الرئيسية / صفحات سورية / هيئة التنسيق الوطنية و اللاءات المعكوسة

هيئة التنسيق الوطنية و اللاءات المعكوسة


عماد دلا

بدايةً , نود الإشارة إلى أن البحث في شعار مؤتمر هيئة التنسيق الوطنية الذي عقد في دمشق بتاريخ 17.09.2011 بلاءاته الثلاث وكذلك ببيانه الختامي لا يعتبر بحثا سطحيا معني بالشكليات والقشور _ كما قد يحلو للبعض وصف ذلك _ بل ينطلق من حقيقة دلالة الشكل للمضمون وهي حقيقة لا يمكن لأحد إنكارها .

” لا للتدخل الخارجي , لا للطائفية , لا للعنف ” هذا هو شعار المؤتمر وهذه هي لاءاته الثلاث , وهي بمجملها تنم عن حالة من السلبية لا تنسجم مع الفعل الثوري الذي قالت الهيئة في بيانها الختامي أنها جزء منها وفي قلبها , فهذه ” اللا ” تعني عدم قبول الفعل , وعدم الرضا عن الفعل ورفضه يأتي في سياق رد الفعل أو الفعل السلبي , في حين أن الأداء الثوري يُبنى على الفعل الايجابي السبّاق الجريء الشجاع والمغامر أحيانا , فشعارات من قبيل (معا لتحقيق أهداف الثورة _ أو _ معا في ثورة الحرية والكرامة ….. الخ ) كلها شعارات كان من الممكن أن توحي _ولو شكلا _ بأن الهيئة في قلب الثورة كما أدعت , فشعار أي مؤتمر يمثل الثورة أو يدعمها يجب أن يتضمن معنى الفعل الايجابي ليكون منسجما مع مفهوم ” الثورة ” القائم على الفعل والمبادرة , لا على ردة الفعل وسلبية الأداء .

وإذا اعتبرنا أن شعار المؤتمر جاء شفافا وصادقا ومنسجما مع حقيقة قوى الهيئة , فهذا لا يمنعنا من مناقشة ترتيب هذه اللاءات الثلاث , والتي أراها قد جاءت معكوسة تماما , ف ” لا للعنف ” التي أتت في أخر اللاءات كان يجب أن تكون أولها , نظرا لكون العنف المفرط الهمجي الذي يرتكبه نظام العصابات بحق الشعب المسالم الأعزل هو حالة قائمة منذ ستة أشهر , في حين أن الطائفية ليست حالة قائمة فعليا ولا تشكل معاناة يومية للشعب الثائر , هي حالة يمكن وصفها بأنها قيد التشكل , يعمل نظام العصابات بكل قواه على إحداثها وجعلها واقعا ويتصارع في ذلك مع القوى الثورية الداعية للوحدة الوطنية التي ما زالت حتى الآن تمعن في هزيمته وخيبته وإفشاله في تحقيق مشروعه الداعي لتفتيت المجتمع وتقسيمه طائفيا

أما ” لا للتدخل الخارجي ” فمكانها الطبيعي في ذيل قائمة اللاءات , من حيث أن التدخل الخارجي ليس واقعا قائما, كما أنه ليس مشروعا قيد الانجاز وليس هناك من جهة تتبنى هذا المشروع , فهو ما زال حتى الآن محض أقاويل ومناشدات و ربما عند البعض رغبات ليس إلا . وعدا عن الترتيب المريب لهذه اللا ” لا للتدخل الخارجي ” حيث أتت في غير مكانها في أول اللاءات , فإن هذه اللا جاءت منسجمة ومتوافقة مع خطاب نظام العصابات , لا من حيث كون نظام العصابات يرفض التدخل الخارجي ( عمليا نظام العصابات هو من يدعو للتدخل الخارجي من خلال سلوكه وأفعاله , حتى ولو ادعى عكس ذلك ) , بل من حيث طرح التعابير والمصطلحات الغامضة المبهمة الضبابية القابلة لقراءات متعددة ” وهذه صفة ملازمة لخطاب نظام العصابات منذ نشأته ” …. فتعبير ” تدخل خارجي ” تعبير عام وغامض وقابل لكل القراءات بما فيها القراءات المتناقضة , فقد تفسر مبادرة الجامعة العربية على أنها تدخل خارجي وكذلك محكمة الجنايات الدولية ومنظمات الإغاثة ومنظمة العفو الدولية و الأمم المتحدة والمؤتمر الإسلامي والفاتيكان ووسائل الإعلام ……. الخ , وحتى كلامي هذا يمكن أن يعتبر تدخل خارجي باعتباري مقيم خارج المعتقل , و أنا حقيقة لا افهم ما هو السر وراء هكذا تعابير غامضة من قوى تدعي أنها في قلب الثورة , ومعروف أن الثورة هي حالة تجلي وصدق و وضوح وفرز ونصوع …. ” وقطعا للطريق على الاتهامات المتوقعة نقول _ الوضوح الصادق الناصع شيء و التطرف شيء آخر “

وإذا تركنا سلبية شعار المؤتمر و لاءاته المعكوسة و انتقلنا إلى بيانه الختامي فلن نجد في جميل وصفه إلا أن نقول أنه , متواضع , مكرر , غامض , مثير للتساؤلات وللجدل , وهي كلها لا تليق بمؤتمر لقوى تدعي تجسيد الثورة بمشروع سياسي وطني شامل , ولا تليق أيضا بقوى تعتبر هذا المؤتمر وبيانه الختامي أسس لتوحيد وجمع كافة السوريين في جبهة واحدة

بعد مقدمة البيان الختامي الذي وضع شباب الثورة و تنسيقيات الحراك الشعبي في ذيل قائمة الحضور (وهذه شفافية نقدّرها للمؤتمرين ول لجنة صياغة البيان الختامي ) , أفتتح المؤتمر بالنشيد الوطني العربي السوري وبالنشيد العربي السوري اختتم المؤتمر أعماله , يبدو للوهلة الأولى أن هذا الكلام طبيعي وليس عليه أي خلاف , إلا أن التأكيد على أنه نشيد ” عربي سوري ” بعد وصفه ” بالوطني ” في الافتتاح و إسقاط كلمة ” وطني ” في الختام هو تأكيد غير مبرر, وغير موفق لا بالزمان ولا بالمكان , سيما وأن نظام البعث نفسه غالبا ما يصف هذا النشيد بوسائله الإخبارية ب ” النشيد الوطني ” فقط . … أنا لا أفهم ما هي الحكمة في استحضار القضايا الخلافية المحتملة من المستقبل إلى الحاضر , بل و وضعها على طاولة مؤتمر من المفترض أنه معني بوضع حلول لمشاكل الحاضر , وللأمانة فإن هذه الحكمة كانت موجودة في معظم مؤتمرات المعارضة والتي بدل أن تضع مشاريع وخطط وبرامج واستراتيجيات لدعم الثورة ونجاحها والعمل على إيجاد حلول للقضايا الضرورية الملحة , نجدهم يستحضرون القضايا الخلافية المحتملة من المستقبل إلى الحاضر و يزيدون بالطينة بلة , وهنا أدعو كل المؤتمرين في المؤتمرات واللقاءات القادمة _والتي يبدو أنها مستمرة ولن تتوقف _ إلى ترك القضايا الدستورية إلى وقتها , فأسم الدولة سورياً كان أم عربياً أم كردياً أم أرامياً , وعلم الدولة أي كانت ألوانه ونجومه وأقماره وقياساته ….و …..و………. كلها قضايا دستورية يقرها الدستور , ولا تقر في مؤتمر أو ملتقى أو منتدى , سيقرها الدستور الجديد الذي سيقره الشعب في استفتاء عام

حاولت الهيئة في التوصية رقم ” صفر ” من توصيات المؤتمر أن تجد مكانها في الثورة السورية , لكنها فشلت في تحديده رغم كل الجهد اللغوي المبذول , “فهي جزء من الثورة الشعبية وفي قلبها” وبنفس الوقت تستخدم لغة خطاب باعتبارها ” أي الثورة ” آخر … وتقر الهيئة مشكورة بأن للثورة مطالب مشروعة , ورغم تحفظنا على تعبير ” مطالب ” الذي يبدو أنه تعبير إصلاحي أكثر مما هو ثوري , باعتبار أن كل الأدبيات الثورية في التاريخ تقول “بأهداف الثورة ” وهي غالبا ما تكون صريحة واضحة وجلية , أقول رغم التحفظ فإن هذه العبارة ” اقتباس _ هذه الثورة بما تحمله من مطالب مشروعة ” تحمل في طياتها إدعاء بأن هناك مطالب غير مشروعة للثورة , وعلى الهيئة أن توضح لنا تلك المطالب غير المشروعة , حيث كان من السهل أن تقول ” هذه الثورة بمطالبها المشروعة ” … أرجوكم هذه ليست شكليات , إنها ” ال ” التعريف التي تذهب معها معظم أراضي الوطن , ولن نسمح هنا أن تذهب قطرة دم واحدة ولو أتيتم بكل جهابذة اللغة .

ورد في التوصية رقم “2” من البيان الختامي ” لا مستقبل لشعب لا يصونه جيشه ” , وأنا أحمد الله لكون هذه الحتمية جاءت من بشر يتقنون الخطأ وفن إطلاق الأحكام أكثر مما يمتلكون من الحكمة والمعرفة , بالله عليكم , ماذا ستقولون لشعوب قائمة طويلة من الدول التي لا تمتلك جيوش , ولشعوب قائمة أطول من الدول جيوشها شكلية و رمزية وغير قادرة على استباحة المدن والقرى وممارسة أعمال القتل والنهب والتدمير والتهجير ….. سادتي الأفاضل , مستقبلنا سيضمنه دستور عصري , سيضمنه سيادة القانون , سيضمنه برلمان حر منتخب , سيضمنه استقلال القضاء ونزاهته , ستضمنه الرقابة المجتمعية والنقابات الحرة … ستضمنه الحرية , تلك الحرية التي نذبح من أجلها اليوم في ثورة الحرية والكرامة المجيدة …. أما الجيش فعليه صون تراب الوطن وصون حدوده , وقبل ذلك عليه تعلّم صيانة تلك الخردة العسكرية التي دفعنا من عرقنا و دمنا وحليب أطفالنا مليارات الدولارات ثمن لها و رواتب للقائمين عليها والذين يتفننون اليوم بأعمال القتل بدءً بالأطفال الأبرياء وليس انتهاء بحمير الوطن ,فلا نعلم ماذا لديهم بعد …. أما إذا كان المقصود من تضمين البيان الختامي مناشدة للجيش , فقد كان من الأفضل برأيي مناشدة الجيش ببيان خاص منفصل وليس ببيان ختامي ينظر إليه باعتباره بيان تأسيسي لمشروع وطني شامل

” يحفّز المؤتمر الحراك الشعبي على ابتكار أشكال من النضال السلمي تحافظ عليه وتمكنه من تحقيق أهدافه ” هذا ما ورد في التوصية رقم “5” من البيان الختامي … وهذا التحفيز هو لا شك دعوة ايجابية , لكن السؤال هو , إذا كانت مسؤولية الابتكار والإبداع والخلق والتفكير تقع على عاتق الحراك الشعبي , فهل لنا أن نعرف ما هو دور القيادات السياسية ؟ … هل دورها الطلب من بائع الفول والخضرجي وصاحب البسطة وعامل الباطون وسائق التكسي والفلاح والعامل …. الخ أن يبتكر ويبدع أشكال للنضال السلمي وهل هو المعني بوضع الاستراتيجيات والتكتيكات والأساليب لاستمرار الثورة و نجاحها , وإذا كان الحال كذلك , وهو كذلك , فماذا بقي للقيادات السياسية من دور ؟ … هل دورها ينحصر فقط في عملية التفاوض ؟ يبدو لي حتى الآن ليس أكثر من ذلك , ويبدو لي أيضا أن من أشعل الثورة ومن يستطيع إبداع وابتكار أساليب لاستمرارها ونجاحها ,هو بالتأكيد أقدر على إدارة التفاوض و أقدر على التمسك بأهداف الثورة وبحقوق شعبنا العظيم الذي ينتزعها اليوم بالدم .

أخيرا , أرجو أن لا ينظر إلى قراءتي هذه باعتبارها نقد بقصد التشكيك أو حتى الإساءة , إنما هي قراءة نقدية بهدف الإشارة لأخطاء وعثرات حدثت وتتطلب التصويب والمراجعة , و على القوى السياسية إذا كانت ترغب بتصدر المشهد السياسي و تحمل مسؤولياتها التاريخية تجاه الوطن والشعب أن تقوم بقراءة جديدة للواقع السوري بكل جوانبه وحيثياته وتطرح رؤية جديدة منسجمة ومتناغمة مع معطياته و مستجداته , حيث أن ما خرج به المؤتمر لا يختلف كثيرا عما كانت تطرحه هذه القوى قبل احد عشر عاما في بداية حكم الوريث الابن , والذي يقع بمجمله في دائرة المناشدات والبيانات والإدانات التي أثبتت فشلها مرارا , و لم يرتقي إلى مستوى العمل السياسي البرامجي الفاعل المنظم القادر على تطوير أدائه ليساير على الأقل الحراك الثوري الشعبي إن لم نقل لقيادته .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...