارات إلهية” تحتشد لها الجماهير بحلقات الدبكة والزغاريد والهتافات التي تهدر الأرواح والدماء بلا حساب.. إلى يوم القيامة.

تلفزيون سوريا

 

 

 

 

 

 

قواعد اللعبة بين إسرائيل وإيران في سورية/ حسين معلوم

أن يُصادق الكنيست الإسرائيلي على قانون يسمح لرئيس الوزراء ووزير الدفاع أن يتخذا معاً قرار شن عملية عسكرية، أو حتى خوض الحرب، من دون أن يحتاجا إلى موافقة بقية الوزراء، فهذا يُمثل تحولاً نوعياً في الرؤية الاستراتيجية لإسرائيل، بخصوص توسيع نطاق العمليات العسكرية الخارجية في دائرة يتمدد قطرها، ليطاول نقاطاً أبعد كثيراً عن الدول- العربية- المحيطة بها. ثم، أن يتزامن قرار الكنيست مع إعلان بنيامين نتانياهو أن لدى حكومته «أدلة قاطعة»، على قيام إيران بتطوير برنامج «سري» للاستحواذ على سلاح نووي، فهذا يؤشر إلى النية الإسرائيلية في التصعيد العملياتي والعسكري ضد طهران، ليس على الأراضي الإيرانية، ولكن- بالطبع- على الأرض السورية.

يؤكد هذا، أن إعلان نتانياهو، عبر ما قام به من استعراض إعلامي لوثائق إيرانية تم الحصول عليها «في عملية ناجحة في مجال الاستخبارات»، بحسب قوله، كان قد جاء بعد ساعات على استهداف مناطق داخل سورية، يُعتقد أنها مُنشآت إيرانية يُوجد بها صواريخ، ما يُفسر قوة الانفجار الناجم عن استهدافها.

صحيح أن نتانياهو، الذي يتوقع رداً إيرانياً، كان قد حذر من أن رد إسرائيل قد يُطاول طهران؛ إلا أنه يبقى من الصحيح، أيضاً، أنه صرح لشبكات تلفزة أميركية، في اليوم التالي، بأن تل أبيب «لا تسعى» إلى حرب مع إيران، ولكن «إيران هي التي تُغير القواعد في المنطقة». بما يعني، بوضوح، أن تصعيداً سوف تشهده المنطقة عموماً، والساحة السورية بالأخص، بين إسرائيل وإيران؛ وهو احتمال يلوح في الأفق.

وفي إطار الحديث عن التوقيت، وبما يُقوي من هذا الاحتمال الأخير، فإن إعلان نتانياهو جاء قبل أيام من المهلة التي حددها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لإعلان موقفه من الاتفاق الذي تم التوصل إليه، عام 2015، بين القوى الدولية وإيران بخصوص برنامجها النووي. ومن ثم، فقد أهدى نتانياهو عبر «الاستعراض الإعلامي» الذي قام به، المبرر للرئيس الأميركي للضغط، إما في شأن الانسحاب من الاتفاق النووي المُبرم بين إيران والدول «الست»، وإما بخصوص إعادة التفاوض لإبرام اتفاق جديد، توافق عليه إدارة ترامب. ولنا أن نُلاحظ، هنا، كيف أشاد ترامب بعرض الوثائق الذي قدمه نتانياهو، مُعتبراً أن ذلك يؤكد «مئة في المئة» ما كان يقوله عن إيران.

يدل هذا، في ما يدل، أن مصير الاتفاق النووي مع إيران يرتهن بموقف الإدارة الأميركية، التي يُديرها ترامب بمنطق «رجل الأعمال» عبر أسلوب الضغط الشديد، مثلما حدث مع كوريا الشمالية. وبالتالي، فإن التساؤل الذي يطرح نفسه يتعلق باحتمالات المواجهة الإسرائيلية- الإيرانية، على الأرض السورية، وذلك بعد القرار الأميركي بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، وهو سيوفر لإسرائيل الغطاء السياسي والاستراتيجي للتصعيد؛ خصوصاً أن الأسابيع الأخيرة، وفـــي سابقة لا نظير لها، شهدت تبــــادل الضربات بينها وبين إيران، مباشرة، وليس عن طريق وكلاء إيران في ســورية. أضـــف إلى ذلك، أن تطورات الأزمة الســــورية أتاحت الفرصة لتصبح القوات الإيرانية على بعد أمتار من مرتفعات الجولان، وهو ما يدفع باحتمالات المواجهة إلى المُقدمة.

ولا ننسى الطبيعة التوسعية لكل من إيران وإسرائيل في المنطقة؛ فالأخيرة تسعى إلى استكمال مشروعها الصهيوني من النيل إلى الفرات، بالنفوذ والهيمنة، وليس بالوجود اليهودي في هذه المساحة الشاسعة من الأراضي العربية. أما الأولى، فتسعى إلى استكمال مشروعها في المنطقة عبر أربع ساحات عربية، تُمثل الساحة السورية منها النموذج للمواجهة مع إسرائيل، وحجتها في ذلك القضية الفلسطينية التي تستخدمها كـ «رافعة» في تبرير توسعها في المنطقة. وهكذا، فإن التساؤل المطروح لا يدور حول ما إذا كانت هذه المواجهة ستقع أم لا، بل حول متى وكيف.

وعلى رغم هذه العوامل الدافعة إلى المواجهة، فإن هناك أسباباً تدعو إلى تأجيلها على الأقل في الوقت الراهن. إذ، على رغم توافر المُبرر الاستراتيجي لهذه المواجهة، نعني التصادم «الحتمي» بين مشروعين توسعيين، إلا أن الدوافع التكتيكية يُمكن أن تؤجلها، وتُقدم بدلاً منها المواجهات غير المباشرة، ناهيك عن فقدان القدرة لدى كل منهما في اتخاذ زمام المُبادرة لهذه المواجهة في شكل مُنفرد. إذ، لنا أن نُلاحظ، من جانب، عدم قدرة إيران على الدخول في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، بسبب التخوف من النتائج المحتملة لضبابية الموقف الروسي في هذه الحال، الأمر الذي يُمكن أن يتسبب في خسارتها للمواقع التي اكتسبتها في سورية، عبر إجبارها وحلفائها على سحب مقاتليهم منها. على رغم ذلك، فإنها لا تستطيع أن تقف موقفاً سلبياً تجاه الضربات الإسرائيلية المحدودة والمتوقعة، وستجد نفسها مضطرة للرد بطريقة أو بأخرى، ولكن في شكل لا يُخرِج الأمور عن نطاق التحكم والسيطرة.

ومن جانب آخر، فإن إسرائيل لا تستطيع الإقدام على المواجهة بمفردها، إلا في حال حصولها على «الضوء الأخضر» من الإدارة الأميركية، وذلك لضمان المشاركة الأميركية إن سارت الأمور بعكس ما تبتغيه من المواجهة. وهنا، أيضاً، فإن إسرائيل، مثلها في ذلك مثل إيران، لن تسير إلى المدى الذي يدفع الأمور إلى خارج نطاق التحكم والسيطرة. في هذا السياق، يكون من المتوقع أن يكون التصعيد تكراراً لحملات القصف والقصف المُتبادل بين إسرائيل وإيران، واستمرار «قواعد اللعبة» بينهما على الأرض السورية كما هي؛ خصوصاً أن روسيا، التي تمتلك الأرض والجو السوريين بوضع اليد، لا تُقيد الحركة الإسرائيلية هناك. لكن، في نظرنا، فإن استمرار «قواعد اللعبة» بين إسرائيل وإيران على الأرض السورية مرهون بالحدث الذي يُمكن أن يُفجر الموقف بكامله، وهو «حدث» لن يمر إلا عبر التوافق الروسي- الأميركي على هذه الأرض «العربية».

ولعل هذا يعني استمرار فرض وتفعيل سيناريو «التوتر المحكوم» في سورية، إلى أن ترتضي الأطراف الدولية، المُتنافسة في الأصــل على قيادة النظام الدولي، بتســوية مُعــينة للأزمـة السورية تكون محل توافق بين هذه الأطراف.

* كاتب مصري

الحياة

 

 

 

 

هل يمكن احتواء الصراع الإسرائيلي – الإيراني في سورية؟/ ياروسلاف تروفيموف

بدأ الصراع العسكري المباشر بين اسرائيل وإيران بالفعل: شُنّت سلسلة من الهجمات الاسرائيلية الجريئة (والتي لا تقر بها إسرائيل عادةً) في الأسابيع الأخيرة، على القواعد الإيرانية في سورية. ولكن هل من الممكن احتواء هذا الصدام داخل حدود سورية، أو أنّ عدوى العنف ستتفشى في الساحات الإسرائيلية والإيرانية وربما اللبنانية، فيشعل فتيل حرب إقليمية مشرّعة.

إلى اليوم، تمتعت إسرائيل بحصانة حالت دون الرد عليها. فهي تحظى بدعم الإدارة الأميركية، فيما روسيا تحاول عدم التورط في النزاع. أمّا النظام الإيراني فهو متردد في الرد عسكرياً في وقت يواجه اتفاقه النووي المبرم عام 2015 مع الولايات المتحدة والقوى العالمية الأخرى، خطر الانهيار وانفراط العقد. لكن هذا كله لا يشير إلى أن الأمور لن تتصاعد في شكل كبير في الأسابيع المقبلة. فثمة حد لمقدار الذل الذي قد تتحمله طهران وهي تتلقى الضربات الإسرائيلية المميتة، على غرار القصف على مقربة من حماة. وهذا التحمل وثيق الصلة بالمدة التي تستطيع فيها روسيا- وهي لديها القدرة على إسقاط الطائرات الإسرائيلية فوق سورية- أن تقف على الهامش وألا تحرك ساكناً.

والحق يقال ليس توقيت المواجهة- وهي اندلعت إثر قرار إسرائيل عدم السماح بإنشاء قواعد ومنشآت عسكرية إيرانية تهددها انطلاقاً من سورية- لا يناسب طهران. فالرئيس دونالد ترامب سيعلن في 12 أيّار (مايو) قراره حول الاتفاق النووي. وتحرص طهران، وهي وسط حملة إسرائيلية ترمي إلى إثبات عدم امتثالها للاتفاق، على استمالة الدول الأوروبية، وموقف هذه الدول حاسم في ميزان اقتصاد إيران، وهي قادرة على الحؤول دون فرض العقوبات الدولية من جديد عليها.

ويقول عدنان الطباطبائي، الرئيس التنفيذي لمؤسسة كاربو التي تقدم استشارات إلى الحكومة الألمانية في الشؤون الإيرانية، «الإيرانيون على قدر من الحكمة، ويدركون أنهم الآن يُستدرجون إلى المبادرة إلى خطوة غبية تسوغ إقرار مزيد من الإجراءات الصارمة ضدهم في أوروبا وأميركا معاً… وعليه، يتوقع أن يلتزم الإيرانيون الصبر الاستراتيجي».

ولا شك في أن الخيارات السانحة أمام إيران للرد عسكرياً تنطوي على أخطار، مهما كان مصير الاتفاق النووي. ولا شك كذلك في أن أمضى أسلحة إيران وأدوات نفوذها الإقليمي، وكلاؤها، وأبرزهم ميليشيات «حزب الله» الشيعية اللبنانية، التي تمتلك ترسانة من الصواريخ والقذائف المتطورة. ولكن إسرائيل أعلنت من غير لبس أن أي هجمات كبيرة يشنها هؤلاء الوكلاء، قد يترتب عليها رد مناسب ومباشر على إيران.

فـ «إسرائيل تغيّرت. في الماضي، كانت تستهدف وكلاء إيران، ولكن اليوم انقلبت الآية وصار مفادها: إذا كان (المهاجم) وكيلاً إيرانياً، فإيران تقف وراء الهجوم، وعليها أن تدفع الثمن… وإذا بدأ حزب الله بإطلاق مئة ألف صاروخ على تل أبيب، يُتوقع أن تهاجم إسرائيل طهران»، يقول مئير جافاندافار، المتخصص في الشؤون الإيرانية في مؤسسة «آي دي سي هرتزيليا»، وهي مؤسسة أكاديمية ومعهد بحوث إسرائيلي. وفي وقت لا تملك إيران ولا النظام السوري الوسائل اللازمة لردع الضربات الجوية الإسرائيلية ردعاً يعتد به، يسع روسيا- مع نظام الدفاع الجوي S-400 المنتشر في سورية– الردع والرد. لكن على رغم سنوات من التعاون العسكري الوثيق مع القوات الإيرانية والميليشيات الشيعية التابعة لإيران ضد المتمردين السوريين، رفضت موسكو إلى اليوم مد غطاء هذه المظلة فوق القوات الإيرانية، وجبه الغارات الإسرائيلية.

وتقول أنيسه بصيري، المتخصصة في الشؤون الإيرانية في معهد رويال يونايتد سيرفيسز في لندن، «ترى إيران أن سورية مصدر قلق استراتيجي وأنها قاعدة أساسية لردع إسرائيل، على خلاف موسكو». وفي حين أن المسؤولين الإيرانيين في حال غليان وغضب من موقف موسكو وراء الأبواب المغلقة، تجنبوا، إلى اليوم، توجيه انتقادات علنية إليها.

ويقول كريم ساجد بور، الخبير الإيراني في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في واشنطن، «إيران هي إحدى الدول التي تعاني من عزلة دولية كبيرة، وهي على المستوى الإستراتيجي لا تضع ثقتها في روسيا منذ مدة طويلة، لا سيما بسبب علاقات بوتين الوثيقة مع القادة الإسرائيليين، ولكن طهران لا تملك ترف العثور على حليف أكثر جدارة وثقة في سورية».

وبينما لوّحت روسيا باحتمال تسليم نظام الدفاع الجوي القوي، «أس 300» إلى سورية بعد الضربات الأميركية والفرنسية والبريطانية الشهر الماضي، وهي ضربات وجهت إلى ما يشتبه في أنه منشآت أسلحة كيماوية تابعة للنظام السوري، أعلنت موسكو أنها لم تتخذ أي قرار حول (تنفيذ) هذه الخطوة. وكانت روسيا امتنعت عن تسليم أس-300 إلى سورية في 2010، بناء على طلب إسرائيل، وقد لا تكون راغبة في اختبار النظام الصاروخي هذا في أرض المعارك مخافة ثبوت عدم فعاليته أمام القوات الجوية الإسرائيلية.

وسلّط السفير الروسي في إسرائيل ألكسندر شاين في مقابلة مع يديعوت أحرونوت الإسرائيلية الأسبوع الماضي، الضوء على التوازنات في موقف موسكو. وعلى رغم انتقاده الغارات الإسرائيلية على سورية، قال شاين إن موسكو «قلقة» من الوجود العسكري الإيراني هناك، وأنها تتفهم الأسباب التي تضطر إسرائيل إلى تنفيذ مثل هذه الإجراءات [شن هجمات] في المقام الأول. ومن الأفضل طبعاً تجنبها».

* صحافي، عن «وول ستريت جورنال» الأميركية، 3/5/2018، إعداد علي شرف الدين

الحياة

 

 

 

كلّ «خيارات» إيران تعقّد أزمتها/ عبد الوهاب بدرخان

فور انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وحتى عشية قرار الرئيس دونالد ترامب، تغيّرت اللهجة الإيرانية ولم يذهب المرشد علي خامنئي أو مجلس الشورى إلى حدّ الردّ بقرار مماثل، ويبدو أن الرئيس حسن روحاني استطاع الحصول على فرصة يبرهن فيها «فوائد» الحفاظ على الاتفاق مع الدول الخمس الأخرى من دون أميركا. حاولت طهران استثمار الشهادات التي اعتبرتها «محترمة للاتفاق» وللمواثيق الدولية، لكن هذا يبقى أبعد من أن يقنع إصلاحييها قبل متشدّديها، ولئلا تكون هناك أي أوهام إيرانية فإن العقوبات الأميركية الإضافية وضعت الجميع أمام واقع صعب جديد، وبالتالي فإن «فرصة» روحاني لن تجدي سوى في كسب الوقت ريثما تستوعب طهران الصدمة وتحدّد وجهتها.

طُرح بين الخيارات الإيرانية التي قيل إنها كثيرة ووفيرة، للردّ على الإجراء الأميركي، استئناف البرنامج النووي ودفع تخصيب اليورانيوم إلى أقصى حدّ، وكرر روحاني نفسه أن أميركا «ستندم» وفي كل مرّة كان يرفع درجة الندم. كما جرى التلميح إلى خيارات عسكرية في سوريا والعراق ترمي إلى إخراج/ طرد الولايات المتحدة من المنطقة. وبطبيعة الحال فإن استهداف المملكة العربية السعودية أقلّه من اليمن يأتي في طليعة تلك الخيارات. ولدى التدقيق في أي خيار، مع افتراض أنها كلّها ممكنة، فإن جدواها لا تتعدّى ما أصبح معروفاً من السجل الأسود سواء داخل إيران أو في المنطقة. لعل طهران هي التي يجب أن تندم على قراءتها الخاطئة للاتفاق النووي الذي خاضت الجهاد الأكبر للحصول عليه، لأن ما تُسمى «خيارات» هي نفسها لم تتبدّل منذ التفاوض على الاتفاق وبعد توقيعه والآن بعد إلغائه. فكلّ ما تعتزمه طهران أو تخطّط له لا يخرج عن النهج التخريبي الذي بلغ أقصاه، وإذا دفعها جموحها إلى أبعد فإن الخطر سيرتدّ عليها في أرضها.

اختبرت إيران في الأسابيع الأخيرة حدود خياراتها في سوريا، خصوصاً في مواجهات اليوم التالي لقرار ترامب، بل أمكنها لمس محاذير كانت تعرّفها وتستخفّ بها في تخطيطها لإشعال جبهة “الجولان”، يمكنها طبعاً الإصرار على هذا الهدف، طالما أنها تستند إلى تأييدٍ من حليفها النظام السوري الذي يعتبر أن الجميع بحاجة إليه وأن لديه ما يكسبه من أي تصعيد. لكن روسيا لا يمكن أن تدعم تهديداً لإسرائيل تمارسه إيران من الأراضي السورية، وإذا فعلت ومكّنتها فإنها ستجازف بمواجهة مع الولايات المتحدة التي ستُحبط استخدام هذا التهديد لتثبيت النفوذ الإيراني في سوريا. وما أظهرته وقائع الأعوام الثلاثة الأخيرة أن روسيا أجازت الضربات الإسرائيلية للإيرانيين وفرضت قيوداً على ردّ هؤلاء عليها، ما يشير في المقابل إلى أن موسكو ربما فاتحت طهران سابقاً بأن تدخلها في سوريا لن يكون معنياً بـ «المشروع الإيراني» في المنطقة. لكن الحاصل الآن أن الأميركيين والإسرائيليين يرفضون الوجود الإيراني في سوريا، وأي ضربة لإسرائيل في العمق ستطرح حكماً خيار ضرب إيران نفسها في العمق.

ربما تعتقد إيران أن تحرّكات أتباعها متاحة أكثر ضد الأميركيين في العراق، أو حتى ضد السعودية، لكن الظروف تغيّرت في أميركا ما بعد باراك أوباما وتغيّرت سعودياً وتتغيّر وإنْ ببطء عراقياً، والمهم أنها لم تعد كما كانت في الداخل الإيراني. الأكيد أن طهران وضعت في حساباتها احتمال الاستفادة من الخلافات والمواجهات الحادّة التي تشوب علاقات الدول الكبرى مع أميركا ترامب، ومع أنها تعرف استحالة التدخل في وضع كهذا أو توظيفه للتخلّص من الضغوط التي تتعرّض لها حالياً إلا أن ذلك لن يمنعها من المحاولة. لذلك اعتبرت أن افتراق فرنسا وبريطانيا وألمانيا عن الولايات المتحدة مكسب ينبغي التمسّك به والبناء عليه، خصوصاً أن الدول الثلاث التقت في مواقفها مع روسيا والصين.

مناخ الحرب في سوريا والأزمة المتجدّدة في شأن البرنامج النووي الإيراني انعشا موسكو إذ لوّحا لها بدور يمكن أن تنبري له. لكن ماذا يمكن الدول الخمس أن تطرحه على إيران؟ نعم للحفاظ على الاتفاق النووي لكن مع تشديد قيوده ومدّ أفقه الزمني. وعلى افتراض أن طهران قبلت بذلك التعديل، فإن الانسحاب الأميركي، كما أعلنه ترامب، تجاوز عملياً حدود هذا التعديل ليضع البرنامج الصاروخي وملف سياسات إيران الإقليمية على الطاولة، كما أن ترامب نفسه قال إن إيران ستضطر في النهاية للتفاوض. إذا فهذا هو المسار المرسوم، ولا يمكن لإيران أن تغيّره بميليشياتها وأسلحتها ولا بهروبها إلى الأمام.

* نقلا عن “الاتحاد”

 

 

 

 

مواجهة مع طهران أم صراع على إيران؟/ عبدالوهاب بدرخان

اشتعل النقاش. انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي. العرب في حال مواجهة مع إيران. إذاً ففي القرار الأميركي مصلحة للعرب، خصوصاً أن بين المآخذ الأميركية والأوروبية على الاتفاق أنه لم يضبط الزعزعة الإيرانية للاستقرار في الشرق الاوسط. إذاً فالعرب مع أميركا، مع دونالد ترامب. هذا الرئيس أقدم على أسوأ عمل عدائي للشعب الفلسطيني، للعرب، للمسلمين والمسيحيين، بل للمجتمع الدولي وللإنسانية، عندما «أهدى» إلى إسرائيل «عاصمة» هي القدس، وقرّر نقل السفارة الأميركية إليها في ذكرى «النكبة» وفق التقويم العربي- الفلسطيني/ ذكرى «الاستقلال» وفق التقويم العبري. ولا يزال ترامب يعتقد أنه بذلك يعزّز السعي الى السلام، ولم يدرك ولا يريد أن يدرك أنه أحبط السلام وأطاحه إلى أجَل بعيد. إذاً فمن الصعب أن يكون العرب مع ترامب بالنسبة إلى فلسطين، وبما أنهم معه في مواجهته لإيران فهل أن مصلحة العرب في سورية واليمن والعراق ولبنان جزء من حسابات إدارته. لا طبعاً، فالمصلحة الأميركية أولاً وأخيراً، وترامب يريد أن يجلب طهران الى تفاوض (إسوة بكوريا الشمالية) قد يقدّم فيه «محفّزات» تطبيعية لهندسة النفوذ الإقليمي الإيراني، ليحصل على تنازلات نووية وصاروخية تشترطها أميركا، لأن إسرائيل تريدها.

نقاش الـ «مع» والـ «ضد» مزمن لكن مرحلته المتواصلة بلا انقطاع تعود إلى لحظة ما بعد هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 حين دخل سرطان الإرهاب إلى نسيج علاقة مريضة أصلاً بين أميركا والعرب، وما لبثت إسرائيل أن وظّفت «المعيار الإرهابي» لحسم صراعها مع الفلسطينيين وحقوقه ولتعميمه على مجمل التعامل الأميركي مع المنطقة العربية، كما استخدمته إيران أولاً للتركيز على «الإرهاب السنّي» ثم في الأعوام الأخيرة لإظهار «تمايز» الميليشيات الشيعية التي يفرّخها «الحرس الثوري» بإرهابها الهادف والمنضبط عن إرهاب مَن تسمّيهم «تكفيريين» وتعني بهم المتطرّفين السنّة. وها هو النقاش يسلك متفرّعات جديدة ترمي إلى إثبات وعي عربي مختلف، سواء بأخذ مآسي سورية واليمن والعراق وليبيا لترسيخ أن لا نهوض للعرب من سقطتهم الراهنة أو بأخذ تغوّل القوى الاقليمية لتزوير الوعي العربي واستنتاج أن ما يتعرّض له العرب يستحقّونه ولا أصدقاء أو حلفاء لهم، فمصلحتهم نهبٌ للآخرين جميعاً من روس وأميركيين وإسرائيليين وإيرانيين وأتراك يتصرّفون بها ويقيمون واقعاً شرق- أوسطياً جديداً يتصارعون فيه ويتوافقون، ويتبادلون تسويغ جرائمهم وتمرير انتهاكاتهم طالما أنهم ألغوا من حساباتهم أصوات الضحايا العرب.

بديهي أن أقلّ ما يقال في جدل يسترشد بـ «شريعة الغاب» التي تقيمها قوى متحكّمة ومتلاعبة بمصائر شعوب عربية أنه منافٍ بل محتقر للعقل، فضلاً عن أنه يريد ادماج العرب في قبول الوضع الهجين الذي يتشكّل وفقاً لعناوين كهذه: احتلال روسي- إيراني لمصلحة روسيا في سورية، مراعاة روسية– إيرانية لـ «مصالح» إسرائيل في سورية، تقاسم ثابت للنفوذ الإيراني- الأميركي لمصلحة هيمنة إيرانية في العراق، «تشريع» الأمر الواقع للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، توازن ردعي بين إسرائيل و «حزب الله» لمصلحة إيران (والنظام السوري، موقّتاً) في لبنان…

وعليه، إذا ضربت إسرائيل المنظومة العسكرية الإيرانية في سورية فلمَن المصلحة؟ لإسرائيل طبعاً، لا لسورية ولا للعرب. وإذا «تقاطع» العداء الإسرائيلي- الإيراني مع العداء العربي– الإيراني فهل يصبح «عدوّ عدوّي» – تلقائياً – «صديقي»؟ على العكس، يجب ألا يُنسى أن هذين العدوّين مرشّحان لأن يصبحا صديقَين أو على الأقلّ طرفَين متعايشَين. وهل أن المعاناة القاسية لشعوب عربية كثيرة من جرائم التخريب الإيراني لبلدانها ومجتمعاتها تُلغي معاناة الشعب الفلسطيني من جرائم الاحتلال الإسرائيلي المستمر وهل تُكسِب هذا الاحتلال أي شرعية في فلسطين، وبالتالي في الجولان السوري؟ وهل أصبح مفهوماً/ ومقبولاً أن يستعرض بنيامين نتانياهو وثائقه الاستخبارية عن برنامج نووي إيراني لم ينتج بعد أي قنبلة، فيما تُخفي إسرائيل عن المجتمع الدولي كل المعلومات عن ترسانتها النووية التي أرعبت بها العرب وكرّست تفوقها عليهم وحسمت صراعها معهم؟ وهل أن الاستسلام والانكشاف العربيين باتا المعطى الضروري للاستقرار الإقليمي؟

أسئلة لا بدّ منها، لا شحذاً لواقع العداء العربي القائم مع الدولتَين، بل لأنه ينبغي أن يكون العرب استوعبوا، متضامنين افتراضياً أو متفرّقين كما هو السائد، أن تبدّد مصالحهم نتيجة لانعدام الوزن الاقليمي لدولهم وقد تضافروا طوال عقود على تضئيله. وبالتالي فإن هذه المصالح لن تتحقّق بمفارقات جيو-سياسية ولا بمقايضات نظرية وعشوائية، ولن تؤسّس علاقات طبيعية مع الجوار الإقليمي ولا حتى علاقات سويّة داخل مجتمعات عربية محبطة وترفض أجيالها الجديدة أن تُدفع من إحباطات إلى احباطات. وعلى رغم مرحلة التحوّلات الصعبة التي تمرّ بها المنطقة العربية ثمة مفاهيم لا يمكن أن تقلبها الظروف، منها: أن الأمن الاقليمي لا يُبنى على أسلحة الدمار الشامل ومعادلات الرعب والإخضاع مهما اختلّت التوازنات، وأن أي سلام إقليمي يمكن تصوّره لن يقوم على تقاسمات النفوذ بين الدول المتدخّلة أو على أشلاء الكيانات الجغرافية والمجتمعات أيّاً تكن الإكراهات، وأن قضية فلسطين لا يمكن الرضوخ فيها لإرادة الاحتلال الذي يبحث عن تصفيتها وحلّها بمعزل عن أي حقوق إنسانية أو شرعية دولية، وأن المسألتِين السورية والعراقية لا يمكن أن تُخضَعا لمنطق المحاصصات الدولية والإقليمية.

