صفحات العالم

شهادات تستحق المراجعة: سوريا هي الهدف

 

سليم سالم

من الحقائق السياسية المتفق عليها لدى كبار المراقبين والسياسيين والصحافيين في العالم أن سياسات الدول الكبرى لا تتغير بتغير النظام أو الحزب الحاكم، لأن تلك السياسات تبنى على ما يعتبره الخبراء مصلحة قومية يجب ألا تتغير بتغير الأشخاص أو الأحزاب الحاكمة. فروسيا السوفياتية مثلا التي كانت ترمي إلى تثبيت حضورها الدولي بتوسيع حدودها في أوروبا ونفوذها في الشرق، لا تختلف عن روسيا ما بعد الشيوعية، فبوتين لم يغير سوى في الأساليب وتبديل الاولويات. الأمر نفسه في بريطانيا، فهي نفسها من حيث الحفاظ على مصالحها وتأمين الموارد والمواد الأولية لصناعاتها لإبقاء الدورة الاقتصادية فاعلة لتأمين مصالحها، وبريطانيا براون وهيغ لا تختلف كثيرا عن بريطانيا تشرتشل وانطوني ايدن، ولا عن بريطانيا اليزابيث الاولى وعهد بالمرستون. الاهداف الاستراتيجية البعيدة ثابتة، أما التكتيك فيتغير.

في مرحلة الحرب العالمية الثانية برز دور الولايات المتحدة الاميركية كدولة «محبة للسلام» لكن كبار الساسة فيها سرعان ما أدركوا حقيقة الصراع الاقتصادي في العالم، وان القوة العسكرية هي السبيل إلى تأمين التفوق الاقتصادي هذا وبسرعة كبيرة انخرطت أميركا في الصراع الدولي.

الحرب المباشرة ضد منطقة «الشرق الاوسط» بدأت في ايران حين لوّحت أميركا لصدام حسين بغزو ايران ما بعد الشاه وذلك بعد فشل عملية الإنزال العسكري الاميركي هناك. ثم جاءت عملية غزو الكويت والكل يتذكر دور السفيرة الاميركية في بغداد ـ غلاسبي ـ التي اعترفت رسمياً حين استجوابها في الكونغرس بقيامها بدور طُلب منها، مُغرية صدام حسين بغزو الكويت الذي تبيّن منه في ما بعد أنه كان لتمهيد الطريق أمام إقامة قواعد عسكرية في منطقة الخليج ثم ضرب العراق كبلد نام يحاول أن يجد له مكاناً في حلبة الصراع على النفوذ والموارد.

نتذكر جميعاً لجنة التحقيق الدولية التي قال رئيسها ان لا أدلة على وجود أسلحة دمار شامل في العراق، ولكن الذين يقفون وراء المشاريع العدوانية كانوا يصرّون على وجود أسلحة الدمار الشامل، فكان ما كان من احتلال أميركا للعراق في العام 2003. ولكن هل كان احتلال العراق هو الهدف الأخير للحملة الاميركية على منطقة الشرق الاوسط؟ كل الدلائل تنفي ذلك.

في 14 شباط 2005 اغتيل رئيس الوزراء رفيق الحريري في بيروت فجاء الحادث محملا باتهام الأمن السوري حسب فريق التحقيق المشكل بقرار من مجلس الامن الدولي، وقد أتاح هذا الاتهام لأميركا، مدعومة من فرنسا وبريطانيا، تمرير قرار مجلس الامن الذي طالب سوريا باعتقال واستجواب كل المشتبه بهم من قادة الأمن السوري وإلا فمواجهة العقوبات الاقتصادية والسياسية. ولأن من بين المشتبه بهم ـ ماهر الأسد ـ أخ الرئيس بشار، وآصف شوكت ـ صهره ـ فقد وجد الرئيس السوري نفسه في موقف محرج وصعب جدا لكنه في الأخير رضخ وسمح لخمسة من كبار الرسميين السوريين أن يتم استجوابهم في فيينا؟

في 28 تشرين الثاني 2005 ـ بعد اغتيال الحريري بثمانية أشهر تقريبا ـ كتب شارلز غلاس في صحيفة ذي ناشن ـ The Nation تحت عنوان «من بيروت إلى دمشق» يقول: «من الواضح ان سوريا سيكون دورها في المرحلة التالية بعد العراق في المعركة الاميركية / الاسرائيلية من أجل الشرق الاوسط الجديد».

وفي شباط 2006 كتبت «راشيل مارشال» في مجلة «واشنطن ريبورت» مقالة عنوانها «هل ستكون سوريا هي الهدف التالي بعد العراق!» استعرضت فيها التطورات وتصريحات كبار المسؤولين في الادارة الاميركية وتوصلت الى استنتاج أن الحرب الاميركية المقبلة ستكون في سوريا ولكن بدون الجيش الاميركي.

وقالت راشيل ايضا ان إدارة بوش واجهت الفشل في العراق وفي الداخل الاميركي وان الحل الأقرب لدى الادارة الاميركية سيكون بتحويل الاهتمام الشعبي إلى مغامرة جديدة في سوريا.

ويعبر شارلز غلاس ـ وهو كبير مراسلي ABC نيوز في «الشرق الاوسط» ـ عن اعتقاده ان الادارة الاميركية تميل كثيرا إلى ضرورة إضعاف سوريا لأنها تراها تهديدا محتملا لإسرائيل. ويشاركه في هذا الاعتقاد المبني على مؤشرات واضحة وكثيرة، العضو السابق في مجلس الامن القومي التابع لكوندليسا رايس «فلينت ليفريت»، وهو اليوم بعمل في معهد بروكنغز للدراسات.

وتقول «واشنطن ريبورت» ايضا ان كل المساعدات التي قدمتها المخابرات السورية لوكالة سي. آي. إيه في تعقب ومطاردة رجال القاعدة، وكل جهودها في منع المقاتلين الأجانب من عبور حدودها للقتال في العراق… لم يمنع أميركا من اتهام حكومة الأسد بإيواء الإرهابيين.

سوريا هي الهدف، ليس بشار الأسد نفسه ولا نظامه بل سوريا بكل ما تعنيه في منطقة «الشرق الاوسط» وفي العالم العربي خاصة.

السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى