الرئيسية / صفحات الثقافة / هموم الكتابة/ منهل السراج

هموم الكتابة/ منهل السراج

 

ليست الكلمات أو أسلوب الكتابة أو ما يبدر منا هو فقط ما يعبر عنا، إنما ما يصل إلينا وما يصل منا إلى غيرنا. وهذا ما يمكن تسميته بظروف الكتابة. هذه الظروف هي التي تحدد رسالة الكاتب، إذا جاز تعبير “رسالة”، لذا يؤمل دائما بتقدير القارئ.

أما ما يسمى في الوسط السياسي والثقافي والاجتماعي ب “الموقف” فإنه استسهال وإطلاق اصطفافي غير حضاري. لكن في الوقت نفسه لا يمكن الاستمرار في إنكار هذه الاصطفافات كي لا نمعن في واقع التحيز والتصنيف.

يبقى أن تعثر الكتابة بالعربية على إدراك أساس، تنجح فيه باعتبار كل ما سبق، بما فيه ثقافة الشعوب، غرائزها ودياناتها، فقرها وتأخرها، هوياتها الحاضرة والماضية.

لم نقرأ بعد اعترافات ولم نقرأ مراجعات. ربما لم يحن وقتها. لكن أيضاً لا يبشر الوضع بتمهيد لهذا. المراجعة أمر نحتاجه كي نحدد أحجامنا وعلاقاتنا، كي ندرك وسع الثقافة ومداها.

والظروف في الوسط الثقافي العربي أو الشرقي، لا تتبع قيمة الكتابة كموهبة جيدة أو متوسطة أو ضعيفة، إنما، ولعل لا يعرف الكثيرون هذا، إنها تتعلق بظروف الكاتب نفسه، وشروط عمله وربما سلوكياته الحياتية الخاصة والعامة، وربما يأتي أمر تفكيره وإبداعه في آخر اهتمامات هذه الظروف.

وإن ظروف الكتابة الميسرة أو الظروف المعقدة، لا تعنون نجاح الكاتب أو قلة نجاحه، على المتلقي أن يعرف هذا، وعلى الكاتب ألا يأخذ هذه التفاوتات في الفرص والظروف كمشكلة شخصية، إن مقدرة الكاتب على هذا الحياد هي موهبة مطلوبة.

أن تكون جزءاً من جماعة بعرف أوضاع بلادنا أن تغزو وقت تغزو وأن تشعر بالانتصار وقت تنتصر، هذا لا ترتكبه الكتابة، ولا تشعر بالانتصار، وليس لديها استعداد للغزو ما دام الإنسان لا يقبل أن يملك إلا نفسه وموهبة التعبير.

لكن يبدو أن الكثيرين مضوا في تشكيل أمكنتهم عبر إزاحة آخرين بسلوك يومي سياسي مصلحي، يخدم فكرة التسلط ولا يؤسس لمستقبل وحضارة إنسان، إنه يمنحهم إحساساً مؤقتاً بأنهم ليسوا الأسوأ أو الأقل، إذا تغاضينا عن أمر المنافع المادية.

الفكرة هي لماذا لا يؤخذ النص بما هو عليه أو بما هو عليه عند القارئ بما في ذلك كاتب النص، هوية ونشأة وتطوراً. لماذا يجب على الكاتب أن يصنف ابن منطقة أخرى أو ابن جماعة أخرى، المعنى أن قيمة الكتابة تأتي من اهتمام القارئ بالنص وبكاتبه. هنا يُنشَد القارئ المثقف الراغب أو القارئ حر الذائقة.

القضية أن الثقافة بحد ذاتها رحمة، أما ضراوة اليومي في بلادنا وإبهامه، لا علاقة له بالثقافة، ويجب على المواطن أن يعي هذا.

أن تكتب وترمي، امر ليس مسراً حين تجد أثر الكلمة رفضاً أو تجاهلاً أو تحميلاً بكل ما هو ضدها.

أن تكون حذراً وكافياً أمر غير ممكن، كذلك أن تكتب وترمي متجاهلاً التطبيق أو معتبراً أنه آثام آخرين، لا يعتبر شجاعة ولا رسالة ثقافة، إنه أقرب إلى مغامرات الفاتحين، وباعتقادي أن يجب على العالم التعالي على هذه الفوضى، وهذا النوع من النشاط والتبادل.

نكتب بالعربية، وشعوبنا محكومة بعقل مخالف للثقافة، محب للتسلط ماهر بسياسة اليومي وتمرير الحال. قابل أن يعيد الأزمة نفسها لسنوات ويكرر الحلول ذاتها، متجاهلاً تغيرات الوعي عند الناس. وهو جاهل بتنوع الناس واستعداداتهم.

ومن كثرة الأخبار وشدتها، يتراكم يأس من جدوى المحاولة، كأن العلاقات انقطعت نهائياً، فكيف يبقى هناك مشاعر كالتفاؤل أو انتظار تغيير مناسب.

لم نكن في السابق كثيري الإلحاح في هذا المجال، بسبب همود اجتماعي وسياسي عام، لكن كان يوجد بعض براءة وبعض تفاؤل، وربما بعض رضا. لكن هذه السنوات الحربية، سحبت هذا، في الوقت الذي يكافح الانسان يومياً ضد مشاعر السخط.

يبدو أن السلطات في بلاد الشرق، لا تتقن إلا ممارسات الكبر على شعوبها، قصف، تهجير، أو دفع الشعوب إلى هذا، عبر من يعارضون السلطات الحاكمة. فإذا كان في هذا إعداد الشعوب، فإن الثقافة تطلب أنظمة أكثر ذكاء من مباريات الحروب واستخدام الشعوب. وتلقين الدروس.

موهبة القيادة، لا تحتاج شعباً مثقفاً وجاهزاً، إنها تفرض قوانينها بالراحة، حتى على مجاور أكثر مالاً وألمع وجهاً.

ولعل الكتابة تتحلى بهذا الهدوء، وبتواصل لا انتشار فيه ولا فوضى، لأن الثقافة لا تريد أن تقود، إنها لا تريد، هي تُحدث تأثيراً، كأن تنجح في تنبيه الانسان بمفردة الكتابة لا بقوّات غيرها.

ليس معنى هذا أن الثقافة تنفر من التجربة، لكن للإنسان كل الحق أن يرفض التبعية، مهما شهد سباقاً وتهافتاً وتجريباً في الوسط الفاعل، كذلك مهما كان التلقي بطيئاً.

لم يهدأ النشاط العسكري والسياسي وما سمي بالثقافي، خلال هذه السنوات الأخيرة، بل كان يتكيف مع واقع التعذيب اليومي، كأنه يملأ فراغاته ويجعله أكثر تماسكاً، لم يقرأ محاولة مبدعة، تجعل الواقع يتغير أو يتهلهل مثلاً، كأن تسحب منه أسبابه، تجاوب الخطاب الذي امتلك المنابر كان تحفيزاً لنزعات الحرب، وأشير هنا إلى الواقع السوري، وربما أيضاً الخطاب الممنوع لعب دوراً مشابهاً، هذا لا نعرفه. ولن نعرفه إن لم يبادر الجميع بتدوين تجاربهم، بهدوء، كما ينبغي للثقافة أن تكون.

موقع الأوان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...