كانت الولايات المتحدة احتكرت التوسّط بين الفلسطينيين والإسرائيليين وحصلت على إقرار عربي بأن السلام «خيار استراتيجي» لا يزال قائماً. أما الوقائع فبيّنت أن السلام ليس خيار الأميركيين والإسرائيليين، وأن تفاهمهم الاستراتيجي جعل من المفاوضات مع الفلسطينيين و «عملية السلام» خديعة علنية ثم حوّلها ترامب أخيراً وسيلةً لتشريع انتهاك القانون الدولي. أقنعه الإسرائيليون بأن «حق العودة» للفلسطينيين أُسقط عملياً، وأن الاستيطان ماضٍ في قضم الأرض بفضل الحصانة الدولية التي توفّرها واشنطن، وأن إقصاء ملف القدس هو الخطوة الوحيدة المتبقّية لإنهاء القضية الفلسطينية. وهكذا تجدّدت «النكبة» وسط الثرثرة عن خطة للسلام بعدما كانت «النكبة» حلّت بالحرب، وليس هناك أكثر وضوحاً من الرسالة الأميركية- الإسرائيلية: من يخسر الحرب لا يكسب السلام، وقاعدة القواعد هي موازين القوى.

كل ذلك تتلقفه إيران على أنه تزكية لسياساتها الاقليمية، وإذا كان العرب لا يتعلّمون من الهزائم والأخطاء فإن إيران تتعلّم وتقتبس من ممارسات إسرائيل، وهي تطبّق معظمها مباشرةً في سورية وطبّقت جانباً منها في العراق. وعندما تدخّلت روسيا في سورية تفاهمت مع إيران على ضمان مصالحها وعدم اعتراض علاقتها مع نظام بشار الأسد مقابل أن يقدّم الإيرانيون الإسناد البرّي للقوة الجوية الروسية. وفي المقابل، احتفظت موسكو لنفسها بالإشراف على المواجهة بين إيران وإسرائيل من دون التحكّم بها كليّاً لكن بإدارتها لئلا تؤدّي إلى انفلات تصعب السيطرة عليه. وعلى رغم أن هذه الصيغة تبدو مكلفة للإيرانيين حتى الآن إلا أن ضربات إسرائيل تبدو معنية فقط بإبعاد أي خطر من حدودها وليس بإنهاء الوجود الإيراني أو توغّله في العمق السوري أو خطوط إمداده مع «حزب الله» في لبنان، أي أنه طالما بقيت إيران قادرة على تحقيق «مشروعها» وتأمين خطّها الممتد من طهران إلى بيروت فإنها مستعدّة لتحمّل الخسائر. ولعلها تعتبر في هذه الحال أنه بدل أن تهدّد الضربات الإسرائيلية حضورها فإنها على العكس ترسّخه.

كان من الطبيعي أن يؤيّد العرب الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، بمعزل عن دوافع ترامب ومطالبه. ذاك أن الاتفاق والمفاوضات التي سبقته وقوّة الدفع التي تلته شكّلت خلفية ودعامةً لأكثر التدخّلات الإيرانية دمويةً وتخريباً في كلٍّ من البؤر التي غزتها مباشرةً أو بواسطة ميليشياتها. فحتى حصولها على قنبلة نووية ما كان ليتيح لها أو لأتباعها محاولة السيطرة اليمن، لأن قنبلتها الأخرى، المذهبية، أثبتت أنها أكثر خطراً وفاعلية. في النهاية، يجب ألا ينسى العرب أن ثمة مواجهة أميركية (وإسرائيلية) لكن هناك صراعاً أميركياً- روسياً- صينياً على استقطاب إيران، وهذا لن يمرّ من دون أخذ أطماعها في الاعتبار.

* كاتب وصحافي لبناني

الحياة

 

 

 

تغيير قواعد الاشتباك يهدد التحالف الروسي – السوري – الإيراني/ بشير عبد الفتاح

يبدو أن صيرورة الصراعات المزمنة في المنطقة، علاوة على تغير طبيعة الاشتباك في نزاعاتها، قد حوّلها إلى مسرح مثالي لحروب الصواريخ. فبعد تجربة حرب المدن التي عجّلت بنهاية الحرب العراقية- الإيرانية (1980– 1988) مروراً بصواريخ الكاتيوشا التي كانت تطلقها فصائل حزب الله وحركة حماس من جنوب لبنان وقطاع غزة باتجاه شمال إسرائيل، وصولاً إلى استخدام واشنطن صواريخ كروز توما هوك الموجهة في حربي العراق عامي 1990 و2003، ثم ضد سورية هذه الأيام، تشهد المنطقة حالياً حرب صواريخ ضارية بين إسرائيل وكل من إيران ونظام الأسد على الأراضي السورية، تلافياً من ثلاثتهم ومن المجتمع الدولي للانزلاق إلى حرب شاملة، غير مرحب بها إقليمياً وعالمياً.

فبينما لا تزال سورية وإسرائيل رسمياً في حالة حرب منذ العام 1973، تجلت ملامحها في خروقات الطيران الحربي الإسرائيلي المتكررة للأجواء السورية، والتي ازدادت وتيرتها منذ العام 2011، خرجت إيران عن صمتها ووجّهت للمرة الأولى، بنفسها وبغير وكلاء، 20 صاروخاً ضد أهداف عسكرية أمامية إسرائيلية في الجولان السوري المحتل، زعمت تل أبيب أن نظامي القبة الحديد المعني بالتعامل مع الصواريخ قصيرة المدى، ومقلاع داوود، المختص بالتصدي للصواريخ متوسطة وطويلة المدى، نجحا في اعتراضها وإسقاط غالبيتها، فيما أخفقت بقيتها في بلوغ أهدافها.

كما حمّلت «فيلق القدس» المسؤول عن العمليات الخارجية للحرس الثوري الإيراني مسؤولية إطلاقها. وفي حين نفت طهران أية صلة لها بهذه العملية، مؤكدة أن الجيش السوري هو من قام بتنفيذها رداً على الخروقات الإسرائيلية، أعلنت أنه ليس لديها قواعد أو بنى تحتية عسكرية ثابتة في سورية حتى تدعي إسرائيل استهدافها أو تزعم تدميرها. وجاء الرد الإسرائيلي على الهجوم الإيراني أشد وطأة ممثلاً بواحدة من أعنف الضربات الإسرائيلية على سورية منذ بدء الصراع هناك عام 2011، حيث أطلقت قرابة ثلاثين مقاتلة إسرائيلية زهاء ستين صاروخاً لتدمير مواقع عسكرية إيرانية في سورية، بالإضافة إلى وحدات سورية مضادة للطائرات ومراكز للحرب الإلكترونية السورية ومطارات حربية ومستودعات ذخيرة ومواقع للرادار وعدد من كتائب الدفاع الجوي.

لقد تغيّرت قواعد الاشتباك في المنطقة، فبعدما أكدت أن ضرباتها تهدف منع تحول سورية إلى قاعدة أو جبهة أمامية لأي تحرك إيراني ضدها، شدّدت إسرائيل على أن عملياتها العسكرية في سورية تركز على استهداف المعدات والقواعد العسكرية أكثر من ملاحقة الأفراد بغية إلحاق ضرر عميق وطويل الأمد بالمؤسسة العسكرية السورية والبنى التحتية العسكرية الإيرانية في سورية، والتي شرعت طهران في تأسيسها هناك منذ ما قبل العام 2011، حتى صارت في حاجة إلى مدى زمني، طويل نسبياً لإصلاحها. كذلك، برّرت تل أبيب اقتصار الهجوم الصاروخي الإيراني على الجولان بحرص طهران على تجنب أي مواجهات عسكرية مباشرة وشاملة، هي ليست مستعدة لها، مع إسرائيل.

وكان لافتاً أن إيران لم تستغرب تنفيذ إسرائيل عدوانها على سورية والوجود العسكري الإيراني فيها هذه المرة؛ بينما كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في موسكو يؤكد أنه تم إخطار الروس مسبقاً بالضربة الإسرائيلية الأخيرة.

ثمة ملمح آخر لتغير قواعد الاشتباك في المنطقة يتجلى في عدم إرتكان إسرائيل إلى ضرب البنية التحتية الإيرانية في سورية والإجهاز عليها بما يتطلب سنوات لإعادة بنائها، وفق ادعاءات وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرلمان، وشروعها في التهديد بتصفية بشار الأسد حال سماحه لإيران باتخاذ بلاده قاعدة أو جبهة أمامية لتهديد أمن إسرائيل. وبينما لا يستطيع الأسد فك الارتباط الاستراتيجي والطائفي مع إيران كلية، حالياً، وربما لا يريده، إلا أنه قد يجبر مستقبلاً على كبح جماح النفوذ الإيراني المتعاظم في سورية. وفي هذا الشأن، أكدت تقارير استخباراتية غربية أن الأسد يرفض الانصياع للإلحاح الإيراني بإقامة قواعد عسكرية ثابتة ودائمة داخل سورية، مخافة أي رد فعل إسرائيلي عنيف، وهو أمر تتفهمه روسيا وأميركا جيداً وتباركانه، لأنهما ترفضان تموضعاً عسكرياً إيرانياً طويل الأمد على الأراضي السورية.

وربما يجنح الأسد للاستغناء عن التموضع العسكري الإيراني في سورية إذا تراءى له أن الكلفة الاستراتيجية لذلك التموضع تتجاوز حصيلة المكاسب التي يمكن أن يجنيها نظامه من ورائه، والمتمثلة في تحسن موقفه العسكري على مسرح العمليات إلى الحد الذي أتاح له استعادة السيطرة على غالبية الأراضي التي سبق لقوات المعارضة المسلحة أن انتزعتها منه. قد يحدث ذلك إذا وجد الأسد نفسه على موعد مع مشروع دولي متوازن لتسوية سياسية للأزمة السورية لا يمكن رفضه أو التنصل منه، كما يتيح له الاحتفاظ بمنصبه، ولو بشروط. ومن ثم سيشعر الأسد بأنه لم يعد في حاجة إلى التموضع العسكري الإيراني الذي فاقت كلفته الاستراتيجية إقليمياً ودولياً ما يمكن أن يجنيه من ورائه.

* كاتب مصري

الحياة

 

 

 

ما يصيب طهران يصيب سورية/ وليد شقير

تستفيد إسرائيل من الفوضى التي يُغرق دونالد ترامب العالم فيها، من أجل مواصلة مجازرها ضد الفلسطينيين مستغلة الانشغال الدولي والإقليمي بقراراته ضد إيران، بدءاً بانسحابه من الاتفاق النووي ومفاعيله، مروراً بالتباينات بينه وبين الاتحاد الأوروبي في هذا الشأن، وانتهاء بالعقوبات على القطاعات الاقتصادية الإيرانية وبالتالي على «حزب الله» في لبنان وسورية.

سواء خططت الإدارة الأميركية للفوضى أم لا فإن مفاعيل قراراتها تؤدي إليها. ومأساة الفلسطينيين الذين أعاد نقل السفارة الأميركية إلى القدس عشية النكبة، قضيتَهم إلى الواجهة بالدم والشهادة، باتت مثل مأساة السوريين الذين ارتكبت في حقهم المجازر على يد محور النظام السوري وروسيا وإيران وحلفائها من الميليشيات المتعددة الجنسية. ويستبعد أن تتوقف المجازر حتى لو نجح إخراج الكيماوي من الحرب الدائرة في بلاد الشام. البراميل المتفجرة والبطش الأعمى والاقتلاع الديموغرافي تبقى أدوات الإخضاع، وهي العناوين نفسها لتعاطي إسرائيل مع الفلسطينيين.

والمفارقة تكمن في أن العودة إلى سياسة العقوبات الموجعة لطهران، وأذرعها وخصوصا «حزب الله»، تقابلها استفادتها من الجموح الأميركي نحو تصفية القضية الفلسطينية، فتملأ الفراغ وتساهم في «أبوة» تظاهرات العودة من غزة، بينما الاعتراض العربي لا يصل إلى مسامع ترامب، وتتولى نيكي هايلي الهندية الأصول، تسخيفه بالحديث عن حق إسرائيل الموعود دينياً، بالقدس. هايلي هذه تريد من الفلسطينيين أن يقبلوا بتصفية هويتهم تماما كما جرت تصفية هويتها بقضاء «الكاوبوي» على قبائل جلدتها.

والمفارقة التي تضاعف عوامل الفوضى الدولية لخطوات ترامب، أن الدول العربية الرئيسة تعارض خطوات ترامب الفلسطينية، وتنسجم معه في خطواته الإيرانية، للحد من تمددها الإقليمي الذي مكّنها الاتفاق على النووي من ترسيخه وتوسيعه.

في انتظار إفراج واشنطن عن أفكار «الصفقة الكبرى» التي تعد بها على الصعيد الفلسطيني، فإن مؤداها اشتعال الأراضي المحتلة حكماً، بعد إعلان «أبدية» القدس عاصمة الدولة العبرية. وليس مجافياً للمنطق توقع تصاعد التطرف الداعشي الممنهج في المنطقة، وسعي إيران إلى التلاعب به والإفادة منه كما فعلت على الساحتين العراقية والسورية في السنوات الماضية، ضد الأميركيين وضد الدول العربية المناوئة لخططها زعزعة استقرارها. فخوض طهران حروبها بالواسطة عبر اليمنيين الحوثيين، وعبر فئات خليجية والميليشيات العراقية، وعبر «حزب الله» في لبنان وسورية، وأخيراً في بوليساريو… قد لا يثنيها عن دفع التطرف «الداعشي» و «القاعدة» للضغط على الجبهة الدولية الإقليمية الواسعة ضدها.

توالي العقوبات على طهران وضعها في الموقع الدفاعي، ولا يلغي لجوءها إلى الوسائل الشيطانية للحد من خسائرها وحفظ موقعها التفاوضي. هي اضطرت إلى التراجع عن تهديداتها حيال انسحاب ترامب من الاتفاق على النووي، بخطوة مماثلة، وبات قادتها يؤكدون «البقاء فيه طالما أن له فائدة». والتوتر الذي يقابلون به الإجراءات الأميركية والخليجية ضدها وضد «حزب الله» لا يدل على صحة الاطمئنان إلى قدرة محور المقاومة على مواجهة الضغوط. دخلت المنطقة مرحلة جديدة من المواجهات التي اخترق فيها كل الفرقاء الخطوط الحمر: من استخدام الكيماوي والرد الأميركي الفرنسي البريطاني عليه، إلى نقض اتفاقات التهدئة في سورية، إلى القصف الإسرائيلي المباشر للمواقع الإيرانية فيها، والرد الإيراني- السوري بقصف الجولان، تحتاج إيران إلى خوض مغامرات كبرى قد تفرض الحسابات الروسية نهيها عنها، يوجب رد الفعل الغربي عليها التردد في الإقدام عليها، فبقدر حاجة موسكو إلى تمتين تعاونها مع طهران في وجه استمرار العقوبات عليها هي الأخرى، تضطر إلى خطوات تحول دون اندلاع مواجهة كبرى في المنطقة، تطيح ما أنجزته، لمصلحة حفظ موقعها الأول الطامح لإلغاء صيغة جنيف للحل السوري بأسلوب القضم والاستيعاب. وهذا قادها إلى تعليق إرسال صواريخ 300- إس إلى دمشق، واستبدال إرسال بحريتها وصواريخ «كاليبر» إلى المتوسط به.

يتوقع أن تتصاعد العقوبات الأميركية والخليجية على طهران والحزب، في ظل مراهنة ترامب على تأثيرها على الاقتصاد الإيراني، ومن دلالاته التراجع الكبير لسعر صرف العملة، وانسحاب شركات أوروبية تجارية ونفطية وصناعية من السوق الإيراني، كانت عززت وجودها بعد الاتفاق النووي. فدول أوروبا على رغم خلافها مع ترامب، أبلغت شركاتها عجزها عن حمايتها. والعقوبات تستهدف مسارب التهرب من الحصار عبر دول المنطقة في الخليج والعراق ولبنان وسورية، والأخيرة بات اقتصادها مربوطاً بطهران، يصيبها ما يستهدف «استثمارات» الأخيرة فيها.

تقف طهران بين حد مقاومة الضغوط بالانفتاح على أوروبا، تمهيداً للتفاوض مثل بيونغ يانغ، وحد تفجير المواجهة العسكرية والأمنية مع واشنطن وحلفائها العرب.

الحياة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

دولة إبادة، وليس نظام دكتاتوري/ ياسين الحاج صالح

  في القول إن نظام الأسديين في سورية دكتاتوري خطأٌ كبير، بل هو أمّ أخطاء ...